شعر البحرين ونثره الحديثان- 1- الشعر….بربارا ميخالاك بيكولسكا

أ ـ   الشعر :

يقول أوكتافيو باز الحائز جائزة نوبل في مجال الأدب: إن الشعر، سواء أكان مفتوحا أو مغلقا، يتطلب رحيل الشاعر الذي يكتبه، وولادة الشاعر الذي يقرؤه. بهذا الشكل، فالتأويل قد كتب في نظام الطبيعة الأبدي، في التوالد والموت. النص هو القيمة التي يمكنها الانبعاث والولادة من جديد في المؤوّل، في إنسان آخر.

لقد كان الشعر العربي الحديث مجالا للتجريب المستمر في كل مكوناته: في المضمون، والفكرة، واللغة، والشكل. في القرن التاسع عشر قام محمود سامي البارودي بتحرير القصيدة العربية من أسر الأسلوب اللفظي التجميلي مانحا إياها، في الوقت نفسه، محتوى سياسيا – اجتماعيا. بعد الحرب العالمية الأولى اعتبر الشعراء، الذين التفوا حول جماعة الديوان، أن “كل عصر جديد يتطلب من الشعر تغييرا في الشكل، وفي المضمون”.

كان لشعراء المهجر، الذين أسسوا الرابطة القلمية في نيويورك، عام 1920، شأن عظيم في تطوير الأدب العربي. ومنهم جبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، الذين قالوا بوحدة الموضوع في العمل الشعري، وحق الشاعر في التعبير عن أحاسيسه الخاصة. مَثَّلَ العقد الخامس من القرن العشرين مرحلةَ التغيير في شكل القصيدة ومفهومها. فقد ظهر الشعر الحر الذي اعتمد على التفعيلة كأساس لبنائه، على يدي نازك الملائكة (قصيدة الكوليرا)، و بدر شاكر السياب (قصيدة هل كان حبا؟)، اللذين وجدا مقلدين لهما ومؤيدين كثيرين.

من أهم الشخصيات الأدبية في الساحة البحرينية، بلا أدنى شك، إبراهيم العريض، الذي قضى السنوات العشرين الأولى من عمره في الهند. هناك تعلم، وتبلورت أفكاره ورؤاه، وفي معرض تناوله للواقع امتزج العالمان الهندي والعربي، اللذان مَثَّلَ كل منهما قيما أخلاقية، وجمالية، ومعيارية مختلفة فيما بينهما قليلا. هذه الثقافة المتعددة مكنته من النظر إلى قضايا مهمة كثيرة من منظار واسع. وهو كثيرا ما خرج عن الحدود التي رسمتها ثقافة واحدة محددة، فعامل مادته الفكرية بوجوه متعددة، وهذا ما انعكس بامتياز على أعماله الإبداعية.

كان لأحمد بن محمد الخليفة تأثير كبير في صورة الشعر المعاصر في البحرين. عندما نقرأ دواوينه الشعرية المتتالية يتكشف لنا تاريخ البحرين، ووقائع العالم العربي.

إن الشيء الذي يثير الانتباه في أشعار عبد الرحمن المعاودة عذوبتها، ورقة المشاعر التي تحفل بها، ونظرتها الهادئة إلى الواقع المحيط. وقد عالج قضايا سياسية ووطنية، متخذا موقفا وطنيا صلبا، مناضلا في سبيل الوطن.

عبد الرحمن محمد رفيع منذ البداية بحث عن أجوبة على مسائل الحياة والموت والغنى والفرح والحزن. ديوان “ولها ضحك الورد” هو ثمرة تأمل الشاعر في قضايا الواقع المعيش.

معظم أعمال محمد حسن كمال الدين تقدم موضوعات متنوعة، أهمها الحب، غير أنها أيضا تظهر دور الشعر والشاعر في حياة الفرد، وماضيه، وفي أسس الأخلاق. وله قصائد كثيرة ذات طابع مديحي، أهداها لشخصيات عربية مشهورة تحظى بالتقدير. من أشعار عديدة له تنبعث رائحة الوطنية الحارة، وحب السلم وتمجيده.

أصبح شعر علي عبد الله خليفة زادا روحيا لكثير من القراء، وهو شخصية ذات حساسية شعرية عالية، استطاع أن يجمع كل الأساليب الأدبية السائدة في أعماله ببراعة ظاهرة. وقصائده لها طابع وطني واضح، وهي مليئة بالمشاعر التي في ضباب خفايا أحلامها، تبوح بأسرارها ورغباتها وبحثها عن “الجزر السعيدة”. الموضوع المتكامل هو الحب الذي – كما يبدو – يمثل هدف الشاعر في رحلة الحياة، وفي بحثه عن الإبداع. وشعر علي عبد الله خليفة يسعى لالتقاط المعنى الجمالي لشعور المحبة.

علوي الهاشمي يصور المتناقضات، وأهمها بالتأكيد مفارقة الإنسان والزمن، اللحظة والأبدية، والضوء والعتمة. أعماله تحوي صورا غنية بالتشبيهات، والمجازات، والأخيلة، والأمزجة، والموضوعات التي يسودها ذكاء الشاعر وثقافته. وشعره كله مبني على مزاج ينبعث من جمالية الكلمة المنتقاة بعناية فائقة، وبغريزة حسه الفني.

إبداعات حمدة خميس هي كالحياة التي تسير على إيقاع الطبيعة؛ مثل مد البحر وجزره، وتعبر عن الحزن والفرح، الموت والولادة، التحليق المبدع والانكسار. تظهر الشاعرة ارتباطها الشديد بالوطن والحنين إليه، وتبين دفق العشق، الذي بعد مضيه، يترك في الروح العذاب والفراغ. حب الوطن هو الوشم الذي يبقى مطبوعا في نفسها إلى الأبد.

تتميز أشعار يوسف حسن باتصالها الدائم بالحياة اليومية للريف وسكانه، وواضح فرحه بالابتعاد عن المدينة. ففي جو الريف الهادئ الوديع تولد أفكاره، ومشاعره، وتأملاته التي تطرق جوانب مختلفة من قضايا الحياة.

على ما يبدو، فإن غاية إبراهيم بوهندي الشعرية التفكر في القيم العامة، دائمة الحضور، مثل الحب ومعنى الحياة. وفيها صراع موقفين من الحياة: – شعري يجسد المثل الأعلى ذا الحساسية المرهفة بجمالية العالم المحيط،- ووجودي يومي، رمادي، أو لا لون له. وأشعاره هي تأمل في الحب والماضي.

ينتمي علي الشرقاوي إلى المبدعين الذين يصعب تصنيفهم، ووضعهم تحت تقويم نقدي واحد. وغايته من الكتابة، على ما يبدو، تقليد الحياة في الشعر، والسيطرة على مخيلة القارئ عبر بث الصور الغنية والتشبيهات الغامضة فيها. ونرى شعره يتعالق بالأفكار الفلسفية والسيكولوجية في مشهد سوريالي مدهش. ويعبر عن سأم، وتشاؤم، وعزلة الإنسان الضائع، لا في دروب الحياة في العالم المعاصر، بل في الكون أجمع.

يستلهم أحمد مدن أشعاره من الأفكار التي تتصل، قبل كل شيء، بدواخل الذات الحياتية. وهو يميط اللثام عما يستتر خلفها تدريجيا.

أحمد الشملان يستحضر الماضي ويربطه بالراهن. ويتحدث من جهة عن وجود القانون، ومن جهة أخرى عن عدم التقيد بالمعايير الأخلاقية. أعماله مليئة بأفكار تتأمل الحياة، والموت، وقضايا الإيمان، والشك، واليقين.

عبد الحميد القائد يكتب عن أهمية الشعر بالنسبة إليه، ويعتبره شيئا عابرا للزمن، وشاملا، كالوطن. فالشعر يمتلك قوة عظيمة تجعله خالدا أبدا.

الولع بالخطر، والقتال، والغموض سمة شعر سلمان الحايكي. وهو عاشق للبحر يرى فيه القوة، والاقتدار، والعظمة. تهيمن مشاهد الموت، والعنف، والألم، والشقاء على قصائده.

شعر كريم رضي تسجيل للمشاعر، والأفكار، والتصورات. ينطق بلغة الصور التي يستقي النص منها معناه ومغزاه. وهو نقد موجه إلى النظام السائد في عالمنا المعاصر، ضد الظلم والحرب والاستبداد.

مجموعات إبراهيم شعبان الشعرية كلها تتناول موضوعات، مثل: وجود الإنسان، الله، الفضاء، وقبلها جميعا الحب. والشاعر لا يجيب بشكل مباشر على الأسئلة التي يثيرها في نصوصه.

استحضار التاريخ يصبح نقطة استناد في الحالة الشعرية لدى حسين السماهيجي، ولكن الرموز التي يستخدمها تتعمق في تربتها الثقافية، والدينية، والفلسفية. شعره حافل بأفكار التنسك والزهد وبالأسرار.

يرى علي الجلاوي أن الأشياء التي تحدد هوية الإنسان والمواطن هي الدين، واللغة، والتقاليد. وهذه العناصر يمكن أن تكون ملجأ للحياة، ومحطتها الآمنة. وقصائده تنأى عن مفهوم محدد، وتخرج عن أطر مغلقة. والمضمون بالنسبة للشاعر أهم من الشكل.

شعر حصة البوعينين الغنائي مكثف في معانيه، وسياقاته، وإحالاته، التي يتخفى وراءها عالم الشاعرة. ديوانها، الذي يحمل عنوان “للوقت للمكان”، يظهر بشكل بيّن التركيز على المكان، والعلاقات الإنسانية التي تشغل الحيز الأكبر في أعمالها.

يقدم قاسم حداد في كتابه “ورشة العمل. سيرة شخصية لمدينة المحرق” صورة عن مراحل جديدة من حياته، وتاريخ مدينته الحبيبة. إن التأمل والاستذكار يصبحان فرصة لطرح فلسفته الحياتية، وتبيان موقع الإنسان في العالم. حداد يتحدث عن الحب، والشعر، والإبداع، وكذلك عن تأثير الزمان والمكان في نفسية البشر. إن كثافة الأسلوب الشديدة وتنوع وسائله قد تشكل، من جهة أولى، مشكلة لفهم مقاصد الشاعر، ولكنها، من جهة أخرى، تفتح آفاقا واسعة للتأويل. إن الشاعر في لغته الإيحائية المميزة التي ترسم صورا رشيقة، مدهشة، رمزية، بل غامضة أحيانا، يترك القارئ يفكر في شواردها واحتمالات تفسيرها، واللغة هي صورة الأفكار، التي يجب أن تكتب حتى تبقى.

أمين صالح في أعماله يقدم أسلوبا أدبيا بروح جديدة. وهو لا يصف شخصياته من الخارج، بل يتعمق في داخلها، مظهرا معاناتها ومشاعرها. في نثره يبتعد عن السرد التقليدي، وكثيرا ما يمزج الشعر بالنثر. يستخدم لغة صعبة، تتشكل من كلمات تأخذ معانيها الخاصة من طريقة تجاورها، فلا يفهمها القارئ إلا من خلال السياق العام. في أعمال أمين صالح نشهد لغة التكثيف التي تعطي محتوى غنيا بأقل عدد ممكن من الكلمات.

مضمون الموضوعات التي تتناولها إيمان أسيري في أعمالها تستحق الإعجاب، فمن الغزل إلى التأملات الوجودية، ومن الرغبة الفرحة في العودة إلى الطفولة، المنبثقة من واقع الخيبة، إلى الحزن الذي يسببه العذاب المحتوم.

تظهر فوزية السندي دوافعها الشعرية باحثة عن الرغبات، والأفكار الدفينة في الأماني والأحلام. لغتها الشعرية إيحائية حافلة بالرموز. الشعر بالنسبة إليها هو المعبر عن أحاسيسها، وهو من يمدها بالمعاناة الشعورية في خضم الكتابة الإبداعية. فوزية السندي لا تقدم أجوبة جاهزة على تساؤلات الواقع، فهي تفتح آفاقا جديدة، تترك لمخيلاتنا استقراءها حسب إمكانياتها.

يبدو أن غاية أحمد العجمي في أعماله إظهار حالات معينة من حياة الإنسان اليومية: في المقهى، في الحديقة، في البيت، حيث يجد فيها الإنسان ذاته. العديد من أشعاره تعبر عما يعتمل في الروح، إذ يملؤها بتأملاته ورؤاه.

نبيلة زباري تمتلك روح الفنان، وهي منذ سنوات تكتب الشعر، والنثر، والقصة، وكذلك تزاول فن الرسم. عالمها الأدبي فرداني وخاص بامتياز، وهو عالم التوحد الذي أضناه الشوق. إن ظواهر الوجود تغدو مجال اهتمامها الرئيس بين اهتمامات أخرى تمس الناس على اختلاف أجناسهم، وكثيرا ما نراهم في أماكن مختلفة من العالم.

أعمال فاطمة التيتون هي اعترافات متشائمة كبيرة تخص الماضي والموت، مع أنها لا ينقصها الشعور الوطني المتأمل. تقودنا الشاعرة إلى أعماق معاناتها ودفق أفكارها في أجواء سوداوية الظلال.

تؤكد ليلى السيد من خلال أولى كلمات الإهداء في ديوانها “قالت لهم عشتار” أن أشعارها مهداة للحب، ولعلاقة الرجل والمرأة، فعشتار الآشورية كانت إلهة الحب والقتال. تلجأ الشاعرة إلى الحلم، فهي ترجو أن تجد فيه بر السعادة والحب.

يبدو أن بروين حبيب ارتبطت بالشعر منذ نعومة أظفارها، وعاملته كصنف من اللهو واللعب، وهذا ما تشي به كلمات أول سطر، في بداية ديوانها، إذ تقول: الشعر هو الطفولة، والطفولة لعب، والشعر هو الحب . إن قصائد هذا الديوان كلها هي صنيع مشاعرها وأفكارها ورغباتها.

وعالم فتحية العجلان الشعري يمكن أن يكون هروبا خاصا من الحياة اليومية، ومن نثر الحياة. من ناحية أخرى، فإن الشعر الغنائي بالنسبة إليها، أيضا، وسيلة لمعايشة أحاسيسها الذاتية.

وتعد أعمال سوسن دهنيم استلهاما للتأمل في وجه العالم المعاصر، والطاقة الروحية للإنسان، الذي يعيش فيه.

ضمن سياقات نصوص جعفر حسن الشعرية تبرز فكرة أن الشعر الغنائي له أكثر من سمة. فمرة يرتفع القارئ على أمواج الصور المتدفقة من مخيلة المؤلف، ومرة أخرى يلفنا بكثافة كلماته، والمعاني الخفية والأخيلة. أعمال جعفر حسن تعبر عن تجاربه، إذ يحاول الشاعر أن يمنح تأملاته شكلا أدبيا.