تعبيريون جُدد في محترف الحداثة السورية د. أسعد عرابي

تعبيريون جُدد
في محترف الحداثة السورية
د. أسعد عرابي *
تستقبل صالات ” فندق الميرديان ” في دمشق معرضاً ليس ككل المعارض ابتداء من مادته وعنوانه وهو ” كراسي .. كراسي ” يمثل هذا المعرض منعطفاًُ بارزاً في حركة الحداثة التشكيلية الشابة والمنطلقة أغلبها من تراكمات حساسية التعبيرية المحلية السورية شارك في المعرض مصورون ونحاتون ومعماريون مصصمون اجتمعوا بأعمارهم الشابة علي إزالة الحواجز بين الفنون ، وخدش حياء حرقة تقاليد اللوحة ذات السططح الإقليدي أي الخروج من البعدين إلي الثلاثة أبعاد في الفراغ وذلك من أجل إعادة الكينونة التشكيلية لتصميم الكرسي وبما يحمله من ذاكرة التصاقه بالسلطة والتأمل والغبطة والاعتراف والمؤسسة وغيرها من الالتباسات الرمزية معرض ليس ككل المعارض فقد كان في مشارفته لتيارات ” ما بعد الحداثة ” حاسماً لن نعثر قبله إلا علي إنشاءات أحمد معلا الذي ينتمي إلي نفس المجموعة رغم غيابه عن العرض .
إن أهمية المعرض لا تقع فقط في إقتحامه الحداثي في فترة الخمول التشكيلي الراهن ، وإنما وهو الأهم في ترسيخ أبرز تجاربه لخصائص وذاكرة التعبيرية المحلية وإذا كانت تفوت علي أصحابها ملاحظة مثل هذه القرابة فلأنهم يعيشون التجربة دون مراقبتها وقد يقع وجودي البعيد عن المحترف خلف اكتشافي المبكر لسمة القرابة والتمايز هذه والتي يعارضها المتغربون وذوو الأساليب المتماهية التي تحول وتختلس كل يوم من الكتب وصالات العرض الاستهلاكية في باريس دعونا نرجع إلي أصول هذه الحساسية وليسامحني من وقعت تجربته في برزخ مخضوم أو ممن أنزلق من الذاكرة أو ببساطة لعدم تعرفي علي تجربته بعد فلنبدأ من البداية حتي تكتمل شهادتنا النقدية .

1- تعبيرية تأسيسية ( الستينات والسبعينات ) :
أتسمت حركة المعاصرة في اللوحة السورية ومنذ حبواتها الأولي بالحدة المأسوية أو بالتعبيرية الاجتماعية أو الملحمية ابتدأ ذلك مع سلوك فراشه المعلم الانطباعي ناظم الجعفري ونزق عجائنه الصباغية ترسخت هذه السمة مع تعبيرية محمود حماد وذلك قبل أن تتأسس ” كلية الفنون ” عام 1960 وإزداد دور التعبيريين مع هذا التأسيس من خلال خاصة فاتح المدرس واليأس زيات قبل أن ينضم إلي صفوفهم نذير نبعه وقبل أن يعبر برهان كوكوتلي من قسم الحفر ، ورغم تحول حماد إلي الحروفية التجريدية ( مثل شيرين وشاكر حسن ) فقد استمر تأثير فاتح المدرس .
وتبشيره بلوحة منتزعة من الذاكرة الأسطورية السورية والتي ترجع إلي أزمان كنعان وآرام ثم تبلغ فورة نذير نبعه ذروتها بعد حرب 1967 فيرسم هيئة الشهيد وجسده الذي ينتشر علي فلك الكون ثم يعبر زيات بسرعة من التجريد ليرجع إلي الساتمداد الروحي من ” أيقونته ” السوريانية التي لا ينضب معينها . يستلهم نشأت الزعبي من مشخصات المنمنات الإسلامية .
ثم يجتمع هؤلاء ضمن ” مجموعة العشرة ” أثناء سفر فاتح الدراسي إلي باريس بحيث يغلب علي تجاربهم الطابع التعبيري ( ما عدا ارناؤوط ) منهم زيات نبعه زعبي سباعي أحمد دراق ونعيم إسماعيل وأنا إضافة إلي علواني وأخرس وارناؤط ولم يحتكروا رواد التعبيرية فقد كان لها موقع خاص في حلب علي يد لؤي كيال ووحيد مغاربة ، كما عرف من التعبيريات ليلي نصير وأسماء فيومي وسناء محمود .
لم يكن لهؤلاء علاقة بالواقعية الملتزمة الرسمية والتي كان أغلب دعاتها من الهواة المتواضعي الموهبة .
كان جماعة العشرة علي اتصال بمروان والتعبيرية الألمانية وكذلك بالتعبيرية المصرية (الجزار وندا ) وخاصة العراقية علي مثال ” جماعة الرؤية الجديدة ” ( عزاوي وتاصري ) وغيرهم ارتبط علواني بيكاسو وسباعي بسيروني وكان لغوتوزو بعض التأثيرات .
2- التعبيريون الجدد انطلاقاً من مدرسة حمص :
قد لا يجمع هؤلاء سوي شهادة الزمان والمكان والعمر المتقارب وفورة التشكيل واستقلاله عن اللون العسكري تجمعهم قرابة ذوقية علي تباعد أغصان إنتمائهم إلي هذه الشجرة التي ندعوها اليوم ” بالتعبيرية المحدثة ” والتي ظهرت أول علاماتها في معارض ” جماعة حمص ” ولكن انتشارهم اليوم أشد من تجمعهم وهذا ما يفسر عدم التقائهم في نفس المعارض خاصة وأن محترفاتهم تقع في مدن متباعدة سعد يكن في حلب علي مقوص انتقل من اللاذقية إلي الإمارات العربية المتحدة مصطفي علي يتحرك ما بين دمشق وروما وبعضهم أثر الاغتراب أو فر ضعليه يوسف عبد لكي وبشار العيسي وأحمد قدور في باريس ماهر بارود في ليون .
تتسم معارضهم عامة بالطبيعة الجماعية غير الفردية يتجنبون الضجيج الإعلامي والنجومية الفارغة لعل هذا ما يفسر عدم إهتمام الصالات بمعلمين مثل إدوار شهدا أوكرم معتوق .
دعونا نتأمل بدايتهم في حمص مع الحذر من جمعهم بطريقة قسرية .
2- مدرسة حمص ” بين المحترف الإقليمي ومحترف الجماعة ” :
إذا كان من الأكيد أن الخرائط الجمالية الفرضية ولا ينطبق هذا ” البارامتر” علي المراوحات والتأثرات العابرة خاصة في تجاوب الهواة ولا علي بعض الذين يخلطون بين الفن والتجارة حتي تحولوا مع الأيام إلي رجال أعمال ولا حتي علي بعض المحترفين الذين اعتمد تشكلهم الأسلوبي منذ بدايته علي العزلة في التأثر والتأثير .
ذلك أن هذه الوحدة صدرت في الأساس من الرغبة الصحية في العمل الجامعي والخروج من انطوائية الاحتراف الفردي أو العزلوي وذلك عن طريق ليس فقط شراكة العرض وإنما بشكل خاص عن طريق الحوار وتبادل الخبرات والاحتكاك الدؤوب النظري والمخبري ولاشك بأن هذه الرغبة الجماعية كانت رديفة لمصطلح ” مدرسة حمص” .
احتكر جماعة العشرة الجدد هذه الإستراتيجية فتفوقوا علي نتائج سابقتها في العشرة الأوائل ( التي تشكلت في بداية السبعينات ) لن نعثر في تاريخ المحترف السوري المعاصر علي أبرز من هذين التجمعين العشرة الأوائل (دمشق) والعشرة الجدد (حمص) وليس من باب المصادفة أن ثلاثة منهم موجودون في الطرفين وهم غسان السباعي وعبدالله مراد ودارق السباعي .
وقد عاني التجمعان من نفس الحذر وخلال فترات تعتبر فيها اية حلقة تتجمعو خارج المؤسسة الرسمية نوعاً من الخطيئة وهو ما يفسر علاقة سوء الفهم مع فناني النقابة في الحالتين ولن نجد في الحالتين أية صبغة إيديولوجية أحادية تتعقب مثلاً تجربة شهدا روحانية الأيقونة المالكية المحلية ويستدعي معتوق أساطيراً شمولية تتجاوز الذاكرة السورية نفسها كما أسس المرحوم دراق السباعي لتقاليد استثمار المساحة التخيلية البكر في رسوم الأطفال ، ويعني غسان نعنع بأنسنة العناصر العادية والجمادات التي يعايشها بين الواقع والحلم ولن نجد إنعكاساً للفكر الجدلي المادي إلا في حدود الإحتمال التكعيني الذي تقترب منه تقنية كل من غسان السباعي وعبدالقادر عزوز ، تقع في هذه الملاحظة حالات الانشطار الدائمة في مساحة ” وحدة ” مدرسة حمص بحيث نعثر علي التجريد الشكلي مقابل التجريد الضوئي وبحيث تتعايش أصلاً النزعة التعبيرية مع التجريدية بل إننا نعثر علي تجارب متماوجة بين الطرفين .
فقد وصلت حشود معتوق وجماهيره الحلمية – في بعض من مراحلها – حتي مشارف التجريد الغنائي ، كما بلغت بالمقابل تجريدات عبدالله مراد الدلالات والألماحات التشخيصية الميتافيزيقية ، وكما يعتبر عبدالله مراد اليوم من أبرز التجريديين ، فإن تجارب معتوق وشهدا تعتبر من أبرز تجارب التعبيرية المحدثة في القطر .
لهذا ولكل هذه التفاصيل المتحالفة فإن تعبير ” مدرسة حمص ” ليس مجانياً لأنه يشير إلي مجمل زخائر تشكيلية رائدة تستحق التوقف والدراسة .
4- الخارطة المبعثرة للتعبيرين الجدد :
لم يجتمع هؤلاء في عرض واحد أو حوار واحد وذلك أن ما يجمعهم هو الثقافة والمرحلة والمعاناة المشتركة التي تحاول الخلاص من ربقة الشروط الأيديولوجية الرسمية أو التسويقية المسبقة .
دعونا نتجاوز دائرة معارض حمص فبعض التعبيريين الجدد ( إن لم يكن أغلبهم) ارتبطوا بفلك ” كلية الفنون في دمشق ” علي مثال أحمد معلاً ونذار صابور وباسم وفؤاد وحدوح أو أن بعضهم من خريجي الكلية من مثال مصطفي علي وعلي مقوص الوحيد الذي لا علاقة بهذا الفلك هو نذير إسماعيل يبدو هذا الفنان معجوناً بصورة ” الطوطم – الأنا ” الإحباطي أو الكافكاوي ” يشاركه باسم في التحول من الوجه الملتاع إلي زنزانات الاعتقال والوحشة التي تعيشها عزلة المبدعين في دمشق ولعله من الجدير بالذكر أن باسم دحدوح أنجز دراسة جدية عن التعبيرية المحلية أثناء دراسته العليا في القاهرة ولم تنشر بعد .
يتميز أحمد معلا ( وهو أشدهم جرأة ) بقدرته علي التحول بموهبة إستلهامية فذة في تاريخ الافن ، متحولاً من سطح اللوحة إلي المشهد العبي أو الإعلامي تمتاز تعبيريته منذ بداياتها بأحساد ملتاعة ذات حضور وجودي منسلخ عن الماضي والمستقبل مشاعر لحظية طيفية حدسية عابرة علي غرار إنشاءته ” مرئية إلي سعد الله ونوس ” اعتمد فيها علي الرسم بالأسود العاصف علي أرضيات شفافة مزروعة في فراغ من العباب والأسود الحدادي يتحرك المشهد في حركة المتلقي .
يستلهم نذار صابور تقاليد الأيقونة المحلية مستخرجاً من بعض طقوسها ومصاريها وأخشابها وحالة الإنشاءات المثلثة الأبعاد مثل معلا يعبر بنشار العيسي من شموس الفرات وهجرات حصاد الشمال السوري إلي أحزان الريف وقدره المعلق بين السماء والارض .
تكشف تجربة الحفار الموهوب يوسف عبد لكي تلك العلاقة التراكمية في تجارب التعبيريين الجدد ، والتي تتواصل مع تقاليد التعبيريين الاوائل مكرساً فضيلة الرسم والجرافيك التي عرفت عن إرادة نذير نبعه الصلبة يحفر عبد لكي مشاهد الكرنفالات السلطوية بأدائه الحادة الساخرة ثم يناغم الخامات والأنسجة الطباعية برهافة تجعل من الجرافيك خصوبة تخيلية دائمة ، أما زميله علي مقوس فيتقصر بدوره علي خطوطط الأسود والأبيض منطلقاً في جماهيره الكونية المتدافعة من رحم شجرة الريف الكنعانية يخصبها بصورة حدسية لا تقبل أي ضابط – مثل جماهير كرم معتوق – سوي التفريخ التعبيري المتحول من هيئة إلي أخري تقترحها حدة اللحظة الوجودية – الوجدانية – الوجدية يتجول النحات مصطفي علي في مختبرات النحت العالمي ثم يضع سفينة علي الشاطئ الفينيقي المحلي فتبدو التباسات عناصره البرونزية نحتاً من ذاكرة الأسطورة ويتجه النحات ماهر البارودي الهيئة والملح العصابي الهمودي في التعبير عن الإحباط اليومي .
ينطلق أسلوب سعد يكن وسواه بما فيه رسام الكاريكاتور الموهوب علي فرزات من نفس معين النزعة الكرافيكية التي طبعت جيلي التعبيرية الأوائل والجدد لنتأمل كيف خرج سعد يكن وداحول من شخوص لؤي كيالي المأزومه والمستكينة في آن وكيف خرج الدحدوحين فؤاد وباسم من تعبيرية الدحدوح الأول وفائق وهنا نعثر علي ما يميز أمانة التعبيرين الجدد وهو تراكم خبرات تركة الاوائل واقتحام مغامرات ما بعد الحداثة بطيش حكيم .