الدكتور جابر عصفور

الدكتور جابر عصفور
في حوار خاص للجسرة
عبدالسلام فاروق *
ثقافتنا مشدودة إلي الماضي أكثر من المستقبل والتراث فعل إنساني قابل للسؤال والرفض والتطوير .
( يقدم الدكتور جابر عصفور الامين العام للمجلس الاعلي للثقافة بمصر ، في هذا الحوار رؤية لمشاكل الثقافة المصرية والعربية والمعوقات التي تحد من قدرة الفكر العربي علي التعامل مع أسئلة المستقبل ، وهي المشاكل والمعوقات التي يعمل بلا كلل من موقعه كأستاذ جامعي ومثقف عربي بارز علي مواجهتها في ظروف بالغة الصعوبة ظروف واقع يصفه بأنه مشدود إلي الماضي أكثر مما هو يتجه إلي المستقبل وهو يتحدث عن هذه الظروف وعن كيفية قراءة التراث من وجهة نظره ، وعن المدارس المختلفة في التعامل مع هذا التراث وعن التأسيس المنهجي لحضور عربي في القرن المقبل .
كيف تري الوضع الراهن للفكر العربي المعاصر ؟
د. جابرعصفور : الفكر العربي في مرحلة حاسمة من مراحله تغير ، فهو من ناحية يعاني معوقات تشده إلي الماضي وتعوقه عن الحركة إلي الأمام ، ومن ناحية ثانية غارق في مشكلات الحاضر الراهن المتأزم ومن ناحية ثالثة يتطلع إلي العالم المتقدم من حوله ، ويطرح علي نفسه سؤال المستقبل ولكن من الواضح أنه ليس متفزعاً تماماً ، بسبب القيود التي تشده إلي الماضي وبسبب المشكلات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحول بينه وبين التفرغ للتأمل في المستقبل ، ومن هنا فهو فكر مستغرق في مشكلات الحاضر ، ومشدود بالطبع إلي الماضي أكثر مما هو متجه إلي المستقبل والدليل علي ذلك أن سؤال المستقبل نادر الحضور في خطابنا المعاصر سواء علي المستوي السياسي أو الثقافي فخطابنا المعاصر مشغول بالصيغ الإشكالية ويزخر بالصبغ التي تؤكد علاقتنا بالماضي وحضور الماضي فينا أكثر من حضور المستقبل !! ودليلي علي ذلك أننا لو أحصينا الكتب أو الندوات التي تقوم بتغطية التراث وتلك التي تناقش الحداثة فسوف نلاحظ أن الأولي أكثر بكثير ومن هنا تأتي أهمية طرح قضايا المستقبل في كل لقاءتنا ونداوتنا .
** تعاملت مع مناهج البحث كعلم في الدراسات النقدية المعاصرة ، فما هو في رأيك مفهوم البحث كعلم ؟
* جابر عصفور : كلمة منهج بشكل عام ، وفي معناها البسيط تعني الطريقة والأداة والرؤية ومعناها الخاص يشير إلي مجموعة من المفاهيم المتماسكة والمتجانسة منطقياً والمفاهيم هي التي تحدد الطريقة التي ننظر بها إلي الأشياء محللين ومقننين .
والمنهجية هي العلم الذي ينشغل بالمناهج والانشغال بالمنهج كالانشغال بالمنهجية يمثل أعلي درجة من درجات الوعي بالعلم ، لأن الوعي بالعلم له درجات متعددة أبسطها الوعي بالمعطيات المباشرة التي هي موضوع العلم ، مثل وعي عالم الكيمياء بالعناصر الكيميائية المختلفة ، ومثل وعي الناقد المباشر بالقصائد أو المسرحيات التي ينتقدها ، لكن هناك الدرجة الاعلي وهي درجة وعي العلم بنفسه من حيث هو علم وذلك النوع يطرح سؤال المنهج . ويضع المنهج اذلي يهتم به العالم موضع المساءلة لكي يتأكد العلم من قدرته علي إدراك أكبر قدر من عناصر الظاهرة المدروسة من ناحية والسيطرة عليها في حركتها المتغيرة المعنية بعناصر متعارضة ومختلفة من ناحية أخري .
** كيف تري العلاقة بين هذين المستويين من الوعي ؟
د. جابر عصفور ، أراها تشبه التطلع من خلال عدسة إلي معطيات الواقع ، وهذا هو الوعي المباشر بالمعطيات وهو وعي يختلف عن التطلع إلي العدسة نفسها ، التي تنظر بواسطتها إلي الواقع فهذا وعي بالمنهج بالطريقة وهو ما نسميه بوعي العلم بنفسه وعندما يطرح هذا الوعي علي بساط البحث فإن هذا الطرح يعني وصول العلم إلي نقطة الإمكان التي يمكن للعلم أن  يتغير بها أو يتقدم وبقدر الاستغراق في المعطيات المباشرة من حيث هي موضوع للعلم فهذا الاستغراق يعني أن العلم في حالة ركود ، مثال ذلك أنني ابحث دوماً عن وسائل أفضل للرؤية النقدية ، لأن إذا ظل الناقد مستريحاً لأساليبه التي يعمل بها ، فلن يتقدم خطوة نحو العمل الفني الذي يتناوله .
** إذن كيف تقرأ التراث ؟
د. جابر عصفور أقرأ التراث بلا أوهام ويعني ذلك التأكيد علي عدد من المبادئ أولها أن التراث هو ما ينتسب إلي الماضي وليس للحاضر .
وهذا يعني أن هناك مسافة تفصل بيني وبينه ، كما تعني أنه له حضوراً تاريخياً وموضوعياً مستقلاً عني مما يستلزم أن أضعه بين قوسين هكذا ” التراث ” الذي أفكر في تجاوزه وثانيهما أن التراث هذا من صنع البشر لأنه عبارة عن مجموعة تراكمت عبر العصور وحتي ما نسميه بالتراث الديني هو تراث بشري أو هو فهم البشر للنصوص الدينية وبهذا المعني فإن النصوص الدينية ليست تراثاً لأنها ليست من طبع البشر ، ولأن التراث هو فعل إنساني فهو قابل للسؤال والشك والرفض والتطوير .
وثالثهما : أن التراث بهذا المعني له صفة التاريخ ويرتبط بأكثر من مرحلة تاريخية ولذلك فهو ينطوي علي الشئ ونقيضه أي علي عصور أزدهار وعصور انحطاط ويتضمن مجموعة من العناصر المتعارضة والمتصارعة ، لا أستطيع أن أتحدث عنه كأنه يحمل ضفة واحدة مقدسة ، فنحن نملك في حقيقة الأمر تراثات متعددة بتعدد العصور ، وتعدد التيارات التي يتكون منها كل عصر من العصور .
** ما هي الأسس التي تستند إليها في دراسة التراث ؟
د. جابر عصفور : لابد أن نسأل ونحن ندرس التراث ماذا أريد أن أفعل به؟ هذا سؤال يرتبط بموقفي من الحاضر وأنا أنتمي إلي حاضر يسعي إلي التقدم ولا أستطيع تجاهل تراثي لأنه مكون من مكونات هويتي ولذلك فأنا أعود إليه لا لكي أبعثه من جديد أو أقلده ، وإنما لكي استعيد منه خبراته وآخذ منها ما يدعم حركة التقدم وهذا يعني بشكل عملي أن أقوم بعملية اختيار تنطوي علي قبول ورفض ، أرفض من التراث كل ما يعوق الحركة و التقدم وأقبل منه كل ما يساعد علي التقدم ، وبذلك أحرر التراث من أوهامه ، وأحرر نفسي من التعامل مع التراث .
** الدراسة العلمية للتراث هي أحد جوانب النهضة العربية الحيدثة :
فما هي أبرز المنهجيات التي ساهمت في دراسة التراث العربي .. الإسلامي ؟
د.جابر عصفور : عندنا أكثر من منظور في التعامل مع التراث وأقدمها النظرة الإحيائية وهي النظرلاة التي سادت الفترة من بداية النهضة وحتي الحرب العالمية الأولي والتي انتجت أشعار البارودي وأحمد شوقي وكتابات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده .. وهي نظرة عادت إلي التراث بقصد إحياء هذا الماضي العربي الزاهر ، وعلي نحو كانت معه استعادة هذا الماضي وسيلة من وسائل مقاومة التخلف الذي زاد الوعي به نتيجة الاستعمار في هذه الفترة وهو غزو أدي إلي تعميق الإحساس بالتخلف وفع إلي نوع من أنواع رد الفعل الذي تمثل في النظر إلي التراث بوصفه البديل من ناحية وبوصفه درع أو سيف الهوية في مواجهة الغزو الاستعماري من ناحية أخري .
وقد جاءت بعدها ما يمكن تسميتها بالنظرة الليبرالية التي سادت الفترة ما بين الحربين العالميتين ونراها في كتابات طه حسين وأحمد لطفي السيد وهيكل والعقاد وغيرهم وهي نظرة كانت تفتش في الماضي وتراثه عن العناصر الفردية المتميزة التي تؤكد حضور الفرد في التاريخ ومن هنا أبرزوا الشعراء الذين تميزوا بدرجة من الوعي العالي في شعرهم كالمتنبي وابي العلاء وأبرزوا من عناصر التراث ما يؤكد التجليات المخجتلفة لهذه النزعة وبدا الأمر كما لو كانت هذه النزعة بمثابة نظرة من يفتش في مرآة التراث عن انعكاس صورته فيه .
وهناك النظرة الواقعية التي حاولت أن تقدم رؤية تاريخية للتراث بعناصره المتصارعة في التاريخ والمتغيرة بسبب التاريخ أيضاً ، وهي نظرة لم تصل إلي درجة من الذيوع والانتشار إلا مؤخراً وخصوصاً بعد هزيمة 67 لأنه من المؤكد أن الهزيمة جعلتهم يعيدون طرح أسئلة أساسية علي أنفسهم وفيها سؤال التراث ، كما دفعتهم إلي نظرة موضوعية طبعاً هناك نظرات أخري لكن في آخر الأمر هذه المناهج هي ما أعتبرها الأساس في التعامل مع التراث ..
** إذن ما السبيل نحو التأسيس المنهجي والفلسفي للحضور العربي في الألفية المقبلة ؟
د. جابر عصفور : سبيلنا إلي الحضور العربي هو سبيل الأم التي سبقتنا ، وهي قيم الحرية والعلم والعدل الاجتماعي وعندما نتحدث عن الحرية نتحدث عنها بمعناها السياسي والديني فأنت لا تستطيع أن تقيم حواراً مع غيرها وتدخلو في دائرة التبعية .
( ومن هذا المنظور لا أنكر أن جانباً كبيراً من وعي أدين به وللثقافة العالمية من حولي ، والتي كانت بوابتي الأولي إليها الكتب المترجمة ، ثم كانت بوابتي الثانية إليها القراءة باللغة الأجنبية والمؤكد أن معرفتي بنظريات أجنبية كثيرة كانت سبباً مهماً من أسباب قراءاتي المختلفة للتراث نفسه لأنك بقدر تعرفك علي النظريات العالمية تكتسب عدسات جديدة ذات قدرة أكبر فيما لم تكن متعوداً علي رؤيته من قبل علي جميع المستويات في النقد والإبداع الأدبي أنت لا تستطيع أن تقدر نجيب محفوظ إلا إذا ما قارنته مع كتاب الرواية في العالم لكي تعرف ما يصله بهم ، وما يميزه عنهم ورب شاعر يحسبه الناس كبيراً ، فإذا وضعته في علاقة بشعراء العالم من حوله ظهر شاعراً صغيراً وأنا لم أفهم معني الجامعية إلا عندما عشت في جامعات أجنبية وأنا ما زلت أحلم إلي الآن بأن أري في جامعة القاهرة ما رأيته في جامعة هارفارد ، وأن أري في الجامعات العربية كلها ما رأيته في جامعة كمبردج مثلاً .