جثة الغريق ……………….……. قاسم مسعد عليوة

جثة الغريق
قاسم مسعد عليوة
قاص من مصر
هى فقهة لا أكثر، أصابت البحر، وما لبثت أن تلاشت لمَّا تجشأ جثة الغريق.
المتناثرون على الساحل تجمعوا حولها بعدما ناداهم أحدهم. وغلفهم الفضول والحُزن. الرجال أظهروا الامتعاض، والنساء ولولن، والأطفال بان عليهم الاكتئاب. بعد لحظات مِن الارتباك واللطم والولولة ران الصمت والترقب على الجميع.
كانت الجثة عارية الرأس، حافية القدمين، ملفوفة بالطحالب، منتفخة، ومفككة الأوصال. وعلى الرغم مِن تمددها فوق اليابسة فإن أطراف الموج الفاتر ظلت تؤرجحها كلما امتدت إليها أوانسحبت عنها، وفى كل مد وجزر تترك فوقها الزبد وأقذار البحر.
هى جثة رجل. ربما كان شاباً، وربما كان متوسط العمر، فالتورم والضمور ضخَّما وقلَّصا الملامح والأعضاء، لكنهما مع هذا أتاحا هذين الاحتمالين دون سواهما، فهو إما شاب فى دائرةالعشرين أو كهل فى دائرة الثلاثين، لكنه أبداً لن يتجاوز الأربعين. ما قوَّى من هذين الاحتمالين الزى العسكرى الذى يلف جثته.
لمن هذا الزى؟.. لنا أم للأعداء؟.. قرأتُ السؤالين المترادفين فى أعين المحيطين.. الكبار والصغار.. القليل المهلهل منه لا يساعد على التمييز، فاللون واحد، والنسيج واحد، حتى طريقة التفصيل ـ الشىء الوحيد الذى يميز بين زينا العسكرى وزى الأعداء ـ أتلفته الأمواج التى تقاذفته قبل أن تمجه.
نطق شاب:
ـ ربما لم يكن جندياً بالأساس.
وجاوبه آخر:
ـ كثيرون يرتدون ثياباً تشبه ثياب العسكريين.
ودخل الحلبة ثالث:
ـ لكننا فى حالة حرب، وقليلون هم المجانين الذين يفعلون هذا.
أما الرابع فتنهد وقال:
ـ لو أبقى البحر على حذائه، أو ألقاه إلينا الآن.. ربما أمكننا التمييز..
وزفر الخامس:
ـ .. أو حتى الكاب أو البيريه..
وبعد هذه الفورة مِن الكلام صمتوا.
كان أحدهم قد هرول إلى مكان ما وعاد برفقة شرطى. ولمَّا كان الشرطى شرطياً، فإنه لم ينس أن يُظهر لهؤلاء المدنيين أنه بالفعل شرطى. تفحص الجثة بنظرات محاذرة، ثم وقف على رأس الغريق وأمر:
ـ اقلبوه.
متوترين مترددين تقدم ثلاثة مِن المتجمِّعين ونفذوا الأمر. صحيح أنَّ أجزاءً مِن جثته تفسخت ونسيج الزى تمزَّع، لكن العيون المتوترة الملهوفة تأكدت مِن أنَّ الزى عسكرىٌ بالفعل. بان هذا مِن خزانة الرصاص الفارغة المعلقة بحزامه؛ ومع هذا فالتمييز ظل عليهم صعباً فالأحزمة هى هى يستخدمها جنودنا وجنودهم، والرصاص هو عين الرصاص، والخزائن هى ذات الخزائن، فصانعها واحد وبائعها لنا ولهم واحد.
سأل الشرطى:
ـ منا أم منهم؟
ما مِن أحد أجابه، لأنهم كانوا ينتظرون الإجابة منه هو، فهو ممثل الحكومة ويُفترض أن يكون هو الأدرى والأكثر خبرة بجنود الأعداء.
ردَّ عيونهم عنه بأمر جديد:
ـ فتشوه.
بتوتر وتردد أخف تقدم الشجعان الثلاثة الذين قلبوا الغريق الرميم لتفتيشه. مَدَّ أولهم يده إلى الساعة التى تحيط برسغه وسلتها، فكشط جلد الكف المنتفخ وبانت زرقة اللحم المشبع بالماء والغاز.. لكن ماذا فى الساعة يتيح تمييز ما إذا كان منا أم من الأعداء؟.. حتى هى ما عادت تصلح كساعة، فقد خلع عنها البحرُ زجاجها وعقاربها وميناءها ولم يترك فيها سوى بعض تروس مفكوكة ومُعطلة كأجهزة جسم الغريق.
بعدما تيقن الإثنان الآخران مِن تبدد ما كانا يعولانه على الساعة، وأنها لم تقدم ما يعفيهما مِن تنفيذ الأمر بالتفتيش، انحنيا فوق ما تبقى مِن جيوب الغريق، وما هى إلا ومضة حتى قفز البادئ فزعاً بعدما وثبتْ مِن بين أصابعه المدسوسة لتوها فى جيب السترة سميكة حية راحت تتقافز وتثب فوق الرمل المبلول.
ضحك البعض وبكى البعض؛ ولأنها سميكة رشيقة وشقية فقد وثب إليها صبى وعفقها، إلا أنَّ امرأة باكية أسرعتْ وأطاحتْ بها مِن يده إلى البحر، ثم وقفتْ إلى جوار الغريق وواجهتْ الطفل والشرطى والباحثين الثلاثة وأسمعت صوتها الجميع:
ـ ربما كانت روحه قد حلت فى هذه السمكة.
ممسك الساعة وضعها تحت عينى الشرطى، وانضم إلى زميليه، وبحذر أكثر استلم كل منهم الجيب القريب منه وبدأوا يخرجون ما يجدونه ويضعونه إلى جوار الساعة.. مشط، منديل، ولاَّعة، حلقة بها مفاتيح، وردة بلاستيكية، وصورة مكرمشة حائلة الألوان لرضيع مغمض العينين باك. كأنها التقطت لحظة ميلاده، فمن البطانية الملفوف بها تظهر أجزاء مِن القماط.
تكأكأ أكثر من واحد على الصورة عسى أن يتبينوا ما يستدلون به على صاحب الجثة، لكن حتى وجه الرضيع لم يُبَيِّن بالكيفية التى أبقاها عليها البحر أهو من أطفالنا أم من أطفالهم، فالرأس عارية مِن الشعر، وما مِن علامة واحدة يمكن الاستدلال بها حتى على نوعه وما إذا كان ذكراً ام انثى.
توقف الثلاثة عن التفريغ، فسأل الشرطى:
ـ فقط؟
جاءه الرد:
ـ فقط.
سأل مجدداً:
ـ ألا توجد محفظة؟.. بطاقة؟.. أوراق؟.. تصاريح؟.. رقم ميدان؟.. نقود؟..
ولما لم تأته أية إجابات زعق بصوته الشُرَطى:
ـ اريد أنْ أعرف.. منا صاحب هذه الجثة أم منهم؟
ولأن زعقته كانت عالية فقد ظل صداها يتردد فوقنا وفوق البحر الذى استراح بعد ما تجشأ ولفظ هذه الغريق.

جثة الغريق                                                               قاسم مسعد عليوة                                                                                                قاص من مصر
هى فقهة لا أكثر، أصابت البحر، وما لبثت أن تلاشت لمَّا تجشأ جثة الغريق. المتناثرون على الساحل تجمعوا حولها بعدما ناداهم أحدهم. وغلفهم الفضول والحُزن. الرجال أظهروا الامتعاض، والنساء ولولن، والأطفال بان عليهم الاكتئاب. بعد لحظات مِن الارتباك واللطم والولولة ران الصمت والترقب على الجميع.كانت الجثة عارية الرأس، حافية القدمين، ملفوفة بالطحالب، منتفخة، ومفككة الأوصال. وعلى الرغم مِن تمددها فوق اليابسة فإن أطراف الموج الفاتر ظلت تؤرجحها كلما امتدت إليها أوانسحبت عنها، وفى كل مد وجزر تترك فوقها الزبد وأقذار البحر.هى جثة رجل. ربما كان شاباً، وربما كان متوسط العمر، فالتورم والضمور ضخَّما وقلَّصا الملامح والأعضاء، لكنهما مع هذا أتاحا هذين الاحتمالين دون سواهما، فهو إما شاب فى دائرةالعشرين أو كهل فى دائرة الثلاثين، لكنه أبداً لن يتجاوز الأربعين. ما قوَّى من هذين الاحتمالين الزى العسكرى الذى يلف جثته.لمن هذا الزى؟.. لنا أم للأعداء؟.. قرأتُ السؤالين المترادفين فى أعين المحيطين.. الكبار والصغار.. القليل المهلهل منه لا يساعد على التمييز، فاللون واحد، والنسيج واحد، حتى طريقة التفصيل ـ الشىء الوحيد الذى يميز بين زينا العسكرى وزى الأعداء ـ أتلفته الأمواج التى تقاذفته قبل أن تمجه.نطق شاب:ـ ربما لم يكن جندياً بالأساس.وجاوبه آخر:ـ كثيرون يرتدون ثياباً تشبه ثياب العسكريين.ودخل الحلبة ثالث:ـ لكننا فى حالة حرب، وقليلون هم المجانين الذين يفعلون هذا.أما الرابع فتنهد وقال:ـ لو أبقى البحر على حذائه، أو ألقاه إلينا الآن.. ربما أمكننا التمييز..وزفر الخامس:ـ .. أو حتى الكاب أو البيريه..وبعد هذه الفورة مِن الكلام صمتوا.كان أحدهم قد هرول إلى مكان ما وعاد برفقة شرطى. ولمَّا كان الشرطى شرطياً، فإنه لم ينس أن يُظهر لهؤلاء المدنيين أنه بالفعل شرطى. تفحص الجثة بنظرات محاذرة، ثم وقف على رأس الغريق وأمر:ـ اقلبوه.متوترين مترددين تقدم ثلاثة مِن المتجمِّعين ونفذوا الأمر. صحيح أنَّ أجزاءً مِن جثته تفسخت ونسيج الزى تمزَّع، لكن العيون المتوترة الملهوفة تأكدت مِن أنَّ الزى عسكرىٌ بالفعل. بان هذا مِن خزانة الرصاص الفارغة المعلقة بحزامه؛ ومع هذا فالتمييز ظل عليهم صعباً فالأحزمة هى هى يستخدمها جنودنا وجنودهم، والرصاص هو عين الرصاص، والخزائن هى ذات الخزائن، فصانعها واحد وبائعها لنا ولهم واحد.سأل الشرطى:ـ منا أم منهم؟ما مِن أحد أجابه، لأنهم كانوا ينتظرون الإجابة منه هو، فهو ممثل الحكومة ويُفترض أن يكون هو الأدرى والأكثر خبرة بجنود الأعداء.ردَّ عيونهم عنه بأمر جديد:ـ فتشوه.بتوتر وتردد أخف تقدم الشجعان الثلاثة الذين قلبوا الغريق الرميم لتفتيشه. مَدَّ أولهم يده إلى الساعة التى تحيط برسغه وسلتها، فكشط جلد الكف المنتفخ وبانت زرقة اللحم المشبع بالماء والغاز.. لكن ماذا فى الساعة يتيح تمييز ما إذا كان منا أم من الأعداء؟.. حتى هى ما عادت تصلح كساعة، فقد خلع عنها البحرُ زجاجها وعقاربها وميناءها ولم يترك فيها سوى بعض تروس مفكوكة ومُعطلة كأجهزة جسم الغريق.
بعدما تيقن الإثنان الآخران مِن تبدد ما كانا يعولانه على الساعة، وأنها لم تقدم ما يعفيهما مِن تنفيذ الأمر بالتفتيش، انحنيا فوق ما تبقى مِن جيوب الغريق، وما هى إلا ومضة حتى قفز البادئ فزعاً بعدما وثبتْ مِن بين أصابعه المدسوسة لتوها فى جيب السترة سميكة حية راحت تتقافز وتثب فوق الرمل المبلول.
ضحك البعض وبكى البعض؛ ولأنها سميكة رشيقة وشقية فقد وثب إليها صبى وعفقها، إلا أنَّ امرأة باكية أسرعتْ وأطاحتْ بها مِن يده إلى البحر، ثم وقفتْ إلى جوار الغريق وواجهتْ الطفل والشرطى والباحثين الثلاثة وأسمعت صوتها الجميع:ـ ربما كانت روحه قد حلت فى هذه السمكة.ممسك الساعة وضعها تحت عينى الشرطى، وانضم إلى زميليه، وبحذر أكثر استلم كل منهم الجيب القريب منه وبدأوا يخرجون ما يجدونه ويضعونه إلى جوار الساعة.. مشط، منديل، ولاَّعة، حلقة بها مفاتيح، وردة بلاستيكية، وصورة مكرمشة حائلة الألوان لرضيع مغمض العينين باك. كأنها التقطت لحظة ميلاده، فمن البطانية الملفوف بها تظهر أجزاء مِن القماط. تكأكأ أكثر من واحد على الصورة عسى أن يتبينوا ما يستدلون به على صاحب الجثة، لكن حتى وجه الرضيع لم يُبَيِّن بالكيفية التى أبقاها عليها البحر أهو من أطفالنا أم من أطفالهم، فالرأس عارية مِن الشعر، وما مِن علامة واحدة يمكن الاستدلال بها حتى على نوعه وما إذا كان ذكراً ام انثى.توقف الثلاثة عن التفريغ، فسأل الشرطى:ـ فقط؟جاءه الرد:ـ فقط.سأل مجدداً:ـ ألا توجد محفظة؟.. بطاقة؟.. أوراق؟.. تصاريح؟.. رقم ميدان؟.. نقود؟..ولما لم تأته أية إجابات زعق بصوته الشُرَطى:ـ اريد أنْ أعرف.. منا صاحب هذه الجثة أم منهم؟ولأن زعقته كانت عالية فقد ظل صداها يتردد فوقنا وفوق البحر الذى استراح بعد ما تجشأ ولفظ هذه الغريق.