تبرئة العقل العربي من خرافة تحويل المعادن مصطفي يعقوب

تبرئة العقل العربي من خرافة تحويل المعادن

مصطفي يعقوب عبد النبي

مقدمة :

من المعروف أنه من أبرز سمات العصر العباسي ازدهار حركة الترجمة والنقل لتراث اليونان والفرس والهنود وهو التراث الذي اصطلح علي تسميته بـ ” علوم الأوائل ” حيث حظيت هذه الحركة بأكبر قدر من التشجيع الأدبي والمادي ولا سيما في عصر الخليفة المأمون كما هو معروف .

ولا شك في ان ترجمان علوم الأوائل ولا سيما علوم اليونان قد أثرت في مسيرة الفكر العربي إذ عبر العرب من خلالها طور البداوة والأشتات المختلفة من المعارف العلمية الموروثة إلي طور الحضارة والعلم المنظم .

ولقد حوي التراث اليوناني المنقول إلي العربية الغث والسمين من الآراء والنظريات والأفكار غير أن فكرة واحدة من تلك الأفكار قدر لها أن تشغل بال العلماء العرب وتخلب ألبابهم وعلي الرغم من أن هذه الفكرية أقرب ما تكون إلي الأوهام والخرافات كانت من ابرز علامات مسيرة تاريخ العلم في العصر الوسيط ثم امتد تأثيرها بعيد عصر النهضة الأوروبية .

وتتخلص هذه الفكرة في إمكانية تحويل المعادن الخسيسة كالحديد والنحاس إلي معادن نفيسة كالذهب بواسطة ما يعرف بالإكسير أو حجز الفلاسفة الإكسير ” هو الوسيلة السحرية التي اعتقد أرباب الكيمياء أنهم يستطعون بها تحويل المعادن الخسيسة إلي فضة ذهب وهو مرادف لحجز الفلاسفة 1 ”

ويعرف الخوارزمي ( 387 ) هـ ملح الإكسير بأنه : ” هو الدواء الذي إذا طبخ به الجسد المذاب جعله ذهباً أو فضة أو غيره إلي البياض أو الصفرة 2 .

ولقد آمن أرسطو بهذه الفكرة وضمنها بعض مؤلفاته التي نقلت إلي العربية بل وضع لها الإطار المنطقي الذي يبعث علي تصديقها ” فقد بين أرسطو في كتابه في المعادن أن صناعه الكيمياء داخلة الإمكان ثم أثبتها بقياس ألفه من مقدمتين بينهما في أول الكتاب وهما ؛ أن الفلزات واحدة بالنوع والاختلاف الذي بينهما ليس في ماهياتها وإنما هو في أعراضها ؛ فبعضه في أعراضها الذاتية وبعضه في أعراضها العرضية .

والثانية  : أن كل شيئين تحت نوع واحد اختلفا بعرض فإنه يمكن انتقال كل واحد منهما إلي الآخر … إلخ ” 3

وأغلب الظن أن شهرة أرسطو ومدي ما يتمتع به من احترام وتأثير بالغين في افكرة العربي كانا وراء شيوع هذه الفكرة بين العلماء العرب في أول الأمر علي الأقل ولكن يبقي جانب اهم لم يفطن إليه هؤلاء العلماء وهو أن الكيمياء كعلم أقل العلوم مكانة في التراث اليوناني .

يقول بنيامين فارنتون B. Farrangton  في كتابه ” العلم الإغريقي ” لقد نجح الإغريق ممثلين في شخص أرخميدس في استخلاص علم الإستكاتيكا لكن أرسطو لم يسجل نجاحاً مملاثلا في استخلاص مجموعة من النظريات الكيميائية المقبولة والنجاح في وضع علم الإستاتيكا والفشل في وضع علم الكيمياء مرشدان إلي مواضع القوة والضعف في جهود الإغريق العلمية 4

موقف العلماء العرب من تحويل المعادن :

لم يلق تراث حضارة من الحضارات من عسف وجور في الحكم عليه مثلما لقيه التراث العلمي العربي فقدحلا لجمهزة كبيرة من المستشرقين ومؤرخي العلم من الغربيين أن يتناولوا التراث العلمي العربي بالتهوين من شأنه أحياناً وتجاهله في أحيان أخري وإنكار دوره في تاريخ العلم الإنساني في اغلب الأحيان .

وأغلب الظن أن مثل هذه الآراء التي تسئ إلي العلم العربي ترجع إلي وجود بعض الخرافات التي تضمنها التراث العلمي العربي والتي من أبرزها فكرة تحويل المعادن الخسيسة إلي معادن ثمينة وهي الفكرة التي ارتبطت في أذهان مؤرخي العلم وكأنها من ابتداعهم حتي أن العالم الكيميائي إسحاق أسيموف I.Asimov  يقول في كتابه ” البحث عن العناصر ” تحت عنوان لا يخفي مغزاه علي أحد وهو ” الإسلام والأكاسير وكان السيميائيون يقصد الكيميائيين العرب – يواصلون البحث في كيفية تحويل الفلزات بتحمس شديد وكان كا واحد يريد اكتشاف ذلك السر الذي يمكنه من الثراء العاجل … إلخ 5  .

ولا شك أن تعميما من هذا القبيل سوف يخل بالمبادئ الأساسية لمعطيات تاريخ العلم تلك المبادئ التي تفسح المجال لصاحب الريادة في العلم أن يكون إلي جنب مع من ينفي الخرافة .

نقول هذا لأن هؤلاء المستشرقين قد تناسوا أن الكثيرين من العلماء العرب قد نفوا الفكرة من أساسها وبينوا فساد منطقها مما يجعلهم في موضع الريادة حيال نفي الخرافات وهو امر ليس بالقليل .

وعلي هذا الأساس فإننا سوف نعرض موقف طائفة من أشهر علماء العرب حيال هذه الفكرة من آمن بها ومن فرضها ضمن سياق تاريخي في محاولة للتعرف علي آراء الفريقين :

أولا : خالد بن يزيد ( 85 هـ ) 6

هو احد أمراء البيت الأموي الذي كان من المفروض ان يكون خليفة للمسلمين بعد وفاة أخيه معاوية بن يزيد غير أن البيعة قد عقدت لمروان بن الحكم 7 .

ويتضح من سيرة خالد بن يزيد أنه لم يكن ميالا إلي منازعة مروان الحكم فاتحه إلي تحصيل العلم واكتسابه فقد كان خالد بن يزيد كما يقول ابن خلكان من أعلم قريش بفنون العلم وله كلام في صناعة الكيمياء والطب وكان بصيراً بهذين العلمين متقناً لهما 8

ويبين لنا ابن النديم السبب الذي حدا بخالد أن يتحه إلي الاشتغال بالكيمياء بقوله ” أنه قيل له أي خالد لقد فعلت أكثر شغلك في طلب الصنعة الكيمياء فقال : ما أطلب بذاك إلا أن أغني أصحابي وإخواني إني طمعت في الخلافة فاخترلت دوني فلم أجد منها عوضا إلا أن أبلغ آخر هذه الصناعة فلا أحوج أحدا عرفني يوماً 9

إذن فقد آمن خالد بالكيمياء طلباً للذهب وربما كان الدافع إلي ذلك شراء الأعوان بالمال لعله يسترد عرش الخلافة التي اختزلت دونه علي حد قوله وعلي كل حال فإن أهمية شخصية كخالد في كونها شخصية علمية يعتد بها ولكن تمكن اهمية خالد في انه لفت الانتباه بشدة إلي الكيمياء كعلم قد يرجي من ورائه المال الوفير كما تكمن أهميته أيضا في أن أول من نقلب إليه كتب الكيمياء وهو أول نقل في الإسلام من لغة إلي لغة . 10 .

ثانيا : جابر ين حيان ( 200 هـ ) 11

هو أشهر علماء العرب في الكيمياء والغني عن التعريف وله في الكيمياء والمنطق والفلسفة تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة ضاع معظمها ولم يبق منها غير ثمانين كتابا ورسالة وقد ترجم بعض منها إلي اللاتينية وكانت نبعا لعلماء أوروبا كان لهذا النبع أثر كبير في تكوين مدرسة كيميائية ذات أثر فعال في الغرب .

وكان جابر ممن يعتقدون في إمكانية تحويل العناصر بعضهاإلي بعض إذ جاء في كتابه ” إخراج ما في القوة إلي الفعل ” قوله كما نمثل لك أن  الفضة  التي لا فرق بينها وبين الذهب إلا الزانة الصفرة يمكن أن تصير ذهبا فللفضة بالقوة أدني قبول للرزانة حتي تصير في قوام الذهب ولها أدني للصفرة حتى تكون بلون الذهب 12

كما جاءت نظريته التي وضعها في تكوين المعادن التي ترجع أصل المعادن جميعها إلي الزئيق والكبريت متفقة مع اعتقاده بإمكانية التحويل وتتلخص نظرية جابر في أن المعادن تتكون من عنصرين احدهما دخان أرضي والثاني بخار مائي ويتكاثف هذان العنصران في جوف الأرض فينتج الكبريت والزئبق ومن اتحادهما تتكون المعادن والفرق بين معدن وأخيه راجع إلي الفرق في النسبة يحتويها من الكبريت والزئبق ففي الذهب يكون بينهما اتزان تام وفي الفضة يكونان متساويين في الوزن…  إلخ 13

ومهما كان من أمر اعتقاد جابر لهذه الفكرة الخاطئة نظريا المستحلية علميا فإنها لم تخل من فائدة ورب ضارة ففي سبيل الحصول علي الذهب عبر ألوف التجارب تمكن جابر من اكتشاف وتحضير الكثير من المركبات الكيميائية التي جعلت اسمه ضمن الصفوة من الرواد الأوائل في تاريخ علم الكيمياء .

ثالثا : الكندي (252 هـ )

هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي اورد له ابن النديم قائمة طويلة من مؤلفاته زادت علي مائة وأربعين مؤلفاً وكان كما يتضح من عناوين بعض مؤلفاته من أشد المعارضين لفكرة تحويل المعادن فقد جاء ضمن مؤلفاته التي أوردها ابن النديم كتابان هما كتاب ” التنبيه علي خدع الكيميائيين وكتاب في ” أيطال دعوي من يدعي صنعة الذهب والفضة ”

وللأسف الشديد أن هذين الكتابين مفقودان لذا فإننا لا نستطيع أن نتعرف علي الأسباب التي دعته إلي اتخاذ هذا الموقف .

غير أن المسعودين الذي يتضح كذلك أنه من أشد المعارضين لهذه الفكرة قد أورد فقرة علي درجة كبيرة من الأهمية في مؤلفه الشهير ” مروج الذهب ” مبيناً رأيه ورأي الكندي من هذه الفكرة إذ يقول ” ولطلاب صنعة الكيمياء من الذهب والفضة وأنواع الجوهر من اللؤلؤ وغيره وصنعته أنواع الإكسيرات وإقامة الزئبق وصنعته فضة وغير ذلك من خدعهم وحليهم .وقد صنف يعوق بن إسحاق الكندي رسالة في ذلك وجعلها مقالتين يذكر فيها تعذر فعل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله وخدع أهل هذه الصناعة وحيلهم وترجم هذه الرسالة بإبطال دعوي الداعين صنعة الذهب والفضة من غير معادنها وهذا باب قد تنازع الناس فيه ونحن نعوذ بالله من هذا التهوس فيما يخسف الدماغ ويذهب بنور الأبصار … إلخ 13

رابعا – الجاحظ ( 255 هـ )

هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أديب العربية الأشهر وبرغم أنه لم يكن عالماً بالمعني المعروف لكلمة عالم إلا أن مؤلفاته لم تخل من معارف علمية شتي .

فكتاب ” الحيوان ” يصنف عادة ضمن التراث العلمي العربي مع أنه أقرب ما يكون في بعض فصوله إلي الأدب وفنونه .

ففي هذا الكتاب يورد الجاحظ نصا هاما يدل علي أنه لم يحدث أن صنع ذهب عن طريق التجربة وحتى بغرض حدوثه فإن لا يحدث إلا بعد آلاف السنين عن طريق المصادفة التي من الصعب تكرارها .يقول الحاجظ وقد زعم ناس ان الفرق بينهما يقصد الذهب وغيره من المواد إنما هو أن كل شئ له في العالم أصل وخميرة لم يكن كالشئ الذي يكتسب ويجتلب ويلفق وان الذهب لا يخلو من ان يكون ركنا من الأركان قائما منذ كان الهواء والماء والنار والأرض فإن كان كذلك فهو أبعد شئ من أن يولد الناس مثله وأن كان الذهب  إنما حدث في عمق الأرض بان يصادف من الأرض جوهراً ومن الهواء الذي في خلالها جوهراً ومن الماء الملابس لها جوهرا ومن النار المحصورة فيها جوهراً مع مقدار من طول مرور الزمان فإن كان الذهب إنما هو نتيجة هذه الجواهر علي الأسباب فواجب إلا كذلك فلو كان هذا الأمر يقصد صناعة الذهب يجئ من وجه الجمع والتوليد والتركيب والتجريب أو من وجه الاتفاق لقد كان يبتغي أن يكون ذلك قد ظهر من ألوف إذ كان هذا المقدار أقل ما تؤرخ به الأمم ولكان هذا مقبولا غير مردود .

وعلي أنه لم يتبين لنا منه أنه يستحيل أن يكون الذهب إلا من حيث وجد ولو ان قائلا قال : إن هذا الأمر قد يحتاج إلي ان تتهيأ له طباع الأرض وطباع الماء وطباع الهواء وطباع النار ومقدار من طول الزمان فمتي لم تجميع هذه الخصال وتكمل هذه الأمور لم يتم خلق الهب وكذلك قد يستقيم ان يكون قد تيهأ لواحد ان يجمع بين مائتي شكل من الجواهر فمزجها علي مقادير وطبخها مقادير وأغبها مقداراً من الزمان وكان بعض ما جري علي يده اتفاقا وبعضه قصداً فلما اجتمعت جاء منها ذهب فوقع ذلك في خمسة آلاف سنة مرة ثم أراد صاحبه المعاودة فلم يقدر علي أمثال مقادير طبائع تلك الجواهر ولم يضبط مقادير ما كان قصد إليه في تلك المرة  أخطا ما كان رقع له أتفاقا فلم يعد له ذلك فإذا وجدنا هذه الأمور كلها نافية له كان ذلك عندنا هو المقنع 15

خامساً – الرازي ( 311 هـ )

هو أبو كبر محمد بن زكريا الرازي أحد أفذاذ العلماء المسلمين ويتضح من سيرته وتأليفه أنه كان ممن يعتقدون بإمكانية تحويل المعادن إلي ذهب وينسب إليه انه تمكن من تحضير الذهب لمرة واحدة ويبدو انه ادعي ذلك ثم ثبت عجزه عن تحقيقه 16

غير أن معرفة حقيقة موقف الرازي من عملية تحويل المعادن إلي ذهب يمكن إيضاحها من خلال التأمل والبحث في حياة الرازي نفسه .

صحيح أن الرازي قد عالج الكيمياء وقت أن كانت لا تعني سوي شئ واحد هو الحصول علي الذهب من خلال ما يسمي بالإكسير إلا أنه قد رجع فيما بعد عما قر في ذهنه من عملية التحويل هذه .

ولتفضيل ذلك نقول : أن الرازي قد مر بمرحلتين في حياته العلمية الأولي هي اشتغاله بالكيمياء أما الثانية فهي اشتغال بالطب الذي اشتهر به .

وعن المرحلة الأولي يحدثنا ابن أصيبعة بقوله : وكان في أول أمره أي الرازي قد عني بعلم السيمياء والكيمياء وما يتعلق بهذا الفن وله تصانيف أبضا في ذلك وكان يقول : أن لا أسمي فيلسوفا إلا من كان قد علم صنعة الكيمياء لأنة قد استغني عن التكسب من أوساخ الناس وتنزه عماً أيديهم ولم يحتج إليهم .

وحدثني بعض الأطباء أن الرازي كان قد باع لقوم من الروم سبائك ذهب وساروا بها إلي بلادهم ثم أنهم بعد ذلك بسنين عدة وجدوها وقد تغير لونها بعض التغيير وتبين لهم زيفها فجاؤوا بها إليه وألزم بردها 17  .

إذن فقد تبين للرازي ان كل ما صنعه ذهبا بغرض التكسب لم يكن إلا وهماً ويبدو أن فسله في صناعة الذهب قد أوحي له بأن يتجه وجهة مغايرة وكانت هذه الوجهة المغايرة هيالطب الذي تعمله بعد أن تقدم به السن ويروي الببهقي خبرا طريفا حول عدول الرازي عن فكرة صناعة الذهب حيث يقول “كان الرازي قد بدأ أمره صائغا ثم اشتغل بعلم الإكسير فرمدت عيناه بسبب أبخرة العقاقير المستعملة في الإكسير فذهب إلي طبيب ليعالجه فقال له الطبيب لا أعالجك حتي آخذ منك خمسمائة دينار فدفع إليه الرازي وقال هذا هو الكيمياء لا ما اشتغلت به فترك صناعة الإكسير واشتغل بعلم الطب حتى نسخت تصانيفه تصانيف من قبله من الأطباء 18 .

سادساً – إبن سينا (428 هـ )

هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن علي بن سينا احد أفذاذ علماء المسلمين الذين بزوا في أكثر من مجال من مجالات العلوم غير أنه قد اشتهر بالطب وقد أصبح علي حد تعبير أحد المستشرقين وكأنه ” أنجيل الطب في العصور الوسطي 19 ولا بن سينا راي سديد للغاية يعد فصل المقال في عملية تحويل المعادن إذ يقول في كتابه ” الشفاء ” وأما ما يدعيه أصحاب الكيمياء فيجب أن يعلم انه ليس في أيديهم ان يقلبوا الأنواع قلباً حقيقيا ولكن في أيديهم تشبيهات حسية حتي يصبغوا الأحمر صبغاً شديد الشبه بالفضة ويصبغوا الفضة أحمر شديد الشبه بالفضة ويصبغوا الفضة صبغاً أحمر شديد الشبه بالذهب … إلخ 20  .

ويلخص ابن خلدون رأي ابن سينا بقوله :

” والذي ذهب إليه ابن سينا وتابعه عليه حكماء المشرق أنها – أي المعادن مختلفة بالفصول أي الخواص – وإنها أنواع متباينة كل واحد منها قائم بنفسه متحقق بحقيقته شأن سائر الأنواع .

وبني ابن سينا علي مذهبه في اختلافها بالنوع إنكار هذه الصنعة واستحالة وجودها بناء علي أن الفصل لا سبيل إليه وإنما يخلقه خالق الأشياء ومقدرها وهو الله عز وجل 21 .

سابعا : الطغرائي (515هـ)

هو أبو إسماعيل الحسين بن علي المعروف بالطغرائي يقول ياقوت الحموي عنه : كان آية في الكتابة والشعر خبيبرا بصناعة الكيمياء له فيها تصانيف أضاع لناس بمزاولتها أموالا لا تحصي 22 .

والطغرائي هو واحد من القلة التي اعتقدت بأنه في الإمكان تحويل المعادن إلي ذهب فقد ألف في الكيمياء مؤلفات عديدة منها ” حقائق الاستشهاد وهي رسالة وضعها للرد علي ابن سينا الذي كان ينادي بعدم إمكانية التحويل .

ولعل القارئ لهذه الرسالة سوف يتضح له أن غالبية آراء الطغرائى في هذا الشأن يغلب عليها الطابع النظري كما يتضح له أيضا أن الطغرائي قد اجري بعض التجارب ولمس من خلالها التغير الذي يحدثه التفاعل الكيميائي في المواد بحيث لا تعود هذه المواد إلي حالتها الأصلية التي كانت عليها قبل التفاعل . غيران الطغرائي قد أخطأ في القياس والاستنتاج فظن أنه عن طريق مثل هذه التفاعلات يمكن تغيير المواد إلي ذهب مثلا ولذا نجده في معرض الرد علي ابن سينا يقول ” ونحكم علي رسالة صاحبك يقصد ابن سينا بالاضطراب وفساد المأخذ ونقول أن أعماله تخالف القوانين الحكمية ومما ينبهك علي فساد مأخذ صاحبك أنك معترف إنه لا عمل إلا بمزاج ولا مزاج إلا بحل كامل ولا حل إلا بالمياه الحادة يقصد الأحماض فإذا طرحت تلك المياه الحادة علي جسد وكلس وروح متصاعدة فتهري ذلك الشئ فيها وانتقص تركيبه وتحلل بتصاغر الأجزاء والتهبي أي صار كالهباء واختلطت بأجزائه الأجزاء التي كانت منحلة من العقاقير بالمياه واختلاطها بما لا يغاير طبعها … إلخ 23

وفي رأينا أن الطغرائي لم يكن مؤهلا لأن يكون عالماً كجابر بن حيان الذي لم يكف عن التجارب واكتشاف المركبات الكيميائية وربما يرجع ذلك إلي سببين :

الأول : إن الطغرائي قد شغلته المناصب وأمور السياسية فقد ” خدم السلطان ملك شاه وكان منشئ السلطان محمد مدة ملكة متولي ديوان الطغراء وصاحب ديوان الإنشاء وتنقل في المناصب والمراتب وترشح للوزارة … إلخ 24

ويعترف الطغرائي بنفسه في مقدمة كتابه ” مفاتيح الرحمة فيقول ” إني مذ حصلت لي مبادئ التمييز ولاحت لي معالم المعارف لم أزل حريصا علي اقتباس الفوائد والإكباب علي مطالعة الكتب وكان زماني يضيق عن الجمع بين خدمة الملوك وفك الرموز إلي أن أتاح الله عز وجل لي عطلة كان ظاهرها نكبة عظيمة وباطنها نعمة جسيمة فتفرغت للمطالعة وأكببت عليها ليلاً ونهاراً من غير سأم ولا ضجر وهجرت سائر العلوم ليتوفر الفكر علي هذا الفن فلم أزل أطلع علي الكلمة بعد الكلمة حتي برح الخفاء وكشف الغطاء …إلخ 25

الثاني : أن الطغرائي لم يؤثر عنه اشتهاره بالتجارب والصبر عليها بل إنه كما يتضح من قوله السابق قد أعمل فكره من خلال مطالعاته في كتب الكيمياء قياساً واستنتاجاً .

إذن فالطغرائي كان قارئا ومفسرا لكتب الأقدمين في علم أميز ما يتصف به إجراء التجارب .

ثامنا – شيخ الربوة (727 هـ )

هو شمس الدمشقي الذي اشتهر باسم ” شيخ الربوة ” جاء في ” الأعلام للزركلي : شيخ الربوة (654 – 727 ) هو محمد بن أبي طالب الأنصاري شمس الدين صاحب كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر ولد دمشق وولي مشيخة الربوة وتوفي في صفد 26 .

وهذا العالم الذي لم يسمع باسمه الكثيرون كان رفضه لفكرة تحويل المعادن قاطعا مع شئ من العنف والحدة في القول فقد أفرد فصلا خاصا في كتابه ” نخبة الدهر” بعنوان ” في الرد علي أهل الكيمياء وبيان أن الذين يصنعونه زغل وغش والبرهان العقلي شاهد به ” أدار فيه حوارا بين من أسماهم بالمحققين والذي يقصد به أهل الحقيقة وأصحاب الرأي الصائب وبين الكيماويين .

ويتلخص هذا الحوار في اتهام ” المحققين ” للكيماويين الذين يدعون بإمكانهم تحويل النحاس إلي ذهب بأنهم ” صباغون لا خلاقون وأن استحلال ذلك باطل لأنه غش أخاه المسلم وأخفي عنه ما لو ظهر له يشتره منه ولأن المشتري له إنما يشتري نفع المعدن لا الصباغة ” 27

تاسعا – علماء الأندلس والمغرب :

وإذا كانت آراء علماء ترجح عدم قبول فكرة التحويل  باستثناء جابر بن حيان والطغرائي فإن علماء والأندلس باستثناء مسلمة المجريطى ( 398 هـ ) الذي تبني رأي جابر في إمكانية التحويل 28 قد نفوا الفكرة من أصلها نفياً قاطعاً جاء في ” العقد الفريد ” لابن عبدربه قوله : “قال أبو يوسف القاضي من طلب المال بالكيمياء لم يسلم من الفقرة 29 كما ردد أبو حيان التوحيدي هذا القول بالمعني واللفظ في كتابه ” الإمتاع والمؤانسة 30

ولعل تكرار هذا القول لدي قطبين من أقطاب الأدب والفكر في الأندلس يبين لنا بجلاء لاشك فيه أن القول لم يصدر عن رأي شخصي لهما بل كان تعبيراً عن واقع الحياة العقلية في الأندلس الرافض لهذه الفكرة .

أما ابن خلدون ( 732 – 751 ) فكان له رأي يتسم بالعقلانية حيال هذه الخرافة إذ شن حملة شعواء علي القائلين بها مهما علا قدرهم كجابر بن حيان حيث خصص فصلا كاملا من فصول مقدمته الشهيرة بعنوان فصل في إنكار ثمرة الكيمياء واستحالة وجودها وما ينشأ من المفاسد عن انتحالها جاء فيه إعلم أن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع علي انتحال هذه الصنائع ويرون أنها احد مذاهب المعاش ووجوهه وان اقتناء المال منها أيسر وأسهل علي مبتغيه فيرتكبون فيها من المتاعب والمشاق ومعاناة الصعاب وخسارة الأموال في النفقات وإنما أطمعهم في ذلك رؤية أن المعادن تستحيل وينقلب بعضها إلي بعض للمادة .

المشتركة فيحالون بالعلاج صيرورة الفضة ذهبا والنحاس والقصدير فضة فاوضت يوما شيخنا كبير مشيخة الأندلس في مثل ذلك ووقفته علي بعض التآليف فيها يقصد الكيمياء فتصفحه طويلا ثم رده إلي وقال لي :

” وأنا الضامن له أن لا يعود إلي بيته إلا بالخيبة ثم منهم من يقصر في ذلك علي الدلسة – أي الخديعة فقط أما الظاهرة كتمويه الفضة بالذهب أو النحاس بالفضة أو خلطهما او الخفية كإلقاء الشبة بين المعادن بالصناعية مثل تبييض النحاس وتليينه بالزوق المصعد يقصد الزئبق فيجئ جسما معدينا شبيهاً بالفضة ويخفي إلا علي النقاد المهرة وهؤلاء أخس الناس حرفة وأسوأهم عاقبة لتلبسهم بسرقة أموال الناس فإن صاحب هذه الدلسة إنما هو يدفع نحاساً في الفضة وفضة في الذهب ليستخلصها لنفسه فهو سارق وأشر من السارق وهذا الصنف لا كلام معهم لأنهم بلغوا الغاية في الجهل والرداءة والاحتراف بالسرقة ولا حاسم لعلتهم إلا اشتداد الحكام عليهم وقطع أيديهم .

وأما من انتحل هذه الصناعة إنما يطلب إحالة الفضة للذهب والرصاص والنحاس إلي الفضة فإنا لا نعلم أن أحدا من أهل العلم تم له هذا الغرض أو حصل منه علي بغية إنما تذهب أعمارهم في التدبير والتصعيد والتكليس

ويتناقلون في ذلك حكايات وقعت لغيرهم فإذا سئلوا عن تحقيق ذلك بالمعانية أنكروه وقالوا إنما سمعنا ولم نر هكذا شأنهم في عصر وجيل 31

خاتمة :

نخلص من هذا الرأي القائل بأنه في الإمكان تحويل المعادن الخسيسة كالحديد والنحاس إلي معادن نفيسة كالذهب والفضة الذي نادي به أرسطو وضع له الإطار المنطقي ثم عرف طريقة إلي العرب عير ترجمة مؤلفات أرسطو وغيره من أساطين الفكر اليوناني هو من الآراء التي تميل إليها أفئدة الطامحين إلي العلم وتلهث وراءها نفوس الطامعين إلي المال دون أن يسترعي انتباههم صعوبة أو استحالة تحقيق مثل هذا الرأي غير ان الطامحين إلي العلم سرعان ما اكتشفوا استحالته وان الرأي مغلوط من أساسه لأنه ضد طبائع الأشياء وأما الطامعون في المال فقد ضيعوا أموالهم وأعمارهم جرياً وراء سراب يحسبونه ماء .

والذي نود ان نقوله انه لا يضير العقل العربي أن يكون من بين أصحابه قلة تدين بمثل هذا الرأي وتعتقد في إمكانية تحقيقه فلا شك أن الدوافع النفسية والظروف الاجتماعية والسياسية كانت صاحبة المؤثر في اعتقاد البعض بهذا الرأي .

غير أن غالبية العلماء العرب قد رفضت فكرة التحويل في حد ذاتها من البداية كدليل لا يقبل الشك علي أن العقلية العلمية لهذه الغالبية كانت أقوي من أي مؤثرات نفسية أو اجتماعية أو سياسية .

ولعل  التتابع الزمني لآراء العلماء العرب كفيل بتبرئة العقل العربي من هذه الخرافة فقد سادت في البداية فترة الاعتقاد بها ممثلة في خالد بن يزيد وجابر بن حيان كصدي مباشر لآراء أرسطو في هذا الشأن ثم تلتها فترة تراوحت بين القبول والرفض ويمثلها الرازي وأخيرا فترة سادها الرفض التام ويمثلها غالبية العلماء العرب باستثناء الطغرائي من علماء المشرق والمجريطى من علماء الأندلس .

وإذا كانت لنا كلمة تقال في هذا الشأن فإننا نقول ان جمهرة المستشرقين ومؤرخي العلم الذين قد يرون في التراث العلمي العربي في الكيمياء خاصة أن تراث ضعيف الأثر في مضمار العلم الإنساني لشيوع مثل هذه الخرافات فيه وأن العلماء العرب الذين وصفهم البعض بالبربرية والجهالة باعتبار أن بعضهم قد آمن بفكرة تحويل المعادن إلي ذهب إن هؤلاء المستشرقين والمؤرخين كان الجدر بهم لو كانوا منصفين حقاً ان يصفوا العلم الأوروبي وعلماء أوروبا بهذه النقائص كلها التي روا بها العلم العربي إذ أن عدداً غير قليل من علماء أوروبا حتى بعد عصر النهضة قد آمن بنفس الفكرة وذهبوا في الاعتقاد بها إلي أبعد مما ذهب إليه العلماء العرب برغم البعد الزمني الكبير نسبياً بين آخر عالم عربي آمن بها وأول عالم أوروبي ذلك البعد الزمني الذي تقدم فيه العلم تقدماً كبيراً بحيث كان من المفروض ان تكون فكرة تحويل المعادن في ذمة التاريخ .

ومع ذلك نجد أن عدداً من مشاهير علماء أوروبا ومنهم منر يوضع في الطبقة العليا من أفذاذ العلماء قد رسخ في اعتقادهم تحقيق هذه الفكرة فأوسعهوها بحثاً وتجريباً وتأليفاًَ .

وعلي سبيل المثال فإن الكيميائي الإيطالي تريفزان trvisan  ( 1406 – 1490 ) م كان من أشد الناس استمساكاً بفكرة تحويل المعادن إلي ذهب إلي آخر لحظة في عمره 32  أما الكيميائي السويسري باراسلسوس Paracelsus  ( 1493 – 1541 م ) فقد كان يعتقد بأن المعادن يتحول بعضها إلي بعض وأنه يمكن إنتاج أي يمكن إنتاج أي معدن من الزئبق بواسطة النار وأن الذهب ما هو إلا زئبق فقد صفاته الزئبقية 33 وربما تعترينا الدهشة عندما نعلم أن عددا من صفوة علماء أوروبا لم يخل علمهم من الاعتقال بهذه الفكرة يقول برنارد جافي B. Jaffe  في مؤلفه الشهير ” بواتق وأنابيب : إن الذي ينظر في التاريخ يجد أن هذه الخدعة يقصد تحويل المعادن إلي ذهب قد حلت أكبر مكان من عقول ذوي الكفر من الناس ومضت هذه الكيمياء المجنونة تفعل في الناس فعلتها قرابة سبعة عشر قرنا من تاريخ البشر فملكت علي الناس لا أفكارهم بل أفعالهم كذلك حتى إنك لتجد رجلاً مثل روجر باكون R .Bacon  (1214 – 1294 م ) وهو أعلم أهل زمانه وهو الرجل الذي مضي يتنبأ منذ سبعة قرون بما كشف عنه الزمن الحديث من سفن البحار تمخر الماء ومن طائرات تشق الهواء هذا الرجل آمن بذلك العلم العتيق علم الكيمياء القديم وإسحق نيوتن I Newton (1642 – 1727 م ) وهو أصفي العلماء ذهنا في كل الأزمان بلغ من تأثير هذه الكيمياء العجيبة فيه أنه بني لنفسه معملاً صغيراً واجري فيه تجارب يحاول بها تحويل عنصر إلي عنصر وترك الجامعة وظل يعني بهذا الأمر .

روبرت بويل R. Boyle  رئيس الجمعية الملكية البريطانية اهتم بها أيضا وبلغ من اهتمامه أنه سعي لإلغاء قرار من قرارات البرلمان يمنع الإكثار من الذهب وقد كان للكيماويين في تلك الأزمنة سلطان كبير فلم يكد يخلو بلاط لملك من ملوك أوروبا إلا وبه كيماوي عمله تحويل المعادن بعضها إلي بعض فيحول الرصاص والحديد إلي ذهب كي تزداد ثروة البلاد 34 وعلي هذا الأساس فإننا لا نجاوز الصواب إن قلنا أن العلماء العرب كانوا أكثر عقلانية وفهما لقوانين الطبيعة من علماء أوروبا الذين أتوا من بعدهم بعدة قرون .

الهوامش

(1) دائرة المعارف الإسلامية لفيف من المستشرقين ترجمة إبراهيم زكي خرشيد وآخرين ج 4 ص 154 .

(2) مفاتيح العلوم للخوارزمي تحقيق إبراهيم الإبياري  ص 284 .

(3) كشف الظنون لحاجي خليفة ج 2 ص 1577 .

(4) العلم الإغريقي بنامين فارنتون ترجمة شكري سالم ج 1 ص 29 .

(5) البحث عن العناصر إسحاق أسيموف ترجمة إسماعيل حقي ص 16 .

(6) تاريخ اليعقوبي  ج2 ص 255

(7) المصدر السابق ص 256 .

(8) وفيات الأعيان لابن خلكان تحقيق د .إحسان عباس ج 2 ص 224 .

(9) الفهرست لابن النديم ص 497 .

(10) المصدر السابق ص 499 .

(11) الأعلام للزركلي ج 2 ص 103 .

(12) مختار رسائل جابر بن حيان تحقيق بول كراوس ص 3 .

(13) جابر بن حيان وخلفاؤه محمد محمد فياض ص 47 .

(14) مروج الذهب للمسعودي تهحقيق محيي الدين عبد الحميد ج 4 ص 257 .

(15) الحيوان للحاجظ تحقيق عبد السلام هارون ج 3 ص 357 .

(16) العلم عند العرب وأثره في تطور  العلم العالمي الدوميلي ترجمة د . عبد الحليم د . محمد يوسف موسي ص 264 .

(17) عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة تحقيق د . نزار رضا ص 419 .

(18) تاريخ حكماء الإسلام لظهر الدين البيهقي تحقيق محمد كرد علي ص 21 .

(19) تراث الإسلام شاخت وبوزورث ترجمة د .حسين مؤنس واحسان صدقي العمد ج 2 ص 258 .

(20) حقائق الاستشهاد للطغرائي تحقيق رزوق فرج رزوق نقلا عن الشفاء لابن سينا ص 50 .

(21) مقدمة ابن خلدون تحقيق . علي عبد الواحد وافي ص 1229 .

(22) معجم الأدباء لياقوت الحموي تحقيق أحمد فريد رفاعي ج 10 ص 57 .

(23) حقائق الاستشهاد مصدر سابق ص 66 .

(24) معجم الأدباء مصدر سابق ج 10 ص 57 .

(25) حقائق الاستشهاد مصدر سابق ص 19 .

(26) الأعلام للزركلي ج 6 ص 170

(27) نخبة الدهر في عجائب البر والبحر لشيخ الربوة ص 79 – 82 .

(28 ) إسهام علماء العرب والمسلمينس في الكيمياء د . علي عبد الله الدفاع ص 203 .

(29) العقد الفريد لابن عبدربه تحقيق د . احمد يسري العزباوى ج 2 ص 181 .

(30) الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي تحقيق د . احمد أمين ج 1 ص 142 .

(31) مقدمة ابن خلدون مصدر سابق ص 123 .

(32)بواتق وانابيب برنارد جافي ترجمة د . احمد زكي ص 4

(33)المصدر السابق ص 40 .

(34)المصدر السابق ص 10 .