من أشكال السرد العربي القديم -الخبر الأدبي …. د. جمال حسين حمّاد

من أشكال السرد العربي القديم

الخبر الأدبي

د. جمال حسين حمّاد

باحث أكاديمي من مصر

لا مجال للشك أن تكون هناك أوعية أدبية ضمّت في محتواها فنون السرد المتنوّعة التي تؤكد وجود القصّ في تراثنا العربي، وقد تنوّعت هذه الأشكال السردية، وظهرت في قصص الأمثال، وقصص الحيوان وقصص القرآن الكريم، والمقامات وغيرها .

ويُعدُّ الخبر الأدبي Literary News من السرود العربية المعروفة في تراثنا الأدبي . والأخبار دائمًا تحتوي على ذكر النوادر أو الطرائف أو أحاديث ، تناولها بعضهم في مناسبة ما ، ثمّ وعتها الذاكرة وعبّرت عنها عبر وسيط أو راوٍ أو محدّث، أو أحد الإخباريين الذين يتحرون الدقة في النقل والتدوين .

والخبر فن قصصي قصير يغلب عليه قول الحقيقة، ويشير إلى سرد شيء من التاريخ ، وما لبثت أن داخلته المعلومات المزيفة أو المختلفة أو الخيالية . ومن أمثلة “الخبر” التي تقارب مفهوم الجنس الأدبي القصصي كتاب “المكافأة” لأحمد بن يوسف المصري (ت 951م). ويرى كثير من النقاد أن الخبر كفن قصصي يشير إلى أكثر نزوعات التجديد القصصي ، كما تعرف اليوم ، في الأقاصيص  الانطباعية.‏

ومن يطالع مادة (خبر)  في معاجم اللغة العربية ، فسوف يجد : خبر وخَبُرْتُ بالأَمر؛ أَي: علمته. وخَبَرْتُ الأَمرَ أَخْبُرُهُ، إذا عرفته على حقيقته. وقوله تعالى : “فاسْأَلْ بهِ خَبِيرًا” ؛ أَي: اسأَل عنه خبيرًا يَخْبُرُ. والخَبَرُ ، بالتحريك : واحد الأَخبْار. والخَبَرُ: ما أَتاك من نَبإِ عمن تَسْتَخْبِرُ. ابن سيده: الخَبَرُ:  النَّبَأُ ، والجمع: أَخْبَارٌ، وأَخابِير جمع الجمع.

واسْتَخْبَرَه : سأَله عن الخَبَرِ وطلب أَن يُخْبِرَهُ؛ ويقال: تَخَبَّرْتُ الخَبَرَ واسْتَخْبَرْتُه ؛ ومثله: تَضَعَّفْتُ الرجل واسْتَضْعَفْتّه، وتَخَبَّرْتُ الجواب واسْتَخْبَرْتُه . والاسْتِخْبارُ والتَّخَبُّرُ: السؤال عن الخَبَر .

والخبر في اللغة ، هو : ” ما يُنقل أو يُحدَّث به قولًا أو كتابة “([1]) . أو هو : “معلومة تُنقل ويُحدَّث بها “([2]) .

والإخبار – كالإنباء – يرمي إلى معرفة الحقيقة ، وفيها معنى القصّ ؛ ففي قولنا :

– ” أخبرني أحدهم أن الأمطار منهمرة بغزارة في بلد ما “.  ونستشعر من المثال – على الرغم من بساطة تركيبه – أن هناك حكاية ما / حديثًا ما / خبرًا ما ، وراء تبنّي المُخبر (الذي أخبر ) للخبر / الحدث .

وثمّة ملاحظة في وجود كلمة مثل : أخبرني / أنبأني / بلغني / حدّثني، وهي كلمات توحي بوجود الوسيط / المصدر، أو ما يمكن أن نطلق عليه: السند .

وغالبًا ما ترتبط مثل هذه الكلمات حين تتردد بمُسند ، حتى يستريح قائلها بأنه اعتمد على مصدر من مصادر الثقة ، وذلك لميل الخبر إلى التصديق أو التكذيب حين نتلقاه .

ويرى أحد النقاد ” أن الإسناد آلية سردية ، يحرص المؤلف على توافرها في النص استجابة لنزوع ثقافي عربي يؤثر الصدق والواقعية، فالخبر لا يعرف به إلا إذا كان الذي يبلغه معروفًا بالصدق والعدالة. بل إن الخبر الذي تتوافر فيه الشروط المطلوبة هو الخبر الذي يبلغه عدة رواة لا يتعارفون وبالتالي لم يتفقوا على إذاعة خبر كاذب . فهاجس الإسناد الأساس هو الإقناع بصدق الكلام وحقيقة الحدث” ([3]).

وربّما يكون ” الخبر في أصله تاريخًا ، فهو نوع من التفصيل لحادث ذي قيمة في حياة الجماعة “([4]) .

ولا ننسى أنه كان ” يُتداول الخبر شفاهيًّا ، وهو تبعًا لذلك يفتقر إلى خصوصيات البناء المحكم ، كما يفتقر إلى الانسجام والترابط ؛ ذلك أن الشفاهية نزعة تضاد النظام والترتيب والتخطيط المسبق ، تراهن على التسرع والتلميح والوصول إلى الحقيقة. وعلى الرغم من توفر الرغبة الجمالية والتخييلية أثناء عملية سرد الخبر ، فإن الحقيقة تظل عنصرًا طاغيًا ، يجب الوصول إلى الحكمة المطابقة للواقع ، يجب أن يكون الخبـر موجهًا للإنسان في حياته أكثر من تحريك مخيلته وحسه الجمالي. تبعًا لذلك ، فإن من أخص خواص الخبر تأكيده على نقل الواقعة الإخبارية نقلًا متتابعًا دون إجراء أية انحرافات تخلخل بنية متنها. فالرهان هنا ليس على المراوغة ومحاولة الإخفاء والإرجاء والتشويق ، بل في النقل الأمين والتمثل الواقعي”([5]) .

وقديمًا قيل: إن المؤرخين إخباريون لاعتماد التاريخ على الأخبار المروية من جيل إلى جيل ، والاهتمام بتحري الدقّة في النقل والحفظ والتدوين .

وأرى أن الخبر ببنيته السرديّة هو خبر أدبي يختلف عن بنية الخبر الصحفي / الإذاعي أو التليفزيوني ؛ لأن الأخير يعتمد على الإجابة عن مطلوبات منها : مَنْ ، ماذا ، أين ، متى ، كيف ، ولماذا ؟

والخبر الإعلامي له طرق في صياغته أو في بنائه الشكلي ، وذلك مرتبط ارتباطًا وثيق الصلة بطبيعة كل وسيلة من وسائل الإعلام .

ففي الصحافة يتدخل موقع الخبر من الجريدة / المجلة ، ومن الصفحة ، ومن استخدام بنط الكتابة ، ثم طريقة تحرير الخبر .

وفي الإذاعة يرتبط الخبر بطريقة الأداء الإذاعي ، وتظهر ههنا طبيعة الانفعال من مؤدي الخبر ( المذيع ) .

وفي التليفزيـون تتدخل الصورة الثابتة / المتحركة ، مع تحرير الخبر وأدائه، في عرض الخبر .

أمّا الخبر الأدبي فإنه يتميز بأنه ينقل سردًا ما، أو يحكي عن ناقل / مخبر / راوٍ – حكاية ما، لها مغزاها .

وبطبيعة الحال يتحرى هذا المُخبر الصدق والدقة ، أو يتخيل ، فلا يمكن أن تكون كل الأخبار الأدبية الواردة في نصوصها القديمة صادقة تمام الصدق ؛ بل دخلها كثير من الخيال ، والتأويل ، والتفسير المعتمد على الخيال لا الحقيقة .

وطبيعة الأخبار الأدبية المراد ذكرها ههنا تتحدد ببدايتها ؛ حيث يذكر مؤلف الكتاب ، وناقل الخبر اسم مَنْ أخبر ، بعد أن يُصرّح  بالفعل ” أخبر” ، فيقال على سبيل المثال :

” أخبرنا فلان بن فلان ، عن فلان بن فلان أنه … ”

ومثل هذه العبارة مألوف في غالب كتب التراث العربي بكل مجالاته ، فلا يكاد يخلو كتاب منها ؛ نظرًا لأهمية الخبر في الاستشهاد والتبرير .

وتتضح أهمية الخبر الأدبي من مضمونه القائم ” على حادثة طريفة أو نادرة تدل دلالة واضحة على خلق ثابت، فهو قصة شديدة البساطة . وإنما يظهر فن الكاتب فيما يسوقه من حوار ، فهو لا يضحي بالنبرة الطبيعية للكلام في سبيل فصاحة اللغة ، وهو يجعل حديث المتكلم دالا على شخصيته، حتى لتكاد لا ترتسم منه صورة كاملة ” ([6]).

وقد كثُرت الأخبار في كتب القدامى والمتأخرين ، وهي تعبر عن مواقف وقصص ، يحكيها الكاتب في معرض الحديث ، وأحيانًا يستشهد بها ، أو يدلل على شيء يريده .

والأخبار في النصوص التراثية نوعان:

– أخبار بسيطة ، وهي في غالبها تتحمل حدثًا بسيطًا ، يتردد فيها قول / مثل / تفسير معنى كلمة / ذكر بيت شعري …

– أخبار مركبة ، وهي التي تحتوي على السرد / الحكاية عن أشخاص كانت لهم أفعال أو أحداث ، ونُقِل عنهم حوار معين ، أو وصف معين .

ومن المعلوم أن البنية السردية تتألف من ثلاثة مستويات ؛ هي :

– الحوافز ؛ وهي وحدات صغيرة في الجمل يتألف منها الحكي ، وكل جملة تتضمن حافزًا خاصًّا بها . والحوافز إمّا مشتركة ، وإمّا حرة .

– العوامل ؛ وهي الشخصيات التي تتوزع عليها الوظائف ، ولها علاقات كالرغبة والتواصل والصراع .

– الأفعال ؛ وهي مجموعة الأعمال ( أو الأحداث ) التي تقوم بها الشخصية([7]).

وللخبر بنية معروفة لكل من يتابع النصوص السردية التراثية ، فيبدأ الخبر بذكر المُخبر أو الناقل ( السند ) ؛ كأن يقال : ” أخبرني / أخبرنا فلان بن فلان …  ، ثم يأتي مضمون الخبر ( المتن ) .

وأحيانًا يأتي اسم المُخبر ، ويتلوه اسم مَن سمع منه أو نقل عنه ، كأن يقال : أخبرني / أخبرنا  فلان بن فلان ، عن فلان ، قال : … ، ثم يأتي مضمون الخبر أو المتن .

ومن نماذج الأخبار في التراث العربي:

” إبراهيم بن أحمد عن الشيباني قال:

كان أبو جعفر المنصور أيام بني أمية إذا دخل البصرة دخل مستترًا ، فكان يجلس في حلقة “أزهر السمان ” المحدّث.

فلما أفضت الخلافة إليه ، قدم عليه ” أزهر” ، فرحب به وقربه .

وقال له : ما حاجتك يا أزهر؟

قال: داري متهدمة ، وعليّ أربعة آلاف درهم ، وأريد أن يَبني ” محمد ” ابني بعياله .

فوصله باثني عشر ألفًا ، وقال: قد قضينا حاجتك يا أزهر ، فلا تأتنا طالبًا .

فأخذها وارتحل ..

فلما كان بعد سنة أتاه . فلما رآه أبو جعفر، قال: ما جاء بك يا أزهر؟

قال : جئتك مُسلمًا .

قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالبًا.

قال: ما جئت إلا مسلمًا.

قال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفًا ، واذهب فلا تأتنا طالبًا ولا مسلمًا.

فأخذها ومضى .. فلما كان بعد سنة أتاه ، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟

قال: أتيت عائدًا.

قال : إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالبًا .

قال : ما جئت إلا عائدًا .

قال : أمرنا لك باثني عشر ألفًا فاذهب ولا تأتنا لا طالبًا ولا مسلمًا ولا عائدًا .

فأخذها وانصرف ..

فلما مضت السنة أقبل ، فقال له : ما جاء بك يا أزهر؟

قال : دعاء كنتُ أسمعك تدعو به يا أمير المؤمنين ، جئت لأكتبه .

فضحك أبو جعفر ، وقال: إنه دعاء غير مستجاب ؛ وذلك أني قد دعوت الله تعالى به أن لا أراك ، فلم يستجب لي ، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفًا ، فاذهب وتعال متى شئت ، فقد أعيتني فيك الحيلة “([8]) .

وفي الخبر السابق بنية مركّبة من مجموعة من الأحداث ، وفي كل واحدة منها الحدث ووصفه وحواره وطبيعة الانفعال المرتبطة به . والملاحظ وجود ارتباط فيما بينها .

فـفي البدايـة يذكر المؤلف اسم السند: ” إبراهيم بن أحمد عن الشيباني ” .

ثم يأتي المتن بعد ذلك وفيه أحداث الخبر .

في الحدث الأول : نتعرف على وجود عـلاقة ما بين شخصيتين مهمّتين ؛ هما : ” أبو جعفر المنصور ” و” أزهر السمان “، وفيها يطلب الأول من الثاني : ( العلم / المعرفة / الحماية / الاستتار من عيون بني أمية ) .

ثم الحدث الثاني ؛ وفيه يطلب الثاني من الأول ما يكفيه من المال .

ثم يجيء الحدث الثالث ، وفيه يطلب الثاني بطريقة إيحائية من الأول فيعطيه ما يكفيه من المال .

ويتكرر في الحدث الرابع بشكل غير مباشر ، وفي الخامس يتكرر الطلب ويعطيه الخليفة المنصور ، بل يدعوه دائمًا أن يطلب منه .

والخبر السابق – وفيه موقف طريف – نقل الأحداث بترتيب حدوثها عبـر الزمن الطبيعي ، فقد تسلسل وقوع الأحداث بشكل مرتّب وطبيعي ، مرة كل عام .

والملاحظ في قصة الخبر السابـقة وجود دوافع النقل ؛ أي نقل هذا الخبر ، فمن المعروف عن المنصور – من خلال مرويات سابقة –  أنه كان حريصًا ممسكًا لا يتلف أموال دولته في العطاء والمنح ، وقصته الشهيرة مع الشعراء المادحين له .

وهناك أخبار مروية كثيرة استوعبتها

كتب التراث العربي ، وأغلبها يجيء في معرض الحديث عن شخصية لها إسهام في تكوين الذاكرة العربية ؛ مثل : أخبار الملوك ، والأمم ، والشعراء الكبار : الأمراء والصعاليك ، والعشّاق العرب كـ”عروة وعفراء ” و ” مجنون ليلى” ، و”جميل بثينة” وغيرهم .

د. جمال حسين حمّاد


([1]) الوسيط ، مادة ( خبر ) ، ج1 ، ص 222 . وقد تقترب الألفاظ : خبّرني ، أنبأني ، بلغني وهي كلمة شهيرة في حكايات ألف ليلة ، … وكلها كلمات تحمل معنى الإسناد إلى أحدهم محل ثقة الراوي في نقل / سرد الخبر .

([2]) المعجم العربي الأساسي ، ص 378 .

([3]) عبد الوهاب شعلان ، السرد العربي القديم البنية السوسيو ثقافية والخصوصيات الجمالية ، في مجلة الموقف العربي ، دمشق ، اتحاد الكتاب، ع 412 ، س 35 ، آب 2005، وقد ذكر الدكتور عبد الوهاب شعلان: ” تحتفي معظم النصوص السردية العربية بمقدمة إسنادية ، تحرص على ثباتها طيلة المسار السردي للنص. وتتنوع الصيغ الإسنادية من نص إلى آخر، وأحيانًا داخل النص الواحد؛ إذ نعثر على صيغة: “بلغني أيها الملك السعيد” في “ألف ليلة وليلة”، و”زعموا ” في ” كليلة ودمنة “، “وحدثنا ” عيسى بن هشام” – وهذه هي الصيغة الغالبة- في مقامات بديع الزمان الهمذاني، وصيغ إسنادية متعددة في ” البخلاء ” للجاحظ ” .

([4]) شكري محمد عياد ، القصة القصيرة في مصر : دراسة في تأصيل فن أدبي ، القاهرة ، المجلس الأعلى للثقافة ، ط2 ، 2009م ، ص 23.

([5]) عبد الوهاب شعلان ، مرجع سابق .

([6]) شكري عياد ، مرجع سابق ، ص 27 .

([7]) علي يوسف عصفور وهناء عمر خليل ، التشكيل السردي للخبر الأدبي في التراث العربي : أمثلة من الأغاني والعقد الفريد ، جامعة الكويت ، مجلس النشر العلمي ،  المجلة العربية للعلوم الإنسانية ، العدد 109 ، السنة 28 ، شتاء 2010 ، ص 104 وما بعدها بتصرف .

([8]) ابن عبد ربه : أبو عمر أحمد بن محمد الأندلسي ، العقد الفريد ، شـرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته ورتب فهارسه : أحمد أمين وأحمد زين وإبراهيم الإبياري ، القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، 2004م ، ج2 ، ص326 .