التعليم من أجل الوعي الناقد – باولو فيريري

قراءة في كتاب التعليم من أجل الوعي الناقد

تأليف :باولو فيريري

ترجمة/ أ. د/ حامد عمار

عرض/ أ. د/ أمان عبد المؤمن قحيف

يصنف العديد من الباحثين التربويين المفكر البرازيلي باولو فيريري (1921- 1997) ضمن كبار الرواد المؤسسين للتربية النقدية أمثال: أريك فرم وبيير بورديو وبرتستين والحق أن الرجل له من القيمة والأهمية ما يجعله لا يقل عن هؤلاء المفكرين الكبار في الدرجة والمكانة من حيث قدرته على التحليل وطرح الأفكار ومناقشة الرؤى والتصورات التربوية، ولقد برز ذلك جليًا من خلال العديد من المؤلفات التي أثرى بها مكتبة الفكر التربوي، ونذكر منها:

التعليم كممارسة للحرية.

نظرات في تربية المعذبين في الأرض.

تربية الحرية.

المعلمون بناة الثقافة.

الفعل الثقافي من أجل الحرية.

وأكثر أعماله أهمية وإثارة للجدل ((تربية المقهورين)).

ولقد اهتم العديد من التربويين العرب بدراسة ونقل أفكار باولو فيريري إلى ثقافتنا العربية المعاصرة، ومن هؤلاء: الأستاذ توفيق عوض الذي ترجم في الستينات من القرن الماضي كتاب ((تربية المقهورين))، والدكتور نبيل نوفل الذي قدم عرضًا موجزًا ورصينًا لبعض أفكار فريري وذلك في كتابه: ((اتجاهات تربوية في الفكر المعاصر))، والكتور أحمد عطية الأستاذ الباحث بمركز البحوث التربوية والتنمية بالقاهرة الذي قام على ترجمة كتاب ((تربية الحرية Pedagogy Of Freedom))، والأستاذ الدكتور حامد عمار الذي ترجم كتابنا هذا وقام مع آخرين بترجمة كتاب ((المعلمون بناة الثقافة، رسائل إلى الذين يتجاسرون على اتخاذ التعليم مهنة teachers as cultural Workers. Letters to those who dare teach )) ولقد أولى الدكتور حامد عمار ترجمة أعمال هذا المؤلف الكبير عناية كبرى مع بعض تلامذيه من أساتذة الجامعة والباحثين.

قلنا إن باولو فيريري يُصنف ضمن كبار مفكري التربية النقدية في العالم، ولعل ذلك يرجع إلى كونه يعد أحد كبار رجال التربية العظام، الذين كرسوا حياتهم لنصرة الضعفاء والفقراء والمهمشين، حيث جعل من التعليم والوعي النقدي سبيلًا للتحرر من القهر وصولاً إلى الحرية وتمكين المقهورين من مقدراتهم، ويعود أيضًا إلى كونه تجاسر واقتحم معاقل التعليم بما لديه من أفكار تحررية ليقوض أركانها النمطية التي فرضت سطوتها على الإنسان، فهاجم ثنائية المعلم/ التلميذ ومفهوم التعليم البنكي القائم على التلقين، واعتبر مفهوم روسو للطفل ((كمعلم نشط)) مساويًا للمفهوم البنكي، كما انتقد جون ديوي وألفريد نورث لذهابهم إلى أن نقل الحقائق المجردة هو هدف التعليم.

ولابد أن نشير إلى أن ثمة صعوبة ملحوظة في فهم أسلوب مفكرنا وكتاباته وعلى من أراد دراسة أفكاره وأطروحاته أن يتحلى بالصبر والمثابرة في عمله. ويرتكز المنهج الفريري في التعليم على الحوار الذي يسعى إلى خلق حالة من الوعي النقدي تفضي إلى إحداث فعل جماعي يتسم بالإيجابية لتغيير واقع القهر والتمرد على ثقافة الصمت بما يؤدي إلى أنسنة المجتمع البشري والخلاص من محاولات السلطة المهيمنة ووسائل الإعلام المنظم لتكريس ثقافة (نزع الأنسنة) التي تسود العالم وتحوله إلى غابة تتصارع فيها الكائنات الاجتماعية ولا مكان فيها للضعفاء والمقهورين.

وهكذا يمضي الكتاب الذي نتحدث عنه في كشف النقاب عن الأضرار الناجمة عن غياب الخبرة الديمقراطية ودور التعليم في عملية التوعية مقدمًا بعض المواقف والصور التي تتم فيها التوعية للأميين، كما يتناول تقنيات الإرشاد والاتصال والاختراق الثقافي ومخاطرة مقدمًا نموذجًا للإصلاح الزراعي ومتسائلا عن إمكانية اعتبار هذه التربية امتدادًا أم إرشادًا أم اتصالاً، مشيرًا إلى أن التعليم حالة من المعرفة الاجتماعية التي إذا ما أحسن توظيفها وتطبيقها أصبحت بالتأكيد مسلمة مفضية إلى حالة راقية من الوعي الناقد لدى المتلقي فيما يعيشه ويرصده ويلاحظه ويحلله، متصديًا لتحليل عملية الوعي وأنواعها وشروطها والتي تقترن عادة بحركة التحول المجتمعي.

ويؤكد فريري أن المجتمع في حالة تحول بفضل الوعي الإنساني حيث يتعامل الناس مع واقعهم بطريقة تفنية؛ إذ يقومون بتفهم المعطيات والمعلومات الموضوعية لواقعهم (وكذلك الصلات التي تربط معلومة بأخرى خلال التأمل) واستجاباتهم ليست من قبيل رد الفعل الشرطي المنعكس اللاإرادي يكتشفون، -كما هو الحال لدى الحيوان- خلال هذه العملية من النقد الإدراكي يكتشف الناس خصوصية وجودهم الزماني التاريخي. ومن خلال تجاوز بعد زماني معين واحد يمكنهم أن يعودوا بالزمن إلى الوراء، وان يتبينوا ملامح الحاضر والماضي، وأن يتطلعوا إلى المستقبل.

ويؤكد فريري أن من أجل الوصول إلى مستقبل شفاف مشرق لابد من المحافظة على الديمقراطية وعدم إفسادها فالمرء قد يفسد الديمقراطية حينما يجعل منها منهجًا لا عقلانيًا، وحين يحولها إلى أسلوب متحجر تحت ذريعة الدفاع عنها ضد جمود الديكتاتورية، وحين يشوهها لتكون مبعثًا للكراهية، بينما هي تزدهر في سياق حب الناس واحترامهم، وحين يقوم بقفل أبوابها بينما هي لا تعيش إلا في الآفاق المفتوحية وحين يغذيها بالخوف بينما عليها أن تتذرع بالشجاعة، وحين يستخدمها أداة للأقوياء في قهر الضعفاء، وحين يجعل من تسلحها إرهابًا للناس، وحين يشيع مظاهر الاغتراب في الأمة باسم الديمقراطية.

واللافت للنظر أن فريري يذهب إلى أن المرء إنما يدافع  عن الديمقراطية حين يقودها إلى ما سماه كارل مانهايم (الديمقراطية المسلحة)، ديمقراطية لا تخشى الناس ولا تكبت آيات التمايز، وتخطط في غير جمود أو تحجر، وتحمي نفسها دون كراهية، وتتغذى بروح نافذة لا بشطحات اللاعقلانية.

ويؤكد الكتاب الذي بين أيدينا أن اكتساب المعرفة مهمة تقوم بها ذوات فاعلة لا مفعول بها، ولذلك فإنه لا يكتسب المعرفة حقًا إلا إنسان: رجلا أو امرأة. وفي عملية مفعول بها، ولذلك فإنه لا يكتسب المعرفة حقًا إلى إنسان: رجلاً أو امرأة. وفي عملية التعلم. . فإن الشخص الوحيد الذي يتعلم هو الذي يدرك ويفهم ملاءمة ما يتعلمه، ومن ثم يعيد تشكيل هذا التعلم، وهو الذي يملؤه آخر بمضامين لا يدركها ذلك المتعلم، والتي قد تتعارض مع قيم وجوده الإنساني في العالم- مثل هذا الشخص لا يمكنه أن يتعلم، إذ  قد تتعارض مع قيم وجوده الإنساي في العالم- مثل هذا الشخص لا يمكنه أن يتعلم، إذ إنه لم يواجه طبيعة ما يتحداه… وفي جميع الحالات، فإنه في موقف التعليم، ينبغي على المعلمين والطلاب أن يتخذوا دور الذوات الفاعلة الواعية، التي يتم التفاعل فيما بينها من خلال الموضوع والمحتوى الذي يريدون تعليمه وتعلمه.

ويشير المؤلف في سياق آخر إلى أن وجود البشر الذين لهم القدرة على التأمل الذاتي في أنفسهم، وفي مشكلاتهم وأفعالهم يتحدد بما يتضمنه الوجود البشري من مواجهة مستمرة مع العالم، والبشر حين يفصلون أنفسهم عن العالم المحيط بهم يتمكنون من تغيير بيئتهم؛ مما يعني أنهم لا يكيفون أنفسهم لها. ومن ثم فإن البشر (ذوات) تتسم باتخاذ القرارات. والوجود الإنساني إنما هو وجود في عالمه المحيط به ومعه في الوقت ذاته، كما يستتبع علاقة متواصلة مع هذا العالم، فضلًا عن القيام بفعل ونشاط فيه.  ولما كان هذا العالم يتسم بأبعاده التاريخية والثقافية، فهو عالم الرجال والنساء، وليس مجرد عالم (الطبيعة).

وثمة ارتباط وثيق بين الوجود الإنساني والمعرفة، ولابد للمعلم من توعية الناس بأن لديهم قدرًا من المعرفة وأنهم بحاجة إلى المزيد، فالحاصل أن اكتساب المعرفة يبدأ مع إدراك الناس بان لديهم قليلًا من المعرفة، واعترافهم بامتلاك هذا القدر القليل من المعرفة، يهيئهم للسعي بغية زيادة معرفتهم. ولو كنا نمتلك المعرفة المطلقة، فسوف نجد أن مثل هذه المعرفة لا وجود لها؛ لأن المعرفة لا تستقر في حالة كينونة ثابتة. كذلك فإن المرء الذي يعرف كل شيء، ليست لديه الرغبة في استكمال نمو معرفته. ومن ثم تنعدم حاجته إلى السؤال عن أي شيء. لكن البشر هم في عملية متواصلة من الخلق وإعادة الخلق في رأس مالهم المعرفي؛ نظرًا لأن وجودهم غير مكتمل في سياقاته التاريخية، ولذلك فهم منشغلون دومًا في عملية اكتشاف.  ثم إن المعرفة قد أخذت تتولد من معرفة سابقة، وهذه بدورها قد تولدت من معرفة أسبق. وهكذا تبقى المعرفة في حالة تلاحق مستمر، بحيث تصبح كل معرفة جديدة منطلقًا لمعرفة سوف تحل مكانها فيما بعد.

وثمة إشارة في سياق مغاير إلى الدور السليم للمعلم؛ حيث إن دور المعلم لا يقوم على ((ملء)) عقول المتعلمين بالمعرفة، فنية كانت أو غير ذلك، ولكنه يتجسد في محاولة للتحرك نحو أسلوب جديد في التفكير لدى كل من المتعلم والمعلم من خلال العلاقة الحوارية على أن يسير جريانها في الاتجاهين بينهما. ولذلك.. فإن أحسن طلاب في مواد الفيزياء أو الرياضيات ليسوا أولئك الذين يحفظون معادلاتها، وإنما هم أولئك الذين يدركون الأسباب والعوامل التي أدت إلى بلوة تلك المعدلات؛ ولذلك أيضًا كلما قام الطلاب باستقبال محتوى المناهج التي تصب في عقولهم باسم المعرفة ببساطة وإذعان، أصبحوا غير قادرين على التفكير وازدادوا ميلًا نحو التكرار والاجترار.

وأحسن طالب في مادة الفلسفة ليس هو ذلك الطالب الذي يستعرض لنا في مقال إنشائي فلسفة أفلاطون أو ماركس أو كانط، وإنما هو الذي يتأمل بطريقة نقدية حول ما أسهموا به من فكر، ويتحمل كذلك مخاطر مغامرته الفكرية. ومن الحقائق المعروفة أنه لم يبلور أي فيلسوف أفكاره أو ينظم أي عالم طبيعي معرفته العلمية إلا من خلال مواجهته لنوع من التحديات أو المشكلات.

ويؤكد المؤلف أن في حالة التوعية يكون من حق المعلم -كإنسان- أن تتاح له اختياراته. لكن الذي ليس من حقه أن يفرضها على غيره، وإن فعل هذا.. فإن عليه أن يتيح لغيره الاستمتاع بهذا الحق واستخدامه. ثم إنك حين تملي على الغير إنما تقوم بعملية تزييف، وحين تزيف إنما تعمل على (تشييء) الإنسان، وهذا بدوره سوف يؤدي إلى إرساء علاقة الاستئناس والتطويع في التعليم. وقد تستتر تلك العلاقة وراء واجهة ليست كريهة في مظهرها، وفي هذه الحالة لا يمكن الحديث عن تنمية الوعي… والمربي المموه لا ينتج عنه إلا استئناس وتهجين لطلابه، حيث إنه بدلاً من أن يقوم بمهمة النقد التي تكشف الغموض المحيط بالواقع، يزيد غموضًا وتعمية. ولا ريب في أن مثل هذا المربي لا يبعث إلا برسائل أو تعليمات لطلابه بدلا من إقامة اتصالات معهم كما يتلقي اتصالات منهم. ولن ينتظر منه في وقت أن يمارس علاقة معرفة اجتماعية حقيقية معهم؛ إذ إن ذلك سوف يجعل سياسة التمويه والتزييف أملاً مستحيلًا.

ونود الإشارة إلى أن كاتب هذه القراءة ركز على الأفكار التي يمكن توظيفها لخدمة العملية التعليمية في وطننا العربي وغض الطرف عما كتبه المؤلف ويتعلق ببيئته الخاصة في البرازيل … بقي أن نشير إلى أن الكتاب صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة ضمن مشروع مكتبة الأسرة للعام 2008م.