الغــربة ……………………….. حسن رشيد

الغــربة
حسن رشيد
كان البهو مكتظاً بأبناء المنطقة – ولا يمكن تحديد الكلمات المتناثرة من جميع الأفواه .. والمناقشات تدور حول مواضيع شتي .. ورائحة الدخان تختلط برائحة الأجساد .. والحر في الخارج لا يطاق اما هنا فالأمر مختلف .. الوجوه ملامحها تحمل اليك دلائل المعرفة .. والأصوات تعلو .. ” هابو فلان ” كنت أتطلع بعد لزيارة الوالد في المستشفي ، كما أنني أبحث عن شخص يرافقني في محنة الزيارة … فجأة دخل من الباب – كتلة من اللحم .. عذراً لا أتذكر ملامحه جيداً ولكن ما أتذكره جيداً كتلة من اللحم المكتنز .. تأملته .. وجدته يتأمل الجالسين .. يلقي ببصره ذات اليمين وذات الشمال .. قلت في سري لو بقي فترة في هذا المكان فستحدث كارثة – أنه في حاجة إلي كمية مضاعفة من الهواء النقي نعم فهذه الكتلة من اللحم والشحم والمسمي تجاوزاً بالإنسان صورة من المسخ الخرافي ، تأملته مرة أخري بشكل خاطف .. فوجدته واقفاً في مكانه … يتطلع هنا وهناك .. ينظر في وجوه الجالسين والقادمين والخارجين أشاح البعض بوجهه بعيداً عنه تطلع إليه البعض الآخر بفضول ولكن الجميع واصلوا حوارهم المعتاد ..
كان عامل الفندق يتحرك بالدلة وفناجين القهوة العربية والأصوات أيضاً كالعادة تتناثر وتختلط بجمل مبتورة لا يمكن التكهن بمضمونها .
– هل اشتريت دهن العود ؟
– حتي الآن لم أكمل بناء المسجد .
– الرشوة في كل مكان !!
– لا أعتقد أن هناك فقراً أكثر من هذا ؟
– لا يصدقون في مواعيدهم .
– زوجتي أوصتني بثياب نشل .
– الزري مضروب
كان القادم الخرافي قد تربع في ركن من أركان البهو تأملته ، قلت في سري ” الوجه مهب غريب ” هذا الوجه سبق وأن التقيت به شاهدته .. ولكن أين ؟
لا أدري .. أصبح شاغلي الوحيد … من هو ؟
تطلع إلي .. ثم رفع عقيرته ” يا ولد ” انطلق إليه الموظف تحادثاً قليلاً كنت أتمني من باب الفضول أن أسمع حديثهما .. آه .. تذكرته الآن … تذكرته جيداً .. أشحت بوجهي عنه .
تحرك من مكانه .. أصبح يقترب مني ، ولكن البهو مكتظ بأهل المنطقة ولا مكان وله وسط هذا الجمع – كرنفال خليجي رائع .. كرنفال من الملابس والأزياء .. عجوز قد قارب علي النهاية يرتدي قميصاً مزركشاً والسواد يغطي بقايا فورية عجوز آخر يرتدي حذاء رياضياً وبنطالاً من الجينز البعض الآخر كان أكثر حرية فستخلص من الملابس وارتدي الأوزار وتربع في البهو يرتشف فناجين القهوة العربية ويتحلي بالثمر .. هل هؤلاء أبناء المنطقة ؟ البعض قد قد ارتدي الثياب العربية وخلع العقال والغترة .. كان يشق طريقه بصعوبة .. وكنت أحس أن الجميع لا يريدون أن يفسحوا له مجالاً للحركة .. وأنا لم أكن أرغب في الحديث معه .. ولم أكن متأكداً من وصوله إلي مكاني – انطلق أحدهم بجلابيته .. وجلس معي .. أحسست أن الأمر مقصود – مازح العامل بكلمة أجنبية فرد عليه العامل بجملة من الكلمات التي نحفظها ” أشلونج ، واجد زين ، منتاز ، الله يغطيك قوة ” .
وكلمات أخري مبهمة – وضحك وتركنا – كان القادة يشق طريقه بصعوبة نحوي ، هكذا تخيلت للمرة الألف .. كان العمال يتطلعون إلي بعضهم البعض ويرسمون علي شفاهم ابتسامات السخرية ها هم الآن يصفون حساباتهم في وجود هذا الكائن المسمي تجاوزاً بالكئن البشري ، الآن وجد بغيته ، تربع علي أول مقعد تطلعت إليه نظر إلي رفع يده بالتحية ترددت قليلاً في الرد .. ثم ابتسمت لكزني الجالس بقري بكوعه ..
– ماذا تريد منه ؟
– لا شئ ..
– إذا لما تسلم عليه ؟
– الواجب أن أرد عليه .
– دعك منه أنت غشيم
– لم ؟
صمت مرة أخري تساءلت في صمت وفي حيرة في آن واحد .. لماذا انشغلت بوجوه الرواد في البهو .. ولم أعط الموضوع أهمية ولم أطرح السؤال الأهم من هو هذا الكائن ؟ لم يجد استجابة من أحد .. مازح أحد العمال ، وأنا أرقبه من بعيد فهرب العامل تحرك بشكل مفاجئ لا استطيع أن أصف حركته .. زلا كيف كان يمشي يميل ذات اليمين وذات الشمال تخيلته مركباً في عرض البحر .. لا .. إنه أقرب إلي بندول الساعة وقف عند عامل الاستقبال .. أخذ مفتاح غرفته وتحرك .. استبد بي الفضول .. قلت دون أن أتطلع إلي عيني صاحبي ، هل تعرفه” ؟
– لا .. ونعم
– هل هذا لغز ؟
– لم تريد أن تعرف ؟
– من باب الفضول ؟؟
– أنه مأساة .. يأتي في كل عام أكثر من مرة .. ليؤكد أننا الأسوأ .. يترك مع الأسف انطباعاً سيئاً لدي هلاء القوم ..
– لماذا ؟
– قصته قصة طويلة ..
– ما أكثر القصص التي تروي عن النصاب
– يا سيدي دع الخلق للخالق
– ولكن الكل يعرفه .. هذا ما شعرت به
– يحضر في كل عام كما أخبرتك أكثر من مرة .. ولا يرضي بغير هذا الفندق بديلاً
– هل هو من أبناء المنطقة ؟
– نعم ” وصمت ” .
استبد بي الفضول أكثر .. التفت إلي جليسي وبادرته بقرار .. لابد وأن أتعرف عليه ، من هو ؟ وماذا يفعل ؟ أزداد صمته فقلت مسترسلاً ” قرأت في عيون البعض نظرة الاشمئزاز منه ” قال بشكل مبتور .. وستقرأ في عيون البعض الىخر نظرة الشفقة واللامبالاة في آن واحد .. تشجعت وأردفت قائلاً ؟
– ما قصته ؟
– دع الخلق للخالق ، ولكن قل ما روايته بالأحري .
– سيان
– ألا تلاحظ .. أنه رجل غريب الاطوار .. دعنا منه
– لا … أريد أن أعرف عنه شيئاً
– وماذا ستعرف سوي أنه لا يخرج من هنا في كل موسم إلا بفضيحة .
– يا سيدي هذه الكلمة كلمة فضفاضة هل هو نصاب ؟ هل هو حرامي ؟
– لا .. بل هو رجل ثري .. تصور يأتي في كل موسم يحاول أن يمارس فحولته يرتبط بالفقيرات . وأمام عجزه يخترع في كل موسم قصة جديدة في الموسم الماضي وقد كنت حاضراً شهدت إحدي قصصه ، أراد أن يسترجع ما دفعه فاتهم أحد أفراد الأسرة الفقيرة بأنه قد أستولي علي بعض نقوده ..
– تقول ثري .. وملابسه رثه !!
– الثراء شئ يا سيدي والبخل شئ آخر ..
– لم تكمل القصة .. قصة ارتباطه بالأسرة الفقيرة .
كنت شاهداً عل يالواقعة وكان الحل بيد أهل الخير الذين جمعوا بعض التبرعات وأعطوه فحصلت الفتاة علي حريتها .
– حتي الآن أنت تدور في حلقة مفرغة .. لماذا بحاول الجميع هنا أنيتجنبه .. ؟ هذا هو السؤال فهو حر في بخله .. وفي ارتباطه .. أنا منذ أن حضرت .. أري علامات الاشمئزاز ترتسم فوق الوجوه .. لماذا ؟ هذا ما أريد أن أعرفه ..
” ولم ” قالها صديقي الجالس .. حسناً كان أول تعارف بسيط بيني وبينه عندما أحضرت والدي للعلاج احتوتني الغربة وآلام والدي التقيته في بهو الفندق بعد بعض المقدمات المتعارف عليها .. دعاني إلي غرفته وكالغريق تشبثت به .. تجاذبنا أطراف الحديث طلب مني البقاء معه .. ولكني استنكرت الامر .. فأنا لم آت هنا لشم الهواء ولكني مرافق لوالدي وجدت فيه مارابني .. انطلقت إلي البهو .. تطلع إلي الجميع .ز قرأت في بعض العيون علامات الاستنكار لم أعط الموضوع أهمية إزداد اللغط اكتشفت وبالسوء ما اكتشفت بعد حين أنني قد خلقت بتلك الزيارة العابرة لغرفته صورة قاتمة عن كينونتي !! نسيت أن أقول ، كان قد طلب مني البقاء معه في غرفته وترك والدي في المستشفي ولكن لا أدري لماذا رفضت ؟ وكلما أصر علي هذا أزددت رفضاًً .
في الصالة اقترب مني كنت أقرأ كما قلت لك في عيون العمال وابناء المنطقة تلك الابتسامة الغربية واكتشفت السر بل قد توصلت إلي حقيقته المرة كرهت التطلع إليه وقررت إنقاذ الآخرين من براثنه . فهو يلاحق الزوار ويعرض خدماته وكلما حاولت أنت أو غيرك الهرب منه .. اقترب أكثر وأكثر .. بلا شك هو مريض .. وفي حاجة إلي العلاج .. صمت صاحبي طويلاً .. هل تعرف لماذا احتقره .. أنا لا أكرهه .. ولكني احتقره .. انشغلت بعلاج والدي في المستشفي . كنت أغيب لفترات طويلة عن الفندق وانقطعت صلتي بعلاج والدي ليلة وكنت مرهقاً لم أصح إلا علي صوت صراخ قمت فزعاً فتحت باب غرفتي وجدت الأجسام تتلاطم كان المسخ يقف عارياً في الممر كان السكر قد لعب به فانطلق من غرفته ونسي المفتاح أصبح يدق الأبواب .. تهرب منه الجميع .. خجلنا جميعاً وقف بلا مبالاة .. وكأن الأمر لا يعنيه .. مدير الفندق حاول قدر المستطاع أن يلملم شتات الموضوع .. والعامل الصغير كان يرتعد في بهو الفندق .