الالتفات البصري من النص إلى الخطاب د/عبدالناصر هلال

قراءة أخرى في سيموطيقا التلقي

عبدالناصر هلال

أستاذ النقد الأدبي الحديث جامعة جازان

أقام الشاعر العربي زمنًا طويلا في بيت ضيق، محدد الأركان: مساحة نصية صارمة، اتسمت بالقداسة، جعلته يبوح بكل ما لديه في شيء من الاكتناز التعبيري القائم على التجزئة: وحدة البيت. وعندما تحول البيت إلى سجن للذات حاول الشاعر الجديد الانفلات من محدوديته، وبدأ يبحث عن إطار مناسب لجسده الذي تطاول بفعل حركة الواقع الجديد، فسكن القصيدة بوصفها وحدة بنائية كلية، تمنحه نشوة الوجود ومتعة الحرية، فيطمئن لها، ويستريح عليها من عناء التعب، بل يتطهر في مائها من درن الواقع وغبار الحياة السام، ويحتمي في أرجائها من لوعة الانكسار وهزيمة المواجهة، محاولا التصدي وقراءة العالم في لحظة مكتملة الخيوط، تخطى المفهوم القديم الذي يكسر الذائقة المطمئنة، الذائقة الاعتيادية من خلال النموذج الذي مارس الشاعر القديم تجربته على هديه بوصفه مقياسًا أو أصلا للممارسة الشعرية، لقد تجاوز الشاعر الجديد المفهوم الحضاري والجمالي وانحاز للكشف والاستشراف.

تغيرت الرؤى والإجراءات النقدية في ظل تحول القراءة من نحو الجملة إلى نحو النص، ولكل خطاب أدواته القرائية نظرًا لانفتاحه على جماليات جديدة منها ما يتعلق بالنوع ومنها ما يتعلق بالأنواع الأخرى بوصفه كتابة، لذا برزت فكرة التحول من القصيدة إلى الكتابة.ومن هنا حاولت في هذه الدراسة :”الالتفات البصري من النص إلى الخطاب “التي صدرت في طبعتها الثانية عن دار العلم والإيمان أن

أقدم قراءة أخرى في سيموطيقا  التلقي تعتمد على إجراءات منهجية، فحاولت أن اختبر أدوات قرائية من التراث البلاغي، واوسع من مفهومها، حتى تتناسب مع تغيرات التكوين البنائى للخطاب الشعري المعاصر-أقصد الحداثي منه-، موقنا  بأن مصطلحاتنا القديمة صالحة لاستيعاب معايير ومفاهيم نقدية جديدة في مقابل التسميات الحديثة. فاختارت الدراسة مصطلح “الالتفات” البلاغي الذي كان قائمًا على التحولات والتبدلات والانصراف عن صيغة إلى أخرى أو عن سياق إلى آخر في إطار بنائي محدد في الجملة، ووسعت من مفهومه في ظل التحولات النقدية الحديثة التي تواكب تحولات البني اللغوية والجمالية التي يطرحها الشاعر الجديد في مجمل نصه، فنظرت الدراسة في التكوين النصي وتداخله وتحولاته وحركته الدائبة، فتبنت مفهوم “الالتفات النصي” القائم على حركة البنية النصية المتعددة من خلال آليات عدة تحقق هذا الالتفات النصي.

ثم وسعت الدراسة من هذا المفهوم الذي تحقق عبر حركة اللغة وتغير مساراتها البنائية من حالة إلى أخرى ومن نسق إلى آخر- وتبنت مفهوم الالتفات البصري الذي يتحقق عبر حركة المرئي الذي تخلقه اللغة وآليات تعبيرية أخرى وكيفية تشكلها وإخراجها على الصفحة/شعرية المكان – ينتقل المبدع/الشاعر من شكل كتابي إلى شكل آخر مختلف في بنيته البصرية، مما يجعل من النص نصاً مفتوحاً، متحركا، متعدد القراءة.

وإذا كانت الحركة البصرية- التي تتحقق عبر تجاور نصوص بصرية متحولة وامتزاجها تخلق أبعادًا دلالية فإن التفاتًا بصريًا يتحقق سواء على مستوى النص أم على مستوى الخطاب وهذا اشتغال يعتمد البعد البصري عن وعى وسبق إصرار، وهو الذي يقدم بموجبه النص ومكوناته اللغوية في “فضاء صوري” عن طريق التصرف الخاص للشعراء بلغتهم، وعن طريق إدماج بنيات سيموطقية غير لغوية في الخطاب0

والالتفات في اتجاهيه: اللغوي والبصري يؤدى إلى التأمل، وكسر النمط والرتابة، ويحقق الإدهاش، ولا يعنى الانصراف فقط من-إلى في مستوييه: المسموع والمرئي أو الملفوظ والبصري فهذا مفهوم تلفيقي للعلاقة وتبسيط ساذج ، وإنما الالتفات يؤدى إلى الازدواج والتماهى في آن بين المنصرف عنه والمنصرف إليه.

الالتفات اللغوي أو البصري هو نتاج الإبداع الجديد الذي يعتمد على الحركة والتشعب والامتداد والازدحام والقدرة على التآلف بين المتناقضات.

والالتفات النصي يتحقق في الخطاب الشعري من خلال آليات هي: “الالتفات عبر التناص”، “الالتفات عبر التكرار”، “الالتفات عبر الإيقاع/الموسيقى”، “الالتفات عبر اللغات الأجنبية واللهجة العامية”، “الالتفات المشهدى عبر الارتداد”.

أما ” “الالتفات البصري وشعرية النص” فإنه يتحقق عبر “آليات هى: “الالتفات البصري عبر السواد والبياض”، “الالتفات البصري عبر سمك الخط”، “الالتفات البصري عبر النص والصورة”، الالتفات البصري عبر الشكل الحر والشكل التقليدي”، “الالتفات البصري عبر الشكل المجازى والشكل السردي”.

في الوقت الذي نؤكد فيه على أن مصطلحاتنا التراثية قابلة للتطوير واحتواء مفاهيم جديدة قديمة في الوقت نفسه،كما أنها تتطلب وعيا معرفيا وجماليا جديدين.

كان فى ظني أن الالتفات النصي هو الأعم والأشمل و الالتفات البصري هو الأخص، أي أن الالتفات البصري فرع من الالتفات النصي وهذا أثر يقين المطمئن استناداً إلى تصنيف شجري للالتفات، ولكن عند الانتهاء من الكتابة وجدت نفسي أكثرميلا إلى حسبان الالتفات البصري نوعا مختلفا عن الالتفات النصي، سواء بمعناه المتداول في رؤى الآخرين المهتمين بالحقل النقدي أم المعني الذي طرحته في ثنايا هذا الكتاب، ذلك لأن الالتفات البصري لم يقم على اللغة فحسب، ولكنه قام على ما يسمي بالميتا لغة أيضا، وهذا ما يجعلني أكثر اطمئنانا إلى الفصل بين ما يسمي بالالتفات النصي وما اسميه الالتفات البصري بناء على الوسيط الذي يعد هنا مبدأ للتصنيف القائم على الملفوظ اللغوي في الالتفات النصي، أما وسيط الالتفات البصري فيقوم على علاقات التشكيل البصري التي تؤسس الميتالغة – على اللغة.