نثــار………………………… جمال الغيطاني *

نثــار جمال الغيطاني * أحاول استيعاب ما يقع عليه بصري ، ما أراه الآن وربما لن أعود إليه الكتب الصور المعلقة إلي الجدران ، لوحة تثبت مشهداً من الجمالية أو توحي به النافذة العريضة الأفق المفتوح الممتد كثيراًما توقف ضيوفي القادمون من الخارج اتجهوا إليه مباشرة أتبعوا فضولهم باستفسارات شتي تتوازي رغبتي في البقاء فترة أطول مع الشأن الذي احتواني سنين مع حرص علي الإسراع بالمغادرة الوقت المتاح قصير وما أرغب في إنجازه كثير إضافة إلي الضرروي . فتحت درج المكتب أقلب محتوياته بسرعة ودقة احتفظ فيه بالخطابات الحساسة تلك المتصلة بعلاقات قديمة أو مودات ذبلت لكنها تتردد بين حين وآخر كأصداء عناوين أصدقاء هنا أو هناك ، أرقام هواتف ، بعض صور تعد مرجعية للحنين والطواف بلحظات مندثرة . غداً أتأهب في مثل هذه اللحظة للسفر بعد أن أعددت الامر كله وتكيفت وصرت قابلاً لكل احتمال بهدوء محايد أحتوي المرئيات وأصفي الأحوال طوابع بريد لم استخدمها أقلام رصاص بطاقات حرصت علي الاحتفاظ بها يرن الهاتف . لماذا أرفع السماعة ؟لماذا أبدد وقتاً ثميناً صرت في حاجة إليه ، لكنني أخشي الرنين دائماً ، ذلك الحذر القديم من البرقيات ورنين الهاتف في أي لحظة . يمكن أن تبدأ المويجات العاكمة المؤججة لوقيد ينتشر في صدري لكنها لا تتوالي إلا ليلاً هل ثمة علاقة بين اندلاع الألم واستقرار الليل واكتمال عتمته ؟ رنين .. رنين .. أرفع السماعة يجيئني صوته من عمق . هادئ معقم . ذو مستوي خفيض لا يتقلقل ولا ينفعل واضح مخارج الحروف ألم يعمل مذيعاً محترفاً أكثر من خمسة وثلاثين عاماً قبل تقاعده ولأنه كان مثاليا ولائه وانضباطه وقدرته علي المسايرة المحكمة لم تلحق به الإجراءات التي طالت بعض زملائه من أصحاب الأسماء ذات الانتشار تكريماً له تم إسناد مهمة استشارية في مؤسسة جديدة ذات طابع استشاري يتقاضي العاملون فيها مرتباتهم بالدولار ويتحركون في مبني يحرسه أفراد من الأمن الخاص ، مكيف نظيف أخبرني من زاره إنه يجلس في غرفة فسيحة يغلب عليها اللونان الأزرق والأبيض لا توجد فوق مكتبه ورق واحدة يقول متباهياً لكل من يزوره أن هذا من علامات حسن الإدرة . والمسئول الناجح من لا يكدس الأواق أمامه هذا الخلو يعني أن كافة الامور جري البت فيها أمزق خطابين حرصت علي الإحتفاظ بهما عدة سنوات منذ وصولهما إلي علي مسافة متقاربة إذ أتطلع إلي خطها كأني أصغي إلي أنفاسها ، انقطعت فجأة عن التلقي والرد توقفت مدحوراً واكتفيت بالاستعادة عبر ما علق بروحي وذاكرتي . أين هي الأن إذا كانت حية تسعي ؟ وكيف تتلقي خبر اغترابي النهائي لو وصلها يوماً ؟ أسند السماعة إلي ما بين دماغي وكتفي . يحرر هذا الوضع يدي . يقول سيادته إنه أدار رقمي بمجرد دخوله الغرفة لأن ما فكر فيه طوال الليل قدر أن يفضي به إلي أن أكون أول من يحيط به علماً .أمزق دعوتين قديمتين إلي عرس لم أمض إليه لاأريد أن أدع ما يشير إلي أن تفاصيل تمت إلي حتي وإن تلح الآن غير هامة هذه البطاقات من رحلات مختلفة حصيلة سنوات من الترحال ما حاجتي إليها الآن ، لماذا أتركها للفضوليين ” ماذا تعني بالنسبة إليهم ، بل .. بالنسبة إلي الآن وها انا مقدم علي سفر بعد ساعات أحتمال عودتي منه تماثل اللاعودة وحتي لا يقض مضجعي وحتي لا ينتفي سهادي انتهيت إلي حال من الرضا بما سيكون وما يجري أقصي ما أنتظره إلا أنتظر شيئاً لذلك عكفت وأديت وآخر ما تبقي تلك الوريقات لكنه لا يعلم ولا أنوي إخباره بشئ لم ينتبه إلي محايدة نبري وردودي الصوتية النائية عن اللفظية . يقول إنه منذ صباه اضطر إلي ممارسة أدوار أكبر من عمره ، سيخبرني بما لم يطلعني عليه من قبل إنه شريف منحدر ، من السلالة النبوية الشريف ولديه شجرة معتمدة محورة بخاتم نقيب الأشراف في مصر ، وبطاقة تحمل رقم أربعة وأربعين يحتفظ بها في حافظة نقوده وبطاقاته الحساسة جداً ، التي تحوي تصاريح بدخول بعض الأماكن السيادية . يتمهل . أدقق أسماً أجنبياً من ؟ من صاحبه ؟ لكن .. لماذا أجهد ذاكرة مرهقة في الاستعاد وما تستهدفه التقاط التفاصيل الممكنة ؟ يقول إن وفاة والده المبكرة جعلته يرث المكانة المقدسة له وهو بعد في التاسعة اصبح مقصداً للفلاحين والبسطاء من أبناء البلدة سعوا للتبرك به ولمسه الحصول علي إثاره وفي المولد يركب حصاناً وعلي كتفيه الطيلسان والوشاح ومن حوله الزفة والطبل والزمر والدروايش إلي أين أدي هذا به ؟ أقطع الخطاب المكتوب علي ورق أزرق اللون ، ورد إلي صباح يوم من رئيس مجلس الإدارة يخبرني فيه بقرار جماعي يقضي بترشيحي مندوباً عن المؤسسة مندوب لماذا ؟ واين ؟ اقرأ الرسالة مرة أخري .. ياه هل من المعقول أن أنسي ؟ اذكر بئراً عميقاً في دير قبطي قديم ، لماذا قصدته ؟ يقول إنه انقطع عن اللعب مع أقرانه ذلك أن تصرفاته مرصودة فكل ما يبدر عنه أو يصدر منه يتم تأويله أو تفسيره كل حرف لكم ضاق .. بذلك لكم تمني أن يتسلق شجرة أو يركب حماراً بالمقلوب أو ينزل الترعة ليغطس بعض الوقت ، لكنه لم يفعل لم يتمايل في خطوة لم يسرع . آه .. تطل من جديد من خلال صورة نادرة كنت أخشي التطلع إليها ، ذلك أن مجرد النظر إليها يجهد قلبي ، لكنه الآن واستجاباته مقيدة بأدوية مهدئة وعقاقير سارية حتي يرسو عند اللحظة التي يطاله فيها مبضع الجراح ، كيف سيدو لمن سيراه بعد شق الصدر وارتفاع الحجب ؟ رغم كل شئ وإدراكي المحاذير أو شك علي ذرف دمعة ، هذه الصورة في ساحة المبني الذي يشغله الاتحاد شتاء قارس وحرارة لم اعتدها دون الصفر بكثير أقف مبتسماً بعد نزولي من السيارة فجأة رأيتها تخرج من باب جانبي .. يبدو أنها لمحتني من النافذة كانت ترتدي كنزة من الصوف الرمادي ، وبنطلوناً رمادياً أيضاً تركت معطفها وقبعتها الفرو بداخل .. صرخت مشفقاً عليها بافتسمت مسفرة عن فيض من فتوة وأقبال تبعتها صاحبتها الاكبر سناً وإليها يرجع الفضل في تثبيت اللحظة ، أطيل التحديق هل من المعقول أن أتخلص ؟ كيف ؟ يقول إنه فوجئ بمن يستدعيه ويكلفه بالسفر إلي ليبيا ، كان ذلك آخر عصر الملكية وبسبب خطأ سير ، غير مقصود في البرقية تأجل سفره ، قامت الثورة وفوجئ بقائدها يطلبه بالاسم كيف عرفت اسمه؟ لايدري كيف توصل إليه حتي هذه اللحظة لا يعرف لكن فيما بعد وصلت إليه روايات عديدة متضاربة وماذا لو عدت مرة أخري ، كيف يمكن لي استعادة هذه الصورة ؟ أنها الملمح الوحيد الدال عليها . لا يمكن .. تمزيقها يعني إفناء لحظة مجوهرة راسخة عندي طالما أمدتني بعون علي مواجهة اللحظات الوعرة . لابد من وسيلة ما لأبقيها فإذا .. انتبه هل انت معي ؟ طبعاً … طبعاً يتحدث من غرفة لابد أنها فسيحة هادئة درجة حرارتها مضبوطة مستقرة ، آخر مرة رأيته لاحظت صبغة مشعره الخفيفة ، صوته لا يعرف التعرجات الصاعدة أو النازلة أحدق إلي ما تبقي في الدرج استعيد لحيظات إقدامي علي فتحه، أول ما بدأ به نهاري هنا أضع المفتاح أديره المهم أن يظل الدرج متاحاً لي قبل انصرافي أغلقه متي يقدر لي أن أمد يدي أن أدير المفتاح مرة أخري ؟ يتخذ صوته درجة أقل خفوتاً يتأهب لاستئناف شئ ما كان يقوله .. يؤكد أنه لم يقصد ولم يكن في ذهنه أبداً ولم ينبئه أحد بالأماكنية المتاحة ، ولكنه الخط يتدخل مرة أخري ليدفع به إلي هذا الموقع الفريد . صعب المنال هكذا وجد نفسه مسولاً عن عدة آلاف في وضع حساس وفي فترة دقيقة كانت الأمور فيها تتجه إلي منحني وعر بالنسبة لجميع . أتأمل صورة عثرت عليها مدسوسة بين مظروفين طالما بحثت عنها ، صاحب حميم عن يميني .. ممتلئ فقد الكثير من وزنه الآن بعد تمكن داء السكر منه ، نجلس متجاورين نحدق إلي الأمام في اتجاه واحد مبتسمين آمنين إلي يساري صاحبي الآمن ، الذي كانت أوي إليه وأصغي لابتسامته بعد لا أقدر وعلي تعيينه . تلك أمور لا قابلية لها عنده لكنها المفارقات .. إذ تثري التفاصيل لا يدري أيضحك أو يبكي أنها ابتسامة ذات ملامح مألوفة ، لكن ماذا يصل منها ؟ لماذا غموضها ؟ لم أتصور الأم هكذا . إنها الأبدية أنها الأبدية هنا تبدو أهمية الرأي والمشورة طالما بحثت . طالما أملت في عثور مفاجئ واجهت ، قررت ، لكنني لم أستغؤرق مهما حاولت ، فلابد من مسافة ما غير أن لحظة معينة تحل فتجهيز علي أي بات إلي أين ؟ صعب هذا النزوع هذا التوق لكنه الأمر كله .. إذا بدا .. ماذا يبقي ، وماذا يبدو ؟