شعر البحرين ونثره الحديثان- 2- النثر….بربارا ميخالاك بيكولسكا

ب ـ النثر:

يرتبط تطور النثر في البحرين بتطور الصحافة في خمسينيات القرن العشرين. وقد بدأت مجلة (الأضواء) الثقافية الأدبية بالصدور، في عام 1965 ، وبعد أربع سنوات ظهرت مجلة (صدى الأسبوع). على صفحاتهما نشرت أولى التجارب الأدبية لكتاب البحرين المبتدئين. وقد كان تأسيس أسرة الأدباء والكتاب البحرينيين في عام 1969، وإصدار الفصلية الأدبية “كتابات” عام 1976 – نقطة تحول في حياة البلاد الفكرية. مجلة “كلمات” التي ظهرت عام 1983 كانت لسان حال أسرة الأدباء. وتعتبر الآن (البحرين الثقافي) إحدى أبرز المجلات الأدبية الثقافية، وقد أخذت بالصدور منذ عام 1994.

يعبر علي سيار، في أعماله، عن أساه من أن الناس الشرفاء لا يستطيعون إيجاد مكان لهم في هذا العالم إلا بصعوبة بالغة. إن طمع المال وعشق السلطة يحطمان الفرح وجمالية الحياة.

تعكس قصص محمد الماجد أفكار جيل كامل، وهواجسه، وقلقه، وهي تعتبر وثيقة قيمة، ومثيرة للاهتمام.

جوزيف كونراد يؤكد أن الفن هو أذن العالم وعينه الكبيرتان، أنه يسمع، يرى، يحس بالخجل، يثير، ويوقظ الضمير.

وهذا فعلا ما يميز أعمال خلف أحمد خلف، الذي يزاول نشاطات صحافية ومسرحية كثيفة. في نصوصه يقدم صورة للناس الذين لم يستعدوا لملاقاة الحياة ومشاقها. وهم سلبيون يستسلمون لأقدارهم، ولا يناضلون من أجل مصير أفضل.

يقدم محمد عبد الملك في قصصه خلاصة تجاربه الحياتية. ومن خلال أسلوبه الواقعي يعطينا وصفا لحياة البحرين قبل اكتشاف النفط، ويظهر حيادية المجتمع السلبية بإزاء الظلم الواقع على الضعفاء. يبتعد الكاتب عن السياسة مركزا على القضايا الأخلاقية، ويتناول موضوعات عامة، مثل: العزلة، والماضي، والخوف، والتمزق الداخلي في النفس. محمد عبد الملك يثبت أن بساطة الأسلوب لا تعني عدم القدرة على بناء عمل إبداعي متعدد الأبعاد.

العالم المتخيل في أعمال عبد الله خليفة حافل بالتأملات الشخصية والتفكر بأمور الحياة، وكذلك بالتجارب، والهواجس، والمخاوف؛ فالحياة مليئة بالمصادمات مع الأقدار، وبتجليات الصراع من أجل البقاء، وبالمعضلات، والنزاعات الداخلية. والناس يحتكون بشكل دائم بالعقبات الصعبة. وبغض النظر عن حبكة قصصه المتعرجة، فالكاتب يلمح أن هناك قيما عليا؛ تعطي الإنسان القوة لمحاربة كل صنوف الشقاء، وتحديات القدر. وهذه القيم هي الفرح بالحياة، والقدرة على رؤية جمالية الكون، والانسجام مع المحيط، واحترام التقاليد، والحرية، والحب، والأمل.

أحداث قصص عبد القادر عقيل تتطور وفق ما خطط لها المؤلف، الذي من خلال الاستذكار، وتداعي الأفكار، يلغي الطريقة التقليدية لسرد الأحداث حسب تواليها الزمني المنتظم. معظم أعماله يقتصر بناؤها على مجال التخييل، والأحلام، والتمنيات.

الإبداع الأدبي ليس فقط جهدا كتابيا صعبا، بل هو فرح يتأتى من خلال عملية الكتابة، التي تنتج واقعا آخر يتحكم فيه المبدع. ومثل هذا الواقع أنتجته فوزية رشيد التي أفلحت في الوصول إلى طعم العصر، وحققت كتبها نجاحا كبيرا في الساحة الأدبية. وهي تبرز المصير الفاجع للناس الملتزمين بالنضال من أجل الحرية والعدل، المدافعين عن حقوقهم وكرامتهم. يجعلنا أبطال فوزية رشيد نبحث عن المعنى، والغاية، والدوافع التي تحركهم، وتترك فيضا من الأسئلة لا ينتهي. وهم أناس نلتقيهم في الشارع، يختلفون عنا كثيرا، وفي الوقت نفسه يشبهوننا كثيرا. السؤال عنهم هو السؤال عن أنفسنا. هزيمتهم لها طعم مر كطعم هزيمتنا. حياتهم واقعية  تبعث الخوف كحياتنا.

تمثل أعمال نعيم عاشور نظرة جديدة غير مباشرة إلى العالم معتمدة على استخدام أدوات تعبيرية جديدة. لا يمكن تحليل مجموعاته القصصية كلها من وجهة نظر عقلانية، فتعددية المعنى ميزتها المشتركة.

فريد رمضان، على ما يبدو، مشدود لموضوع الموت؛ حيث يبحث بشكل دائم عن أجوبة لأسئلة متعلقة بماهية الموت ومسألة ترقبه وقدومه. غالبا ما يتناول قضية معنى الوجود الإنساني في هذا العالم، من خلال الاتكاء على الماضي، والتاريخ، والدين، تاركا مجالا واسعا لتأويل أحكامه الخاصة.

إن أول مجموعة لمنيرة الفاضل “الريمورا” تحتوي على قصص ذات موضوعات اجتماعية، تتناول فيها القضايا الحساسة بين الرجل والمرأة. تعالج موضوع العلاقات في الأسرة الواحدة، وتكشف عن مكانة الأم والأخ الأكبر المعنوية. في مجموعتها “للصوت.. لهشاشة الصدى” منيرة الفاضل لا تمس القضايا الوجودية وحسب، بل الصوفية أيضا. وهي مرتبطة بالحياة اليومية ومواجهة الواقع. يدرك الأبطال أن الميزة الأساسية لوجودهم هي التغير، فكل شيء خاضع للنمو والانقضاء. إن السمة الرئيسة لقصص منيرة الفاضل هي أن الأبطال في غالبيتهم يظلون مجهولين. فليست مهمةً أسماؤهم، وأصولهم، ولا يهم من هم. ترسم الكاتبة أمام عيوننا مشهدا شاملا غنيا بالحياة الاجتماعية المتنوعة.

يقدم جمال الخياط في مؤلفاته النثرية صورة واقعية للحياة البحرينية المعاصرة. فالشخصيات الأدبية منغمسة في صراعات، سببتها المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. والأبطال كثيرا ما يتعرضون للاختبار فيخرجون منتصرين. إن مؤلفات جمال الخياط تشير إلى التزامه الشديد بالقضايا الاجتماعية المتعلقة بتطور البحرين.

عائشة الغلوم تبني قصصها حول المفاهيم الأساسية الأخلاقية والوجودية، مثل: الخير، والشر، والوحدة. وهي تعبر عن موقفها المضاد لانعدام التضامن بين الناس، وفقدانهم الإحساس بعذابات الآخرين.

تطرق أعمال حسن بو حسن موضوع الريف البحريني، مشكلاته، وعاداته، وتقاليده. أبطاله هم عادة كبار السن الذين خبروا الحياة جيدا. المؤلف يتحدث بحنين عن الريف، الذي تغيرت معالمه بعد اكتشاف النفط.

يتركز بعض قصص مهدي عبد الله حول صراع الناس اليومي مع الواقع المحيط. أعماله تمثل شكلا واقعيا لإظهار عملية التحولات الاجتماعية، والتغيرات في علاقات الناس، وظروف معيشتهم.

نتعرف إلى الأبطال في قصص سعاد الخليفة من خلال مونولوجاتهم الداخلية. ليس صعبا أن نلحظ ضياعهم في هذا العالم، وهم يحاولون إيجاد الطريق الصحيح في حياتهم. تغدو مراقبة الواقع نقطة انطلاقهم، والكاتبة تجهد في وصف حالات الأبطال الداخلية، ودقائق الأمور التي لها تأثير في نفسية البشر. ويتحقق هذا كله بلغة تصويرية بالغة، محملة بالمجازات، والوصف، والتشبيهات.

حسين المحروس لا يبتعد عن تصوير المتغيرات بين الأجيال. في أعماله ينحو منحى فلسفيا، ولا يقبل في الوقت نفسه بمظاهر الظلم في الحياة الواقعية.

تصور قصص أنيسة الزياني، جميعها، الحياة كطريق حافل بالتحديات، والعوائق، والتضاد. وتقدم عالم الشخصيات قريبا منا، فهو يمثل المجتمع المعاصر، على خلفية المشهد الاجتماعي الحياتي وتقاليده. الكاتبة تسعى إلى التقاط لحظة رحيل الواقع القديم، واستشراف الواقع الجديد.

تتناول معصومة المطاوع المشكلات العامة التي تخص المجتمع العربي، وتصور في معظم قصصها حياة الأسرة، وعاداتها، مركزة على مأساة النساء، والظلم، وضعف شخصية الإنسان، ومشكلة إدمان الخمر والمخدرات.

أعمال أحمد الحجيري ما هي إلا مقاطع قصيرة من الواقع المعيش. والشيء الأهم فيها تصوير قدرة الإنسان في الاختيار عند الضرورة، وفي حالة المواجهة.

يصور وليد هاشم في رواياته العالم الذي قد تعرض للتشويه، والقيم التي تساقطت، وصراعات الأجيال، وتفاهات التفكير، والوجود.

من الصعب في هذه المرحلة، من مراحل التطور الإبداعي العاصف، أن نلخص شعر البحرين ونثره المعاصرين. ما لا يشك فيه، أن إبراهيم العريض، وأحمد محمد آل خليفة، وعلي عبد الله خليفة، وعلوي الهاشمي، وقاسم حداد، وحمدة خميس ينتمون إلى جيل الشعراء الذين أثرت إبداعاتهم الأدبية، بشكل كبير، في تطور الشعر الحديث. ومثل هذا الدور المهم في النثر قام به محمد عبد الملك، وأمين صالح، وفوزية رشيد، وعبد القادر عقيل، وكذلك عبد الله خليفة. وتعتبر أعمالهم، بمعنى من المعاني، وثيقة أدبية مهمة. لقد أدخلوا طريقة جديدة تنظر إلى العالم من منظور آخر عبر أدوات تعبيرية جديدة. إن الأدب البحريني المعاصر، بكامله، يبدو منغرسا عميقا في تربة التقاليد القومية. بيد أن الشعر قد تطور تطورا ديناميكيا كبيرا، وخاصة التحول الذي طرأ على شكله التقليدي. فمن الشعر العمودي، مرورا بالشعر الحر، الذي تأسس على التفعيلة، وصولا إلى قصيدة النثر، تغير مسار الشعر العربي الحديث. من خلال الكلمات الدقيقة المعبرة، وتوظيف الصور البيانية المبتكرة، حقق الشعراء إنجازات هائلة في دقة التعبير اللغوي. وأصابت هذه الصحوة الإبداعية النثر أيضا، وأدت إلى تفجر المواهب الإبداعية، والتزام الكتاب الواضح بقضايا المجتمع، ومسائل الناس المصيرية.

يتناول الأدب البحريني موضوعات مختلفة من زوايا تفسيرية، أو فلسفية
متعددة. نجد فيه مكانا للإنسان المعاصر، وموقعه، ودوره في العالم، واغترابه، ومشكلة الفراغ الروحي والنفسي، والتوق إلى الزهد. لقد أثرت التجارب الشخصية في الأدب الحديث، مؤكدة فردانية المبدعين، ولكن أعمالهم الإبداعية لم تخل، أيضا، من التمرد على الحرب، والاحتجاج على الواقع القاسي، الذي لا يعطي الإحساس بالأمن والطمأنينة.

بربارا ميخالاك بيكولسكا