الحفر …………………………….. نحسن يونس

الحفر

نحسن يونس *

كم من سنين مرت بجزيرة ” ديامو ” حتي شاخت ، وأصابها مس من نسيان يتقلب في نسيان ، ونامت الذاكرة ، بصيص من نور سطع في ذلك اليوم ، حينما أوقفنا رجل غريب عنا ، أمام جدار الحجارة الكائن علي شطنا الشرقي ، منذ الزل ، انتبهنا أن لنا بداية جاءت مع الماء ، وأن البحر قديم كالأفكار ، والغرائز ، كنا هنا فوق الحجارة نحتاً ، يجعلنا أطفالاً نلعب بالنسبة للأجداد ، وانطلق اللسان : أمنا هذه الحجارة أبونا هذا الانقطاع ؟! تشريح السكين في اللحم .. شجة نبوت في الرأس .. عورة عبثاً تدرايها بيدين ، في حضرة هذا السطوع لسطوة الأجداد .. يا أجداد ، أضاعتكم الغابرة ، وغيبتكم تحت باطها الدهر ، وراء الدهر نسيت أمركم فهي الشائخة في مواجهة ، من تمنحه الأمواج تجداً ، يظل فتياً ، صبوحاً دائما وأبدا : النمرود البحر هذا شئ نراه في علو النهار إذا علا ، أو في سيطرة الليل إذا سيطر.. هو ماء ننتسب إليه ، وفي حيرة تساءلنا : أجئنا من عذب ، أم من ملح ؟! قهقهة الرجل الغريب ، وبعدها الغريب ، وبعدها قال:

” الحقيقة مزيج من كل شئ ” هكذا نكون في حبة رمل من رمال ديامو ، والثلاث شجرات النبق في سفح العلاًية ، وعود الغاب البحري النابت في المياه الضحلة ، والطحلب العالق بحفش المحار ، في طائر أبي فصاده ، والقنبرة والغراب ، في البومة والحدأة ، والصقر – باختصار – نحن في الحجر كما في قضاء الجزيرة ، نحن في سمك بحرها كان الغريب بأخذنا لسحابة عالية تشق بحر السماء تمتلئ عافية كنا آذانا صاغية .

الغريب يؤكد ومعه علم يؤيد ، ينقب أسفل جدارنا وعلينا أن نؤمن بهذا الكتاب ، جاء ليعثر عليه ، حاملاً الزنابيل ، الفؤوس ، وحقيبتين مملوءتين بآلات وعدد ، ابتسمنا ، وهرشنا الرؤوس .. كم من غريب بمرور الوقت تضيع ملامحه ، أو يذهب ، يخرج كما دخل ، لا أثر ولا تأثبر طوحتنا السحابة ، ارتكزنا علي حائط مائل ، ماتت الرياح لمدة شهر كامل ، رحبنا بضيفنا الكسل ، في أثناء ذلك نادانا البحر : ” تعالوا . امشوا . سطحي كيابس .تعالوا ” كدنا نقع في خديعة البحر ، تراجعنا في آخر لحظة ، لأن امرأة من نسائنا صرخت في وجوهنا أن نفيق ، فالماء ماء مهما كانت هيئته ، أدرنا ظهرنا للبحر ، قيد قيدنا ، وأقعدنا علي  اليابسة نتفرج ، والغريب بحفر عند الجدار ، كان يريد أصل الجدار ، طوال ثلاثين يوماً وهذه المرأة تخرج من البيت وسط ديامو الجزيرة بالضبط ، تقابل البحر ، تأخذ الشهيق طويلاً عميقاً ، كأنها تسحب الهواء كله من أجواء الجزيرة ، ثم تزفره زفرة واحدة في اتجاه البحر ، لعلة يستجيب لشفاعتها ، عين الغريب التقطتها ، عين الغريب حدجتها ، عين الغريب انذهلت . عين الغريب  تجمدت في نقرتها ، وقست ، جذب رباط عنقه ، خلعة غاضباً ، ضربة يده حانقة دفعها في صدرها ، وهي ما زالت تنفخ هواء رئتيها بشدة ، مع بروز عروق الرقبة ، وانتفاخ الوجه ، ورعدة البدن ، صاحت :” أنا أموت” وتهاوت رأسها علي صدرها .

كان الغريب يسأل سؤالاً حائراً ، لم يجبه أحد : “كيف تموت واقفة؟!” كانت الرياح حينئذ تستيقظ من سباتها هائجة ، تطرح الواحد يقصدها ،والغريب علي عملة يحف ، قال:

“سأصل فوق رأسه ، هو المذنب . اجعلوه يحفر اليوم ، أو اليومين ، حتى السنة .اتركوه يخطئ والجدار ينتقم . وجدنا المرأة لم تمت ، تشبثت بموقعها تتابع تنقيب الغريب ، لا تبارح ، والرياح من سفيحها تكومت تلال الرمال ، خلف أبواب بيوتنا ، بعضنا كان يصعد إلي الرياح ، ينزل خارج بيته ويعود إلي داخلة بواسطة نفس الحبال ، كنا نمر علي الغريب ، والمرأة عين ساهرة تحرس ، تحضر الماء لو عطش ، والطعام لو جاع ، قلنا لها :”لك رجل . أرجعي لبيتك” رأينا رجلها يهز رأيسه وقلب راحتيه ، وهي تقول إنها لا قدرة لها ، ولا استطاعة ، شئ يسمرها في مكان الحفر ، وجه الغريب يأتيها في منامها ، يستدعيها لخدمتة ، وتنفيذ ، لا تقدر إلا علي الطاعة ، تضاحكنا ،ولم نسكت عن التنكيت والتبكيت ، إلا حينما وجدنا الرياح رجعت تستقر علي هيئتها المألوفة ، والغريب يخرج من عمق سرداب ، استكمله أثناء أفاعليها ، راح إلي البحر ،تأمله مدة ، وهو يهرش ـ ثم ارتمي في مياهه يغتسل ، وعلي سطحة سبح ، وكان يغني ،إذ انتهي جري علي شط ديامو إلي أن دخل السرداب ، وكان فرحاً ، رجع بسرعة ، وكان جهماً ، يرتعد جسده ، ويتفتق في وجوهنا : “اشتغلتم شغل التخلف؟ ظني فيكم خاب .سرقتوا حاجاتي .هاتوها حالاً” .. لولا أنه في أرضنا ضيف علي كل حال ،لجعلناه يتلقى عقابنا ، وهو يأكل وينام ، ويتبرز في مكانة ، حيث تذله صدي كلماته ، وتلاحقة ، وهي تتدفق من فمه ،.. كلمات الأسف والاعتذار ، حينما نغلق عليه فتحتها ، باكبر حجر من أحجار جدار ديامو . ثم أليس من حق المرأة أن تخرج من فخه ، ليأخذها رجلها ساعة إلي بيتهما؟!

كانت المرأة تعود ، ومعها أدوات الغريب ، وشعر رأسها مجدول في ضفيرتين مبللتين بماء الغسول المرأة مثله : “ولا أنا .خذ حاجاتك” رأيناها هكذا ـ وتهامسنا نقول :”إنها شمت عرق رجلها ، ورجع لها جسدها” لمحنا رجلها يأخذها يلف ذراعة حول كتفها يذهب بها إلي البيت، ويوصدان بابه ، الغريب وحده اشتغل ، يأكل الخبز حاف ، يقضي حاجته في العراء ، قنفذ يحمل أشواكه ، يطلب الجاز ، ليشعل فانوسه داخل السرداب ، نعطية المؤنة ، مع أنه يرانا كأنه لا يرانا .

ديامو حنجرة . في هذا اليوم ديامو حنجرة . في هذا اليوم ديامو حنجرة اعتقلتها نساؤنا ، تصرخ ، وتولول ، وتلطم الخدود، والرجل الغريب يخرج من السرداب ، حاملها، يكومها بعيداً عن فتحته : ثلاثاً من عظام الجمجمات ، أربعاً من عظام اللوح، وستاً أو سبعاً من عظام الأضلال ، بعضها قفص كامل ، وعشرة من عظام عمود فقري غير ناقص ، وكثيراً من عظام الترقوة ، وعظام الزند ، وسلاميات اليد ، وسلاميات القدم ، وخمساً من عظام الحرقفة ، أشار إليها ، وقال :”لاتهمني العظام ، لا أبحث عنها . إنها لأسلافكم أكيد” ارتمت النساء علي العظام ، حاولن في البداية أن ينظمن منها هيكل رجل ، أو امرأة ، قلن : العظام تتعرف علي بعضها البعض ، حتى لو مرت ألف سنة . صرخنا فيهن :”أبطلوا هذا الخبل”، حين أمسكن بعضه ، تفتت توآ ، وتحول إلي متبور ، حركت النساء أكفهين علي سطح الأرض ، ليعود إليها .

كانت ديامو في ذلك اليوم ، تلون ضوء الشمس فيه بالأسود ، وحلت عتامه في أزقتها . إهانة الأجداد يا غريب . إزعاج مرقدهم ، تبديد وحدتهم يا غريب ، ماذا تعطي لنا؟! تحميك ورقة من الحكومة ، تنبه علينا أن نسهل مأموريتك . عظام أجدادنا لا تهمك؟! لماذا أخرجتها من أمن مستودعها؟! التحية والسلام يا غريب لمن زرع منهم شجرة بأرض ديامو الجرداء ، ولمن حلب بقرة تعطي اللبن ، ومن أحضر منهم الأخبار من البلاد والعاصمة ، ولم يكذب ، ليخفي الشرور التي تختلط بطبيها ، ومن روي الحكاية فأحكم تفاصيلها ، ومثل المعني ، فكان ساحراً ، والسامع مسحوراً .. السلام والتحية لكل جبار غشيم تسلط عليهم ، ولم يقدموا علي قتلة ، لأنهم يعرفون أن كل شئ يولد ويموت ، النمل الحشرة ، وابن آدم الإنسان ،أما الروح يا غريب مثل الماء ، هل يقبض الجبار علي الماء؟!

قررنا أن هذا الكتاب – الذي حملة علي يديه أخيراً لا حاجة لنا أن نقعد لصاحبة نقلبها ، وأحد الذين يحسنون القراءة من أولادنا أبناء المدارس والكليات ، يقرأة ، لأنه لو حدث وقرئ الكتاب ، لرجع الزمن وتوقف عن تقدمة ، وراحت ديامو الجزيرة إلي الماضي ،ماذا نفعل في هذا الجب إذا أخذ بنا للوراء نحن الطيبين؟! كان الغريب يرقص أمام فتحة السرداب ، وهو يرفع الكتاب عالياً فوق رأسه ، ويصر علي أن هذه الخبيئة – كما أسماه – لها أشقاء يبلغ عددها الخمسمائة تحت هذا الجدار اللعيم . قلنا :”أهي قديمة مثلما هو قديم ؟! لماذا تعلن الجدار ؟! “خبط علي الكتاب خبطة رقيقة ، وصاح : ط هذه روحكم . احفروا معي” يادي المصيبة ! أي ضيعة يأخذنا إليها ؟! نحفر . نحفر عن أي شئ؟ عن شئ بعيد السحق؟ عن حياة لم نعشها ؟ عن حياة ماتت؟! لماذا إذن لديامو فضاء ؟ أليها جلد أسود في يد غريب فقط ، أكلته الرطوبة ، وأصاب مسطورة الشحوب ، وبهتت حروفة؟!

تقدمنا منه ، قلنا:” اعطه لنا، سندفنه مرة ثانية تحت أقدامك ، وغادر من غير مطرود” لماذا يتشبث به هكذا؟!

كانت كل الطرق مغلقة ، سيأخذ الكتاب هذا الغريب ، أرواح أجدادنا ستعرض عليناً للفرجة، سيصبح أجدادنا القدماء أكثر حضوراً منا في الحاضر الأفكار قلقة ، وتهرب بأدمغتنا . في تقهقر الغريب ، هل يجبرنا علي أن ندفع دماً ؟  أحرار نجن ، لم ندفع من قبل دماً .أشار إلينا ياستهانة ، قال :”ولن تدفعوا”

كان الحقد متبادلاً مستوحشة ، لن يعطي الكتاب لنا ، إلا إذا رأي النيران .هذا هو فعلنا الذي سيكون . النيران .

كلنا نحض الحطب اليابس والخضر علي حافة الأحواش ، إلي يسار الجدار الحجري ، أوقدنا النيران في الأرض الخلاء أمام الجدار ، كلنا نصرخ .هات الكتاب ، النيران . النيران .الكتاب . الكتاب .الجنوب .جنوننا .الكتاب والغريب معاً ، نحرق الأول ، وندفن الثاني في مكان الحرق ، مع ورقته المكتوبة بلغة حكومية آمرة .

بدلنا رأينا بعد زوال حرقتنا ،الكتاب .الكتاب لابد من الحصول عليه أولاً ،لابد أن يكون بيدنا ،وبعدها نعيد التفكير في أمر الرجل.

سيظل سرداب الرجل الغريب لغزاً ، يضاف إلي ألغاز تعجز ، ويُشكل،يمكث محفوراً ، لا نستطيع ردمه ، أو إغلاق فتحته ، منذ تراجع الرجل بظهره، داخلاً إلي عمق فراغة ، غراب أسود يحتضن بيضته السوداء ، ويطير ، فتمسك الهواء ، في الداخل كانت السراديب تحيرنا ، كأننا في متاهة من الحفر .إلي اليمن ، إلي اليسار ، في تقاطع ، عند نقطة لا يمكن تجاوزها ،لأن الحفر كان في العمق رأسياً إلي أسفل فجأة ، سيهوي غير الحذر في أعماق سرها ، اختفت كل علامة أو رائحة تنبي بأن من حفر هنا إنسان ، عثر علي لقية، هي نصر له ، وغضب لنا.

كان الغريب هناك فوق العلاية ، يقف مائلاً بكتفية ورأسه ، مقدماً علي فتح دفتي الكتاب ، صرخنا بألم ورعب شديدين :؟لا . لا . لا تفعل” .

من بعيد كانت السطور في الصفحات المكتوبة تترقرق ، كموج ماء مسته نسميه ، ثم أصابتهم علة ، فتدفقت كمن ذبج ، سائلاً ، ينهمر بين قدمي الغريب ، تاركة مكناها الخراب ، والصفحات تتوالي في الطي .

كنا سنفتك بالغريب ، حين وصلنا ، وصعدنا العلاية ، متسلقين كالقرود قدمه إلينا خاوباً خالياً من أي مكتوب ، صفحات صفراء بالية لها راشحة القدم ولا شئ ! .

امرأة

حمدي البطران *

عرفناها منذ أن وعينا .عجوز . وحيدة تأكل وبيتها مفتوح لم تطلب صدقة من أحد، تشتري اللحوم والحلوى ، كما نزورها ونحن أطفال وتعطينا الحلوى والنقود الصغيرة . وكانت تسأل عنا وعن أمهاتنا . لم نعرف لها أقارب . لم يسأل عنها أحد سوانا .. ظلت علي زيارتها شاباً وكهلاً . وكنت أري في بيتها صورة أعلي سريرها لشباب في زي الفلاحين عيناه تومضان ببريق الصحة والذكاء . قالت في إحدي المرات وهي تراني أتطلع للصورة :

– ابني

الذين يعرفونها منذ زمن طويل قالوا إنها لم تتزوج قط. وقالت إحدى العجائز إنه كان حبيبها ولم تتحقق أمنيتها في الزواج منه , وكنت في أحيان كثيرة أرها تقف أمام الصورة ، وأراها وهي تسمح عينيها باكية ، فألوم نفسي لتطفلي عليها ، ولكنها كانت تشكرني وتجلسني علي كرسيها الوحيد. وتقدم لي بعض الكتب القديمة فأقرأ فيها حتى ينتهي النهار.

حولت مرات عديدة أن آخذ معي كتاباً من كتبها القديمة ، وكانت ترفض وقالت لي إنها ستوصي بها لي بعد أن تموت .

كنت قد حاولت مرات معرفة سر الصورة والكتب القديمة . وفي كل مرة تقول أن الصورة لابنها والكتب ورثتها عن أبيها الذي كان صوفياً وجدها الذي كان والياً علي الإقليم.

*          *            *          *

توطدت صلتي بها. وكنت أحضر لها بعض احتياجاتها وزجاجات المياة النقية .. وفي أوقات عديدة كنت أرها شاردة الذهن ولا تتكلم فأضع لها الأشياء في أماكنك وأذهب

علي حيث الكتب فأقرأ فيها وأتركها علي حالها من الصمت حتي أخرج .. !

وعندما أعود في اليوم التالي . كانت تستقبلي صاخبة وكأنها تراني بعد غياب طويل وتتحدث معي في موضوع كثيرة وكنت عندما أسألها عن حكاية الصورة تجيبني وهي مكتئبة ولا تنطق إلا كلمة واحدة :

–      ابني

وقررت ألا أحادثها في هذا الموضوع مرة ثانية .

*          *            *          *

في إحدى المرات رأتني أتطلع للصورة أمسكت ذراعي وقالت متوسلة :

–      ابحث لي عن مقبرة تكفيني .

واستحلفتني أن أبحث عنها خروجي من عندها. وأخبرتني عن رغبتها في كتابة وصية بالكتب والمخطوطات . شجعتني حالتها المرحة ورغبتها في الحصول علي المقبرة وسألتها عن الصورة فأجرتني بدون اكتئاب إنها لابني وسعود بعد أيام .

*         *           *             *

عندما عدت إليها بنبأ المقبرة في اليوم التالي وجدتها تكوي جلباباً مما يلبسه أهل الصعيد رأيت أنه يشبة إلي حد كبير الجبلباب الذي ترتديه الصورة . وكانت تغني أغنية غامضة حزينة لم أسمعها من قبل وأخبرتني أنها تجهز الجبلبان لابنها الذي سيعود . وسألتها عن المكان الذي سيرجع منه سكتت ولم ترد وخفت أن تهيمن عليها حالة الاكتئاب فلم أزاد عليها ولكنها أخبرتني أن الصورة تراكم عليها التراب وأنها تريد أن تسمع عنها التراب لأنها تردي لابنها أن يري صورته لامعة ونظيفة.

كانت الصورة عالية ولا يمكنني الوصول إليها إلا إذا وضعت شيئاً أقف عليه أحضرت لي كرسياً قديماً . وعندما وقفت عليه ومددت يدي إلي الصورة انهارت إحدي أرجلي وسقطت الصورة مني علي الأرض وتهشم زجاجها..!

ندت عنها صرخة هائلة . زلزلتني ، وظلت تصرخ حتى تجمع الناس . وكانت أثناء صراخها تصيح”ولي . ولدي”..

قال بعض الذين يعرفونها أن عقلها ذهب . نجحنا في تهدئتها وبعد ساعة عاد إليها سكونها وتركتها وذهبت.

ظلنون الموتى

ـــــــــــ

غالية خوجة *

كل يوم ..،

أشرد دواخلي في دواخلي ، فتكتبني الأبجدية ألجدية أخري ..

أطارد الشمس ..

وأينما كانت ، أضع فيها نفسي..

لا هي تحترق ..

ولا أنا ..

كتبت ذاكرة جديدة ..

ابتكرت ..

للأسود ،

لوناً آخر ..

للأزرق ،

هواجس مختلفة ..

للبنفسجي ،

براعم مغايرة ..

للأرجواني ،

حواس لا تنتهي ..

لم ينتبه لذلك أيّ أحد ..

ناغمت مسافات الموت بالحلم .. شساعات الجرح ، بالندي .. وجعلت من وشيها حياة لإيجاءات تأمر الحياة ..

وحدهم الموتي..،

انتبهوا لمتغيرات تتراكم في مدار غريب..

وحدهم اكتشفوا ..

كيف من بصصائرهم نسجت ثوباً رائياً للغامض ، وحاكورة متحوّلة للشفيف ، وقرنفلة للمواسم وشمعة للحب .. كل يوم ،

أتشرّد مع الموتى والشمس في السهول والجبال والأودية والمدن والنجوم المولودة وتلك التي قيد الولادة .. نتشرّد باحثين عن معدن لا مرئي يلمع في أوراق شجرة .. جميعكم تعرفونه : الحظ .. سألت أمي لحظة خرجتُ من رحمها :

– ما هو فألي؟..

لا اتذكّر هل أجابتني أم لا .. لكنني ، أذكر أنّ القلق المتبلور في عروقي اندلع مثل عصفور صغير باغته الثلج ليكتب في الهواء :

– فألك شجرة بلّور لا تنبت إلاّ في نواة الشمس .. منذها ..،

وأنا أتجول في مخيلة اللغة ..

هل يوماً سأجد ذاك اليوم..؟

الأديب الأمريكي أرنست هيمنجواي

وثلاثة حوارات عنه

ـــــــــــ

ترجمة دن نعيم عطية *

أرنست هيمنجواي واحد من أبرز الكتاب الأميركيين في القرن العشرية ومن أشهر أدباء العالم قاطبة . حصل علي جائزة نوبل في الأدب عام 1954 ومن قبل عام 1953 علي جائزة بوليتزر عن روايته “العجوز والبحر”.

ولد في الحادي والعشرين من يولية عام 1899 وبمناسبة مرور عام علي ميلاده احتفلت الأوساط الأدبية العالمية في الأشهر الماضية بمئوية هيمنجواى .

عاش هيمتجواي حياة حافلة بالأسفار ، والنجاحات الصحفية ، والهيام شغفاً بالرياضات العنيفة كالملاكمة ومصارعة الثيران وصيد الأسماك الكبيرة من أعالي البحار والقنص من أدغال أفريقيا . وكان دؤوباً علي مواجهة الحقائق ، والبحث عن التراجيديا الإنسانية وراء ظواهر المور . انخرط في أكثر من حرب متطوعاً ، ورحل إلي أسبانيا ليشارك في حربها الأهلية . وكتب روايته “الشمس تشرق أيضاَ” التي نشرت عام 1926 و”وداع للسلاح” عام 1929 و”لمن تدق الأجراس” عام 1940 و”فيما بعد المهر وتحت الأشجار” عام 1950. كما كتب ونشر العديد من القصص القصيرة والمجموعات القصصية التي ذاع صيتها . وأكسبته هذه الأعمال كلها شهرة ومالاً . وأضحي هيمنجواي أسطورة من أساطير القرن العشرين . وفي كثير من الأجيال طغت أحداث حياته علي أعماله الأدبية . وما أن اشتشعر عدم القدرة علي الكتابة – التي هي بالنسبة له الحياة حتّى أقدم علي الانتحار في هدوء وبلا صخب .

وعلي الرغم من أنه تمضي في أخريات هذا القرن مائة علي مولدة ، إلا أن حقيقة هذا الكاتب لا زالت خافية علي كثرين ، أرادوا ألا يروا فيه سوي فنّاص وحوش . أو مراسل حربي ، أو صياد أسماء بحيرة ضخمة ، أو هاو لمصارعات الثيران ، أو ملاكم شرس ، نهم للمتع الحسية ، أو سرح شامخ للرجولة ، عنيف ومدمن خمر.

علي أن كل هذه الخصائص لم تحمية من قدره ، فقد افترستة أسطورته في النهاية. وقد كان يشكو كثيراً من أنه يفضل أن يوجه الناس الاهتمام إلي تحليل أعمالة الأدبية ، بدلاً من الالتفات الشديد إلي أحداث حياته . وقد كان هيمنجواي بحق روائياً غير عادي ، يؤرقه حب العبارة المضبوطة ، والحكاية الحقيقية ، والإخلاص لعملة . وقد راح هيمنجواي يرهف السمع لهراتفه الداخلية ، وينكب انكباباً شرساً علي تلمس “معني الحياة” . وقد قدم لنا بذلك رد فعل شديد الخصوصية لعصره . وقد قال الكاتب الفرنسي الكبير فرانسوا مورياك عن هيمنجواي أنه كان يتحدث لغة “الحرية الكبيرة” أجل ، هذا صحيح ، ولكنها كانت أيضاً لغة “العزلة” تلك العزلة التي تجبر الكاتب أن يواجه كل يوم “الأبدية” أو “اللاأبدية” وأن يجيب علي سؤال هاملت شكسبير “أن تكون أو لا تكون”.

وفي مقدمة الأعمال الأدبية لهيمنجواي راويته “الشمس تشرق أيضاً” التي نشرت في أكتوبر 1926، وفي مطلعها إشارة إلي آية من التوراة “سفر الجامعة” وتجري عبارتها بالآتي: الشمس تشرق أيضاً وتغيب ، ومن حيث جاءت تعود” وتتحدث الرواية عن خيبة أمل جيل وصفته جيرترود ستاين التي تعمل هيمنجواي منها الكثير بأنه ضائع .ويقول هيمنجواي إن هذا الجيل الذي هو منه لم يكن ضائعاً علي الإطلاق ـ كل ما هنالك أنه تعرض لظروف صعبة . وهذه الراوية حافلة بذكرياته عن تجربته في الحرب الإيطالية التي ذهب متطوعاً إليها ، وألحق هناك بالصليب الأحمر. تتكلم الرواية عن جيك بارنيس “JAKE BARNES” الأميركي الذي جرح علي الجبهة الإيطالية إبان الحرب العالمية الأولي . وصار بعد انتهائها صحفياً يعمل في باريس . ينغمس في اللهو والشراب . ويتردي في الحب ، لكنه لا يتطور إلي شئ أفضل في عالم عبثي لا يساعده علي نسيان إصابة الحرب التي جعلت منه رجلاً قادراً يشعر بالأحاسيس الطبيعية التي يمكن أن يحس لها أي رجل ، ولكنه عاجز عن إشباعها . ويمضي جيك مع بريت في علاقة حب بلا أمل.

وقد رفعته روايتة هذه بأسلوبها وحيويتها وموضوعها علي الفور إلي مصاف الكتاب الكبار أو “أنصاف الآلهة” علي حد تعبير الإغريق القدامي . وراح جمهوره يثني علي حوارته القاطعة ، وشخصياته النابضة بالحياة ، وإخلاصه للحقيقة ، وتراجيديته .

ثم صدرت راويته “وداع للسلاح” في ديسمبر عام 1929 . وقد لقيت بدورها المجاح توآ .

وبفضل هذه الراوية أضحي هيمنجواي كاتباً جماهيرياً … كما حققت له ثراء . وقد وقدمت كعمل سينمائي . عما تتحدث هذه الرواية؟ الإجابة كلها تضمها العنوان . الحرب تصيب الأفراد بكسور. لا تلبث لدي كثيرين أن تلتئم ولكنها تخلف بداخلهم رضوض . وما من عمل لهيمنجواي هاجم فيه الحروب ، وما تجلبه من رعب وعبث ودمار مثلما في روايته هذه. كما تضمنت الرواية عديداً من صفحات مذكراته عن تجاربه في الحرب الإيطالية التي خرج منها مصاباً بإصابة بالغة في ساقية وكذلك عن حبه المستيحل للمرضته آنيس فون كوروسكي “AGNES VON KUROWSKI” مما يدعو إلي تأمل الجانب الرومانسي في هذه الراوية المسيطر عليه ببراعة . وهو ما يبعدها في النهاية عن الأعمال الرومانسية . ولكن إذا تذكرنا ما يقوله نيتشه في نشأة التراجيدية فإننا سنعرف أنه كلما كان الإنسان قوياً كلما أوغل في الحياة ، ولكنه إذا ما دخل إلي قلب الحياة فلن يري إلا رؤية تراجيدية مأساوية لها. ويمكن أن تعتبر هذه الرواية شاهدة علي عصرها ، ولكنها أيضاً رد فعل بالرفض لذلك العصر.

أما “لمن تدق الأجراس” فهي أطول روايات هيمنجواي وقد انكب علي كتابتها في الفترة من مارس 1939 إلي سبتمبر 1940 . وهو التاريخ الذي سلم إلي ناشرة الفصول الثلاثة والأربعين التي تتألف منها الراوية مصححة بخط يده . وهي تحكي عن الحرب الأهلية الأسبانية التي شارك فيها هيمنجواي , وقد كتبت إبان الأحداث التي تحكي عنها . وتعتبر امتداداً منطقياً لورايته “موت في الظهير” التي كتبها قبل ذلك بسبع سنوات ، والتي تسجل مصارعات الثيران تسجيلاً تفصيلياً وواقعياً . ويري هيمنجواي أن مصارعة الثيران إنما هي تذكير للإنسان بأنه كائن فان ، ولهذا فإن عظمته في تجاوزه للموت بتحدّية . ولهذا كان طبيعياً أن تتردد هذه الفكرة الأصولية علي صفحات رووايته “لمن تدق الأجراس” بعد أن ترددت من قبل في “موت في الظهيرة” وبراويته “لمن تدق الأجراس” ينحني هيمنجواي احتراماً للعزيمة الإنسانية التي تواجه الموت في تحد وتنتصر عليه ، غير عابئة حتى باحتمالات هزيمتها أمامه. وتبقي هذه الراوية نموذجاً بارزاً علي أسلوب هيمنجواي الذي تجلي في هذا العمل علي الأخص بحوارها الجاف ، الجسور ، الفونوغرافي ، الذي يحول انتباه القارئ إلي ما وراءه من معاناة شخصياتها.

فإن ما وصلنا إلي آخر رواياته المنشورة حال حياة فهي “العجوز والبحر” التي أنجزها في 17 فبراير 1951 وقد لقيت نجاحاً أسورياً واعتبرها النقاد أفضل ما كتب . بل ومن أفضل ما كتب في الأدب الروائي الأميركي علي الإطلاق . وتدور أحدث الرواية علي مبعدة بضعة كيلومترات من ميناء صغير شرقي هافانا بكويا . وبطلها صياد عجوز فقير ، لم يصطد شيئاً منذ شهور . وبعد صراع مرير اصطاد سمكة مارلين ضخمة ، جاهد كثيراً حتى أمكنة أن يتمكن منها ، ولكنه لا يستطيع أن يعود بها إلي الشاطئ فقد انقضت عليها أسماك القرش والتهمتها . وكان هيمنجواي قد سمع هذه القصة من بحار من معارفة رواها له منذ خمس عشرة سنة سابقة . وتتصف “العجوز والبحر” كما تتصف أعمال عديدة لهيمنجواي بالتماسك البين والوضوح والمباشرة . وينخرط العجوز سينتياجو بطلها – كما هو الحال في رواياته الأخري – في طقس يومي ، هو هنا الصيد ، وتتيقظ الداخلية ، إرادة الحياة فيه ، في الإطار الضخم لعزلة الطبيعة الإنسان والفريسة ، يتواحدان لحظة الحقيقة . وإذا كانت هنا إرادة الإنسان قد انتهت بالهزيمة ، إلا أنها – كما يقول سانتياجو – هزيمة لا تتحول إلي قدر محترم ، وإنا هي مجرد تجربة اختيار من جانب الإنسان لإراتة ، بلا تأويلات تتجاوز الموضوع الذي طرحة المؤلف .إن عطاء هيمنجواي بصفة عامة ، قصد به أن يكون جافاً ، مباشراً، خالياً من التأويلات ، وهذه مجرد قصة بحار اصطاد سمكة وافترسها منه سمك القرش . ولا شئ غير ذلك. أما القارئ فليفهم منها ما يريد.

(1) هيمنجواي أستاذ في القصة

كان أسلوب هيمنجواي يتصف في ظاهره باليسر والبساطة نتيجة دأب طويل . وقد عكفت الأستاذة الجامعية جينيفيف هيلي – ماين “GENEVIEVE HIL –MAIN” علي دراسة مخطوطات هذا الكتاب ، كي تكتشف ، متجاوزة الأسطورة التي جعلت منه بطلاً مرموقاً . تحديات الكتابة عنده . والأساسيات التي ابتني عليها أسلوبه الأدبي.

وقد استهدف هيمنجواي أن يكتب “بواقعة وصدق قدر الإمكان” وتتبدي البساطة التي اكتست بها كتابته مظهراً خادعاً . وقد تولت جينيفيف هيلي- ماين أستاذه اللغويات في قسم الدراسات الإنجليزية بجامعة ربمز” REIMS” مهمة كشف الحجاب عن تلك الشفافية المحيرة في “أسلوب أرنيست هيمنجواي” وذلك في كتاب لها بعنوان “أسلوب أرنيست هيمنجواي . القلم والقناع” صدر عام 1983 عن “دار النشر للجامعات الفرنسية” كما مضت في الطريق ذاته . فأصدرت مؤخراً عام 1999 كتاباً بعنوان ” فى بلاد أخري رحلة هيمنجواي ”

وفي صدد هذا الموضوع أجرت معها تيري بايل ” THIERRY BAYJE ” الكاتبة بجملة ” المجلة الأدبية ” حديثاً نشرته على صفحات هذه المجلة ، بعددها الصادر في يونية1999 الذي تضمن ملفاً كاملاً عن الأديب الأميركى الراحل , أرنيست همينجواي , بمناسبة مرور مائة عام علي تاريخ ميلاده في 31 يولية عام 1999 . الذي تضمن ملفاً كاملاً عن الأديب الأميريكي الراحل ، أرنيست همينجواي ، بمناسبة مرور مائة عام علي تاريخ ميلاده في 31 يولية عام 1999 .

ونستمع الآن إلي الحديث الذي أعدته الكاتبة الفرنسية تيري بايل مع الأستاذة الجامعية جينيفيف هيلي – ماين :

بايل : طغت أسطورة هيمنجواي كإنسان علي عمله كمبدع ، بحيث وضعت هذه الأسطورة في الظل أحياناً عطاءه الأدبي ، فلا يرد إلي الذهن اسمه كأديب رفيع المقام بقدر ما يرد كصحفي يجري وراء الأحداث ، وينقلها إلي قارئه في صياغة إخبارية حتي لو وضع الحديث في رواية أو قصة .

وعلي سبيل المثال ، عندما صدرت روايته ” موت في الظهيرة ” عام 1933 وصفها النقاد بأنها ريبورتاج يشيد بمصارعات الثيران ، وما يشوبها من إثارة وعنف ، وقد لامه الناقد لينكولن كيرستين على أنه لا يعني بالشجاعة إلا الفعل الجسدي الداهم ، ولا يعي شيئا عن الشجاعة المعنوية ، شجاعة الروح ، والذي يستهوي هيمنجواي هو فحسب عمليات تدبير القتل المنظم . وهو ما يتفنن فيه مصارع الثيران .

فما رأيك في ذلك ، يا أستاذة جينيفيف ، وقد كرست أربحاثك اللإبانة عما بعد أسطورة هذا الرجل ، وعلي الأخص من خلال مخطوطاته ؟

جينيفيف : عندما أصدرت كتابي عن ” أسلوب أرنست هيمنجواي ” عام 1983 أعطيت له عنواناً إضافياً هو ” القلم والقناع ” وذلك لأن هذا الكاتب من الصعب الإمساك به . يبدو أسلوب هيمنجواي بسيطاً طيعاً ، لكنني تبينت مبكراً أن لديه شيئاً آخر يقوله لقارئه غير ذلك الذي غلفه بأسلوبه البسيط والذي يلمسه القارئ للوهلة الأولي . علي أنني لم أكن بقادرة أن أحدد ما الذي يمكنني أن أرتكن إليه في ذلك الذي تبينته . إن هيمنجواي الرجل أو الإنسان ، لم يكن هو ذلك الذي يشغلني ، أما الذي عتاني وشغلني ، فهو كيف يرسي هيمنجواي حقيقية من خلال عمل فني ، وقد استغرق بحثي هذا وقتاً طويلاً ، حيث كنت أصطدم بعقبات كثيرة وكانت ” الدراسات الأسلوب في أخريات الستينات شحيحة إن لم تكن معدومة أيضاً ، لهذا فعي الرغم من عزمي على أن أعمل بطريقة علمية موضوعية فقد كنت أخطو خطواتي من خلال التخمين والحدس .

وفي عام 1974 أهدت أرملة هيمجواني مخطوطاته إلي منحة جامعية فسافرت إلي بوسطن . وصلت إلي تلك المخطوطات إلي مكتبة كيندي العامة وتسني لي الحصول علي منحة جامعية في وقت جد مبكر ، إذ أنه ما عاد متاحاً الان الاطلاع إلا علي نسخ مصورة من هذه المخطوطات وبذلك وجدت النسخ الأصلية لتلك المخطوطات بين يدي ، وقد كانت هذه مغامرة غير عادية بالنسبة إلي واكتشفت من دراسة تلك المخطوطات ، أن هيمنجواي كان متيماً بالكتابة إلي حد الهوس .

كان يبدأ بكتابة صاغة أولي بالقلم الرصاص . كان يجري التصحيحات عليها في اليوم التالي بقلم آخر ثم كان يدفع بالنص لكتابته علي الآلة الكاتبة وكان يصحيح النص المرة تلو بخط يده كما كان يدخل تصحيحات أخري علي النص في المطبعة ، وتبين لي من ذلك بجلاء أسلوبه في الكتابة وقد منحتني هذه المخطوطات أكبر سعادة يمكن أن يتصورها باحث لنفسه . وانكببت علي تصويب كل ما كنت قد بدأت من قبل في تكوينه من آراء ولكن المخطوطات قد أكدت أيضاً كثيراً من تخميناتي وبعد ذلك أنجزت رسالتي العلمية فيما لا يزيد علي ستة أشهر .

بايل : يتغني بعض الباحثين ومنهم جان بريقو بخشونة أسلوب هينجواي وبخلوه من البهارج والنبرة الخطابية وانه بذلك يصل إلي كماله فما رأيك في هذا ؟

جينفيف : يقول هيمجواي ” إن النص النثري معمار ، وليس ديكوراً أما زخارف الباروك فقد انتهي أوانها ” وقد كانت جيرترود ستاين أستاذته في هذا المضمار وقد علمته أن التعبير يجب أن تكون له دور في المضي بالحكاية قدماً وعلي الجريان ، وكل ذلك ، فإن النص يجب ألا يتوقف عن الجريان ، وكل ركود في العبارة ، سواء بالتكرار أو ارتفاع النبرة ، أو الزخرفة اللفظية ، يضر بسلامة النص الأدبي.

بايل : ألا يمكننا أن نقول بذلك أن أسلوب هيمنجواي يجمع في حقيقية بين الرهانة والزهد ، بين جفاف العبارة ورقتها معاً ؟

ج : هذا ما قصدته من العنوان الجانبي لكتابي عن هيمنجواي ” القلم والقناع ” إن النص عند هيمنجواي يعطي الانطباع بأن قلماً يجري بكلام مفعم بالقسوة والوحشية ، بينما هو في الحقيقة رهيف للغاية لدرجة ان هذا الأسلوب الذي يتأبي على التحليل يثبط همم الاحثين كثيراً ، ويجعلهم يتجهون إلي الاهتمام بسيرته ، وما وصل إليه من نجومية من جراء حياة حافلة بالمغامرات والأحداث .

بايل : هل استفاد هيمنجواي من الصحافة دروساً لأدبه ؟

ج : تعلم هيمنجواي الكثير من فترة تدريبه في مجلة ” تورينيوستار ” وقد كتب علي صفحاتها مقالات ثم نبهته الأدبية الأميركية جيرترود ستاين ، التي كانت قد اتخذت من باريس مستقراً دائما لها ، أن الأدب بساطة قوامها إشارات وامضة علي أنها ليست بساطة الوضوح والمباشرة التي تتوخاها الصحافة وقد تعلم هيمنجواي من جيرترود هذا الدرس ووعاه جيداً .

وفي أغلب الأحيان التي نقرأ نصاً أدبياً لهيمنجواي تكون المادة المقروءة تامة الوضوح ومن هذا المنطلق ، ونحن نقرأ ”  العجوز والبحر ” أو ” الشمس تشرق ” نجدنا قد أسلسنا القيادة للكتاب ، علي أنه ما يلبث أن تبين لنا مستويات أخري للعمل المقروء .

بايل : هل كان هيمجواي مدركاً ذلك ، متعمداً له ؟ أم أنه كان يخادعنا كي يبدو وكأنه لم يستين تلك المستويات ولم يقصدها عند الكتابة ؟

ج: أعتقد أنه كان مدركاً ذلك ، في ” العجوز والبحر ” علي الأقل . أما في نصوص أخري ، فالأمر ليس مؤكداً وقد كتبت أقولفي مقالة لي باكرة بمناسبة ” الشمس تشرق أيضاً ” ” حذلري من المضمر الذي لا يقال ، من الكلمات التي تطارد النص المكتوب تحت السطوح الباردة شديدة الشفافية ، حيث ادعاء عدم المعرفة بغير المكتوب أمر يدبر في أغلب الأحيان أفضل تدبير ” ولقد أوضح هيمنجواني نظريته هذه ، التي يمكن أن تسمي نظرية ” جبل الثلج ” بمناسبة روايته ” موت في الظهيرة ” قال شرحاً لها ان المهم في الأمر أن معني الشافية ليس لزاماً أن يكون ” البراءة ” وقد يجدر بالروائي أن يمثل أمام قارئ روايته علي أنه يعرف أكثر مما يرويه علي صفحاتها . وكان علي الدوام يقول من حق الروائي أن يحذف بعض الأشياء ، شريطة أن يعرف هو ما الذي يحدفه .

إن ” الأسلوب ” عند هيمنجواي هو الكتابة المحكمة ، والمخطط لها عن تدبر وروية ولا ننسي أيضاً قوله إن النص الأدبي هو معماري وبناء ، كما نضيف إلي ذلك قوله لأحد الصحفيين جاء لإجراء حوار معه أنه أعاد كتابة الصحفة الأخيرة من روايته ” وداع للسلاح ” تسعة وثلاثين مرة قبل أن يرضي عنها وقد تحاشى هيمنجواي الإطناب بصفة عامة ، وعمد إلي حذف ما لا لزوم له من عبارات فلا داعي لوجود ما لا يضيف شيئاً للنص الأدبي .

بايل : قليل من كتاب عصره كانت لديه تلك الرؤية الواضحة ” للأسلوب ” التي كانت لديه.

ج :أجل ، وقد ظن بعض مقلدية أن عليهم أن يقولوا كل شئ ، وألا يخفوا عن القارئ شيئاً.

بينما ان الذي لم يتبينوه ان هيمنجواي كان يعرف ما يجب أن يبينه وما لا يجب أن يبينه لقارئه من معلومات ، وكان صمته في هذا المقام مبيناً .

فإذا ما تحدث عن سر ” سر الكتابة ” قال إن هذا من خصوصيات الكاتب ، وهي من خصوصياته المقدسة أي أن الكاتب المجيد ، يجب أن تكون له الكفاية أن يعرف ما يجب وما لا يجب أن يبينه للقارئ ولذلك كان لزاما حذف ما لا لزم له من عبارات .

بايل ” كان من سمات الأسلوب عند هيمنجواي أيضاً أنه كان يلقي بقارئه تواً ، وبلا مقدمات ، إلي قلب الحديث الروائي .

ج : وقد استخدم هذا الأسلوب أو التكنيك منذ أولي رواياته وقد تتبعت مخطوطاته منذ البداية حيث كان يلجأ إلي الإدلاء بتفسيرات ويقدم شخصياته للقارئ ، معلناً علي سبيل العشرينات الأولي من هذا القرن وقد وجه إليه أنه يريد أن يقول الكثير ، فعمد هيمنجواي إلي حذف هذه المقدمة كلها أن ” الشمس تشرق أيضاً ” تبدأ بشخصية ثانوي ويجدر التفكير كثيراً بغية فهم من ذا الذي يقدمه بهذه الشخصية حقاً أو بعبارة أخري ما الذي حذفه ، فبدت تلك الشخصية في الرواية كحيرة على هذا النحو وعديد من قصصه التي نشرت بعد موته هي جزازات سبق له حذفها من كتاباته القديمة وهكذا نري أن هيمنجواي مارس أسلوب الحذف باقتدار ولا تردد.

بايل :أبرزت في دراستك كم كان يعول هيمنجواي علي توخي التفاصيل الصادقة ، والتقصي عن الكلمات الصائبة وانه يقترب في هذا من القصاص الروائي الفرنسي الكبير جوستاف فلوبير.

ج : كان لدي هيمنجواي إصرار علي أن يكون محنكاً وخبيراً يريد أن يعرف كل شئ ويستخلص من تجارب الحياة الدروس والعبر وأن ينقلها إلي قارئه وكان بالإمكان أن يكون هذا أمراً مزعجاً علي الأخص بالنسبة لأصدقائه .

بايل : وبعبارة أخري ، كان يريد أن يأخذ كل شئ بين يديه أن يعاين ويخبر كل شئ .

ج : كان يريد مثلاً أن تكون عليماً بالصيد ، ومصارعات ، واللغات ، والحروب ، والملاكمة ، وكل شئ .

بايل : هل كان لهيمنجواي إزاء ذلك أساليب مختلفة تبعاً لاختلاف شخصياته الروائية والقصصية ؟

ج : لكل شخصية لديه طباعها الخاصة بها ، ومزاجها الذي تنفرد به ، حتي لو تشابهت تلك الشخصيات فيما بينها من بعض النواحي . وتتمثل براعة هيمنجواي على الأخص في أنه ليس بالسهل أن يعرف القارئ من الذي يتحدث في أعماله ويستخدم في هذا المقام حيلاً ماكرة ، حتي أنه ليتبني وجهة نظر الأسد ، ولكأنك تسمعه يحادثك وكثيراً ما يعند هيمنجواي إلي مخادعة قارئه في بعض الأحيان على صورة عبثية .

ج : يرجع ذلك إلي أن اكتراث هينجواي في المقام الأول كان يظاهر شخصياته ، وليس بنوازعهم النفسية ، فهو لم يكن يلجأ إلي تفسير تصرفاتهم الخارجية بفض مكنوناتهم الداخلية ، وهو ما جعل أعماله تخطي بكثير من النجاح في عصر ” الوجودية ” رغم أنه لم يكن علي أي حال وجودياً .

بايل : وكيف يمكن تفسير بلوغ هيمنجواي إلي أهداف الأدبية المنشودة ، بالتزامه في أسلوبه الإيجاز والزهد في الكلمات ؟

ج :كان للقائه بيجيرترود ستاين ، عزراً باوند الذي ظل مرتبطاً به حتي النهاية ، الفصل في عثورة علي أسلوبية باكراً ، وأن يبتكر منذ البداية صيغة الأدبية كما كان من حسن حظ هيمنجواي أن التقي بشيروود أندرسون الذي كان كاتباً علي غاية من البراءة والشرف ، وألف أن يحكي عن قلقه وهمومه للناس جمعياً وقد ” أن جعل الأمور واضحة – هو بضاعي الرئيسية ” وقد كان توضيح الأمور- بالنسبة لهيمنجواي أيضاً – هو شغلة الأوب – علي أن هيمنجواي يضيف في موضع آخر أيضاً أن الكذاب هو بدوره في جمال شجرة كرز مزهرة . هناك علي الدوام عنده نوع من الازدواجية .

بايل : إنك ، ياسيدتي ، في نهاية كتابك عن هيمنجواي تقولين أنك تكنين تقديراً خاصاً لبعض رواياته مثل ” الشمس تشرق أيضاً ” ولكنك تكنين تقدرياً أكبر القصصه القصيرة .

ج : أجل أكن تقديراً أكبر لقصصه القصيرة ، حيث يتجلي هيمنجواي تقنياً ماهراً وفناناً ملفتاً للأمظار وتؤكد أعمال هيمنجواي بصفة عامة قدرته علي أن يقنع قارئه بأن ما يحكيه له ليس أدباً فحسب ، بل أموراً حدثت فعلاً أما في آخر كتبه بعنوان ” إنما باريس مهرجان”

فهو ينزع نزوعاً مختلفاً ، ذلك إنه يحاول عير صفحاته أن يعيش حياته من جديد من خلال تخيلها ، وإعطاء نفسه في هذه الحياة المتخلية أدواراً طيبة ، ربما لم تكن له إنه نص جميل ولا شك ، ولكن هيمنجواي ولا شك ولكن هيمنجواي الكبير يتجلي في قصصه علي الأخص .

( 2 ) صائد الكلمات

في دراسة بعنوان ” هيمنجواي ” صورة للفنان كمحارب جريح ” نشرت ترجمتها الفرنسية دار جاليمار للنشر في سلسلتها المعنوية ” اكتشافات ” يجوس بنا الروائي الأميريكي المعاصر جيروم شارين في متاهات ودهاليز مبدع افترسته إبداعاته .

وقد عرف جيروم شارين بالأخص كمؤلف روايات بوليسية فاتمة السواد ، يلعب يطولتها القوميسير إسحاق سيديل كما ان حبه لمسقط رأسه نيويورك ، دفعه إلي نشر كتاب أساسي عنها ، وإن كانت عنها ، وإن كانت مادته نابعة عن تجاربه هو الشخصية ، عنوان الكتاب ” نيويرك : يوميات مدنية متوحشة ” وقد أثار جيروم شارين الدهشة بكتابه عن هيمنجواي ، فقد احتوي علي كثير من التفاصيل الموحية ، والوثائق المدعمة لها ، مكتوب برهافة حس شديدة وقد كان حب جيروم شارين مؤلف رواية ” موت ملك التانجو ” لهيمنجواي الذي يعتبره كأستاذه الأول واضحا حقيقياً في كل كلمة عنه .

وبحرارة ، مضي جيروم شارين في دراسته المكثفة بعنوان ” هيمنجواي : صورة للفنان كمحارب جريح ” – مضي يتغلغل لا في أحابيل أمجاد أفضت إلي تسميم حياة هيمجواي ، بل في متاهات مبدع افترسه عطاؤه وقد أوضحت لنا هذه القراءة التي اتخذت من نصوص هيمنجواي مقطة انطلاق كي تعود إليه بعد جولات مشبوية بالتعاطف – أبانت لنا هيمنجواي كما يجب أن يقرأ : أو بعبارة أخري ، كأديب من أكبر أدباء عصره ، ومن أكثرهم تجديداً ولعل عبارة نورمان ميلر التي بفتتح بها الفصل الخامس من الكتاب لهي بالغة الدلالة إذ تقول : ” أغلب الظن أن هيمنجواي كان رجلاً شجاعاً يبحث عن الخطر لمجرد الاستمتاع بالأحاسيس التي يمنحها له وقد كان قوام أوديسيته ، أنه راح طوال إلي يحارب الضعف الكامن فيه والنزعة المؤرقة إلي الانتحار كانت المشاهد بداخله كابوسية ، ولياليه أمضاها يحارب شياطنية ” إن هيمنجواي يكتب ليتجاوز قلقة ويستمد من ذاته القوة التي أتاحت له أن يصبح واحداً من كبار مجربي ومجددي زمانه ، صاحب أسلوب ، قلب أوضاع لغة الأدب الأميركي ، وكانت عن هيمجواي ، أن الأميركيين اليوم يعترفون بهيمجواي صياداً للكلمات وقد كان كذلك حقاً .

ويقول جيروم شتاين في كتابه ” هيمنجواي ” صورة للفنان كمحارب جريح ” لست طفلاً منسوياً لهيمنجواي ، ومع ذلك فقد كتبت سيرة ذاتية مصورة للكاتب الذي فتح لي أبواب الأدب ، تحية مني نيبة عن كل الكتاب الأميركيين الذين يعتبرون هيمنجواي أستاذهم في أسلوب الكتابة الدبية .وقد أعد الحوار التالي فرانسوا بوسنيل “FRANCOUS BUDNEL ”  ونشره علي صفحات ” المجلة الأدبية بعددها الصادر في يونية 1999 .

بوسنيل : هل ترون في أعمال هيمنجواي وحدة تجمع بينها ؟

شارين : في العشرينات ،إبان وجوده في باريس ، كصحفي أوفدته مجلة ” تورونتوستار ” الأمير كية ، توصل هيمنجواي إلي الشكل والأسلوب الذي ارتضاه لكتاباته الأدبية وفد كانت تلك الأيام هي العصر الذهبي للقصة وفد نجلي تفرده الأخص في أعماله القصيرة التي تنذرج تحت مسمي الرواية .

بوسنيل : وكيف هجر هيمنجواي الصحافة ؟

شارين :تأثر هيمنجواي كثيراً إبان وجوده في باريس بالأديبة الأميركية التي توطنت هناك جيرنرود ستاين  ، وهي التي دفعته إلي