الرحيل ……………….. د/ هدي النعيمي

الرحيل
د/ هدي النعيمي *
أنتظر عودتك القصة التي بدأناها سوياً التي نسجنا أحداثها ورسمنا ملامح شخصياتها ، وتركنا لها مساحة من الحرية حتي تتمرد علينا تشق لنفسها دروباً غير ما قدرنا وأنتوينا ، خلافاتنا الفكرية حول تطور الأحداث ، ختام النهايات انفساح الرؤية جدتها بكارتها ، طبيعتها التي أسميتها جرأة تجرح المألوف تخدشه تجعله ينز تراكماته من الدم والصديد .. وقفاتنا المستعصية عندما تعترض مجري نهرنا المتدفق من السرد.
الجنادل والصخور عندما يهز عناد الحدث وكبرياء الشخصيات ، عندما تكاد الرؤية تغيب وتتفرع ويتوه منا المجري الأصيل ليتفرع ويتشتت وتنداح مياهه في القفار .. لغة خطاب شعري مكثف ، موح ثورتك وسخريتك من كل ما سودناه من صفحات نحن لم نفعل شيئاً سوي ترديد ما قرأناه من قبل .. نحن لم ننطلق خطوة أبعد عن المتعارف والمألوف .. ما زال في داخلنا رقيب نخشاه .. قيد يلذ لنا أن نتألم من قسوة قبضته مع أنه غير محكوم الرتاج .. هكذا كنت تردد دئماً ثم وبحركة مباغتة تقذف بالأوراق في فضاء الحجرة فتتطاير متناثرة متباعدة وعلي غير سابق اتفاق تجذبني من يدي تطلب مني أن نسافر بعيداً عن صخب المدينة .. تمارس عشقك الأبدي للشواطئ والرمال وأمواج البحر .. تقول : البحر هو الحياة هو الحرية هو الانطلاق بلا ضوابط أو قيود حيث تتحرر من كل ما يكبلنا من أغلال وإدعاءات من تطاحن يومي ، من تفلسف لا ينتهي وتنظير لكل ما هو بديهي تقول : دعينا ننفض عن عقولنا وهم الحكمة واحتكار المعرفة وأحادية الرأي .. أن نبتعد ولو قليلاً عن نفاقنا – خبز حياتنا اليومي – وأن نخجل ولو قليلاً من تضخيمنا لذواتنا ومن إدانتنا الكاملة وأحكامنا العامة علي الآخرين أن نحاول أن نري الأشياء ولو لمرة واحدة علي حقيقتها فنعرف معني المواجهة ومعني الكفاح ومعني البطولة وأن ندرك أن شرفنا الحقيقي مغزي حملنا للأمانة إنما يتأتي بمواجهتنا الحقيقية لأنفسنا دون اختلاف حجب أو ستائر أو ضباب أن نترك أنفسنا أحرار لهذه الطبيعة التي تحيط بنا وأن نرهف السمع جيداً لحركة هذه الأمواج التي تتدافع نحونا رخوة هنية ، ندية ، مرة ومصطخبة مرات ، وأن نتذكر كم حمل هذه الأسر الفاتن في جوفه ، وفوق سطحه من قصص وصراع وبطولات وكم جذب سحره وغضبه أفئدة العديدين ممن وقعوا في شباك هواه .. وأن نتأمل تدافع أمواجه المتلاحقة نحو الشاطئ كقطيع من الخراف ، وأن نمعن النظر في سكونه وإظلامه في الليل فنخر ساجدين لعظمته وجبروته . أن تتمثل أنسنا فيه نفس القسوة والجبروت والغطرسة ، كما تري فيه أنفسنا حالمين واعدين ، نضج بالبهجة والنقاء .. تقول وأنت تُحبك الشال حول تفي وتحتضنني بعينيك ، وتسوي خصلات شعري المتناثرة من عبث نسيم البحر الليلي : لم لا نكمل جلستنا في شرفة الشالية فما أحوجنا إلي قدحين من الشاي ؟ .. من عبق المحبة وظلال النشوة التي يمنحك إياها من يشاركك متعتك العقلية ، من وشوشات البحر ، وغضاءات السفن التي تظهر ثم تختفي في الأفق تتولد فكرة رواية جديدة .
رواية تتحدث عن قصة البحث عن رواية الهجرة إلي غير المألوف كما أسماها روائي عربي الإبحار إلي أرض بكر إلي جزر لم تطأها قدمان محاولة اكتشاف الذات بعيداًً عن صخب المدن مواجهة الإنسان لنفسه دون مقولات مسبقة دون أحكام إدانة جاهزة دون قيود استسلمنا لها طواغية ، دون مستنقعات يلذ لنا أن نعزف فيها ببطء وهوادة ودون عويل أو صراخ أعجبتك الفكرة وتحمست لها كعادتك أو صراخ أعجبتك الفكرة وتحمست لها كعادتك وأنت تظفر بالفرحة المبتغاة البدء من الأصل ، في مكان ناء مهجور غابة أو جزيرة تستيقظ علي أصوات الطيور ، وصوت ارتطام الماء بالصخور نتأمل الطبيعة العذراء وهي تستقبلنا علي صدرها الدافئ الحنون ، نجوس خلال شعابها ووديانها وقد تحررنا من كل القيود نتأمل ما بداخلنا من طهر ونقاء ، نتخلص رويداً رويداً من كل ما لطخنا به أنفسنا من موبقات ، تعود من جديد أبريلء تعشق الطبيعة والإنسان نحلم بعالم أكثر سموا  ورقياً ، عالم يمجد لحب .. ويعلي من شأن كل ما هو نبيل وعظيم خالد في كائناته ومخلوقاته تضيف ساخراً : ثم تستيقظ علي اصوات مشاجرة الجيران وارتفاع صوت الكاسيت وصخب موسيقاه ، تلمح نظرة العتاب الحانق في عيني فتسرع ضاحكاً تحتويني بين ذراعيك وتقول أليست نهاية ساخرة كما هو دأب الحياة ؟
اتأمل الصورة التي تجمعني وإياك وأنا في ثوب الزفاف .. أتأمل صورتك التي يحيطها في جانبها الشريط الاسود ، أري لمعة عينيك وابتسامتك التي لم تفارقك يوما أفض بيد مرتعشة الصندوق المغلق الذي أتوا به إلي منذ عام .. وقالوا هذا ما تبقي من اشيائه .. أري الساعة الأثيرة لديك والتي أهديتها لك يوم خطبتنا الخطاب الذي أرسلته إليك حاوياً أول قصة قصيرة لي والذي تندرت فيه علي بعض أخطائي الإملائية والذي كان يحلو لك التلويح به أمامي لتثير غيظي حتي تدفعني إلي الابتسام الصورة التي تجمعنا سوريا ونحن علي شاطئ البحر نتقاذف بالرمال ، قالوا هذا ما تبقي منك .. لكنني أشعر أن كل ما هو منك يعيش بداخلي يسري في دمي ، يسكنني دوما ، لذا فإنني أحيا منتظره عودتك ومهما تباعد رحيلك سأجلس هنا علي الشاطئ أتأمل الضوء الغارب ، وأرهف السمع لصخب الموج ، وأحبس الدمع وأنتظر عودتك .. أنتظر عودتك .. أنتظر عودتك.