المسطور والمستور قراءة في قصص أريج إبراهيم د. سيد قطب

المسطور والمستور
قراءة في قصص أريج إبراهيم
د. سيد قطب *
1- صدمة العنوان  :
لماذا يا أريج أنصاف حكايات ؟ هل لأن النص المكتوب المسطور لا يكتمل سوي بالقراءة ؟ فيشكل القارئ من السطور حكاية المستور بين السطور وبالتالي يحمل العنوان إشارة تستدعي ثنائية طرفي الإبداع المرسل والمستقبل وبهما معاً يتم إنتاج الدلالة الكلية غير المكتمل ةأيضاً لأن فعل الكتابة التام يتحدي عملية القراءة غير المنتهية هل لأن الكتابة التامة مستحيلة والمبدع السارد يجد في اللغة تشكيلاً لنصف المعاني الهائمة داخلة وما أن يفرغ من الكتابة إلا ويشعر بأن شيئاً ما قد تسرب منه في صراعه مع اللغة والشكل وعناصر عالمه الفني .
هل لأن الكتابة أنثي محكوم عليها إشارياً أن ترتبط بالدال ( نصف ) نصف الدنيا ، نصف الدين ، نصف حظ الذكر وبالتالي تجادل الكاتب وعياً تاريخياً عرفياً حدد لها مساحة النصف وهي تسعي للاكتمال المستحيل ، لأن النصف الآخر المذكر ناقص أيضاً .
هل لأن العرف الاجتماعي يستهلك نصف طاقة المؤنث في وقود المطبخ المذكر فلا تملك سوي نصف طاقة فقط تعيد بها تشكيل العالم من حولها بالفن .
من القصة الاولي التي يعلو عنوانها ليهيمن علي العنوان الكلي للمجموعة نبدأ أنصاف حكايات الجدة تحكي للحفيدة الصغيرة نصف الحكاية دائماً وتنصرف عنها في زحام العمل المنزلي تطاردها الحفيدة ثم يتأس فالجدة قد نسيت ما كانت ترويه وتصاب الحفيدة بالملل من الحكايات الناقصة ، وتموت الجدة وتدرك الحفيدة ان الحيا ةسر قد يخفي حتي علي صاحبه وأن كمال المعرفة مستحيل .
الجدة رمز يتشخص فيه التراث الذي لم يصلنا سوي جزء منه جزء مكتوب يروي علماً وفناً تاريخاً وحكمة لكن النصف الاكثر حيوية أو الأجزاء الأخري التي لم يقدر لها أن تسطر فقد افتقدناها حيوات مارسها بشر حقيقيون كانوا يأكلون ويمرحون يتضاحكون ويتخاصمون انغلقت عليهم أبواب الدور ليلاً وجمعهم المسجد فجراً وتطاحنوا علي لقمة العيش نهاراً واقتسموها بحب مساء عالم لا يمكن تصوره وإحياؤه العنوان كما تدل عليه القصة الاولي إشارة إلي التواصل الذي لا يتم كلية ولا ينقطع أيضاً جدل الماضي والحاضر المتخذ من علاقة الأجيال معادلاً موضوعياً له ، كل جيل يستحيل عليه أن يقدم ذاته للجيل التالي يظل  نصف عالمه محجوباً داخله ، نصف تجربته تخفي عليه أو يخفيها بنفسه متعمداً أو متناسياً .
ويظل الحاضر ناقصاً متطلعاً لاكتمال خبراته بالماضي المفقود بعضه ، يظل الحاضر منقباً عن أصول لا يصل إلي جذورها البعيدة ليكتشف أنه قد كتب تجربته هو خلال عملية البحث عن الجذور وأن جزءاً من تجربته قد غاب وهو يعيش ذاته .
يضاف إلي ما سبق دلالة وثيقة الصلة ببناء القصة عند أريج أنها تتخذ موقفاً مغايراً من القص التقليدي الذي يقوم علي منطقية الحكاية بعلاقات شخصياتها الدرامية وتطور الاحداث لإحكام الصراع وتصاعد الموقف وتأزمه انتهاء بخاتمة تنويرية موحية بدلالة الحكاية محققة الانتصار والتصفية أريج تحتفظ بنصف الحكاية بحيوية السرد لكنها تحطم التتابع الزمني والتعدد الدرامي والتصاعد البياني للأزمة تحطم ذلك لتحقق بدلاً منه عمق اللحظة وأبعاد الإنسان الواحد المتعددة وارتباط التجربة الإنسانية بسياق من التجارب التي تبدو مختلفة معها ولكن جوهرها واحد وممارستها محاطة بالطقوس ذاتها – كما في واحدة من أقصر قصص المجموعة “وغسلت يدها ” .
بأنصاف الحكايات أيضاً تتخذ أريج إبراهيم موقفاً فنياً من القص الحداثي الجاهز البناء فلاحداثة السردية قد أعلنت موت الحكاية ولم يعد هناك في السرد سوي دراما اللغة التائهة في غلاف من التجريد مما أفقد الخطاب السردي حيويته إذ قطع الصلة تماماً بالتراث الإنساني الإنساني القائم علي الحكي ففقد القارئ الخيط الذي يستحضر به نموذجه التكويني النفسي السردي الذي يحمله منذ ميلاده ويصله بالتجربة الإنسانية أريج تحتفظ بنصف الحكاية الذي يعد خيط التواصل بعمق التجربة السردية للإنسان وتحطم النصف الآخر لتكتب حداثة ليست تجريدية ولا جاهزة ،وإنما حداثة تخترق حاجز الاغتراب التجريدي متصالحة مع المتلقي ومحاورة له تعرف كيف تمارس قانون اللعبة السردية .
أنصاف حكاايت أيضاًُ صدمة تركيبة تقيم علاقة الإضافة اللغوية النحوية بين كلمة من حقل الحساب أنصاف وكلمة أخري من حقل الفن القصصي ” حكايات ” وتلك أيضاُ سمة أخري تتعلق بلغة أريج إن لغتها السردية تحافظ علي حيوية الأفعال التي تشكل نصف الحكاية ولكنها لغة محسوبة بمنطق رياضي اقتصادي لا تغازل المجاز الشعري ، ولا البديع الإيقاعي ولا التدفق الإنشائي إنها توجز وتشير وتترك مساحة للتلقي لغة تحقق تعبيرية يحي حقي وجدية يوسف إدريس وتلغرافية إبراهيم أصلان ، تلتقي بأسلوبها التعبيري مع هؤلاءولا تلتقي بنجيب محفوظ أو إدوارد الخراط أو إحسان عبدالقدوس ، لغة موجزة مغايرة لتدفق غادة السمان أو الحسن العاطفي لميرال الطحاوي تلتقي أكثر بهالة البدري وتمتلك مع ذلك قدرة فائقة علي السخرية وإلقاء شظايا مثيرة تمتد بمرجعية التجربة السردية لغ تبحث عن خصوصية الكتابة في عصر التداول العلمي .
2- أقنعة الذات :
خيط دقيق يربط بين قصص المجموعة إلي حد ما ليعلن في كل قصة عن وجه من وجوه الذات الساردة التي تنزع أقنعة الذات الاجتماعية المتعددة العزلة الاهتمام المحدود بالآخر .
الظاهر في الأتوبيس أو النادي أو الطريق ثم عودة إلي الذات مع تعدد أوجه الذات وتجاربها علي المستوي الفني لتصب هذه الأوجه والرموز في مجري واحد يشكل الذات الكاتبة بأبعادها المتعددة حتي ثنائية المؤنت والمذكر تدخل مضمار اللعبة ، في قصة أرض الثيران تكتشف الساردة وهي الشخصية المحورية بالطبع أن يوم ميلادها المحتفي به زائف وأن الأب قد اختاره لأنه يوم مولده هو ، ولكي تكون معه في ” برج الثور ” وفي قصة شمعة يحتفل السارد – الشخصية المحورية – بعيد ميلاده الحادي والعشرين والقصة مؤرخة في 22/4/ 1993 ليلتقي المؤنث والمذكر معا .
ونكتشف أن البطل هو قناع يخفي الساردة ويحل محل بطلتها في “أرض الثيران” وكما وضع الأب تاريخاً يرتضيه للأبنة المولودة في “أرض الثيران” لا تستطيع الأبنة الفكاك منه إذ لا تتواصل عاطفياً إلا مع مذكر من مواليد هذا البرج – إشارة للهيمنة الأبوية بطابعها السلطوي والحميمي معاً – وبالطبع تحاول البطلة الخروج من أسر كل رجال برج الثور دون جدوي نجد الأم – الطرف المؤنث الآخر – في ” آخر شمعة ” – تضع للابن شمعة يوم عيد ميلاده ولا ندري إن كانت مقصودة أم لا لأن التيار الكهربائي كان مقطوعاً ليعود الابن مع نهاية الشمعة التي ترمز لانتهاء مرحلة الارتباط بالأم فقد بلغ الحادية والعشرين من عمره ، لذلك كانت هذه ” آخر شمعة ” القصتان معاً تتكاملان كما يمكن أن تتكامل أرض الثيران مع مخالبه حيث يستسلم المؤنث لغواية المذكر علي الرغم من رفضه الدائم لهذه الغواية لكن ضعفه الإنساني يستر غير ما يسطر ، كما تتكامل “مخالبه” مع ” وغسلت يدها ” باعتبار أن الفشل الاجتماعي هو نهاية التجربة العاطفية القائمة علي الضعف وتلتقي القصص السابقة بقصة العرافة إذ تسقط الذات في شرك نبوءة خارجية في الحقيقة وهمها الخاص وضعفها المستتر الذي تمارسه بعد أن تجسد أو تشخص لها في معادل خارجي لتحكم علي تجاربها بالانهيار ، وهو انهيار مصدره مخاوف النفس لا نبؤة العرافة فالنبوءة معادلة لتاريخ الميلاد الذي حدده الأب علي الرغم من ممارسة البطلة لسلوكها العاطفي في إطاره ثم محاولة تخلصها منه دون جدوي مع ذلك فالنصوص زاخرة بإشارات إلي الحصار الإنساني الذي يتم التعبير عنه بأكثر من رمز تشخيصي وتجسيدي حصار الزمن حصار القدر حصار الضعف الغريزي والانفعالي حصار المكان حصار الآخر الذي تتمناه الذات وترفضه كما في لقاء حافلة حيث تكتشف الساردة نائلة أن الفتاة التي تكرهها دون سبب نيرة هي صديقة الطفولة التي تتمني أن تصبح – داخلها – مثلها ولنلاحظ أن حرف النون يقيم خيط التواصل ليعلن عن وجهين من وجوه الذات الوجه الخاص التأملي والوجه الطليق الاجتماعي وهما لا يجتمعان في واحدة علي الرغم من كونهما وجين تتمناهما كل ذات وتحطم مع ذلك أحدهما لصالح آخر.
ويعود حرف النون ليقيم رابطاً لقاء حافلة بوجهي الذات المتناقضين المتكاملين وبين آخر شمعة بنصفي الذات الساعية للتكامل ( المذكر والمؤنث ) فالحبيبة المفتقدة “نوال” هي جزء من ذات الساردج والسارد هو الوجه الآخر من الساردة في ” أرض الثيران ” كما أشرنا و ” نوال ” ببدايتها النونية تصل بين  ” نائلة ونيرة ” وكانوا نون النسوة التي تفرض علي المرأة قانوناً نحوياً تنحل لتصبح نونات نسائية متعددة وكأن صوت الروي في قافية عروض الشعر العربي يأخذ مكاناً عكسياً ليصبح بداية اسم الشخصية في سرد أريج .
والصديقة في ” لقاء حافلة ” تنتقل مع البطلة في ” صراخ ” لتحضر البطلة نهاية تجربة عاطفية فاشلة ، وفي الوقت الذي تترك لطرفي التجربة الساحة لإنهاء علاقتهما تلتقط تجربة أكثر مرارة وقسوة لعرسه تلتهم قطعة صغيرة وكأن تجاربنا الإنسانية القاسية هي جزء من قانون الحياة القاسي ، وعواطفنا الجميلة الضعيفة هي هذه القطة البائسة وتشخيص الحالات النفسية في رموز شفافة سمة واضحة عند أريج وحينما تعود الصديقة بعد أن قتلت عواطفها أو أسلمتها للنهاية القاسية تكون العرسة قد أخذت القطة القتيلة لتفترسها وتشاهدها الساردة علي ضوء سيارة عابرة لحظة كشف لها معادلها الموضوعي المتجسد ، وبينما تظل دموع السارد مستحضرة لمصرع القطة تكون دموع الصديقة قائمة علي مصر حبها وتظن الصديقة أن الساردة تبكي لأجلها تواصل وانقطاع ووهم يربط الذات بالآخر علي المستوي النفسي بينما تلتقي التجربتان في عمق الوعي في  مرجعية الرمز ، وعلي الرغم من المشاركة الإنسانية القائمة بيننا وبين الآخر في الظاهر فإننا في الحقيقة نعاني الوحدة لأننا لا نري في الآخر إلا جزءاً من ذاتنا أو انعكاساً لمخاوفنا أو تكملة لحدودنا القاصرة أو مساحة لوجودنا الناقص لكن التجارب تظل مرتبطة لتعلن مرجعية السرد عن القانون الثابت الممسك بمتناثرات الحياة وتكشفه لنا اللحظة الجامعة لأكثر من تجربة في سياق واحد .
وكما يتم تشخيص المعاني في رموز تقع خارج الذات كي تكون مرئية وكي تكتسب الدراما القصصية نوعاً من الحيوية والثراء ، كما في قصة ” تحت الطلب ” حيث تتجسد أو تتشخص المخاوف القدرية غير المنطقية في سيدة صامتة يرتبط ظهورها الصامت بالموت ، وهي في الحقيقة جزء من الذات التي يشغلها المصير الإنساني وهذا الرمز المتجلي للمخاوف القدرية والوجودية يلتقي مع القرين القابع داخلالذات ليدفعها غلي الفشل أو يترصد بمن حولها كما في ” إلي حين ” حيث ننتظر نهاية تجربة السارد العاطفية أو موت جده ، والجد رمز للتواصل مع الماضي والحبيبة رمز التفاعل مع الحاضر فلا يحدث ذلك وإنما تمر التجربة بسلام .
” عدت إلي فتالتي التي تركتها علي الهاتف فاستأذنتها في الذهاب علي وعد بمكالمة قريبة تركتها بعد أن ربحت جولة من منازلي الأسود ولم يهمني ابتسامته الساخرة التي تذكرني أن الجولة الفاصلة لم تتم بعد … أسعدني هذا التأجيل – حتي وإن كان إلي حين – وأسرعت إلي منازلة أخري .. أسرعت إلي جدي ألعب معه ” عشرة طاولة ” كعادتنا كل يوم جمعه .
كما يتم هذا التشخصي للمخاوف بسردية تجمع بين فكرة القرين الشعبية وبين تعدد أوجه الذات في علم النفس ( الأنا – الأنا العليا – الهو أو الهي ) في رمز درامي يتم أيضاً استغلال مساحة الحلم والمساحة الفاصلة بين اليقظة والنوم في إطلاق تناقض المفارقة أو تشخيص الوهم النفسي ، في قصة صباح الأحلام ، يمتزج بين الوعي واللاوعي بين الحلم والواقع صوت الهاتف رمز الاتصال مع الحبيبة بصوت المنبه صوت الواقع اليقظ المهيمن وفي قصة الدائرة يحدث صراع الذات مع الآخر رمز المجهول أو المجتمع في مساحة مكانية صحراوية متسعة تجسدها غيبوبة الحلم والغيبوبة هي الأعراف بين الحياة و الموت بما يحملان من دلالات الحقيقة والمجاز وينتصر المنازل الأسود عليه في هذا الجولة إذ يحتل مكانه عند الذات المجهولة المؤنثة رمز الحبيبة أو الحياة أو الأماني ، وأن كان السارد يواصل المسير لأن الحياة لا تتوقف .
2- الحياة لوحات وإيقاع :
نحن ندرك العالم باللغة واللغة رموز غير مغلقة قد تبدو أحياناً سجناً للمعاني ولكنها في الحقيقة حلقات متداخلة منفتحة تقود كل حلقة معني من المعاني لتصله بآخر يتقاطع معه أو يتماس متصلاً بمجاله الدلالي ، ما العلاقة بين العواطف الرقيقة ولو كانت ضعفاً إنسانياً أو غير ناضجة وبين قطة صغيرة تستغيث ؟ وما العلاقة بين الفشل العاطفي و ” العرسة ” القاتلة ؟ الإجابة تطرحها مرجعية التجربة الإنسانية المصاعفة فناً سردياً السلوك يتحول إلي طقس تنقشه اللغة ، وكما تتكرر التجارب التي تبدو غير مترابطة تتكرر مفردات اللغة لتحمل دلالة مختلفة علي مستوي السطح متشابهة علي مستوي العمق وقد أشرنا إلي قصة ” وغسلت يدها ” .
من ” الأتوبيس ” أحد رموز الاتصال بالعالم ومن نافذته الكاشفة للوحات الحياة يختلط الحلم ، الرؤية الحادثة داخل الذات بالمشهد الخارجي الملتقط من عدسة نافذة الأتوبيس وبينما يظن الوعي الداخلي بثوريته أن هناك ” أضراباً ” و ” إضراب ” هو عنوان القصة يكون الواقع مجموعة من العمال يصلحون الكوبري بزي موحد وخبطات مطارق منتظمة لولا شذوذ مطرقة العامل الأول لأنه تحت التمرين إن الحياة مشهد فيه تكرارية في الصورة والصوت ، وبينما يكون الوعي الداخلي ثورياً إذ يظل السارد أو الساردة أنه إضراب يكون الواقع مللاً تكرارياُ منتظماً الخروج علي قانونه يأتي من ساذج أو شخص لم يكتسب النضج عامل تحت التدريب .
وتلتقي القصة بقصة ” طابور نظامي ” حيث تسير الفئات الثلاث المتشابهات فثي الزي والهيئة والحركة بنظام كأنه لعبة ، ولكنها لعبة الحياة لا يخل بها سوي سيارة عابرة ترتبك إلي الفتيات ثم يعود كل شئ إلي ما كان عليه وتلتقي القصتان بوقفة انتظار تقطعها صغيرة ، وهو اسم القصة التي تصر فيها الطفلة علي احترام الطابور بينما يكون الأب هو فاعل التوتر في الطابور ، إننا ننشأ علي طقوس تحكم رؤيتنا وسلوكنا ولا نستطيع الفكاك منها والمرأة بصفة خاصة محاصرة بهذه الطفوس أكثر فمساحة الحرية الذهنية النفسية الوجدانية ما زالت محدودة وإيقاعها الرتيب صوت منبئ بأنماط الطقوس التي تحكم الذات منذ المولد فالمدرسة فالعمل ولا يخرج علي هذا الحصار سوي من يصنعونه الأب يقتحم الطابور السلطة لا تلتزم بقانونها ، والضعف الإنساني الناجم عن قصور الرؤية يجعلنا نتمسك برموز زائفة نخترعها لأننا نحتاج المثال المكتمل ثم نرفضها عندما نري حقيقتها البشرية الضعيفة التي لا تختلف عنا في شئ بينما هي تقبع جاثمة فوق مشاعرنا سعيدة بتوجيهنا ومصدرة لنا سيلاً من الأوامر ليحركنا كالعرائس في قصة أقوي من ذي قبل تتمرد الساردة علي سيادة الأم ولكنها تقع في شرك رمز آخر ” أبلة سهام ” التي تكبرها وتصغر الأم تجربة إنسانية ننمر بها في سنوات التحول وتلعب أبة سهام دور الأم البديلة وتتحرك الساردة في دائرتها إلي أن تري بشريتها الضعيفة تري بقاياها في “الحمام ” فتحدث لحظة التحول وتتحول البقايا المادية إلي رمز معنوي كلنا بشر لا يحق لأحد السيطرة علي أرواحنا .
طقوس الحياة اليومية بسلوكها المعيشي الوقتي المستمر تكتسب عند الساردة
( أريج المؤلفة أو صوتها الفني ) تكتسب بعداً رمزياً أكبر مستغلاًَ دوائر واللغة في قصة “بالي لا يزال خالياً ” تستغل الكاتبة موضوع الأرق لتطرح الاشنغال العاطفي وتلقي نظرة علي خطاب البنات ثم تقدم المفارقة فالنوم مفقود لأن الأم غيرت الوسادة (المخدة) وكأن القلب الذي نبحث عنه ونظن أن راحتنا النفسية لا تكون إلا به ليس إلا معاداً لوسادة بالية أعتدنا عليها .
أريج توظف الرمز لتجسد المعاني الهائمة وتمزق الرمز لتكتشف السيطرة الطقسية التي تغلف إيقاع الحياة بالبلادة بهدوء بعيداً عن الصوت العالي الذي وقعت في أبواقه كاتبات يساريات وبعيداً عن مداعبة تدغدغ المشاعر استسلمت لها كاتبات وجوديات السرد النسائي عند أريج محاولة لكي نقطر الذات في زجاجة الشكل الفني لتكون الدلالة أريجا خاصاً .