السلطة والمثقفون …………………………. د. صلاح فضل

محاضرة

السلطة والمثقفون

د. صلاح فضل *

إعداد محمد عصفور

في إطار موسمه الثقافي اقام نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء 22/11/ 2000 محاضرة تحت عنوان ” السلطة والمثقفن ” ألقاها المفكروالناقد العربي المعروف الأستاذ الدكتور / صلاح فضل المستشار الثقافي لمصر في إسبانيا والمدير السابق لمعهد مدريد للدراسات العربية وصاحب الدراسات الرائدة في الفكر العربي والمعاصر وتأتي هذه المحاضرة من منطلق التغيرات الثقافية والسياسية والاجتماعية إلي يشهدها واقعنا العربي مرحلة الراهنة ، ودور المثقفين تجاه هذه المتغيرات وفيما يلي عرض لأهم ما جاءفي هذه المحاضرة حيث استهلها الدكتور صلاح فضل مبيناً أنه إذا كانت هناك دائماً فجوة مؤرقة بين الفكر والممارسة فإنها في حالة المثقفين أشد تفاقما وخطورة لأن لعبتهم هي الكلام ومن ثم فإن إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة تفرض علينا تأمل حالات عينية قبل استخلاصالنتائج التحليلية .

أريد أن اشير هنا إلي تعريف وظيفي محدد يرتضيه علماء الاجتماع المحدثين يري أن المثقفين هم عادة جماعة صغيرة تتألف من أولئك الذين يهتمون مباشرة بإنتاج الأفكار عن طريق الابتكار والنقل والنقد ، وهم يتشكلون من الفنانين المبدعين والفلاسفة والعلماء والمؤلفين المتخصصين في نظريات الأدب والاجتماع وعلوم الاتصال .

ويلاحظ عليهم أن أفكارهم تعتمد إلي نطاق أبعد م نمجالاتهم المهنية إذ ينشغلون بالأوضاع العامة للمجتمع ولا يقتصرون علي الإنتاج الأدبي أو المعرفي الذي يعنون به ، بحيث يمثلون قادة الرأي والفكر .

ويؤكد هشامك شرابي أن ما يميز المثقف في أي مجتمع صفتان أساسيتان .

–       الوعي الاجتماعي الذي يمكن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه بمنظور شامل.

–       كذلك الدور الاجتماعي الذي يحققه بهذا الوعي .

بينما يبرز برهان غليون الطابع الديناميكي الجماعي للمثقف ، حيث يري أن المثقفين هم تلك المجموعة من الناس التي تتميز عن غيرها بأنها تجعل من التفكير في الواقع والسعي للمصلحة العامة أحد همومها الرئيسية وتشارك في الصراع الاجتماعي والسياسي .

أما السلطة فهناك تعريفات عديدة لها وإن كانت غير مجهولة في أجهزتها وآلياتها علي اعتبار أن السلطة هي قوة ذات طابع نظامي رسمي ترتبط بمنصب أو موقع أو وظيفة رسمية معترف بها في المجتمع وتخول لصاحبها حق إصدار القرارت التي لها صفة الإلزام بالنسبة للآخرين وتمنحه في الوقت ذاته حق توقيع الجزاءات علي المخالفين .

من ثم فإننا في هذا التحليل الموجز سنقوم بعرض النماذج علي محور ثنائي هو السلطة السياسية والدينية لاكتشاف أشكال علاقة المثقف العربي في مصر بهما علي وجه التحديد ، وبوسعنا أن نتصور هذه العلاقة مبدئياً وهي تتراوح بين ثلاثة أوضاع لثلاثة أنواع :

أولاً: مثقف السلطة ، وهو الذي يضع فكره ومهارته ورأيه وخبرته في خدمة السلطة .

ثانياً: المثقف المتعاون مع السلطة وهو النموذج الغالب ويتفاوت مدي التعاون طبقاً لأهداف السلطة في توظيفها للمثقفين من ناحية وقدرة هؤلاء علي التوافق النسبي مع هذه الأهداف .

ثالثاً : نموذج المثقف المضاد للسلطة ، المناضل في وجهها ولابد أن يكون منفياً أو مهاجراً ، وقد كان هذا كثير الحدوث في حالات السلطات فاقدة الشرعية بشكل فادح ، مثل سلطات الاحتلال لكن هذا التقسيم نظري وافتراضي بحت ، وهو يتحدث عن المثقفين في ممارساتهم العملية ، مغفلاً جانباً هاماَ من كينونتهم الفكرية ، كما تتمثل في الخطاب الثقافي علي وجه التحديد ، فهناك خطاب تبريري يعبر عن مثقف السلطة ، ويفقد مصداقيته ، وهناك خطاب نقدي يحافظ علي مسافة الاستقلال الضرورية ويرقب مواقف السلطة بحذر ، وهناك الخطاب النقضي الغارق في أيديولوجيته المضادة ، المسرف علي نفسه في الرفض والسلبية .

طه حسين مثقفاً

كان طه حسين يري أنه ليس كل متعلم مثقفاً بالمعني الدقيق للكلمة فالمثقف عنده هو الشخصية العصرية ، ويحدد مسئولية هذه الشخصية بالقياس إلي البيئة التي تعيش فيها بمقدار ما يكون لها من حظ في الثقافة أو العلم ، وذلك أن الإنسان – علي حد تعبيره  لا يحسن العلم ليجعله شيئاً بينه وبين نفسه دون أن ينفع به أحداً ممن يعيشون معه في بيئته أو وطنه .

ثم يقول إني معجب بهؤلاء المثقفين من المصريين نشأوا في بيئة معادية للثقافة أشد العداء ممانعة لها أشد الممانعة وقد بدأوا بأنفسهم فحرروها من كثير من التقاليد الثقيلة الفادحة قاومهم الشعب لأنه لم يفهم عنهم وقاومهم السلطان لأنه راي فيهم قادة الحرية والهداة إلي الاستقلال ( مستقبل الثقافة في مصر ) .

وقد كان هذا الموقف النظري لطه حسين محصلة ممارسة عملية عبر نصف قرن من العمل الفكري والإبداعي ، فماذا كانت علاقة طه حسين بالسلطتين الرئيستين :

السياسية والدينية ؟

– لقد اشتبك معهما في صراع وجود منذ اللحظة الأولي :

اصطدم بالسلطة الدينية للأزهر عام 1912 – وهو في الثالثة والعشرين من عمره – عندما تقدم لامتحان العالمية فرفضت إجازته لتمرده – واصل الاصطدام بها – وبالسلطة السياسية المتمثلة في مجلس النواب – عندما قدم للمحاكمة عام 1926 م علي كتابه في الشعر الجاهلي وعلي الرغم من تبرئة النيابة له ، فقد صدرت عدة كتب لإدانته مثل ” تحت راية القرآن ” لمصطفي صادق الرافعي .

–  اصطدم بالسلطة السياسية بعد عامين فقط سنة 1928 عندما رشح ليكون أول عميد عربي لكلية الآداب فاعترضت حكومة الوفد ، وتولي العمادة يوماًُ واحداً ثم استقال لترسيخ مبدأ أحقيته .

–  عين بعد ذلك عميداً للكلية ذاتها عام 1930 م لكنه بعد عامين أيضاً رفض منح درجة الدكترواه الفخرية لشخصيات سياسية بعيدة عن العمل العلمي والثقافي فأقيل من منصبه وتم إبعاده عن الجامعة كلها .

–  عاد عميداً للآداب عام 1936 لمدة ثلاث سنوات انتدب بعدها مديراً مؤسساً لجامعة الإسكندرية ثم أحيل إلي التقاعد الجبري بعد عامين .

–       تولي وزارة المعارف في حكومة الوفد الأخيرة .

–       همشته حكومة الثورة ، بالرغم من حصوله علي أول جائزة تقديرية .

–       كذلك هادن طه حسين السلطة الدينية بسلسلة كتب فيما أسماه الأدب الديني .

نستطيع أن نخلص إلي الملاحظات الآتية :

–  لم يكن طه حسين مثقف سلطة في يوم من الأيام حيث ظل كما قال بحق محتفظاً بحريته وكرامته إلي ابعد حد ممكن .

–  مثلاً رفض بروتوكولياً تقبيل يد الملك فاروق عند توليه الوزارة مكتفياً بالإشارة علي مضض لشكر ولي النعم  .

–  أشار علي الضباط الأحرار بتسمية حركتهم ثورة بدلاً من الحركة المباركة ، لكنه لم يتحول إلي داعية لها .

–  تعرض لهجوم شرس من أقصي اليسار واليمين المتطرفين ، ومع أنه قد ألفت كتب لتكفيره فإن تأثيره الساطع علي الحياة الثقافية العربية لم يأفل حتي الآن .

* نجيب محفوظ – خطاب عن السلطة :

النموذج الثاني من الخطاب الثقافي المصري ستأخذه من أحدث ما نشر عن نجيب محفوظ يقول عن علاقته بالسلطة ” أنا مش بتاع سلطة ” فلم تكن السلطات في يوم من الأيام هدفي ومأربي ، لأنني ما كنت أستطيع الجمع بين السلطة والأدب ، فالأديب الذي يقدس مهنته ويعشق قلمه يفضل أن يبتعد عن السلطة بهمومها ومتاعبها ومشاغلها والتزاماتها ، السلطة الحقيقية التي طالما حلمت بها هي سلطة الأدب والفن .

وسلطة الأدب أسمي وابقي وأدفع من السلطة الإدارية .. من أجل الأدب أبتعدت عن العمل السياسي فلم انضم إلي حزب أو تنظيم سياسي لا قبل الثورة ولا بعدها .

فأنا إذا لم أكن ضد النظام ، بل كنت أنقذ غياب الديمقراطية في هذا النظام ولم تكن الديمقراطية من المحرمات ، بل هي المبدأ السادس من مبادئ الثورة ، وليس معني ذلك أنني كنت نائماً في العسل بعيداً عن المخاطر والمتاعب في مرات عديدة كنت علي حافة الهاوية .

يقول عن السادات : ” عندما وقعت حادثة المنصة التي قتل فيها السادات ، كنت أيامها أنشر رواية في جريدة “مايو ” التي تعتبر جريدة السادات واسم الرواية ليالي ألف ليلة ” وفي الرواية تحريض علي قتل الحاكم فلما وقعت حادثة المنصة توقف نشر حلقات الرواية لمدة أسبوعين لضيق المساحة ، ثم عادت الجريدة لنشر بقية الحلقات وصدرت في كتاب .. ويعد صدور الكتاب قرأت مقالة نقدية للدكتور يحيي الرخاوي الطبيب النفسي المعروف ، عن الرواية يؤكد فيها أنني تاثرت بحادث قتل السادات وأن العنف الموجود في الرواية هو نتيجة لمتابعتي للحادث ، ويبدو أن الدكتور الرخاوي لم يعرف أن الرواية نشرت في جريدة مايو قبل صدورها في كتاب وأن النشر كان سابقاً للحادث ، وحمدت الله أنه لم ينتبه إلي ذلك فلربما اعتبرني من بين المحرضين علي الجريمة وقدموني للمحاكمة أما علاقة محفوظ بالسلطة الدينية فقد ظلت متوترة في إطار المسالمة الظاهرة ولكنها انفجرت في مناسبتين مترابطتين :

أولاهما : عام 1958 عند صدور روايته ، أولاد حارتنا ثم الاتفاق الضمني بقرار غير مكتوب علي منع نشرها في مصر ، بعد حصوله علي جائزة نوبل .

وثانيتهما : في 14 أكتوبر عام 1994 في محاولة اغتياله ذبحاً عقوبة له علي هذه الرواية بيد متعصب ديني أحمق لم يقرأ للكتاب عملاً واحداً .

لكن مواقف محفوظ ضد الهيمنة الدينية المتعصبة بالرغم من مسالمته الوديعة مشهورة ومعروفة من ابرزها معارضته لفتوي إهدار دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي .

–  لم يكن محفوظ كاتب سلطة تبريري ولا كاتباً مناقضاً يعارض السلطة علي طول الخط فقد احتفظ بموقفه النقدي .

–  ظل نجيب محفوظ في خطابه الإبداعي والصحفي وحياته الاجتماعية من أخلص المثقفين لمبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية .

  • لويس عوض – المختلف :

الحالة الثالثة لمثقف مختلف عنيد وعارم هولويس عوض ، والنموذج الذي سنعتمد عليه من خطابه هو من أواخر وما كتب في ” أوراق العمر ” حيث يقول: عشت في الخرطوم السنوات الخمس الأولي من حياتي وقد جعلتين من أشد المصريين إيماناً بالإخاء المصري السوداني ، وقد حزنت حزناً عميقاً يوم قرر السودان الانفصال عن مصر في استفتاء 1955 م وكنت في بادئ الأمر كأكثر المصريين ألوم سياسة عبدالناصر في تعامله العنيف مع محمد نجيب  بأنها أدت إلي الانفصال فقد كان السودانيون يرون في محمد نجيب رمزاً لوحدة وادي النيل بسبب دمه المصري السوداني المختلط .

وقد ظللت علي إيماني بوحدة وادي النيل حتي كان انفصال سوريا عن مصر عند ذلك عدلت مواقفي من كافة أنواع الوحدة والإتحاد الفيدرالي وأصبحت أكتفي بأنواع من التقارب الإقليمي أقل مجازفة وأكثر طبيعية كان لويس عوض نموذجاً للمثقف العضوي السياسي الذي خاض معارك ضارية من أجل آرائه ضد رموز السلطة السياسية والدينية معاً .

–  كانت أول ارتطاماته بالسلطة عندما استقال من عمله كمشرف علي صفحة الأدب بجريدة الثورة “الجمهورية ” احتجاجاً علي استخدام العنف ضد المتظاهرين .

–       فصل من عمله في الجامعة مع 54 أستاذاً من المطالبين بالديمقراطية .

–  أعتقل لمدة ستة عشر شهراً مع الشيوعيين ، ثم أفرج عنه وعاد للعمل بجريدة الجمهورية ريثما أنتقل بعدها إلي صحيفة الأهرام .

–       أبعد عن الأهرام ي أزمة السادات مع المثقفين عقب توقيع الاتفاقية وكتب في مجلة المصور .

–  أما أول ارتطاماته بالسلطة المحافظة فكانت ديوانه المبكر بلوتولاند الذي نشره ودعا فيه إلي كسر رقبة البلاغة العربية والكتابة بالعامية .

–  لكن مقالاته من المعري ورسالة الغفران فجرت أعنف معاركه مع الأستاذ محمود شاكر زعيم المحافظين السلفيين وعدو طه حسين .

–  أخطر معارك لويس عوض الفكرية مر بصمت بلليغ لأنه كتابه ” فقه اللغة العربية ” الذي اعتبر عدواناً علي الفكر الديني والأصالة العربية قد صودر عام 1981 ولم يسمح له بالدفاع عنه .

–  لم يشترك في تبرير الناصرية وإن ظل يدافع بضراوة عن منجزاتها ولم يقع في شرك العداء المطلق للسلطة محافظاً علي شعرة معاوية ، ومع أنه كان علمانياً في مجتمع تقليدي فقد مارس فعالية ثقافية خلاقة ونادرة .

  • ملاحظات عامة :

بالرغم من محدودة هذه النماذج التي اخترناها من الخطاب الثقافي المصري في علاقته بالسلطة فإنها تمثل جيلين كاملين وتبرز حقيقة بادهة ، وهي أن المثقف المؤثر في حركة الفكر والحياة في المجتمع لتنمية وعيه وتحديث بنيته لا يمكن أن يكون مثقف سلاطة لصيقاً بها مبرراً لأخطائها . كذلك فإن الجناح الآخر من متشنجي اليسار ومتطرفي اليمين مما كانوا يمتلكون موهبة فكرية أو إبداعية قد خسروا في عدائهم للسلطة فرص التواصل مع النأس والتأثير في توجهاتهم فضمرت إمكاناتهم .

بقيت ملاحظة أخيرة تتعلق بما تبلور من إستراتيجية واضحة للمثقف العربي في مصر حول منظومة القيم الموجهة لحركته وعلاقته بالسلطة وهي القيم التي تقود خطاه في إنتاجه الفكري والإبداعي ومواقفه العامة وتتلخص في الدفاع المستميت عن الحريات بكل تجلياتها ومظاهرها ،واعتبار التطور الديمقراطي هو أنجح الوسائل لتحقيق التقدم وترسيخ مبادئ التفكير العلمي في مواجهة الغيبيات.

فالحرية والعلم والعدالة محددات المثقف العربي في مصر تجاه السلطات كلها.

الاستشراق في جامعة ياجيلونسكي في كراكوف

د/ بربارة ميخالاك – بيكولسكا  *

مدينة كراكوف هي واحدة من أكبر وأقدم المدن البولندية في عام 1038 جعل منها الملك البولندي Kazimiez Odnowiciel ( كاجمييج اودنوفيتشيل ) عاصمة للدولة البولندية أن اقدم مقر لجامعة ياجيلونسكي هو مبني (كوليجيوم مايوس) الذي يعتبر من بين أروع الأبنية في الجزء القديم من كرادوف ، إذ يعود تاريخ بنائه إلي القرن الخامس عشر ، وفي عام 1978 أعلنت منظمة اليونسكو هذه المدينة مركزاً محمياً للتراث الثقافي العالمي وهي حالياً العاصمة الأوروبية للثقافة .

في عام 1364 أسس الملك البولندي ( كاجمييج فييلكي ) في مدينة كراكوف عاصمة المملكة البولندية آنذاك ، جامعة كانت الأولي من نوعها في أوروبا الوسطي ويرجع أن مقرها ذلك كان قائماً في القصر الملكي ” فافيل” علي مرأي من عيني الملك نفسه ولم يمض وقت طويل علي تاسيس هذه الجامعة حتي شغلت مكاناً مرموقاً في الثقافة العالمية كان ( ستانيسواف من سكاربيمييج ) ( المتوفي عام 1431 ) أول رئيس لها ، ويعتبر اليوم أحد واضعي القانون الدولي العام أزدهرت جامعة كراكوف في مجالي الرياضيات وعلم الفلك في النصف الثاني من القرن الخامس عشر وقد درس فيها في الفترة 1491 – 1495 عالم الفلك الشهير نيقولاوس كوبرنيكوس صاحب النظرية – الثورة ( عن دوران الأجسام الزرقاء ) ، ومما يدل علي مكانة الجامعة العالمية المميزة في ذلك الوقت إزدياد عدد الطلاب الأجانب في صفوفها حيث بلغت نسبتهم 44 % من مجمل عدد الطلاب الدراسين خلال الفترة الممتدة من 1433 – 1510 ، واصبحت كراكوف إلي جانب إشبيليا وتوليدو المركز الأكاديمي الأكثر شهرة واضحت وجامعتها مركزاً هاماً لعلوم الجغرافيا أيضاً ، وقد تم إدخال تعليم اللغة اليونانية إلي حقل التدريس في بداية القرن السادس عشر الأمر الذي شكل سابقة لا مثيل لها في أوروبا وفي ذلك العصر نشأ فيها شعراء مشهورون بولنديون مثل (يان كوخانوفسكي ) ( ميكواي ري ) و
( أندجي فريتش مودجييفسكي ) وفي نهاية القرن السابع عشر كان الملك البولندي
( يان سوبيسكي الثالث ) أحد طلاب هذه الجامعة التي شهدت في القرن الثامن عشر تطورات إيجابية حيث بدأ فيها التعليم المنظم للغات أجنبية مختلفة كالفرنسية والألمانية وأدخلت إلي مقرراتها محاضرات حول القانون البولندي والهندسة العسكرية وقد أجري رئيسها البولدني في تلك الفترة ( هوغون كرونتاي ) إصلاحات جذرية فيها فأحدثت بنية تنظيمية جديدة لها وأنشئ مرصد فلكي وحديقة للنباتات ومستوصفات سريرية بالإضافة إلي ذلك بني أول مخبر فيها أخذت المحاضرات تلقي في أقسامها باللغة البولندية ومنذ بداية عام 1817 أصبح اسم هذه الجامعة ” جامعة ياجيلونسكي ” وغدت إحدي أكثر الجامعات أهمية في عالم العلم ، وكان لتوسيع البنية التحتية لهذه الجامعة الفضل الأكبر في الوصول إلي ذلك المستوي العلمي الرفيع في العام الدراسي الذي سبق الحرب العالمية الأولي كان في هذه الجامعة 97 قسماً وأكثر من ثلاثة آلاف طالب وطالبة وقد بدأت الطالبات بالدراسة في هذه الجامعة منذ عام 1897 .

لقد كان وضع جامعة ياجيلونسكي تحت نير الاحتلال النازي اثناء الحرب العالمية الثانية مأساوياً ، في السادس من شهر نوفمبر عام 1939 قام الألمان بدعوة أساتذة الجامعة لمحاضرة كانت بحقيقتها خدعة حيث قام رجال الأمن الألمان باعتقال 144 أستاذاً ومعيداً وعددا من طلاب الجامعة وأرسلوهم جميعاً إلي معسكرات الاعتقال والتعذيب وأغلقت الجامعة وتم فك وتخريب الكثير من تجهيزاتها ونقل الجزء الكبير منها إلي ألمانيا لكن إرادة العلم عند كوادر هذه الجامعة وطلابها بقيت حية وبدأ التعليم ينشط من جديد سراً . فحتي نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 تلقي العلم فيها سراً حوالي 800 طالباً ، وفي العام الدراسي الأول بعد الحرب بلغ عدد الطلاب المسجلين فيها أكثر من خمسة آلاف ولسوء الحظ بدأت في عام 1948 فترة سيئة في تاريخ هذه الجامعة ، حيث شملتها سلبيات ما سمي بفترة الحكم الستاليني ، ولكن عام 1956 شكل نقطة انعطاف حيث بدأ الأساتذة المبعدون من قبل بالعودة إليها وفي عام 1964 احتفلت جامعة ياجيلونسكي بذكر مرور 600 سنة علي تأسيسها .

تتألف هذه الجامعة حالياً من إحدي عشرة كلية هي : الحقوق والإدارة والفلسفة ، التاريخ الآداب الرياضيات والفيزياء البيولوجيا وعلوم الأرض الكيمياء وكلية إدارة الأعمال والعلاقات الاجتماعية وابتداء من 12 مايو عام 1992 عاد كوليجيوم الطلب ليصبح إحدي كلياتها ويتخذ رئيس الجامعة وعمداء كلياتها مقاراً لهم في مبني كوليجيوم نوفوم الذي تم بناؤه في عام 1887 ، بالقرب منه يوجد مبني كوليجيوم مايوس الذي يعتبر أول كوليجيوم للأساتذة وقد كان في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مقراً لمكتبة ياجيلونسكي ، أما متحف جامعة ياجيلونسكي ، المتواجد حالياً في هذا المبني والذي يضم مجموعة من التجهيزات القديمة المعدة للتعليم وتذكرات من مختلف فترات عمل الجامعة وصوراً عديدة لأساتذتها هو دليل حي وقاطع يثبت أن جامعة ياجيلونسكي هي أقدم مؤسسة تعليمية في بولندا .

تعود بداية تاريخ قسم الاستشراق في كراكوف إلي عام 1919 عندما تم بناء علي اقتراح من الأستاذ تاديوش كوفالسكي تنظيم ندوة نحول موضوع آداب الاستشراق درس تاديوش كوفلسكي في فيينا وكان مدرسه الأستاذ وهو العالم الكبير في مجال الأدب العربي الكلاسيكي وقد بدأ العمل عام 1911 / 1912 في جامعة ستراسبورغ التي عمل فيها آنذاك محاضران قديران في مجال الاستعراب والاستشراق هما وفي عام 1914 حصل تاديؤش كوفالسكي من جامعة ياجيلونسكي علي درجة بروفيسور مساعد بعد تقديمه الطبعة النقدية لديوان الشاعر العربي القديم قيس بن الحاتم وترجمته وكانت هذه أول درجة علمية بهذا المستوي تم تحقيقها في مجال الاستعراب في تاريخ العلوم البولندية ولم تقتصر اهتمامات تاديؤش كوفالسكي العلمية علي الشرق الأوسط العربي بل طالت أيضاً تركية وفارس .

وكمستعرب فقد أنصب اهتمامه علي الشعر العربي القديم ، إذ صدر من بين ما أصدره ديوان قيس بن الحاتم (1914) وكعب بن زهير (1950) وذلك بالتعاون مع الأستاذ تاديؤش ليفيتسكي عدا ذلك اهتم بنظرية الادب العربي وأثمر ذلك كتاباً نشره تحت عنوان ( محاولة وصف وتصوير الإنتاج الأدبي العربي ) (1932) وفي عام 1935 أصدر في كراكوف كتاباً بعنوان  ( علي دروب الإسلام ) وهو عبارة عن مقتطفات من تاريخ ثقافتا الشعوب الإسلامية أما في عام 1946
فقد نشر مجموعة من تقارير فبراهيم بن يعقوب عن سفره إلي البلدان السلافية نقلها البكري (1) .

ولمع اسم أستاذ آخر في مجال الاستشراق هو وكانت له شهرة عالمية ولد ليفيتسكي في التاسع والعشرين من شهر يناير 1906 في مدينة لفوف ، وبدأ فيها عام 1925 دراسة الحقوق وذلك في جامعة يان كاجمييج في عام 1928 سافر إلي باريس حيث درس العلوم السياسية واللغات الشرقية وكان راغباً في الوقت نفسه بالعمل في المجال الدبلوماسي وبالسفر إلي بلدان العالم الإسلامي ، ومن هناك سافر للمرة الأولي إلي الجزائر حيث عاش في الوسط العربي عدة شهور وقام برحلته الأول يفي الصحراء في لباس رجال البدو ورافق رعاة الجمال ، وقد كان لاتصالاته بالعالم العربي في سن شبابه تأثير كبير علي مسيرة حياته كاملة وبعد عودته إلي لفوف بدأ رداسة الاستشراق تحت إشراف الأستاذ ( زيغمونت سموغوجيفسكي ) الذي كان في دراساته مهتماً بالدرجة الأساسية بطائفة العبادية المسلمة في عام 1931 نال درجة الدكتوراه بعد تقديمه بحثاً عن تاريخ إفريقيا الشمالية في فترة مبكرة من العصور الوسطي وقد ضمه الأستاذ سمو غموجيفسكي إلي دائرة المهتمين بطائفة العبادية ويشكل أساسي إلي اتباعها من مزاب في الصحراء الجزائرية الوسطي ومن المغرب العربي ومن جزيرة جرية وعمان ، وقد تابع الأستاذ اهتمامه بهذا المجال حتي نهاية حياته وأصبح أكثر الباحثين اعتبارا وشهرة في اوربا في هذا الاختصاص أن حصوله علي منحة في جامعة السوريون في الفترة 1932 – 1934 مكنه من جمع الكثير من المواد العلمية عن تاريخ السلافيين واللغة العربية وآدابها حيث نشرها لاحقاً في عمله الذي يحمل عنوان ” بولندا والدول المجاورة لها في ضوء ” كتاب روجير ” لعالم الجغرافيا العربي الإدريسي في القرن الثالث عشر ( الجزء الأول 1945 والجزء الثاني 1954 ) .

في عام 1948 ترأس تادؤش ليفيتسكي قسم الاستشراق في جامعة ياجيلونسكي وحوله في عام 1972 إلي معهد للغات الشرقية وآدابها الذي ضم وقتذاك الأقسام التالية : قسم اللغة العربية وآدابها ، قسم اللغة الفارسية وآدابها وقسم اللغة التركية وآدابها وقسم اللغة الهندية وآدابها ، ثم قسم اللغة اليابانية وآدابها منذ عام 1989 .

وهكذا جعل ليفيتسكي من قسم اللغات الشرقية وآدابها الذي خلفه الأستاذ تاديؤش كوفالسكي بعد وفاته ، معهداً له شمولية أوسع في مجال البحث ليشمل بلدان وثقافات الشرقين الأقصي والأوسط وصولاً حتي إفريقيا ويفلض جهود هذا الأستاذ نشأت في عام 1959 مجلة (فوليا أورينتالنا ) عدا ذلك طلب منه التعاون والمساعدة في إعداد الطبعة الثانية لموسوعة الإسلام حيث أغناها بالتعابير والمفاهيم التي تخص تاريخ إفريقيا الشمالية وثقافتها ولهجاتها .

ومنذ بداية الستينات انخرط الأستاذ ليفيتسكي في إجراء ابحاث حول تاريخ إفريقيا ، وعلي وجه الخصوص اهتم بالكتابة حول البربر .

قبيل نهاية الخمسينات قام الأستاذ ليفيتسكي بإنشاء شعبة الدراسات المتعلقة بالقطع النقدية والاوراق المالية في معهد تاريخ الثقافتا التابع للإكاديمية البوندية والأوراق المالية في معهد تاريخ الثقافات التابع للأكاديمية البولندية للعلوم .

تحولت هذه الشعبة في عام 1968م إلي شعبة خاصة بدراسة مصادر الاستشراق واصول القطع النقدية والأوراق المالية في معهد اللغات الشرقية وآدابها ، وقد شجعه علي اتخاذ هذه الخطوة العثور علي قطع نقدية عربية في الأراضي البولندية .

وبعد عدة سنوات من ذلك الوقت قام بتوسيع مجال عمل هذه الشعبة لتشمل الأبحاث المتعلقة بمصادر الاستشراق التي بدأها بنفسه قبل ذلك الوقت بعدة سنوات عندما أصدر في عام 1956 الجزء الأول بعنوان ( المصادر العربية المتعلقة بتاريخ حياة الشعوب السلافية ) ، وكذلك كان الأستاذ ليفيتسكي أول من ترجم كتاب ألف ليلة وليلة إلي اللغة البولندية ترجمة كاملة ، وقد نشرت في وارسو في عام 1974 ، تتالف قائمة الأعمال والكتب التي أصدرها الأستاذ ليفتيسكي في الفترة 1929 – 1993 من نحوالي خمسمائة نقطة تشمل المقالات والأعمال النقدية والكتب التي تتناول بالإضافة إلي طائفة العبادية المسلمة تاريخ العصور الوسطي لكل من أوروبا وإفريقيا الوسطي وجنوب شرق آسيا (2) .

وهناك اسم لامع آخر في هذا المجال هو الأستاذ (رومان ستويا ) (1885 – 1995) الذي بعد انتهائه من دراسة الأدب الكلاسيكي بجامعة ياجيلونسكي سافر إلي إفريقيا الجنوبية وتعلم هناك اللهجات المحلية وكان المتخصص الوحيد في مرحلة الأربعينات بعلم لغات ما سمي بإفريقيا السوداء وقد حاضر وقتذاك في مجال اللغات السواحلية والهوسة والكوشي .

أما الأستاذ Andrzel Cazapkiewicz  (1929 – 1990 ) فكان شخصية بارزة في مجال اللغة العربية ولهجاتها وكذلك في مجال اللغات السامية في الفترة 1948 – 1952 درس اللغة العربية وآدابها في جامعة ياجيلونسكي تحت إشراف الأستاذ تاديؤش ليفيتسكي بعد التخرج عين معيداً مساعداً للأستاذ ليفيتسكي وفي عام 1964 نال درجة الدكتوراه بع تقديمه بحثاً عن ( العناصر المصرية والقبطية القديمة في أصول واشكال التسميتا في مصر الحديثة ) وقد نشر هذا البحث في كراكوف عام 1971 ، وفي عام 1975 صدر له في مدينة فروتسواف البولندية كتاب بعنوان الفعل في اللهجات العربية المعاصرة وقد عني هذا الكتاب بمشاكل علم اللغة في العالم العربي كما هو الحال أعماله الأخري مثل ( نصوص تجريبية من مآدبة ) التي صدرت في فروتسواف في عام 1960 والمصطلحات العربية التي صدرت في عام 1983 وتشير عناوين إصدارات الأستاذ تشابكيفيتش إلي اتجاهين أساسيين في أبحاثه المنصبة علي مجال عمل اللغات أولهما : علم اللغات وتاريخ علم اللغة في العربية ، وثانيهما : دراسة أو جمع القطع النقدية والأوراق المالية العربية ، وأصدر في هذا المجال بالاشتراك مع وتاديؤش ليفيتسكي دراسة علمية بعنوان ( خزينة الدراهم من تيشخوف ) التي نشرت في فروتسواف عام 1957 عدا ذلك قام الأستاذ تشابكيفيتش بكتابة عدة مؤلفات لتعليم اللغة العربية منها نتعلم اللغة العربية في عام 1977 ومختارات من النصوص العربية الاختصاصية في عام 1982 (3) .

وقد ترقي الأستاذ تشابكيفيتش بعد أن تقاعد الأستاذ تاديؤش ليفيتسكي ليصبح في عام 1976 مديراً لمعهد اللغات الشرقية وآدابها وشغل في نفس الوقت منصب رئيس قسم اللغة العربية وآدابها ورئيس شعبة دراسات القطع النقدية والأوراق المالية والمصادر الشرقية .

أما الأستاذة Maria Kowalska  فهي متخصصة قديرة في مجال تاريخ الأدب العربي المتعلق بالجغرافيا والترحال ولدت في عام 1919 وإلي الآن تدير حلقات بحث للطلاب المتقدمين لشهادة الماجستير وهي تلميذة للاستاذين تاديؤش كوفالسكي وتادؤش ليفيتسكي وتتابع أعمالهما ومسيرتهما وقد نالت شهادة الدكتوراه في عام 1965 في بحث تقدمت به عن الجغرافيا العربية بعنوان مصادر القزويني عن آثار البلاد ، وهي مؤلفة كتب عديدة قيمة مثل كتاب ( أدب الترحال العربي في العصور الوسطي ) الصادر عام 1973 وكتاب أكرانيا في منتصف القرن السابع عشر استناداً إلي تقارير الرحالة العربي بولص بن المكري من حلب الصادر في وارسو عام 1986 ، في الفترة 1994 – 1999 شغلت منصب رئيس قسم اللغة العربية وآدابها معهد اللغات الشرقية وآدابها في جامعة ياجيلونسكي ولا يزال لها دور فعال في تطوير علم الاستشراق في بولندا من انب آخر ترأست الأستاذ كوفالسكا لسنوات طويلة فرع جمعية الاستشراق البولندية في كراكوف وإلي اليوم هي عضو في مجلس إدارة مكتب أبحاث الاستشراق .

ويتناول الأستاذ باهتمام كبير المسائل المتعلقة بعلم اللغة العربية السامية ويهتم بشكل رئيسي باللهجات وبالبنية التركيبية للغة العربية المعاصرة ، ومنذ سنوات طويلة يحاضر خارج البلد في جامعات النمسا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا ، وهو متخصص في اللهجة المصرية وقد أصدر كتابين حول اللهجة المصرية ، الأول في عام 1982 بعنوان ( اللهجة المصرية في اللغة العربية ) والثاني في عام 1988 بعنوان ( محادثات باللغة العربية – اللهجة المصرية ) بالإضافة إلي ذلك قام بتأليف العديد من الكتب المخصصة للهجات العربية .

من بين الشخصيات اللامعة الأخري الأستاذ Ardzej Kapiszewski  الذي  يحاضر في مادة ثقافة العرب من عام 1999 وقد شغل من قبل منصب السفير البولندي في دولة الإمارات العربية المتحدة في الفترة 1995 – 1997 أصدر العديد من المؤلفات عن بلدان دول شبه الجزيرة العربية أهمها بعنوان Native Arab  Population and foreign workers in the gulf states social  Economic and  securitu issues   التي صدرت في كراكوف في 1999 وكتاب Nationals and expatriates population and labour Dilemmas for the gulf corperation council states .   الذي صدر في لندن عام 2000م .

الشخصية الأصغر سناً بين كار الأساتذة هذا هي الأستاذ بربارا ميخالاك بيكولسكا التي تتناول في دراساتها الادبي العربي المعاصر وخصوصاً أدب بلدان شبه الجزيرة العربية نالت شهادة


* رئيسة قسم  اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية في كراكوف ببولندا .