البرارى ……………….. ………..إدوار الخراط

البرارى *

إدوار الخراط**

مات أبانوب فجأة ، علي غير انتظار ، بين ذراعيْ منّة ، أمّة .

كان الوقت ظهراً ، ساعة الوّحشْة .

السنة التي فاتت ، كان قد التقى في الطرانّة بحميدة البَرْصا والتصقت شفاههما في قبلة فداء مميتة ، في هذه الساعة أيضاً ماتت عايدة وبعدها بسنة مات غنّن أخي الصغير ، وفيها ايضا ماتت ايقون – وهى فى عمر ابانوب بالضبط – وكان وجهها الصغير العظمى المجعد يبتسم لى حتى وهى تموت , وعيناها تتعلقان بى بحب غير مبرر – مثل كل حب حظيت به 0

فهل كان امين اخى الاكبر غير الشقيق قد مات تحت عجلات قطار الدلتا قى ساعة الظهر ايضا , فى العام 1936, عندما استيقظت ثانى يوم من نومى على  0صيحة ابى الملتاعة التى تخلع القلب :

“ولدي .. ولدي .. ولد ”

كان أبانوب قد سقط مريضاً بعلة  غامضة محيرة ، فقد كل شهره للطعام , وراح يزداد نحولاً يوماً بَّعد بعد يوم ، ذبلُ عودة وغارت عيناه ، ما أن  يشرب جرعة ماء أو لبن حتى يلفظها ، ومهما غطت منّه رأسه بالكمادات الباردة وغَّيرتها له كل ربع ساعة سخناً لا تنزل حرارته ، مع كل الحبوب التي يصرفها له الدكتور ميساك ، بلا جدوى ,

كان أغابيوس هو الذي يصبح منّه متلفّعة في برْدتها السوداء فوق شالها القطيفة البرتقالي الداكن ، يحمل الطفل المريض متهافت الجسم متراخي السيقان والأذرع ، يثقل عليه الحملْ لكنة لا يكاد يحس الثقل ، حتى يكشف عليه الدكتور مير عشم الله ، في مبني المستشفي الأميري ذي المعمار  الكلاسيكي الضخم ، صباحاً ، أو في عيادته الخاصّة مساء في العمارات الجديدة التي لا معمار لها ، يسمح عن الولد مخاطه وإفرازاته وبللة المتهثر أصفر للون ، وبغيّر له ملابسه التي تلافية إياها منّه .

كانت منّه قد نحلت وضوى جسدها اللدن ، غارت عيناها الواسعتان بعمق في عظام وجهها الذي شفّ جلْده ورقّ كأنما استطالت التدويرة الفرعونية لحاجبيها حو المحجرين حتى أوشكت أن تصل الي وجنتيها الخاسفتين .

سقط أبانوب من ذراعيها ولولا أن مسعودة كانت الى جوارها لارتطم بأرض صحن البيت الفسيح نصف المنير نصف المعتم ، التقطته المرأة وهي تتمتم : ” بسم الله الرحمن الرحيم .. نورى لنفسّك عادْ يا ستّ منة  .. ربنا يصبّرك على ما بلاك جادر على كل شئ يا رب .

تحدق إليها منّة فارغة الذراعين . كأنها لا تراها ، روحها قد اَستُلَّت منها . كانت عيناه ما زالتا مفتوحتين على السؤال الذي لم يستطيع أن يصوغه أو يدرك معناه – ولا نحن استطعنا – وكان وجهه قد ابيضّ وبهت جداً غاضت منه كل غاضت منه كل دمائه .

كنت أحمل غنِّن وقد خفً وزنه وكأنما صغر جسمه فلا تكاد تتصور أنه في التاسعة من عمره بل تظن أنه لم يكد يكمل سنيّه الثلاثة أو الأربعة ، كان التيفود قد أرهقه طوال أشهر الصيف وهو يغالب الداء ، وما كانت المضادات الحيوية قد عرفت بعد في العام 1943 ، وكان شعره قد سقط وبانت فروة رأسه على الجلد في بقع غير منتظمة ملساء ، يدهنها الطبيب بسائل كثيف القوام بنفسجي اللون تقريباً ، وكنت أعبر به شريط الترام في شارع راغب باشا الي البيت وكنت أمضيت سنتى الأولي في الجامعة ، وقدمت أوراقى للتحويل من كليتى الي كلية الآداب قسم اللغة العربية في الاسكندرية ، وهو ما لم يحدث ، فلم يستجب أحد للطلب ولم يردّ علىّ أحد وراح الطلب في صمت أعراف غير مكتوبة ونافذةٍ – حينذاك – أنه لا يُقْبل قبطيّ في أقسام اللغة العربية وقد انكسر هذا هذا العرف بعد ذلك بسنوات طويلة على أى حال .

الاسكندرية في 30 يونيو 1943

بنتى العزيزة سارة هانم

أهديك سلامي وكثير أشواقى . اليوم وصلني جوابك وتطمّنت على غالي صحتكم أما نحن فلله الحمد هناء وألبير متقدّمين للشفا ببطء شديد ، ايزيس تحصلت على تمام الشفاء إيفون توفت لرحمة الله ودفنت السبت 26 الجارى والعوض على الله ، الباشا الكبير ولويزة ووالدتهم بغاية الصحة كما نحن ، أما الست أماليا والدتكم فهى عندنا ونحن بغاية السرور لوجودها معنا لأن بيتنا هو بيتها وهو على ما يرام بصحة جيدة والحقنة عملت تأثير يومها فقط ربنا يتمم الشفا لألبير وهناء حتى يمكن للست والدتكم أن تحضر لطرفكم بالسلامة ولكنها تقدر أن تبقى معنا على الرحب والسعة كلما تريد . وسلامى للأخ فانوس أفندى والست وديدة وبنتهم العزيزة ومن هنا جميعا يبلغوك السلام ومشتاقين لرؤياك جداً كما أنا وألف سلام عليك .

قلدس ( إمضاء )

تحصلت هناء على تمام الشفاء فعلاً ، أما البير فقد مات يوم 3 أغسطس 1943 . كيف امحت من ذاكرتي كل وقائع موته ؟

بينما يبقى موت عايدة حياً في روحي بكل عرامته .

عندما جاءني عامل التلغراف ، يومها في دمنهور ، ويلبس جاكته على جلباب رمادى أغبر ويعتمر عمامة صفراء مخططة ، وهتف من حوش السلم تحت :… حياتك الباقية ، عايدة ماتت .. التي كانت في مستشفي الحميات ، نزلت وأخذت منه البرقية .

بعد لحظات من الجمود التام أفقت في ركن معتم من البيت الخاوى وأنفجرت ببكاء لم أعرف مثله من قبل ذلك ولا من بعده ، بكاء لا يستطيع العقل ولا الجسم نفسه أن يوقف عنفه ، كانت الدموع تنسال من عينى وأنا في الأتوبيس المسافر الي الاسكندرية – كما لعلها تترقرق الآن بعد خمسين عاماً أو تزيد – وكانت الدموع تنهمر رغما عنى وأنا أسمع صرخات أمي ، وصيحة أبي ” مع السلامة يا عايدة ” وعندما أنزلوا الصندوق الي القبر المفتوح في مدافن الشاطبي لم أكن أعرف أننى أبكيِ وأنشج بصوت لم أكن أسمعه ، وهم يشدّوننى – منْ ؟ لا أدرى . أّناس . أقارب – حانوتية ؟ – يشدونني بعيداً عن حافة التربة وخالي ناثان يقول بصوت مخنوق : ” خلاص يا بني .. خلاص يا بني .. تعال ” أكان ذلك كله حٌلماً ؟

كانوا – مَوْتاي كلهم – ينظرون اليّ ، كأنما ينتظرون منى ما لا أستطيع أن أقدمه ، ما لا أملك أن أستصفيهم منه ، لويزة ، بعد ذلك بسنوات ، محترقة الظّهْر ، تحتضر ، لا تستطيع أو لا تريد أن تكلمني ، وكأنما تتهمنى بموتها ، تنظر إليّ فقط ، عيونهم الآن أقوى حضوراً تحمّلنى بدينونة لا أطيقها ، لماذا أنا أحيا ، لماذا عشت ، بينما كانوا يعرفون أنهم على حافة الموت ، وماتوا ؟ في هذا إثم أوّلىّ يقع على عاتقي ، أو إثم أنا اقترفته ، ما من إجابة – ربما – إلا أنه ظلم كونيّ ، فقدان جوهرى للعدالة في هذا العالم ، بل هو أكثر ، كأنه خطيئة أصلية لم أتطهر منها قط ، ولم يخلّصني منها أحدُ قط ، وليس لها فداء . البراري الموحشة أقطعها دون دليل .

هل أنا أبكي ؟

أقاوم – ما استطعت – اهتزاز قلبي

في كنيسة أباهور القديمة نزلنا الدرجات الثلاثة من الجرانيت الذي انطمست عليه نقوش الكتابة المقدسة فبم تعد تستبين ، وكانت سيدات الأسرة كلها الي الجانب الأيسر من الكنيسة ، خلعن البرد السوداء السابغة والألنس الخفيفة الغالية ، رؤوسهن ملفوفة بالشيلان والطرح ، يؤدين الواجب . وعلى الجانب اليمين جلس كبار العائلة ورجالها وأصدقائهم ومعارفهم ، وفي رصانة الكنيسة وتوفُّر المناسبةكانوا يعقدون صفقات وينهون أعمالاً  ، بصوت خفيض ، تأتي الكلمات الانجليزية في وسط اللهجة الاخميمية ، وأبونا فيليبوس – خال أبانوب – هو أيضاً يؤدى شعائر الواجب ، يصلى ويهز مجموة البخور على الصندوق الأبيض الذي عليه علامة الصليب كبيرة بخطوط عريضة مستقيمة مذهبة ، ويقوم بالخدمة دون حزت ودون تورّط .

الكلب الذئب ، حالك السواد ، يجرى حول حوش المقابر من الخارج ، لا نكاد نراه حتى يخطف بنا مرآة من فرط سرعته ، لا نرمق منه إلا خطماً طويلاً ممدوداً ، جسمه اللين الطويل يتموج إذ يهز ديله شرير الشكل وكانت نبحاته القصيرة خشنة عميقة تصدر عن صدر سحيق الغور .

تساءلت منذ قليل : هل تبدو هذه الهموم والأحزان مما عفا عليه الزمن وسفّ عليه غبار الفقدان ؟ أم هل زالت في صميمها – تغني                                                                                                                                                                                                     الناس جميعاً ؟ وما زالت تكسر وترمم القلوب والأرواح ؟

ماذا يهم – حقاً إن كانت هذه الأسماء ألبير وقلدس وبشارة وأغابيوس وسلوانس ومنّة وسالومة “واقعية” أو غير ذلك؟ يظل ألبير وأبنانَوب وعايدة وإيفون سواء كانت هذه أسماء لم تكن – هم ضحايا ضربات غير مفهومة وغير مبررة , أيا كانت الأسماء والأزمان والمواقع ، الظلم الكوني واحد وافتقاد العدل – بل افتقاد الرحمة – واحد ومتكرر ، كأنه أبدي بلا انتهاء .

قال : نعم حتى مع نشوات الحسّ ومباهج الحب والشهوات .

قال : اصُرخْ بهذه الهواجس والشطحات وأمثالها ما شئت وما شاء لك الصراخ والالتياع ، قد ترددت هذه الصيحات علي طول الزمن ، فما جدواها؟ وماذا فعلت ؟ بل ما معناها ؟

ألبير يموت كل يوم بلا سبب

الفقدان شرط للوجدان ، نعم ، لكنة يظل فقداناً بلا عوض .

في الأزمان القديمة استشهد طفل قديسُ اسمه أبانوب ، كان قد ولد في قرية نهيسة، مركز طلخا ، وهي الآن كفر العرب ، بالقرب من المنصورة ، وتوفي عنه والده مقار وأمة مريم وهو في الثانية عشرة من عمرة ، وتركا له ثروة طائلة وزعها علي الفقراء وعندما ذهب إلي سمنود بجوار النهر ورأي عذابات المسيحيين علي أيدي جند الرومان تحدي الوالي لوسيانوس باعترافه بالمسيحية فعذبه وعلّقة في صاري مركب من رجليه ودمه ينزف ، وظهر له الملاك ميخائيل في نور بهيّ ، بالليل ، ليمسح الدم عن وجهة ونال إكليل الشهادة في 24 أبيب – 31 يوليو وجسده موجود بالكنيسة التي تحمل اسمه واسم العذراء مريم في سمنود والتي تضم إلي جواره رفات ثمانية آلاف شهيد .

كم من آلاف وعشرات ومئات الآلاف ، وملايين من الشهداء من كل دين وجنس وملة وعقيدة ولون ، نالوا جميعاً أكاليل الشهادة ، وماً زال للطغيان الظلم العسف اليد الطولي ، فهل سيظل أبداً غلاّباً هو الشر المقيم؟ يظل هذا الشرّبكل معانية ومستوياته الألم والطغيان والتعصب الأعمي والظلم والحقد والكذب ودناءة النفس ، حقيقة ثنائية لها – مع ضدّها- وجودها الدائم – فيما أظن – مع وجود الإنسان كما نعرفة ، ليس هذا الشر جانباً آخر للخير فقط ، بل هو قائم بذاتة – ليس فقط جانباً سلبياً يجهد الواحد الفرد أن يخلص نفسة منه ، يكون هذا  صحيحاً ولكنه ليس كل شئ ، وقد يكون الشر نتاج أوضاع اجتماعية ، ولكن ذلك كل شئ . فهل أحلام الأمل والعدل والصدق تغفر الآلام والشرور وخيبات الطموحات النبيلة ، تعرضها أو تعدلها؟ “النبيلة”؟ ما معناها ؟ ما هي ؟هل تعادل أو تعدل الأحزان الملازمة لمجرد الحياة ؟ أبداً …!

قال : لا يمكن غفران الألم الذي في العالم

قال : لا يمكن محوه كما لا يمكن تبريره

قال : مهما ارتفع الفرح وهما حلّقت نشوات التحقُق والخَلقْ الجيد ، فإنها لا تعرض أبداً مرارة الذاب ونار الظلم وقسوتها التي لا تفسير ممكناً لها ، أبداً ، مهما تعددت التفسيرات .

قال : من ذلك جاء حنين الناس إلي براءة الإيمان ، وطفولته .

البراري الموحشة لا حدود لها ، ولا وصول للأفق الذي يتراءف علي تخومها .

الملاك المُهلْك لم يعبر عن كل باب ملطخ بدم خروف الذبيحة ، لم تحدث البصخه ولن تحدث ، لأن التهلكة تحيق بكل باب .

“دخلت عليه وهي أحسن من النار المحرقة ” كانت كسيل من الحمم الذائبة ،

“أيأخذ إنسان ناراً في حضنة ولا تحترق ثيابه ؟ أو يمشي إنسان علي الجمر ولا تكتوي رجْلاه؟”

لم يحترق الثلاثة فتيات ، بعد أن أوثقت أيديهم وأرجلهم ، وألقي بهم في أتون النار. “لو تكن للنار قوة علي أجسامهم “لأن النار اتحدث بأجسامهم الجسد إلي لهب وسلام .

هل عندما تعلو النغمات ينقطع الوتر ؟ أم إذا كان في النغم صخب وضجيج ، وليس فيها ذلك التحليق إلي أعال لا تنال ؟

كأنما وهي تدخل عليه قد طلبت مَجُد الألوهية بحبها اللانهائي ، وشهوتها أن تحتضن العالم كله باحتضانه ، فهل بقي لها المجد الإنساني؟

بعد مدّ الوَصْل من خضم الحب يأتي جًزْر الحُزْن OMNE ANINAL TRISTE POST COITUM .

لا . لم يكن هذا صحيحاً ، أبداً ولا أتته نوبة الحزن الحيوانيّ – الإنساني الشامل للكل ، بعد نشوة التحقق والتوحّد .

أين ذهب نًذْر البتوليّة الكامل والانقطاع عن شهوات الجسد .

قال : شهوات الجسد هي نفسها شهوات الروح .

قال : بعد انتهاء فعل المحبة – وهل ينتهي أبداً ؟- يأتي سلام للروح وللبدن ما أعمقه ، وهو مع ذلك سلام تهيجة ، من الداخل ، أشراق جديدة وصبوات لا تنتهي .

مغفورة لكما هذه المحبة – الشهوة هذا الحب الذي في جوهره ليس خطية .

الآن كفر عن قدر ولو يسير من هذا المجد باتضاع أمام مجدك كنت في كامل الكبرياء يكن تاج شعرك الغزير عثرة ولا كان طريق الزلل ، إذ مسحت به قدميْة المتعبتين وغمرتهما استحققت النعمة .

كان شعرها كل ما بقي من مجد جسدها .

تهدل قميصها الفسدقي علي عظام الدين البدن ، اتسعت عيناها السوداوان اتساعاً كاد يخسف وجنتيها ، فيهما تتقد نار الفقدان التي لا تنطفئ ظمؤها إلي رجولته الان مختط بنوع من الظمأ للانتقام – بعد أن راح منها أبانون – تلوذ بحضنه فيه العالم – وكأنها إذ تضع فمها عليه تنهش هذا العالم .

فإذا كانت شهوتها للحب مغفورة فهل هي تغفر لنفسها شهوتها للانتقام ؟

الظمأ وحده – ونوع من الكسر الذي لا يرم – هو الذي يوحد بينهما .

صرخة الكروان المتكررة في ساعة الظهر غير متوقعة وغير عادية ، منذرة .

حر الهجير في حارة الفبة – بعد أذان الجمعة في البلد التي قامت فيها أطلال الأحداث الدامية ، حل محله حر الأحشاء .

مسعود في بنت زوجها حماد النجعى  ، والأولاد ميلاد وجيد وعزيز وسلوي مع أولاد مرقص أفندي دانيال وقرونيا وبشاي وهيلدا في أخميم أما أبانوب – أين أبانوب ؟

لعازر – الذي مات أيضاً من زمان ، باق حي بينهما .

هل أضاع أبانوب بمحبته ؟

يأخذها بين ذراعية الناحلتين وكأنما علامه الأصابع الخمسة الدامية عليه ، لا تمحي .

كان العقد “المشخلع ” الذي يطوق جيدها من الذهب البندقي الخالص الطري قليلاً عيار 24 ، يبدو كأنه اتسع وتهدل قليلاً إذ يصلصل وهي تنحني علي رأسة – وقد تخلله شئ من الشيب وخف شعره كثيراً

قال : إيزيس هل تملكين أن تغفري لي ؟

قالت ، بما يشبه الغصب : أنت لم تفعل ما يستوجب الغفران

قال ، مرة أخري : إبزيس ، اغفري لي .

قالت : لماذا تسمينى أيزيس ؟ اسمي الحقيقي في شهادة الميلاد مادلين ، لماذا خاطية ، زوجة خابنه ام لا تستحق أن يعيش لها ولدها .

إيزس ؟ أليس إلاهة ؟

قال نعم . هي من جوهر الألوهية .

قالت : إيزيس اسم دهبية تمر علينا تحمل البهوات الكبار الأقصر وأسوان ، وإبزيس اسم ماركة سجاير ، إيزيس اسم ماركة عطور شرقية .

قال : لماذا التجديف وانتهاك الحرمات ، والأقداس ؟ إبزيس وجه من وجوده الإله ، وجه رهيب وجليل ومفزع وجلاب للهلاك أو للخلاص .

قالت : أنا امرأة مجرد امرأة خاطية …

قاطعها : نحن لم نؤذ أحداً لم نخدع أحداً

قالت : الصمت أيضا كذب .

قال : الصمت صدق لأنه وحده هو الذي لا يسئ إلي أحد بشئ .

قالت ، ساهمة متفكرة كأنما تحدث نفسها :

يجدني كلما يريدني لا لست خائنة ، ما بينا هو فقط احتياج واهتياج ولا شئ آخر ، مازالت أمه ، مازالت الست كيريا تملكه .

قال : لا نخون احدا ، لا نودى احدا ، ولا حتى انا – اذا نذر البتولية – خائن ، لا لان الوفاء عندى لشئ اعمق من معنى الامتناع الساذج 0ليس قهر الجسد بالامتناع بل يتجاوز الجسد الى سعى روحى 0 لبس مجرد تبرير 0 هو حق من الحق0

فى هذا الظهر خانق الحر كانت النافذة

الواسعة المطلقة على صحن البيت مغلقة الضلفتين ، هواء حار قليل ينفذ من خصائص الخشب المرودد باحكام ، وكانت الشمعة الكبيرة مثبتة فى حامل نحاسى معلق             بمسمار فى حائط غرفة النوم ، تتقد بشعلتها المهتزة تحت ايقونة العذراء حاملة الطفل يسوع على يمينها 0صاح الديك على السطح ، صيحة نداء 0

نهض فجاة ، انسدل على عرية الرداء الاسود، وقام حافيا ، اختطفت الشمعة الكبيرة المشتعلة ووضعها تحت باطن كفة المفتوحة الممدودة على النار وقال :عنى ، عنك معا 0

صرخت صرخة صغيرة ،وقامت ليس عليها الا الشال البرتقالى الداكن االقلاب ، سابغا على ظرها النخيل ، وشراشيت الشال تهتز على نهديها 0

جرت ، وانتزعت الشمع بقوة من تحت كفة المبسوطة على الشعلة ، ثابتة لا تكاد تهتز ، انطفا اللهب ، وصعدت رائحة الشمع الساخن واللحم المحترق

دلقت كوز ماء بارد علي باطن الكف الذي احترق جلده في دائري حمراء  سوداء  مشعثة ونفذ الاحتراق إلي داخل اللحم المحترق .

رفض أن تلف يده بخرقة نظيفة مبللة وتركها وقد بدأ الألم القوي يسرعة ويلذعه ويرسل ومضات متلاحقة كالبرق من الوجع ليس في يده فقطبل في جسمه كله .

كان صامتا فقط يكز علي اسنانه

مازال ندب الحرق في يدي حتي الان .

المحبة كما هي حانية ومبتهلة قاسية تجلد مواضع الحب وتسحتقها ذبيحة وكفارة وقربانا ولا فداء لأنها أمينة هي جروح المحبة ربما ولكن آلام طعناتها ليست أقل من نشوة متهاتها وأمانة الجرح تطوي في داخلها قهرا دفنيا .

لم يكن ما بينهما كذب حتي لو كان في عز توحدهما وحشة لا خوف بينمها لا من العالم ولا مما هو وراء العالم الخوف يقتل والروح يحيي .

بده المحترقة أمارة صدق نهائي وطلب للغفران لااستجابة له.

كان قد هتف مرة في ذروة تحققة كل قواتك وطغماتك لا تفوي علي لاتملك الان أن تسحب مني ما عرفاه في سماواتك.

قال: في ظلام هذا الحب نور لا يطاق

قال: هذا نور يثبت في إلي الأبد

وفي هذه اللحظة كمال لا يحدث أبدا في أفق آخر ومعرفة أعمق من أى كلمات.

كانت تحتل موقعها في صدفة قوقعة ضخمة مفضوضة تسع جسمها  كله وقد حملتها أمواج الفيضان من هضاب الحبشة .

كانت أساور الذهب قد اتسعت حول   رسغيها ، وفي حميا فعل المحبة إذ أحاطته  بذراعيها سمع صلصة الذهب ورنة اصطدامه بعضه بعض .

، نتر نفسه منها ضمها إلية مبتعداً برأسه عنها بحركة بين الرفض والاحتواء ، وكأنما عذوبة مسكرة علي شفتيه تستحيل مرارة صلبة القوام وعطش العشق   ، الدائم الذي لا يرتوي .

وما من وسيلة لإغلاق الأحشاء أمام هذا العطش المقيم .

فهل كانت نزعته البتولية معرفة بأن عطش اللذة لا ري له ؟

القداسة ليست في البتولية بل في بهجة التوحد مع القداسة .

لا ينظر إلي الأمور التي تري بل إلي تلك التي لا تري ولا تقال .

لأن الذي يزرع للجسد فمن الجسد يحصد مجدا ، هللويا للجسد حصيد الزرع إلا  إذا كان الزرع فاسداً.

عندما كانت شهوة القداسة تتمرغ بهما علي أرض حوش البيت المخايل بنصف النور نصف العتمة في عز كان الضهر، كان النمل قد زحف في قوافل منتظمة علي حبات النبق الساقطة من الشجرة الوارفة تفوح منها رائحة فيها عطن حلو وحريف يجف له لسانه إذ تنطوي علية شفتاه المحنرقيان في قلبة محبة لا تنتهي .