أهمية استلهام التراث في المسرح العربي …. جمال محمد النواصرة

التراث: معناه  – أهميته –  توظيفه:

سأحاول في البداية أن أجمع آراء بعض الباحثين ورؤاهم حول معنى التراث, وعملية استلهامه وتوظيفه في الفن المسرحي لخدمة القضايا المعاصرة, ليكون ذلك مدخلا مناسبا لولوج باب هذا الموضوع.

التراث في اللغة: هو كل ما يخلفه المتوفى لورثته؛ أي: لأبنائه وأهله من بعده، وهو متوارث وقابل للتوريث لمن بعده.

وقد وردت كلمة: (التراث) في القرآن الكريم، فقد قال تعالى في الآية (20) من سورة الفجر: “وتأكلون التراث أكلا لمّا”, وهي بهذا المعنى تعني الشيء الموروث الذي سيورث فيما بعد.

ويعتبر التراث الشعبي رافدا حيويا للفنون التعبيرية والتشكيلية المختلفة, حيث يفرض التراث نفسه على خيال الفنان, الذي يجد فيه ضالته, لاستنبات أفكار حيوية قابلة للتطور والنماء.

وفي هذا المعنى يقول ( ليسنغ) ([1]):  “إن الفن يجب أن يتغذى من جذور شعبية، ولكن هذا لا يعني حتمية العودة إلى الأشكال البدائية للإبداع الفني؛ فالفنان يجب أن يجمع عناصر الإبداع الشعبي, والأفكار ذات الطابع الأكثر تقدمية، وعليه وهو يصوغ المواضيع الشعبية استخدام كل الوسائل الفنية المتوارثة, التي صيغت من خلال مجرى الفن, رافعا بذلك الشعبية إلى أرقى درجاتها”([2]).

ويعرف البعض التراث بأنه: هو الذاكرة الممتدة حتى الحاضر، والمنتج الثقافي الذي ننجزه اليوم سيكون للأجيال القادمة تراثًا وذاكرة.

ويعرفه ابن خلدون قائلا: (إنه عمل إنساني محض، أو هو حالة هي الإنسان بطبعه, وهو كل ما صنعه وأنتجه الإنسان)([3]).

ونستطيع القول بأنه يعني: كل ما هو متوارث عبر التاريخ, وتم نقله من مكان إلى آخر عبر الأجيال.

فهو أيضا- كما يعرفه فاروق خورشيد-: “كل ما هو متوارث, بما يحوي من الموروث القولي، أو الممارس، أو المكتوب، إضافة إلى العادات والتقاليد والطقوس، والممارسات المختلفة التي أبدعها الضمير العربي، أو العطاء الجمعي للإنسان العربي قبل الإسلام وبعده” ([4]).

ولا يعني هذا أن موروثنا الشعبي العربي ما كان فقط باللغة العربية، وإنما أيضا ما وصل إلينا بلغات غير عربية من مصادره المختلفة.

ويفرق بعض الباحثين بين مصطلحي: التراث الشعبي والموروث الشعبي، فالموروث فقد دوره الوظيفي، في حين أن التراث قابل للديمومة والحياة.

وقد ارتبطت كلمة (فولكلور) فيما بعد بكلمة التراث, فكلمة (فولكلور) تعني: حكمة الشعب، أو معرفة الشعب([5]).

وهي مرادفة لكلمة التراث, وتضم: جميع حكايات الشعوب, والخرافات والأساطير والرقص والأغاني والعادات والممارسات الشعبية المختلفة.

لقد بدأ الاهتمام بموضوع استلهام التراث وتوظيفه في الفن المسرحي منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.

وتعتبر مسرحية: (أبو حسن المغفل)- لمارون النقاش- (عام 1950) أول مسرحية عربية شكلا ومضمونا في العصر الحديث، فهي مستمدة من حكايات ألف ليلة وليلة, وتعتبر تجربة إبداعية لتأصيل المسرح العربي، والعودة به إلى الجذور.

ومنذ ذلك التاريخ جرت محاولات عديدة للعودة إلى منابع التراث واستلهام ما يزخر به, من حكايات وسير وأحداث تاريخية وظواهر إبداعية مختلفة([6]).

وإذا كنا ندعو إلى دراسة التراث واستلهامه, فإننا لا نعني استلهام جميع ما زخر به تراثنا العربي, دون تفريق بين القيم إيجابية أو السلبية, أو عادات بالية لم تعد مناسبة لحياتنا المعاصرة, فالتركيز يجب أن يكون فقط على ما هو مناسب لنا, ويتوافق مع قيمنا الإسلامية وأخلاقنا العربية الأصيلة.

وفي هذا المضمار, يؤكد بعض الباحثين على التفريق بين ما هو سلبي وما هو إيجابي في تراثنا.

“إن عملية الاهتمام بدراسة التراث لا تعني العمل على إحياء العادات والتقاليد التي زخر بها تاريخنا وتراثنا, مثل وأد البنات وامتلاك العبيد والجواري وشن الحروب بين القبائل العربية, وإحياء الضغائن العصبية والحروب المذهبية وغيرها، وإنما تعني الدراسة الموضوعية للتراث بطريقة واعية قائمة على الأصالة والمعاصرة، وربطه بالفكر، وإحياء القيم الأخلاقية، وتلمس طريق هويتنا الثقافية, ووحدتنا الاجتماعية والسياسية، وإبراز البطولات والقيم المرتبطة بها، ولذا يفضل البعض استخدام لفظ “الوعي بالتراث” بدلا من لفظ “إحياء التراث”([7]).

فاستيعاب التراث يقتضي أن ننظر إليه من خلال البنية التاريخية، ثم معالجته بأدواتنا العلمية المعاصرة، وفكرنا الأيدولوجي.

ويرى الدكتور فهمي جدعان : “أن التراث عبارة عن مجموعة من المواقف وليس مجموعة من المعارف”([8]).

وإذا كنا بصدد الحديث عن التراث, فإننا سنقرنه حتما بالشعب (الجماعة) الذي يعتبر المبدع الأول للمنتج التراثي الذي نلمسه بين أيدينا.

فكلمة (الشعبي) تشير إلى (التلقائية والجمعية والبساطة)([9]) .

ومن هنا فإن إطلاق صفة المسرح الشعبي يعني إطلاق صفات الأصالة والعراقة والقدم على المسرح, إضافة إلى التركيز على دور الجماعة في الإبداع, وغياب دور المبدع الفرد, وإلى الأساليب والطرق التي ابتدعتها في الخلق والنقل والتوارث, سواء أكانت شفاهة أو كتابة, فالتراث الشعبي يعرفه البعض بأنه هو: (الأدب الشعبي مضافا إليه الفنون الشعبية السائدة التي ترتبط بالأدب وغيره)([10]) .

وبهذا المفهوم يصبح التراث حاضنا أساسيًّا للهوية العربية، لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق في المسرح إلا من خلال النصوص المكتوبة، أما العناصر الأخرى للعروض المسرحية فهي بالرغم من أهميتها الكبرى، إلا أنه لا يتبقى منها في خبايا الذاكرة سوى ما دوّن من النصوص.

فالنصوص التراثية المسرحية للإغريق هي نصوص: إسخيلوس، وسوفوكليس،  ويوربيدس، وأريستوفانيس, وإن النصوص التراثية المسرحية للإنكليز- مثلا- هي نصوص وليم شكسبير وكريستوفر مارلو، والنصوص التراثية المسرحية للفرنسيين هي نصوص موليير وراسين، وإن النصوص التراثية المسرحية للعرب هي مقامات الحريري, والهمذاني، وبابات ابن دانيال، والسير الشعبية لبني هلال وعنترة والزير سالم، ونصوص مارون النقاش والقباني وأحمد شوقي, والحكيم وغيرهم.

ونظرا للارتباط الوثيق بين الفن المسرحي والذاكرة الشعبية والوجدانية للشعب، فقد عرف ما سمي بالمسرح الشعبي، الذي يعبر شكلا ومضمونا عن روح الشعب وهويته، ويكون له جمهوره الذي يجعله مندمجا في مشاركة وجدانية جديدة من خلال ما يعرض أمامه.

فالهدف الحقيقي للعرض المسرحي هو: (تحقيق المتعة الذهنية والنفسية والفكرية، ويبعث في نفسه التفاؤل بأن حتمية الانتصار ستكون للقيم الإنسانية النبيلة)([11]) .

وانطلاقا من الإيمان بأن الارتباط بالجانب الشعبي في التراث له مغزاه الواضح بالنسبة إلى المسرح، فإن التراث الشعبي أكثر تمثيلا لروح الشعب وضميره, وأسلوب معيشته، وبذلك فهو نتاج الثقافة المكتوبة والمنقولة والشفهية.

والمسرح الشعبي يتعرض لتاريخ الجماعة ونسيجها الوجداني، بحيث يستقي موضوعاته من الأفكار والرموز الخالدة في تراث الإنسانية, وتاريخها ووجدانها.

ولذلك فهو: “مسرح يؤرخ لوجدان الجماعة في ماضيها وحاضرها بصورة تشمل جوانب الحياة المتعددة المتداخلة على شكل أساطير وحكايات ورموز”([12]).

لقد ساعدت الروح الانهزامية التي فرضت على الإنسان العربي بفعل الحملات الاستعمارية, والنكبات المتتالية التي أثقلت كاهله, على اهتمامه بدراسة التراث, ليجد فيه نماذج لأبطال حقيقيين -غير النماذج الموجودة- كي يخلّصوه من واقعه المرير.

فاستلهام التراث يكون على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهذا يعني أن نستلهم من التراث أفكارا أو مواقف أو قيما, ندمجها في أحوالنا الراهنة التي أسهم العلم الحديث في تشكيلها إسهاما حاسما، وذلك يكون بأن ننتقي من التراث جملة من المواقف والمفاهيم التي تصلح لنا, وتسهم في التفاعل مع قضايانا المعاصرة.

ولذلك, فإن (عملية الرجوع إلى الأصول وإحياء التراث, يجب أن تتم في إطار نقدي للاحتماء بها أمام التحديات الخارجية ، فالماضي هنا مطلوبا ليس فقط من أجل الارتكاز عليه والقفز إلى المستقبل، بل من أجل تدعيم الحاضر، ومن أجل تأكيد الوجود وإثبات الذات)([13]) .

فالمقصود من توظيف المبدع المسرحي للتراث هو توظيف معطياته بطريقة فنية إيحائية ورمزية، هدفها خدمة الحاضر والمستقبل.

فالعودة إلى التراث ينبغي أن تكون طريقا لتنميته والامتداد له نحو المستقبل بقيم متطورة بعيدة عن السطحية والشكلية.

“إن الفنان المسرحي يلجأ إلى التراث كوسيلة فنية حتى لا يسقط في المباشرة التي تقتل جمالية الإبداع، وينبغي أن يتم التفاعل الفني بين الدلالة التراثية كحقيقة تاريخية للمرموز له، وبين الدلالة الفنية المعاصرة كوسيلة فنية ، إذ لا ينبغي أن تكون العلاقة بين الدلالتين علاقة تعسفية، لأنه كثيرا ما يسقط الفنان المسرحي أبعاد رؤيته الخاصة على ملامح الشخصية التراثية، فيصبح الخطاب التراثي خطابا ضبابيا لا يحقق التواصل، ولذلك ينبغي أن تكون الدلالة الإيحائية نابعة من قدرة المصدر التراثية على الإيحاء والتعبير”([14]).

ولتحقيق هذا الارتباط ، لجأ بعض المؤلفين المسرحيين العرب لصنع إبداعهم المسرحي، من خلال العودة إلى منابع التراث, ليؤكدوا أصالة التراث الشعبي العربي وتميزه عن غيره.

ويرى الدكتور كمال الدين حسين: أن توظيف التراث مسرحيا يهز فكر الإنسان العربي ويحثه على مواجهة كل أشكال السلبية والتقهقر)([15]) .

فعملية توظيف التراث تعني أيضا: استلهام التراث وتوظيف مضامينه في المسرح بحيث يتم إعطاء التجربة المسرحية الحيوية في محتواها للتعبير عن مضامين وأفكار معاصرة, وهي تمر في ثلاث مراحل هي:

– توظيف المضمون التراثي.

– توظيف الشكل التراثي (توظيف الظواهر المسرحية العربية).

– مرحلة التنظير والتأسيس لمسرح عربي الهوية.

ويلعب التراث دورًا مهمًّا في الالتصاق العضوي في وجدان الناس وضميرهم الإنساني, وذاكرتهم الجمعية, فقد لعب التراث العربي دورًا كبيرًا في استلهام مواضيع متعددة لمسرحيين عالميين خصوصًا في عصر النهضة الأوربية، إضافة – بالطبع- للمسرحيين العرب.

(ولعل العوامل السياسية والاجتماعية تأتي في مقدمة أسباب لجوء الكاتب العربي إلى التراث، فعندما يتحدث الكاتب من خلاله، يشعر أنه يحميه من بطش السلطة، وبهذا يصبح التراث كالأسطورة والرمز، قناعًا يختفي خلفه الكاتب, فيستعير صوتًا غير صوته، يحمله وزر آرائه وأفكاره, التي لا يستطيع التصريح بها.

ولما كان الأدباء هم ضمير الأمة ووجدانها – فليس غريبًا أن ينهضوا بعبء استيحاء التراث شهادة تأصيل في وجه التغريب)([16]).

و يرى الدكتور غسان غنيم في كتابه (المسرح السياسي في سورية): (إن تأصيل المسرح العربي لا يتحقق إلا بتأصيل الإنسان العربي ذاته, أي: أن يعيش حالة إبداع عامة لا في المسرح فقط، فكيف يتأصل المسرح وإنسان الحاضر لم يدخل في دائرة الحضارة الإنسانية المعاصرة؟ ولا يعني الانتظار والتواكل إلى أن يتم تأصيل الإنسان العربي، بل يعني التبصر في مختلف التجارب, ليكون منطلقها تأصيل الإنسان للوصول إلى تأصيل ثقافته ومنطلقها وشخصيته، وبالتالي مسرحه، فكما تكون الشعوب, تكون مسارحها)([17]).

إن ما وصل إلينا من ظواهر مسرحية مكتوبة، أو منقولة شفاهة أو ممارسة أو سردا – ما هي إلا فنون شعبية ملتصقة بهموم الناس وآمالهم وآلامهم.

وقد أطلق عليها البعض (وسيلة التحت)؛ لأنها تعبر عن هموم الإنسان العربي وعالمه وقضاياه، وهي بالطبع تختلف عن (وسيلة الفوق) المنبثقة عن رؤية الأجهزة الحكومية والسلطوية، وهي ما وصفها البعض بالثقافة الرسمية؛ لأن الدولة عادة تسيطر على المصنفات الفنية المختلفة([18]).

لقد جاءت الدعوات التنظيرية المرتبطة بالتراث في المسرح العربي للبحث عن قالب مسرحي: (سامر شعبي أو حكواتي أو احتفال أو فرجة مرتجلة)، إلا أن الأمر يحتاج إلى تحديد الموقف من هذه الأشكال, للكشف عن غاية التعرف على الأشكال الغربية أو الغاية من إحياء الظواهر المسرحية العربية من أجل توظيفها وفق متطلبات الواقع المعاش.

إن في هذه الدعوات إلحاحًا على التعبير بوسائل جديدة لتحقيق أهداف جديدة, تحركها دلالات حضارية متحركة, تبرهن على القيمة الموضوعية للحقيقة القائلة: (إن المعرفة الصحيحة بهذه الأشكال يجب أن تثبت بالتجربة، وأن تكون ضمن تسلسل جذري نظري وعملي مرة واحدة)([19]) .

والفن المسرحي كوسيلة اتصال تقوم على الإبهار, واللحظات الجدلية التي تسيطر على الممثل والمتفرج, فإنه الأقدر والأنجع على معالجة قضايا المجتمع من خلال زيادة وعيهم وارتباطهم بتراثهم.

ويرى الدكتور مفيد حوامدة:  بأن الفن المسرحي هو فن جماهيري ارتبط بقضايا الناس الملحة؛ لأنه يجمع بين المأساة والملهاة، بين المسرح وقيوده، والانطلاق بعفويته، يستفيد من طبيعة الإنسان العربي، ويغرف من الواقع مواضيعه،.. إن القيام على إحياء هذا الفن وتطويره من شأنه أن يخلق لنا مسرحا عربيا متميزا)([20]).

والباحث المسرحي (سلمان قطاية) يؤكد على نفس هذا المضمون, فيقول:

“ولأن المسرح أيضا هو شكل من إشكال التعبير وأداة من أدوات التواصل الثقافي بين أبناء الجنس البشري, فقد برزت الحاجة إلى ضرورة أن يأخذ المسرح دوره على الساحة العربية بعيدا عن الاستسلام والهيمنة, التي يفرضها الشكل الأوروبي للمسرح, ذلك أن هيمنة شكل المسرح الواحد وعملية النقل الحرفية دون دراسة واستيعاب, تجعل من المسرح سلطة ليس من السهل الفكاك منها”([21]).

إن استلهام الماضي بما يحوي من أحداث وسير وقصص وأمجاد وحروب…، يدفع الناس إلى تحريك مشاعرهم واستنهاض هممهم وزيادة وعيهم الاجتماعي والسياسي، فالماضي بالنسبة لهم هو النور الذي ينير لهم مستقبلهم، ويسلط الضوء على واقعهم.

“فالماضي يعتبر المحرك القوي للمشاعر، والمثير للدوافع، به يتلمس الناس الرشد والنصيحة، ويستخلصون العبر التي يسترشدون بها لحل مشاكلهم الأخلاقية والفكرية والاجتماعية والسياسية، إنها خبرة الماضي بين يدي الحاضر”([22]).

وتظل عملية البحث عن هوية للمسرح العربي شكلا ومضمونا – هي الهاجس الأكبر للكثير من المسرحيين العرب.

وقد اختلفت الآراء والرؤى حول هذه الإشكالية, وسوف أسلط الضوء عليها في الصفحات القادمة.

ويرى الدكتور علي الراعي أن السبيل إلى خلق هوية المسرح العربي تتمثل في: “العودة إلى تراثنا المسرحي وأن نجعل منه امتدادا لحضارتنا العربية، وأن نجعل منه أيضا الفرجة التي تجعله يعرض ويناقش ما يهم شعبنا بالدرجة الأولى”([23]).

فالباب مفتوح على مصراعيه, وثقافتنا العربية تمد يدها لنا، لنأخذ من عطائها الزاخر، وها هو تراثنا وتاريخنا العربي الأصيل، يدعونا لننهل منه، وها هي النافذة المطلة على معارف غيرنا مفتوحة؛ لنطل منها على كل جديد بما يتلاءم مع ديننا وثقافتنا؛ لتشكيل المنظومة الثقافية والفكرية والتربوية والأخلاقية، والمساهمة في خلق الهوية  المتميزة للمسرح العربي([24]).

فذات يوم قال المخرج الفرنسي “جان ماري سيرو”([25]) للكاتب المسرحي (سعد الله ونوس)-أثناء دراسته في باريس-:

“من الخطأ الفادح أن تبنوا مسارح على الطريقة الأوروبية، بوسعكم أنتم بالذات أن تساعدوا التجربة المسرحية على الخروج من الأشكال المتجمدة التي وصلت إليها أوروبا”([26]).

ويرى (سعد الله ونوس): “أن استلهام بعض أشكال الفرجة التي عرفها العرب – لا يكفي لتحقيق مسرح عربي واضح الهوية، ما لم نملأ هذه الأشكال المسرحية بمضمون معاصر”([27]).

وطرح سعد الله ونوس- ذات مرة- السؤال التالي على المخرج المسرحي الفرنسي جان ماري سيرو:

“ماذا كنت تفعل لو أنك في بلد كبلادي حيث لا توجد تقاليد مسرحية، أي نصيحة تقدمها لنا كي نجد مسرحنا؟

فأجاب (سيرو): “ينبغي الانطلاق من كل ما هو حكاية شعبية وتقاليد، وقد وجد دائمًا في التاريخ الإسلامي… فلديكم تراث غني بالنقد الذكي.

(جحا) مثلاً هو شخصية لا تستطيع أن تقوم بثورة، لكنه تراث شعبي, استطاع أن يحتفظ عبر قرون طويلة بصفاء الهجوم على مفاسد الإقطاع، فالتراث الشعبي قاعدة جيدة للانطلاق، وهي مليئة بالإمكانيات… بوسعكم أنتم بالذات أن تساعدوا التجربة المسرحية على الخروج من أشكال التجمد التي وصلت إليها أوروبا”([28]).

وفي سؤال آخر طرحة ونوس على المخرج الفرنسي (برنار دورت) حول نفس الموضوع أجاب برنار دورت: “إننا نصنع مسرحًا انطلاقًا مما هو جوهري في حياتنا، بتعبير أدق، من تفاعل الخشبة والصالة واحتكاكهما المستمر، وهذا التفاعل لا يتم إلا إذا كانت هناك اهتمامات مشتركة لها ملامح الواقع الراهن، إذا كان ثمة تقاليد شعبية، يمكن العمل بخصوصية في هذا المجال، ويمكن الإفادة من التقاليد, وصيغ التعبير الشعبية، وإعادة سبكها لإعدادها بما يتلاءم مع الواقع الراهن”([29]).

يتضح لنا مما سبق ذكره, أن التراث هو دلالة الحيوية والاستمرارية في المجتمعات البشرية, وهو كذلك بمثابة الهوية  الوطنية التي تستند عليها هذه المجتمعات لإطلاق صفة العراقة والأصالة على تاريخها وحضارتها.

فالتراث هو واهب الأصالة والهوية للأفراد والجماعات والمجتمعات, وهو الركيزة التي تقف في مجابهة جميع أشكال الغزو الثقافي, ومحاولات الاختراق الخارجية.

وبما أن التراث يحوي الممارسات الإيجابية والممارسات السلبية, فلا يعني الاهتمام بكل الموروثات, وإنما يجب التركيز على مقومات النجاح والتميز, التي تؤهلنا لحماية هويتنا وترسيخها وإدامتها, وتساهم في الانخراط بالآخرين كجزء من التراث الإنساني, من خلال عمليات: التأثير والتأثر, والتثاقف.

وفي مجال الفن المسرحي، فإنه ينبغي استلهام الموضوعات والإشكال التعبيرية التي تخدم القضايا الاجتماعية والسياسية المحلية, إضافة إلى القضايا الإنسانية المختلفة, بحيث توظف توظيفا سليما, ومنسجما مع هموم الناس وواقعهم وتطلعاتهم.

فالمهم هو أن يعبر التراث عن المخزون الجمعي للناس, وليس محاكاة الشكل التراثي فقط بدون المضمون.

إن استلهام التراث الشعبي لا يعني بتاتا أن نتقوقع وندور حول أنفسنا, وبالتالي نشعر بالدوار, وإنما يجب النظر إلى تراث الغير باحترام وتقدير, فالتراث بأجمعه هو تراث إنساني جمعي, وصل إلينا عبر الأجيال المتوارثة, حتى استقر على صورته الحالية.

فلا يضيرنا, أو ينقص من قيمة تميزنا, إذا استعنا بتجارب الآخرين, فالقالب المسرحي التقليدي هو قالب عالمي, ويمكننا تقديم مضموننا التراثي في هذا القالب.

فتراثنا يحظى بالدراسة والاهتمام من قبل الباحثين الغربيين, وتجاربنا وروادنا وعلماؤنا يحظون كذلك بالإجلال والاحترام؛ لأنهم استطاعوا تقديم المفيد للإنسانية.

فقد خضعت حضارتنا منذ القدم للبحث والدراسة, وأثبت تراثنا  الديني والحضاري قدرته على الاستمرار والتأثير بسبب أصالته وشموليته.

فمكارمنا العربية الأصيلة لا تزال مضرب الأمثال عند الغرب والشرق, وديننا الإسلامي هو ثاني دين إلهي على هذه الأرض؛ لأنه دين شمولي جاء إلى كافة الناس, على اختلاف أجناسهم وألوانهم.

لقد أثبت تراثنا بأنه يزداد قوة وصلابة كلما تعرض إلى غزوات ثقافية تستهدف النيل منه, وتاريخنا حافل بالأمثلة الكثيرة, التي لا يتسع المجال لذكرها هنا.

إن أمة بدون تراث هي أمة ميتة – وإن كانت لا تزال تعيش- فمصيرها إلى زوال.

وإذًا, فلا بد من أن يظل التراث ماثلا وراسخا في ذاكرة الشعب والدولة على حد سواء, ولا بد من تطوير وسائل نقله, وتظافر الجهود الرسمية والشعبية من أجل المحافظة على أن يبقى دائما رابطا قويا بين الأصالة والمعاصرة.

جمال محمد النواصرة



([1]) غوتولد إفرايم  ليسنغ (1729 – 1781م) – كاتب وناقد مسرحي ألماني.

([2]) عبد الرحمن زيدان، أسئلة المسرح العربي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط1، الدار البيضاء، المغرب، 1987, ص53-54، (وسيشار إليه لاحقا بـ: عبد الرحمن زيدان، أسئلة المسرح العربي).

([3]) وزارة الثقافة، مجلة أفكار، العدد(224) حزيران 2007، الأردن، ص9، (وسيشار إليه لاحقا بـ: مجلة أفكار، وزارة الثقافة، الأردن).

([4]) فاروق خورشيد، الموروث الشعبي، دار الشروق، ط1، القاهرة، مصر،1992م, ص12-23، (وسيشار إليه لاحقا بـ: فاروق خورشيد، الموروث الشعبي).

([5] ) كمال الدين حسين، التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث، الدار المصرية اللبنانية، ط1، بيروت، لبنان،1993, ص8-9، وسيشار إليه لاحقا بـ: كمال الدين حسين، التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث.

([6]) د. علي الراعي وآخرون, مجلة قضايا معاصرة (كتاب أزمة المسرح العربي)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط1، بيروت، لبنان، 1993, ص5، وسيشار إليه.

([7])    د. نهاد صليحة، المسرح بين الفن والفكر، مشروع النشر المشترك: دار الشئون الثقافية والعامة (آفاق عربية)- بغداد  والهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة، بدون رقم طبعة، 1985، ص129-132 (وسيشار إليه لاحقا بـ: د. نهاد صليحة، المسرح بين الفن والفكر).

([8])    فهمي جدعان، نظرية التراث، دار الشروق، ط1، 1985، ص71، (وسيشار إليه لاحقا بـ: فهمي جدعان، نظرية التراث).

([9])   صالح سعد وآخرون, دراسات في المسرح المصري, ج4, (الدراما بين الشعبية والرسمية), بدون رقم طبعة, القاهرة, مصر, 1985م, ص15, ( وسيشار إليه لاحقا بـ: صالح سعد وآخرون, دراسات في المسرح المصري).

([10]) فائق أحمد مصطفى، أثر التراث الشعبي في الأدب المسرحي النثري في مصر، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بدون رقم طبعة، دار الرشيد للنشر، بغداد, العراق، 1980، ص5، (وسيشار إليه لاحقا بـ: فائق أحمد مصطفى، أثر التراث الشعبي في الأدب المسرحي النثري في مصر).

([11]) د.إبراهيم السعافين، المسرحية العربية الحديثة والتراث، دار الشئون الثقافية العامة “آفاق عربية”، ط1, بغداد، العراق، 1990 , ص5-12، (وسيشار إليه لاحقا بـ: د. إبراهيم السعافين، المسرحية العربية الحديثة والتراث).

([12]) د. نهاد صليحة، المسرح بين الفن والفكر، ص139-141.

([13])  محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر, مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، بيروت، لبنان، 2000, ص26, (وسيشار إليه لاحقا بـ: محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر).

([14]) مصطفى رمضاني, توظيف التراث وإشكالية التأصيل في المسرح العربي، الكويت، وزارة الإعلام، مج17، ع4، 1987م، ص88، (وسيشار إليه لاحقا بـ: مصطفى رمضاني, توظيف التراث وإشكالية التأصيل في المسرح العربي).

([15]) كمال الدين حسين، التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث، ص14.

([16]) محمد عزام، مسرح سعد الله ونوس بين التوظيف التراثي والتجريب الحداثي، ط1، دار علاء الدين، دمشق, سورية, 2003م ، ص61. (وسيشار إليه لاحقا بـ: محمد عزام، مسرح سعد الله ونوس بين التوظيف التراثي والتجريب الحداثي).

([17]) د. غسان غنيم, المسرح السياسي في سورية، منشورات علاء الدين, ط1، دمشق، سورية، 1996م، ص299-300.

([18]) د. علي الراعي وآخرون, مجلة قضايا معاصرة (كتاب أزمة المسرح العربي), ص104-105.

([19]) عبد الرحمن بن زيدان، العلاقة بالأشكال العالمية في معالجة التراث والمسرح العربي، وزارة الثقافة، المعهد العالي للفن المسرحي، تونس، 1995، ص76، (وسيشار إليه لاحقا بـ: عبد الرحمن بن زيدان، العلاقة بالأشكال العالمية).

([20]) د. مفيد حوامدة، البحث عن مسرح ( سلسلة دراسات في المسرح الأردني)، دار الأمل، إربد، الأردن، ص41-42, (وسيشار إليه لاحقا بـ: د. مفيد حوامدة، البحث عن مسرح).

([21]) سلمان قطاية، المسرح العربي من أين وإلى أين؟، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، 1972، ص71، (وسيشار إليه لاحقا بـ: سلمان قطاية، المسرح العربي من أين وإلى أين؟).

([22]) عزيز أباظة، مسرح الشعر، مج2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، بدون رقم طبعة, 1994، ص20، (وسيشار إليه لاحقا بـ: مسرح الشعر، عزيز أباظة).

([23])   د. علي الراعي، المسرح في الوطن العربي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بدون رقم طبعة، الكويت، 1980، ص588 , (وسيشار إليه لاحقا بـ: د. علي الراعي، المسرح في الوطن العربي).

([24])   جمال محمد نواصرة، أضواء على المسرح المدرسي ودراما الطفل، عالم الكتب الحديث، ط1، إربد، الأردن، 2003م, ص269 , (وسيشار إليه لاحقا بـ: جمال محمد نواصرة، أضواء على المسرح المدرسي ودراما الطفل).

([25])   جان ماري سيرو: مخرج مسرحي فرنسي متميز توفي عام 1973م

([26]) محمد عزام، مسرح سعد الله ونوس بين التوظيف التراثي والتجريب الحداثي، ص16.

([27]) المصدر نفسه, ص123.

([28]) سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، ط1، دار الفكر الجديد، بيروت, لبنان، 1988م، ص232, (وسيشار إليه لاحقا  بـ: سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد).

([29]) المصدر نفسه, ص258-259.