التاريخ الاجتماعي العربي من خلال

التاريخ الاجتماعي العربي من خلال الحركات والآراء الإصلاحية الحديثة والمعاصرة علي حسين مفتاح * مقدمة : إن جوهر التاريخ .. هو التاريخ الاجتماعي الذي يختص بأنماط المجتمعات الإنساينة إذ أن الحياة الاجتماعية لشعب من الشعوب هي النافذة والمدخل للتعرف والاطلاع والدراسة للظروف المعيشية لأي من المجتمعات البشرية . والتاريخ الاجتماعي العربي الحيدث والمعاصر موضوع هذا البحث تتمثل فيه حالة الصراع الحضاري الطويل الممتد عبر قرون تخللها صراع وتحديات فرضت علي الأمة العربية إلا أنها خرجت منها دون أن تفني أو تمسخ هويتها الحضارية أو تطمس معالمها الثقافية والقومية في عصور الظلم والقهر والاستبداد تلك التي حكم خلالها حكام وسلاطين وملوك ( غير عرب ) .. حيث كانت نظم حكمهم وإدارتهم مختلفة عن تقاليد وعقائد العرب وجوهر الدين الإسلامي الذي تدين به أمة العرب .. ظهرت الآراء والحركات الإصلاحية والتنويرية التي قادت المجتمعات والشعوب العربية إلي طريق الخلاص من التبعية السياسية والاقتصادية ذات الآثار السلبية علي الحياة الاجتماعية السائدة في تلك المجتمعات ومن خلال التعرف علي معالم المجتمع العربي والوقوف علي الجانب الاجتماعي في تلك الحركات الإصلاحية والآراء التنويرية التي نشطت آنذاك يمكن الوقوف علي معالم التاريخ الاجتماعي العربي الحديث والمعاصر . معالم المجتمع العربي قبل إتصاله بالحضارة الحديثة : عاش الوطن العربي في عزلة تامة عن العالم وعلي الأخص في الفترة التي سبقت دخول العرب إلي الحضارة الحديثة والمعاصرة في فترة منتصف القرن التاسع عشر وذلك للأسباب التالية : ( العزلة المكانية ) والتي صاحبتها ( عزلة فكرية ) انعكست علي نفسية الفرد العربي فقد عاش ذلك الفرد في محيط ضيق فرض عليه نوعاً من الكآبة والقناعة وعدم الرغبة في أي تجدي أو تغيير فقد خضع الفرد العربي قبل أن يدخل إلي مسرح الحضارة الحديثة لظروف شاذة جعلت منه كمية مهملة وقد ساعد علي وجود هذا اللون من السلوك غير الطبيعي سيطرة النفوذ الأجنبي خلال فترة الحكم العثماني الذي شجع هو الآخر كل ما من شأنه نشر التأخر فكراً وواقعاً حتي يحتفظ بولاء الملايين من العرب للسلطة العثمانية يقول السيد فولني Volney بعد أن وصل مصر واقام بها وبالشام نحو أربع سنوات ( إن الجهل في هذه البلاد عام وشامل مثلها في ذلك مثل سائر البلاد التركية ويشمل الجهل كل طبقاتها ويتجلي في كل جوانبها الثقافية من أدب وعلم وفن ، والصناعات فيها في أبسط حالاتها حتي إذا فسدت ساعتك لم تجد من يصلحها إلا أن يكون أجنبياً (1) . (العزلة الزمانية ) بمعني أن الإنسان العربي في تلك الفترة كان قليل الحاجات بعيداً عن شئ اسمه الطموح أو التقدم فأهم ما كان يحتاجه قليل من المعرفة تساعده في إشباع حاجاته القصيرة الأجل والقليلة فمبادئ القراءة والكتابة والعملياتالحسابية البسيطة هي كل ما كان يحتاجه وإذا ما خرج الإنسان العربي علي هذه الحدود البسيطة فإنه يعد خارجاً علي تقاليد مجتمعه .. فقد اختلت مقاييس النجاح وأخذ المجتمع يرسم الخط بين النجاح في العمل وبين القناعة وهدوء البال وراحة النفس أي أنه قد نشأ احتقار عظيم لمن يستغل ذكاءه وقابليته في سبيل تحسين ما يكسبه مادياًَ وما يمثله من مركز اجتماعي ووصف هذا اللون من السلوك بأنه جشع ومحاولة للسيطرة علي أكبر نصيب من الحياة الدنيا .. فالإنسان القانع بالحياة البسيطة آنذاك هو الإنسان المثالي العاقل .. والجيل التقليدي في الوطن العربي لم يفهم حقيقة وجوده إلا من خلال القضاء والقدر .. فقد تصور الإنسان العربي نفسه قبل أن يلج باب حضارة القرن العشرين بأنه كائن لا قيمة له بالنسبة لما يحيط به من ظواهر طبيعية وبذلك فقد الفرد في الوطن العربي أبرز مميزات الإنسان إلا وهي بناء طبيعة اجتماعية يعد فيها إنساناً واعياً .. إذ خضع الإنسان يومها لنوع من الحياة الجبرية القاسية ساعد علي استمرار ذلك الحياة الرتيبة التي كانت سائدة .. وقد يتضح مجال الاختلاف بين الفكر العربي وواقعه من جهة وبين الفكر الاوربي وواقعه من جهة أخري فيما ظهر من تباين بين الشرق العربي وبين الغرب الاوروبي في أول صدام للشرق والغرب منذ الحروب الصليبية عندما غزا (نابليون) مصر حيث حدث الصدام الحضاري الذي نجم عنه النفور من الأوروبيين كما تميز السلوك الفردي والجماعي لدي أبناء الأمة العربية بتردد ممزوج بالخوف والرهبة والشك تجاه كل ما هو جديد ( ولم يكن الجمود العلمي والفكري مقتصرين علي تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلي غربه مصاباً بالجدب العلمي وشبه الشلل الفكري فقد أخذه الإعياء والفتور واستولي عليه النعاس ومات فيه النشاط والتوليد والابتكار في الدين والعلم والأدب والشعر والحكمة وسيطر الخمول والتقليد والمحاكاة (2) . ( قلة الحاجات في المجتمع العربي ) .. إذ تمثل الحاجات الجديدة المحرك الرئيسي للفرد وللجماعة وتنقسم إلي حاجات (أساسية) تمثلت بأهمية الإشباع الضروري للجسم الإنساني وحاجات (كمالية) وهي القوة الدافعة للفكر والسلوك الإنسانيين والحضارة بشكل خاص هي حاجة من الحاجات الكمالية بالنسبة للفرد وقد تصبح ملحة عندما يعم الأمر المجموع وتبدأ بالتفاعل مع التاريخ فالحضارة في واقعها عملية معقدة تبدأ في الظهور علي مسرح الحياة الفكرية بعد أن يقطع المجتمع طريقاً طويلاً من الفهم والتجربة والخبرة وبعد أن يرتفع فوق الحاجات الضرورية التي لا يعكس إشباعها سوي راحة نفسية مؤقتة .. والفرد العربي في تلك الحقبة من التاريخ تميز بقلة الحاجات وحتي الضروريةمنها . بحيث انقلب الكسل الجسمي إلي استرخاء عقلي وإلي بطء في التفكير وحذر في العلاقات الاجتماعية . وانتقلت تلك المصاعب الناجمة عن البطء والبلادة في إشباع الحاجات الضرورية إلي فراغ نفسي كبير تدور فيه أفكار تتعلق بالجوع والقناعة والحسد والحذر والنقد والريبة والشك .. ( وعاش العالم الإسلامي في عزلة سياسية وعلمية مخيفة فلا صلة بينه وبين شعوب الأرض إلا من خلال المشاكل السياسية فركنت بذلك حياته العلمية وانتهت إلي ترديد كتب وعبارات الأقدمين والمجتهد هو من يفهمها )(3) . نوع الحياة التي يحياها الفرد العربي ، فالزراعة حياته ومصدر رزقه وثروته الرئيسية ، الأرض التي تعتمد علي المناخ وتقلبات الجو .. وهي امور غير مأمونة ويصعب السيطرة عليها .. لذلك نشأ الفرد العربي تحت رحمة ما يسمي بالطبيعة وهناك واقع فكري يري أن الطبيعة والفرد الإنساني يعيشان وفق قوانين تحكم التوازن بينهما .. فإذا قل السكان عم الخصب ووفر المحصول ، وعند زيادة الكثافة السكانية وتصاحبها مع الجفاف وقلة الحاصلات فإن ذلك يؤدي إلي صعوبة تجهيز أو توفير الغذاء للعدد الوفير من السكان .. وربما يؤدي ذلك أيضاً إلي حدوث المجاعات وانتشار المرض وتفشي الموت ، ليعود التوازن بين الإنسان والطبيعة .. وهذه النظرة أكد عليها علماء الإنثروبولوجيا ( علماء الإنسان ) في تفسير بساطة الأدوات المستخدمة في فلاحة الأرض وتلك النظم العفوية المتبعة في معيشة السكان في المجتمعات المتخلفة والتي تهدف للمحافظة علي التوازن بين الإنسان والطبيعة ، وبناء علي ذلك فقد تعرض البناء الحضاري لبطء شديد في الوطن العربي .. إذ أن الفرق بين المجتمعات التي تستهلك وقتها كله في توفير الحاجات الضرورية ( المجتمعات الزراعية البدائية ) وبين ( مجتمعات العالم الصناعية ) حيث يتم إشباع حاجات الأفراد بأقصر وقت ممكن وبأقل جهد ممكن بحيث يؤدي إلي حصول الفرد في المجتمع الصناعي علي زيادة واضحة من الوقت الفائض لينتفع بها في بناء حضارته وإضافة أبعاد جديدة لما عنده من فكر وتجربة عن طريق الاختراع أو الاكتشاف وقد خضع الإنسان العربي للطبيعة والزراعة بشكل خاص وتلونت حياته بأسلوب العمل في الأرض ولم يبق له وقت للتفكير أو زيادة حصيلته من المعرفة .. وساد المجتمع العربي ركود عقلي رهيب بحيث اقتصرت العلوم علي بعض الجوانب التقليدية .. وأصبح رجل العلم من أفقر أفراد المجتمع واختزلت عملية التعليم وما يتصل بها في نقل العلوم والمعارف علي حلقات هزيلة للدرس عن طريق الإعادة والشرح ، وانزوت الثقافة في دور قليلة ، احتكرتها حفنة من الأسر التي تمكنت من الجمع بين العلم والمال والنفوذ الاجتماعي فقد ندر أن يكون بين عامة الناس من يستطيع أن يكتب ويقرأ وهذا أدي بدوره إلي اعتمادهم علي ذكائهم المحدود وقدرتهم علي الحفظ والذاكرة الامر الذي نتج عنه تأخر بعملية التفكير بوجه عام .. وقد انعكس كل ذلك علي معاملات الناس العادية والتجارية . والاجتماعية فكان البطء ف يالتعامل التجاري وانعدام الثقة في السوق وعدم وجود مصارف يعتمد عليها .. كما أن القضاء لم يكن بأفضل من روابط العرف والتقاليد (4). ( وأصبح العلم مع الزمن احتكاراً لأسر معينة ، وغدت طبقة العلماء طبقة اجتماعية ذتا امتيازات خاصة واتخذت موقفاً صلباً ضد كل تجديد في عالم الفكر فقد قاموا بإدخال المطابع إلي الدولة وطباعة الكتب الدينية الاسمية ولما منح ابراهيم المتفرقة المجري الأصل رخصة لتأمين أول مطبعة في استانبول في النصف الأول من القرن الثامن عشر نصت (الفتوي) علي حقه في طباعة المعاجم والكتب العلمية والتاريخية فقط ) (5) . ظهور النزاعات المحلية والطائفية التي تغذيها الدوافع الإقليمية .. وضعف الشعور القومي كقوة تربط بين أجزاء الوطن العربي وهذا ناجم عن عدة عوامل سلبية تراكمت بفعل عوامل تاريخية ابرزها الخضوع للسيطرة الاجنبية والتي بدورها انتجت عدة سمات تمثلت في : (أ) الإيمان بالأهداف الصغيرة والمتوسطة والتركيز علي الفردية واعتبار الأنانية من ضروب العمل العقلي الناجح والابتعاد عن العمل مع الجماعة في سبيل الجميع وسرعة الحكم علي الأمور بشكل يتراوح بين القبول التام وبين الرفض التام وعدم الاهتمام بالعلم والمنهج العلمي في التعرف علي الظواهر الطبيعية والاجتماعية .. وقد انعكس هذا التناقض والتأخر في المجتمع العربي المدن القائمة إذ خلت معظمها من أبسط مستلزمات الخدمات العامة مثل أجهزة النظافة العامة وخطط إيصال مياه الشرب النقية إلي حيث ينتفع بها عامة الناس وغيرها ، وتقارب البيوت وتكدسها والأزقة الضيقة وانتشار مظاهر الفقر الاجتماعي والاقتصادي لتردي الأوضاع الاقتصادية وظهور الكثير من الخرافات التي سيطرت علي الفكر والحياة في الوطن العربي ، وقد شهد محيط العلاقات الاجتماعية في تلك الفترة الحضارية العديد من مظاهر الركود والتفكك والعبث فقد كان مفهوم التربية قائماً علي السيطرة التامة من قبل الوالدين علي أبنائهم منذ فترة الولادة حتي ساعة الوفاة والخروج عن ذلك يعتبر خروجاً عن القيم والتقاليد مما أدي إلي كبت الكثير من الطاقات لدي الناشئة وحرمانهم كما حرمت المجتمع مع جهدهم .. إضافة إلي نشوء الأفكار الخاطئة عن المشابهة الكلية بين جيل الأبناء وجيل الآباء .. فكلما كان الشبه قريباً بين الابن وابيه كلما زادت قيمة الابن في نظر المجتمع . (ب) تردي المستوي والوعي العلميين ونقص الأيدي العاملة الخبيرة والمدربة وعدم فهم العمل كقوة لبناء المجتمع وعلي الأخص الجوانب التي تحتاج إلي كد متواصل في سبيل نجاح العملية الإنتاجية بمراحلها المختلفة من صناعة وتوزيع واستهلاك بجانب قة مجالات العمل (6) ، ( فالحكومة المصرية مثلاً نراها – إذا ذاك – تخشي تعليم الرياضيات والطبيعة فتستفتي شيخ الأزهر الشيخ محمد الأنبابي ( هل يجوز تعليم المسلمين العلوم الرياضية كالهندسة والحساب والهيئة والطبيعات وتركيب الأجزاء – الكيمياء – وغيرها من سائر المعارف ؟ فيجيب الشيخ في حذر إن ذلك يجوز مع بيان النفع من تعلمها ) : وكأن هذه العلوم لم يكن للمسلمين عهد بها ولم يكونوا من مخترعيها وذوي التفوق فيها (7) ) . أهم الحركات والآراء الإصلاحية الحديثة : نتيجة لوقوع البلاد العربية منذ القرن السادس عشرتحت السيطرة العثمانية التي فرضت عليها نظاماً إدراياً لم يكن بالمستوي الذي يكفل لأهل البلاد الأمن والطمأنينة ساءت أحوالها نتيجة لذلك مما أدي مع إطلالة القرن الثامن عشر إلي ظهور كثير من التيارات الفكرية والسياسية والدينية العازمة إلي تطوير ونهضة المجتمع العربي وإزالة مظاهر الغبن الذي كان يعانيه من جراء ممارسات السلطة العثمانية ومع اختلاف توجهات التيارات الثلاث – الفكرية والسياسية والدينية – غير أنها تمكنت بصورة أو بأخري من إحداث المردود المطلوب في النهضة المجتمعية العربية … بل لا زال بعضها له تأثيره الواضح علي الكيانات السياسية والاجتماعية القائمة حتي يومنا هذا . وبوجه عام .. فالخلافة العثمانية في مرحلة شيخوختها وظهور عوامل الضعف والتدهور في مختلف مجالات الحياة العامة فيها قد أضعف السلاطين والحكام وزاد من تسلط وزراء الدولة وقيادات الجيش الانكشاري عليهم .. والاستبداد بأدوار الدولة وكافة مراكز الخلافة وأقاليمها المتعددة .. كما أدي إلي تفشي الظلم وضاقت موارد الرزق وأهمل العلم وتفشي الجهل وتدهورت الحالة الأمنية وساءت الأحوال وتفشي السلب والنهب وقطع الطريق وتوافرت بالتالي أسباب الخروج عن الخلافة العثمانية .. تلد الدولة (المريضة) التي باتت علي مشارف نهايتها والتي جعلتها تخسر أعظم فرصة تاريخية أتيحت لأمة من الأم في التاريخ الإسلامي الحديث . أ – الدعوة الوهابية ( شبه الجزيرة العربية ) : تسمت هذه الحركة باسم ( الوهابية ) نسبة إلي مؤسسها الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمة الله – وكانت هذه التسمية مطعناً لخصوم الحركة فاتهموها بأنها مذهب خاص أو أنها ترفض المذاهب الأربعة وتعاديها وقد تسمت الحركة الوهابية خلال تاريخها بأسماء كثيرة ( كالموحدين والاخوان والحنابلة ) وفي عصرنا يسمون بـ ( السلفيين )(8) ، تمثلت الظروف المجتمعية التي أدت إلي ظهور دعوة الإصلاح الديني والاجتماعي علي يد ( محمد بن عبدالوهاب ) في أن المجتمع في (نجد) بشبه الجزيرة العربية كان مجتمعاً قبلياً ، فالفرد الذي يستطيع عن طريق القوة وحدها أن يسيطر علي منطقة يصبح أميرها والسيد المطاع فيها ، فقد كان الغزو سبيلاً للاستيلاء وسبيلاً رحباً أيضاً إلي الرزق والثراء ورغم حب أهل (نجد) للتجارة إلا أنه لعوامل فقدان الأمن وانتشار السلب والنهب فقد فقدت التجارة أهميتها ، أما الحالة الدينية قبل ظهور المصلح محمد بن عبد الوهاب فقد أصبح الناس يقدسون الأولياء ويحجون إلي قبورهم ويقدمون لهم النذور ويساشفعون بهم لجلب منفعة أو لدفع ضرر أو شر وقد أصبحت هذه الأمور عقيدة في حياتهم إلي جانب العديد من الخرافات التي أبعدت الناس عن تعاليم الدين الصحيح (9) . ومن مبادئ وأهداف الدعوة الوهبية : الدعوة إلي التوحيد ، حيث نادت بمحاربة الشفاعة المبتدعة ( أي الاستعانة بالاولياء الصالحين ) كما نادت بمنع ما كان يقوم به العامة أثناء زيارة القبور باعتبار أن ذلك من أمور الشرك ونواقص التوحيد وقامت الوهابية بهدم القبور والمشاهد وتسويتها ودعت إلي الجهاد المشروع ضد كل من يقوم بأفعال شركية تتناقض مع دعوة التوحيد معلنة أن من خالفها حل ماله ودمه .. وقد ساهمت الدعوة الوهابية بدور أساسي في قيام الكيان السياسي للمملكة بتوحيد بلاد نجد في عهد الأميرعبدالعزبز بن محمد بن سعود عام 1786 م .. وإنهاء السيادة العثمانية عل يالحجاز .. وهي دعوة سنية سلفية يؤمن أصحابها بمذهب أهل السنة والجماعة ويسيرون علي طريق السلف الصلح ، وهي أول حركة إصلاحية سلفية ف يالعصر الحدي ثوقد مثلت بزوغ وعي عربي في نطاق الإسلام وساعدت في إختفاء الافكار القبلية الضيقة في شبه الجزيرة العربية (10) . (ب) الحركة السنوسية (ليبيا) : أسسها محمد بن علي السنوسي (1787 – 1859 م) وقد واجه بها تحديات الاستعمار الاوربي ممثلاً بإيطاليا في ( ليبيا ) وفرنسا (بالجزائر) وبقايا السلطة العثمانية البالية . وطرح (المرابطة) أي المجاهدون في سبيل الله فكرة ( الزاوية ) وهي نموذج جديد للرباط القديم والتي كانت نموذجاً للمجتمع الجديد والغنسان الذي أراده ومن طرابلس (ليبيا) ساهم السنوسي في ثورات الجزائر ) المقاومة للإستعمار الفرنسي كما أسس العديد من (الزوايا ) لنشر طريقته ودعوته بـ ( ليبيا والحجاز واليمن ) وقد بلغت (188) مائة وثمان وثمانين زاوية شملت ( ليبيا وشبه الجزيرة العربية ومصر والسودان وتونس .. ) تعتبر (الزاوية ) مسسة حكومية نموذجاً للمجتمع الجديد لموعود ففيها المسجد ومنازل لقائدها وللوكيل وللشيخ وبيوت للضيوف وعابري السبيل وللفقراء وللخدم ومخازن للمؤن وإصطبل ومتجر وفرن وسوق وتحيط بهذه المباني العامة المساكن الخاصة بالقبائل التي تقوم الزاوية في منطقتهم وللزاوية أرض زراعية خاصة بها وآبار جوفية وصهاريج لحفظ المياه .. وتزرع جماعياً بلا أجر ومحصولها ينفق علي احتياجات فقرائها وضيوفها ( غذاء وكساء وتعليماً وزواجاً وغيره ) من المتطلبات والاحتياجات وما بقي يذهب إلي مركز الطريقة الرئيسي .. وقائدها (المقدم) هو ممثل شيخ الطريقة فيها ، وقائد قبائلها عند الجهاد .. ووكيلها يشرف علي الزراعة وشئون الإدارة والمال والاقتصاد وشيخاً يتولي تعليم الصغار وعقود الزواج وهناك بجوارهم رؤساء القبائل المجاورة ووجودها يكونون مجلس إدارة الزاوية .. وكان السنوسي قدوة لطائفته في الانخراط بالعمل اليدوي ( زراعة وصناعة حرفي) .. وكان للعمل الجماعي والصناعات الحرفية يومان من كل أسبوع (الخميس والجمعه) خاصان بالتدريب علي الفروسية واستخدام السلام والمران علي فنون الحرب والقتال .. ومن تلك (الزاوية) انطلق الرجال ينشرون الإسلام ويصححون مفاهيمه والقضاء علي العادات والتقاليد والأعراف القريبة من معتقدات الجاهلية .. وبفضل حركة التبشير السنوسية إنتشر الإسلام في إفريقيا بل وساهمت السنوسيسة في قيام ممالك وسلطنات قوية هناك (11) . (ج) الحركة المهدية (السودان) : مؤسسها هو محمد أحمد (المهدي) 1844 – 1885 م وقد اندلعت الثورة المهدية ضد الحكم ( التركي – المصري ) فقد جاءت كانفجار ضد مظالم الحكم التي استشرت بين الأهالي بسبب إحساسهم بثقل الظلم الضريبي إضافة للأساليب الوحشية التي استخدمت في جمع الضرائب – واحتكار الحكومة لكل أسباب التجارة في وقت ألغيت فيه تجارة الرقيق والت ينتج عنها تهديد المجتمع السوداني في حياته الاقتصادية والاجتماعية . وكانت الحياة الفكرية في السودان علي فقرها – يتوزعها ( المتصوفة والفقهاء) فقد كان الفقهاء في الأغلب مرتبطون بالحكومة ووظائفها وعطائهها .. علي حين ظل المتصوفة أو قطاع منهم أقرب للجمهور لأن (طرقهم) إنما تقوم وتنمو وتعيش بقدر ما يجتمع لها من مريدين وأتباع وفي التراث الفكري للصوفية كان هناك مكان ملحوظ لفكرة ( المهدي المنتظر ) الذي سيغيرالعصر ويقضي علي الظلم ويملأ الدنيا عدلاً .. وكان للإعتقاد الديني أثر كبير في تحريك الثورة بين كل الذين آمنوا بالمهدي وقبولهم به كإمام للدعوة وخليفة للرسول . فالثورة المهدية ثورة دينية في إحدي جوانبها قامت من أجل إحياء الدين وإعلاء شأنه ودور المهدي في قيادة الثورة دور كبير خصوصاً بعد أن تحول من مجرد صوفي ينشد الخلاص لنفسه إلي صوفي ينشد الخلاص للناس من براثن الحكم الأجنبي إضافة إلي الاستيلاء العام وانتشار الكراهية والسخط لعدم تطبيق الشريعة الإسلامية والإحساس بضعف نظام الحكم القائم وعجزه عن قمع الثورة . وقد كانت الثورة المهدية ضرورة دينية وقضية وطنية فالإسلام يرفض الاستبداد والظلم لأن حق الشعوب في الحرية ثابت فكان لتدخل الأوروبيين في شئون الحكم وتوليهم المناصب الهامة .. وتعيين حكام مسيحيين أجانب يستخدمون القوة كوسيلة للتفاهم وإصدار الأوامر دوراً هاماً في إثارة السودانيين لتعارض ذلك مع الدين الإسلامي والتقاليد والعرف السائد في مجتمعهم .. وبعد نجاح المهدي في السيطرة علي المدن الرئبسية في السودان .. وضع أسس الدولة ونظام الحكم بها طبقاً للشريعة الإسلامية . وقد أكدت مبادئ وأهداف الثورة المهدية علي أن الدين كله وليس الزهد وحده هو الأساس الذي يربط كل القيم الإنسانية ( وقد قامت الطرق الصوفية بدورها الإيجابي في البداية ونشرت الإسلام في القارة الإفريقية علي نحو أذهل المستعمرين وأقض مضاجعهم . فإن أتباع الطرق الصوفية الإسلامية كانوا ينطوعون للعمل علي نشر الإسلام ويفلحون في ذلك أيما فلاح وذلك عن طريق التعليم الذي يقومون به لأولئك الزنوج الذين كانوا وثنيين فتحولوا بفضل هؤلاء الدعاة إلي مسلمين مخلصين (12) . وفي هذا السياق يمكننا القول إذن بأن الحركات الثلاث (الوهابية والسنوسية والمهدية ) قد جمع بينها قاسم مشترك مثل محوراً لمجمل نشاطاتها ومنطلقاتها وسط جمهورها سواد في بلدانها أو مناطق انتشارها الاخري . ذلك القسم هو أن الدين هو المدخل الطبيعي والوحيد للتطور الاجتماعي والاقتصادي وحتي السياسي ولكل مجالات الحياة لأي مجتمع مسلم بغض النظر عن بعض التفاوت في مفهوم كل واحدة من هذه الدعوات أو الحركات للدين من زوايتها الخاصة . أهم رواد التنوير : أ – رفاعة رافع الطهطاوي : (1801 – 1873) : بعد عودته من فرنسا التي أوقد إليها في عصر محمد علي تكونت ونمت من حوله مدرسة الفكر المصري الحديث وصبت في مجراها كافة المؤسسات التعليمية التي أقامها أو أشرف عليها .. وقد بدأت ثمار فكر هذه المدرسة (ترجمة وتأليفاً وتحقيقاًً ) تعرف طريقها إلي المكتبة العربية بواسطة مطبعة (بولاق) .. وقدم (رفاعة) ومدرسته الفكرية نموذجاً( للمثقف أو رجل الدولة ) الذي مارس كل نشاطاته التنويرية من خلال الدولة وأجهزتها . ومن ثم فقد جاء فكرهذه المدرسة إلي جد كبير تعبيراً عن اتجاهات هذه الحركة التنويرية والتحديثية التي بدأت بالشرق العربي مع قيام الدولة صف العمل الزراعي الحرورجح كفته على حق المكية الزراعية .. وقرر أن العمل هو الذي يعطي قيمة لجميع الأشياء وأن لبتنمية على أساس رأسمالي هي أكثر النظم تقدما للمجتمع – حسب ما كان يراه آنذاك – ودعاكذلك لإنشاء الشركات المساهمة والبنوك ( جمعيات الاقتراضات العمومية ) التي بها – كما قال – تتقدم التجارة والزراعة وترتقي الدولة والملة ..ويعتبر ( رفاعة ) أن الحرية الاقتصادية هي أعظم الحريات التي بطمح إليها المجتمع . غير أنه من جانب آخر تصدى لنمط الحكم المتفرد بالسلطة والاستبداد بمقاليد الأمور . مؤكدا على أهمية الحرية الشخصية إذ لايجبر الإنسان أو ينفى من بلده أو يعاقب فيها بلاحكم شرعي ، ( قانوني ) أسياسي مطابق لأصول مملكته وقسم الحرية إلى : حرية طبيعية تتعلق ب ( الأخلاق ) ، وحرية دينية تتعلق ب ( العقيدة والمذهب ) ، وحرية مدنية تحكم علاقات أعضاء المجتع مع بعضهم وحرية سياسية تنظم علاقة الرعية بالدولة والمحكومين بالحكام .. ويربط ( رفاعة ) الحرية السياسية بأساسها الاقصادي ومظاهرهاالقابونية .. وقد طالب الأزهربأن يضيف إلى علوم الشريعة سائر المعارف البشرية المدنية . ب – الإمام الشيخ محمد عبده ( 1849 – 1905 ) م : يمثل فكر الإمام محمد عبده رؤية إسلامية متجددة يستند بشكل أخص إلى القرآن مفسرا بمقتض ( حالة العصر ) بهدف فهمة من حيث هودين يرشد الناس إلى مافيه سعادتهم في حيا تهم الدنيا وحياتهن بالآخرة .. ومن آرائه : ( إن الجاهلية اليوم أشد من الجاهلية في زمن النبي ) وقرر بأنه لايجوز الاكتفاء بالتفاسير السابقة للقرآن الكريم مهما كانت عظيمة ، لأن الله ( خاطب بالقرآن لهدايته ) وكانت نظرته التفسيرية تقوم علي قاعدتين : الأولى : نقد الجاهلية السائدة اليوم في فهم القرآن بما يلائم ( ارتقاء ) المجتمع وكماله بمفتض حالة العصر .. وفي تحقيق هاتين القاعدتين مايمكن من وضع المبادىء الأساسية لتطور المجتمع الإسلامي – العربي وفتح الطريق أمامه واسعا كما أقر الإمام محمد عبده بعدم وجود مايسمى عند قوم بالسلطة الدينية بأي وجه من الوجوه وإنتقاء السلطة السياسية بإسم الدين ، فالحاكم في النجتمع الإسلامي ( حاكم مدني من جميع الوجوه ) .. وأن ( الأمة هي التي تنصبه وهي صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها ) فليس هناك حق ديني ( إلهي ) في اختيار الحاكم وأن مدنية السلطة في الإسلام لاتتنافى مع وجود الشرع فالإسلام ( دين وشرع ) وقد وضع حدودا ورسم حقوقا وواجبات لصون نظام الجماعة ، وأن نفي دينية (السلطة ) وتأكيد مدنيتها يعنيان لبتاكيد على مدنية المؤسسة والنظر إلى المجتع ككل دون تمييز بين أفراده بسبب المعتقد الديني .. وأن جوهر الحكم هو نهوضه على مبدأ الشورى . والمجتمع الإسلامي في رأي الإمام محمد عبده لابد من أجل نهضته وتقدمه من التخلص من ( التقليد ) الذي أصح راسخا في المجتمع دينا وفكا وسلوكا وأصبح مصدرا أول للآراء والأعمال ، ولابد إذن من نقده وتبيان ضلاله وبعده عن الأصول الإسلامية ، إذ لايكمن التجديد إلا إذا عرفنا التقليد تمهيدا لتجاوزه عن طريق نقده .. والإسلام قرر للإنسان ان يهتدي بالعلم .. وطلق سلطان العقل مما كان يقيده وخلصه من كل تقليد كان قد استعبده ، فقد تم للإنسان المسلم بمقتضى دينه ، أمران عظيمان : استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر(13) . وآمن الإمام بقدرة التعليم على تكوين طبقة واعية مستنيرة تستطيع أن تحقق الحكم النيابي الصحيح في البلدان العربية والإسلامية ونادى بضرورة تعليم المرأة وتنوير عقلها كما نادى بتكوين جمعيات نسائية تنشىء المدارس لتعليم البنات ودافع عن تعليمها دفاعا قويا ( 14) . ج – خير الدين التونسي ( 1820 – 1890 ) : له آراء في التمدن والإصلاح . وقد ظهر في عصر لم يكن هناك إمكانية تجاهل التأثير الأوروبي على بلدان المغرب العربي عموما وتونس خصوصا حيث عايش الحضارة الأوروبية في فرنساودعا إلى خروج البلاد العربية والإسلاميةمن عزلة القرن الوسطى وكسر حاجز هذه العزلة عن الحضارة الحديثة والتتلمذ علي الحضارة الأوربية بما لايتعارض مع أصول الشريعة الإسلامية التي يجب أن تواكب المصالح المتجدة للمسلمين .. ويدين خير الدين الإستبدادبالسلطة وحكم الفرد ودعا إلى تكوين المجالس النيابية بالانتخاب العام ووجود القوانين التي تنظم علاقة الرعية بالدولة أوالعلاقة بين المواطنين بعضهم البعض وعلى أن تكون مباشرة الحكم التنفيذي من إختصاص الوزراء لاالحاكم الأعلى كما قررأن الغاية من التنظيمات السياسية هي أن تكون الأساس لتحقيق العمران للبلاد وأساسه ( العدل والحرية الشخصية ) فمن المصلحة العامة للمجموع حرية نشر الأفكار .. وقد ربط بين الحرية السياسية والحرية الإقتصادية بمعنى أنه ربط بين نمو المعارف المؤسسة على الحرية السياسية وبين نمو الصنائع التي تعود إلى الأنشطة الإقتصادية الحرة كالفلاحة والتجارة والأعمال المدنية والفكرية .. فالرخاء لايتحقق بالخصوبة وتوافر الإمكانيات وحدها ، وإنما بالحرية الإقتصادية التي تجعل أرباب النشاط الإقتصادي والإستثمار المالي آمنين على ثرواتهم وأموالهم . ودعا للإقبال على تعلم الحرف والصنائع وإلى قيام الشركات التجارية ( الجمعيات الكبرى ) لتتسع بذلك دوائر رؤوس الأموال التي تزيد من الإرباح . د/ عبد الرحمن الكوكبي ( 1854 – 1902 ) : من أبرزرواد حركات التنوير في المشرق العربي ، قاوم استبداد الحكم العثماني ودعا للتخلص من مظالمه وكانت دعوته شامة تغطي كافة جوانب المجتمع الإسلامي عموما والعرب خاصة . نشر أفكاره وآراءه عن طريق الصحف التى أصدرها مثل ( الشهباء ) في حلب ثم ( الاعتدال ) وأصدر كتبه : ( أم القرى ) و ( طبائع الاستبداد ومصارع الإستعباد ) حيث أكد على أن الإستبداد هو علة إنحطاط الشرق . ه – عبد الحميد بن باديس ( 1889 – 1940 ) :من أبرز ممثلي تيار الدعوة إلى التجديد والإصلاح في المغرب العربي ( الجزائر ) وقد مهد لجيل الثورة المسلحة على الاستعمار الفرنسي .. حارب ( الطرق الصوفية ) التي كانت سندا للاستعمار .. ومهد الطريق لعودة أبناء وطنه إلى العروبة .. فكان من أبرز مثلي التيار السلفي العقلاني المستنير .. ودعا إلى النهوض والتعلم والأخذ بأسباب الرقي والحضارة لمواجهة تحديات العصر . بالإضافة إلى ذلك كله فقد شهدت العقود الثلاثة الأولى من هذا القرن حيوية بالحياة الفكرية والثقافية التي مهدلها جماعة من الرواد المستنيرين في مجالي الفكرو الثقافة .. فهناك : ( لطفي السيد وعباس العقاد وطه حسين وسلامة موسى ) وغيرهم من الرواد الذين وتطلعوا للأخذ بسبل التقدم والحضارة المعاصرة داعين للتحديث والأخذ بأساليب الرقي المجتمعي ، وتبعا لكل تلك الجهود والنشاطات الفكرية التحديثية فقد كان لابد من اشتداد الجذب بين حياة الواقع المادي البطيءة وحركات العقل والفكر السريعة .. فكان التصدع .. وكانت أ ساليب إعادة بناء الحياة الاقتصادية والصناعية التي أدخلت المشروعات الصناعية الضخمة – إلى حدما – في حياة المجتمعات والتي أدت بدورها إلى تغيير الصورة المعاشية تغييرا كاملا وإلى تبلور علاقات مجتمعية جديدة واضحة بين أطراف المجتمع .. والتي أدت لاحقا إلي قيام هزات عنيفة في البنية السياسية الحاكمة تمثل بقيام ( الثورات ) في مختلف البلدان العربية تعبيرا عن روح جديدة في حياة تلك الشعوب والمجتمعات (15 ) . لقد ترسخت أسس ومفاهيم جديدة في الحياة الإجتماعية المجتمع العربي المعاصر ولم تعد هناك أية عقبات أمام المساواة بين المرأة والرجل وحرية المرأة في التعليم والعمل .. وظهرت ( التخصصات ) في مجالات التعليم والعمل وتحددت العلاقات مابين الأفراد بعضهم البعض وبينهم وبين الدولة طبقا لمؤسسات دستورية وأجهزة تنفيذية محددة المعالم والأطرو تحت قيادة نظم لاتزال تبحث عن صيغة ديمقراطية شاملة لكافة جوانب الحياة المعاصرة . خاتمة : فإذا كان القاسم المشترك للدعوات والحركات السابقة على ظهور رواد التنوير هوالدين – كما قلنا – فإن ماميز فكر وإطروحات زعماء التنويرفي فترة لاحقة وفي كافة أقطارهم هو تأثرهم المشترك أيضا بآراء ومناهج التحديث التي ظهرت نتائجها الإيجابية في الدول الأوروبية والتي أصبحت تتمثل في مستويات الرقي والتقدم والتطور الذي بدأت معالمها واضحة على مجمل شؤون الحياة في تلك المجتمعات الأوروبية ولكن يظل السؤال الذي يطرح نفسه منذ ذلك الحين ، وحتى هذا اليوم هو : لماذا لم تتمكن أي من هذا الدعوات أوالأطروجات أن تشكل مخرجا أو منطقا يقوم عليه البناء الحضاري للأمة العربية بالرغم من مرور كل تلك العقود الطويلة ؟! إن هناك عنصرا مفقودالم يجب عليه حتى الآن عن سبب إخفاق كل تلك الدعوات والحركات الإصلاحية والأفكار والأطروحات التنويرية في فرض نسق تفكيرها على حركة الأمة في توجهها العام . إن الدعوات والتيارات أو الرؤى التي تسود مجتمعاتنا العربية تظل إشكالاتها عالقة ودون حل لعقود من الزمن إن لم تصل إلى قرون بمعنى أنها تبقى تروح فى مكانها دون التفكير في طريق أو أسلوب يساعد على تقريب إيجاد حل تقبل به كل الأطراف ، ولو على سبيل المثال البحث عن صيغة ( توفيقية ) تؤكد على القواسم المشتركة بينهم جميعا بهدف الانتقال بالأمة إلى حالة من النهوض الحضاري ، وإحتلال المكانة اللائقة بها بين لم الأرض ! فإذا كان العرب والمسلمون يرفعون اليوم شعارات ( حوار الحضارات ) فنحن نقول إن عليهم قبل أن يتحاوروا مع الآخرين أن يبدأوا حوارا بينهم ذاتهم للتوصل إلى مفهوم موحد يدخلون به دورة الحضارة العالمية الراهنة فإذاكانوا كعرب ومسلمين عاجزين عن توحيد فهمهم لصياغة مناسبة تمكنهم جميعا من الاندماج الحضاري دون أي مظهر من مظاهر الازدواج الفكري والنظري قبل أن يصل الأمر للحالة التطبيقية ! فكيف بهم إذا وهم يحاورون الآخرين !! نعم هذه هي الأزمة الحقيقية المزمنة التي عاشتها وتعيشها هذه الأمة حيث أنها تسببت حقا في خسارتها لعدة معارك ومواجهات دون أن تعي درسا من وراء كل ما يحصل !! أمة يومنا هذا !! أين الدين .. بل أين العقل .. وأخيرا أين الشعور بالمسؤولية في كل ما يحصل !! أمة تنتحر وشعوب خائرة القوى .. وإحباط قد استشرى .. وأصبحنا أمة لاحول لها ولاقوة والعياذ بالله ونحن لازلنا نختلف : الدين أو العلمانية .. القومية أو الدين .. والعالم يتقدم من حولنا ويفرض علينا سطوته حتي أنه اقتحم علينا غرف نومنا !! لماذا إذا لايتداعي المفكرون من التيارين للبحث سويا وبجد ية عن مخرج مناسب للخروج منهذا النفق المظلم الذي لم نر نهاية له حتى يومنا هذا .. ماذا ننتظر !! إن من لايحسن الانخراط في زمنه والتفاعل مع حاضره لايحسن استثمار ماضيه والاستعداد لمستقبله ، بل لايحسن سوى الإرتداد نحو أزمنة لن تعود أو نحو أمكنة لاتنفك تبتعد . يقول الدكتور برهان غليون في سياق تحليله لهذه الأزمة : إن أحد أبعاد الصراع الراهن اليوم في العالم العربي بين الإسلاميين ودعاة التحديث هو رهان ( أخلاقي قيمي ) يدور حول ماهية القيم التي نر يد أن نطبقها في مجتمعاتنا ؟ فهذا في الواقع بعد من أبعاد الصراع ولعله أهمها أيضا .. هناك من يميل أكثر – وهذا واضح اليوم بصرف النظر عن الأسباب – إلى تطبيق منظومة من القيم مرتبطة ارتباطا رئيسيا ( بالإسلام ) وهناك على الجانب الآخر من يعتقد أن القيم التي يمكن أن تنقذ مجتمعاتنا وتبقيها في الساحة العلمية أي في الدورة الحضارية الراهنة هي القيم ( العلمانية .. فهناك تأكيد يتزايد يوما بعد يوم من جانب فريق بالمجتمع على مفهوم العلمانية أى بمعنى أن هناك شبه إعادة اكتشاف لمفهوم العلمانية على أنها مصدر من المصادر الرئيسية التي تستمد منها القيم الجديدة مثل قيم العقلانية المرتبطة بقيم الحداثة .. بمعنى أن هناك صراعا حول ( تحديد ) قيم هذه المجتمعات ( العربية ) (16) !. إذن هذه هي الإشكالية بكل وضوح كما يرسمها أحد مفكري إن لم يكن أحد منظري التيارين المتنافسين . والخلاصة أن كلا من التيارين قد أخفق وبصورة متفاوتة بأن يمثل امتدادا لماقبله أوما بعده . فلا الحركات الإسلامية تمكنت من خلال أطروحاتها من حفر مكانة لها في وجدان الإنسان العربي المسلم سواء في مجتمعاتها التي انطلقت منها أو التي تمددت إليها. ولادعوات الاستنارة والتحديث تمكنت بدورها من أن تمثل البديل أو حتى الامتداد المعقول لما سبقها من طروحات عكستها نشاطات الحركات الإسلامية التقليدية كالوهابية ، والسنوسية ، والمهدية ، ولاحتى أنها نجحت في تجسيد المنهج الإسلامي الرشيد في جوهره أومهده الأصيل في مجتمعاتها !! . إذا أين هو السبيل ؟ .. ومتى تستطيع المجتمعات العربية الوصول إلى طرح يمكنها من المواءمة بين تراثها الديني والحضاري والثقافي الأصيل وبين ضرورات وتحديات العصر التي هي بدورها آخذة بالتزايد ، والضغط على وجدان الإنسان العربي في كل مكان منذ عقود طويلة !! . المراجع : زعماء الإصلاح في العصر الحديث – أحمد أمين ص6 نقلآعن كتاب :إمام التوحيد ، تأليف الشيخ القطان ومحمد الزين . مكتبة السندس – الكويت ص66 إمام التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب تأليف الشيخ القطان ومحدالزين ( مصدر سابق ) ص16 الشيخ القطان ومحمدالزين : مرجع سابق ص17. متعب مناف : الواقع الفكري والمجتمع العربي الجديد . بغداد : مطبعة العامل ، 1966 ، ص63 -70 . الشيخ القطان ومحمد الزين . ص17 . مرجع سابق متعب مناف : مرجع سابق . ص71 – ص86 . الشيج القطان ومحمد الزين : مرجع سابق ص16 – 17 الشيخ أحمد القطان ومحمد الزين – مرجع سابق ص29 عبد الرحيم عبد الرحيم : الدولة السعودية الأولى . ج1 ، ط2 ، القاهرة : معهد البحوث والدراسات العربية 1979 م ، ص22-23 إبراهيم شهداد : تاريج العرب الحديث ، الدوحة –المركز الأكاديمي 1992 م ص 304 – 305 . محمد عمارة : العرب والتحدي . الكويت : عالم المعرفة – مطابع اليقظة ، 1980 م ، ص 161 – 173 . الشيخ عبد الحميد بن باديس – تأليف د/ عز الدين إسماعيل ، وقلآعن الشيخ القطان ومحمد الزين – مرجع سابق ص24 . ادونيس وخالدة سعيد : الإمام محمد عبده . بيروت : دار العلم للملايين ، 1983 م ، ص 5-9 . عبدالغني النوري: التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة – الدوحة – دار قطري بن الفجاءة ص 190 – 193 . زكي نجيب محمود : ثقافتنا في مواجهة العصر . القاهرة : دار الشروق ، 1979 ، ص 208 – 217 .