جمجمة الرحيق ……… غالية خوجة

جمجمة الرحيق
غالية خوجة  *
نفضت عن الورد والغيم أرقي .. فاندست المشاهد في التربة وفي شتاء ستحرره الكلمات نبتت أحداث قصة قديمة لن ترويها أنا الراوية ولن تبوح بها الشخصيات ذاكرة معنقدة في الكروم ، تنشرنق حول نفسها بعد هزتي ريح ستغادر خيوطها اللامعة ، وترفرف بأجنحتها الملونة  .
لماذا كل مسافات الزمن لا تتسع لفراشة ؟ كنت أذكر ذاكراتي بأنني أوصيتها بألا تحلق كثيراً لكنها رغم رهافتها ماكرة دغدغتني فضحكت ليتها ما شدتني من صوتي إلي أعماق أجهلها ولا تجهلني .
كان الفانوس خافتاً علي المركب وفضة القمر تختلي بالموج المهاجر ، وفراشتي لا تنوي العودة بنا .ز السكون يهدر .
والموج يتجاهل السكون وصمتي .
بينما ذاكرتي  ، نفخت علي الشراع لتوجه البحر ..
ومضينا ..
روائح منعشة تجوب أرواح والمعاني تحزم برائقها وترميها في الفضاء المبلل فيصير بعضها فصولاً ، وأخري غابات وجبالاً وغيرها .. حواس بيضاء وحمراء وبنفسجية لا تلتقطها الطيور ..
ندخل حزام الأشباح تنكسر الأقدار خلفنا ، أجزاء منها تتمسك بالمركب .. وإذ يمحو الفانوس الجهات ببطء تنفلت الأجزاء وتغرق ..
أجرب الزفير الشهيق .. ما زالت الحياة متشبثة بي .. وها هي مع كل زفرة تتشكل فتاة رمادية العينين وضآة السمات ترتعش حين تقدم النهار مذاباً في كؤوس العصير .. أشرب فتحذرني الفراشة من إكمال الكاس .. ألف حلمي علي خاتمي وخلسة أرجه في الكأس وأنا وله للحياة التي تفرغه في المياه .. ظنون الملح وتقبض علي الخاتم وتلبسه لا صبعة السرد …
يتزلزل البحر … فأخلع أناي ، أكحلها بالجنون واجعل عيني اقراكطها ثم مأزفها للنشيد … يطوي المشهد المركب الموج والزمن ..
لن تلمحوا علي شواطئ القصة ، غير جمجمتي تمتص رحيقها فراشة .. بعد ملايين السنين ..
مرت بتلك الشواطئ مدينة ..
سكر الناس برائحة الغرابة المختمرة .. ودائخين حتي آخر سماء للدهشة كانوا يحدقون بمسارات الفراشة التي غابت كالموجات في العمق .. ربما لتخطف الخاتم من الظنون أو .. لتشكي وهمها لا صبغة السرد .. كأن سكان المدينة تناثروا بين الرمال والحصي وأنفسهم .
تضاحكوا وتراشقوا بالماء الداكن ومنهم من سبح ..
اقترب المساء من المكان فهموا بالعودة إلي مدينة غائبة !
لم يتلألأ في ذلك السكون الليلي ، سوي صدفات قزحية رمتها فجأة أطياف لحظة قديمة ..
الصدفات تبحر إلي الأقدام المبللة .. وحين تتخطي أحاديث الشواطئ تستلقي تحت نخلات متوهجة العتمة ، تفتح أغطيتها الكبيرة فتملأ الموسيقي فراغات النجوم والقصة وتتزاحم في الجزيرة واحات القصب .. صارت الصدفات أسرة .. تمدد الناس في أحضانها .
بعد ضبابين من الرعشة والهدوء ، حشد النوم أعضاءه من الأرض ودخل بلطف إلي الخلايا .. من أجساد لم يغادرها الضياع ، تتفتتق الأحلام عرائش ياسمين وحكايا .. تعبر المدن ولا تتوه بين الصحاري والجبال ، ثم تعوم علي السماء وعلي البحر … وبينما تنضفر مع لحية الموسيقا ، يستيقظ القوم علي صوت بعيد سيطلع من مغارة استحاث فيها الزمن ، أو من كهف الأبجدية .
كانت الفراشة تهجر أعماق اللحظة مجرجرة نبوءة ما .. حاول كل فرد منهم النهوض من سريره ، لكن الصدفة أفرزت عليه أملاحها مذوبة أضلاعه همومه … و .. لم يعد في الصدفات غير قلوب مزدحمة بجذور العرائش .. حيث الفراشة تلسع ياسمينات الأحلام والحكايا .. وريثما تغوص الألحان الخائف في البحر .
هبت ألوان السحاب علي الوعي ، فاشتعلت النار في النار .. وانضاءت هوامش الرحيل كانت الأرواح تنحشر في طريق معلقة بين السماء والسماء ، لن أسميه إسراء ولا عروجاً أري روحي تخلص لا وعيها من الازدحام وهالات نور تعبر إليه ..
هناك لم يكن منه سوي هواء منُغم ..
وهنا لازال حلماً منسياً في تلك العرائش ..
أضع عيني في قلبه ، وشفتيه في الفانوس ..
تنتشي الأقاويل .. وتنسحب إلي المركب بلهفة شريدة يضمني .. فيتعثر الفضاء بظلنا والصحوة تهرب من السرد إلي الصدفات إلي ورد نفض عنه جراحي .. وأطياف الذي ما انكتب ..
قبل ملايين السنين .
زار الضياع والصبر المدينة ..
وعندما رأيا ما رايا من ظلم وقهر وفواحش هاجر الصبر إلي الأبد …
اكتست القلوب بالأضلاع فاستيقظ الناس علي ضياع ضاع فيهم وعاد معهم إلي المدينة لم تتلاش المشاهد ..
فالفراشة وضعت نزيفها في الفانوس ، الفانوس في جمجمتي .. وأحرقت أصبعة السرد ، كأنها بذلك ترجع الذاكرة للأحداث … ورماد روحي إلي العناقيد.
متن الغياب
لم يكن معي سوي وهم يمشي .. مبتعداً عن أهليلجية الأرض والنفوس .. داخلاُ في الـ ” أين ” مررت علي قوم لا يعرفون غير الصلاة علي الشواطئ وفي جذوع الأشجار فركعت وسجدت .. حتي نادتني الـ ” أين ” .. وبينما تسبح اسمائي اختلست عظامي نظرة إلي الاستفهام الغائم .
الأين صارت مكاناً ستزوره الآن السماوات الأين صارت لا مكاناً زارته أرواحي المنفلتة مني …
لم تضيع كلماتي البوصلة ، والريح الغريبة اشتدت في النفس الغريبة ..
لا الوقت يعتق النار ..
لا النار تعتق بقايا العتمة . .
لن اسمي الذي رأيته ورآنيب …
ثمة أحلام نزفت عرائشها تشير إليه ..
وهواجس تنتشي بالبحث عنا .. شئ من الذي لا يري استكان لمفردات الوهم .. ومفرداته انغرست في عروقي .. فاندلعت لهبا لا ينام .. تتسلل عناقيد ناره إلي فوهة يدخلها الغموض ليخرج منها كما يشاء .
شئت أن يرتفع عزيف النار في الناي .. فرقص المجهول ، وكأفعي هندية تلوي في الأساطير لسعة واحدة والجهات تسجي في التوابيت لم نؤد طقوس الجنازة ..
لم تمت نجوم النص .. وبحاره ما زالت تهدر من كلمة بعيدة .. عبرنا الكلام ..
فطاردتنا المعاني .. لم نأبه .. فقلبت ظلالنا .. حبوت مع الرماد الاخير للعزف .. صادفت روحي تنفض عنها التراب والبحيرات وأنا … تعانقنا فأجهشت .ز وفي أحداقها ذابت الـ ” أين ” وذبت في ملكوت الغياب .
أجنحة الرؤيا ترفرف تحت جليدي ..
اللازورد يستأذن وأحوالي فتسمح له بالعودة إلي السماء .
وما أن تتراشق السماء مخيلتي حتي تظهر من جديد .. تتثاءب .. وترتدي شبيه ذاكرتي ..
فتنزوي الأرض في زمن قصي .. وعلي تبكي .. أصرخ بها : ألا تكفيك جثتي ففيها من الخصب ما يزيد عليك .. لم تمسح دمعها وتبسمت … فنبت من شفافها وهم ” يشبهه ” قالت هديتي لك .
اقترب الوهم من الوهم .. فارتعدت الريح وباعدت بين المطرين
ليتني ما ضيعت الأين وما ضيعتني ..
دوائر لولبية ، تكشف عن نبضها وتستدعي الأعشاب للحريق ..
علي مقربة من أحلام سكرت ، تجلس أحلام الحكايا ملوحة للنار بالمناديل وبريحان ما نسي أن يسترق رائحتي .. اقترب فيجافيني وهمه .
أبتعد فتلفث الحكايا زمردها علي وجهي ..
تلفني بقماط النور وتضعني في صندوق ..
يُظلم النص .. ويرتمي في النهر المشتعل .. يسحبني الصمت والخرير وغيم لم تحبل به السماء .. يتمايل الصندوق مع درامية النهار … والأين سلسال
” يقود الماء ولا يصل ” نتأرجح فتدوخ الحروف ومعني معني تصطدم بالنخلة .. تتساقط المجازات رطباً جنياً . وتعبرني .. نتأرجح .. كان الوهم يصطاد .. الأصداف ، يكسر بعضها ، فيري لآلئ .. ويفتح بعضها .. فتمتصه اللآلي :
وهكذا حتي تطبق الأرض شفتيها علي النهر .. تحت المدائن يسير النهر ليلتقي بالنار .. فيتزوجان ..
بعد الزفاف تنجب النار قلبي ، والنهر زيزفون نبضي .. ليت اللازورد لم يفتح غطاء الصندوق .. فالسماء حين مدت يدها لتسحبني ذعرت وهربت .. والنص حين نظر إلي ارتجف ، أدمعت جراحه .. صرخ في جراحي : ياكلماتها كوني بردا وسلاماً ..
طارت الكلمات من الصندوق ..
آه .. ليتني لم أصبح أملاح بحر ، هلام نص .. آه .. بعد روحي لما تجدني ..
شابت الألفاظ .. لا لأنها رأت جمجمة الرحيق .. قضي الأمر ..
خلعت فصولي علي الأشجار فأثمرت .. حينها . عرف أنني لم أغادر رحم أمي ولا ضباب القصة .. فهم إلي هدوء ميت يبذر فيه الفوضي .. ليحصدني ..
رقصت حوله جماجمي .. فقفز حلمه من الجدران وجثا علي صدره .. تعرفت كوابيسه وجولته بين أنفاسه ورئتيه . فأغمي علي الصمت .. وبجنون ألقي بتفاصيله علي السرير .. كانت حرارة جسدي تزهر .. وضع رأسه علي ذاكرة الأشياء ، وانطفأ .
اشتعالات ” خفية تناوبت شيب الألفاظ .. ” ولفت ظلالها الشقراء علي أنزفتي وعلي أهزوجة طريق يوما كنا فيها ..
أعادة الانطفاء إلي حواسه بينما ذاكراته ما زالت تهرب من السيارات تعبر الحديقة وتتجه إلي تلك الطريق .. ربما لتحصي قطرات المطر التي بللتنا منذ سنوات ، أو لتوقظ مشهداً مدفوناً في الوريد .. يجلس قرب مصباح ليلي نصب علي سور الحديقة .. فيتبخر أرقة من جلده .. ويقفز إلي المصباح يهز أغصان الصنوبر فتنتعش المسافة برائحة غريبة تغبش الرائحة ، ومن سرتها يلمح أرقة يدلي قدميه ..
من يومها لم يرجع الظلام إلي العطر ، ولم ينتظر المشهد .. ها هو يرفع ستارته عن اللحظات الماضية فينحني الزمن الصاعد إلي ” قاسيون ” ويعرج إليه .
وراء المشهد ..
تتحرك أنفاسهما اصابعه الراعشة تدغدغ حلمات السكون .. وأنينها يقطف شهوة النبيذ ويوشك علي مغادرة المعطف .. لكنه لا يلاوح أعضاء الماء .. الماء كسرالنوافذ وملأ الغرفة المتخمة بالدخان والسواد .
قيل : دخل رجال الأطفاء فلم يجدوا علي السرير غير عظام متفحمة ، وكتب لم تحترق أحلامها وروح تحتضن كلمة زرقاء وتطير إلي النص ..
نداء ” مجنون ” يحترق .. أحاول إطفاء نبراته المزروعة في عروقي ، كلما لا مس الماء النداء تشجرا في جسدي واصبحنا غابات رمادية  ، جذورها مستوطنة الغيم ، ولا منتهاها يسري إلي لا منتهاي .
هناك في منعطف الغرابة ، حيث لم يعد ارتفاع فوق الارتفاع أزهر النص مكاناً لا يزوره غير الموتي الذين ستفرج عنهم الأرض والكلمات .. رياح البحرالبعيدة تزرق وتخضر وتشد الموتي من التراب والظلمة والزمن المهجور .
وحين يصل الحشد إلي بوابات الحلم العظيمة يجدون الأعمدة تتلوي داخل المعبد المبني من صخور بنفسجية عتقت العزلة والسكون وملامح من مروا من هنا .
الصخور المشرفة علي موج يتباوح تري الحشد فتنقلب مرايا .. وإذ تعكس أعماق الموتي يتزلزل رأسي وتغور فيه جبال ذاكرتي والمدي … يهوي العالم فتبتلعنا جمجمتي تتهشم المرايا ، ولا تخدش الهياكل العظيمة المتزاحمة في مساهدة السرد والألم وأصوات الخير وما أفرجت عنه المرايا .. كل شئ تسرب معي إلي داخلي ..
انزاحت الصخور عن نفق ستسير فيه القصة أظهر البنفسج ما يخفيه الصدي ..  بدأت العتمة تخلع وجوهها حتي شفت بلورات الرمل وبان اللامقروء .
غربة مترهبنة أارهبت الآتي ، فأحتمي بغدير ناري تغتسل فيه فتاة مجهولة يتعانقان فيتراشق النور ظليهما .. يداعب البنفسج أشلاءه البرية وأروقة السحب معهما في حب عميق .. عميق .. تلتسع النشوة فيمطر الغدير الناري جسديهما .. ويعود إلي مجري كان يرقص فيه نهر قديم …
تتسع إضاءة المعاني وتجرفنا إلي حيز آخر لم ترضع الزلزة سوي أجنتها ورياح ما مست أنقاضها ذاك المعبد المزركش بأرواح غير مفهومة وبحناجر تؤول ألواناً  ستتشكل أجراسه التي قرعت منذ الأزل ، ما تزال ألحانها مشتتة بين جدرانه والأودية والجبال والرمل المسترخي علي شواطئ بحر كان ولم يكن … للموج اللطيف نكهة الحلم الهارب من التصوير .. ورائحة الكروم المتغامزة مع رطوبة الفجر والنغم .
وراء الموج والشقق والكلام اللامكتبو ألمح سؤالاً ينفلت الآن من الجدران المغبرة بالفصول والهدير والصمت المحروق بأمطاري .
السؤال يصير قماطاً لقلبي الذي يُجرب تحريك ذراعيه وبحرية أكبر يهسهس قلبي ثم يفتح عيونه مهجئاً : ماذا يحدث لو أن الأموات طرقوا بواب الأحياء ؟
يتصدع الاستفهام ويعطي إشارة للأرض فتوقظ موتاها .. وترمي نفسها في بحيرة تغلي الوقت فاصلة نوباته عن حباته تحرق القشور ، وتغرس الهُلام في أصابعي لأصقله وأنا وله للموتي ..
الدبيب ملأ الفضاء ، ذعرت البلاد ولم تعد تفكر بالحروب ولا بالتجارة ولابـ ” اليورو ” أو بالوحدة العربية المحنطة في أحد المتاحف العتيقة ..
الدبيب يتواطأ مع الدبيب ..
غزا الموتي المدائن ..
لم تفلح في تمويتهم ثانية إلا القنابل لمنومة لا صواريخ “سكود” ولا القنابل النووية وعندما ثبتت مناعة الأموات لجأ الصهاينة لإغرائهم بالفتيات الحسناوات بالمال والمناصب .. ورمي الأمريكان بأمريكا في البحر ريثما تتم المقايضة .
الأرواح المتحركة بثقة وتؤدة ، تدخل المسجد الأقصي وتصلي فيباغتها المسلحون .. كل رصاصة انطلقت ، سقطت بين أقدام الجندي الذي أطلقها .. الرصاص فقد أصواته .. ومناوشاته .. ودهشته الصدئة علت الوجوه والعظام ورجفتها أماتت الأغلبية .. أنهت الأرواح صلاتها ، ولفت بالنيازك خصورها صارخة ” الله أكبر ” .. أيادي الأرواح شهب تدور في لمجرة وتغوص في زنار النيازك فتمتلئ بحجارتها .. وقبل أن ترميها علي الجنود المذعورين تصيبهم حجارة أخري تتلفت الأرواح كان المسجد الاقصي محمولاً بأجنحة ملائكية يشاركها دون أن ينقص منه حجر واحد ..
لتوها كانت الأرض تحرق الجثث وتلقي باشمئزاز رمادها خارج المجرة.. بينما جذور الغيم التصقت أكثر بالتراب والأرواح وذاتي الموشكة علي الخروج من جمجمتي …