صورة الأقليات فى السينما العربية …………… محمود قاسم

صورة الأقليات

فى السينما العربية

—–

محمود قاسم *

بحسبان أن الأقباط المصريين نسيج أساسى فى المجتمع , لهم دورهم الأجتماعى الرئيسى فى إدارة دفة المجتمع , فإن الكثير من قصصهم قد تلاحمت مع قصص أخوانهم المسلمين فى أفلام السينما . كما أن بعض هذه الأفلام كان أبطال قصصها الرئسيون من هؤلاء الأقباط , أسوة بأن الكثير من قصص السينما تروى أيضآ حكايات المسلمين .

وفى الكثير من هذه الأفلام , تلاحمت هذه القصص المسلمة المسيحية فى نفس النسيج , بحسبان أن هذا هو هيكل المجتمع , وأنه لايمكن أنفصال طائفة عن أخرى . فالمسلمون يشاركون أقرانهم المسيحين فى أعيادهم الدينية , ومناسباتهم الخاصة , وكذلك يفعل الأقباط مع المسلمين . وسوف نرى أن هذا التلاحم موجود فى أفلام بعينها , من خلال قصص مجموعة من طلاب مصر الجديدة فى فيلم ” ضحك ولعب وجد وحب ” لطارق التلمسانى عام 1992. و ” للحب قصة أخيرة ” عام 1985. ثم ” سيداتى أنساتى ” لرأفت الميهى عام 1996. هذا بالإضافة إلى أن هناك أفلاما أبطالها الرئيسيون من المسيحيين اللبنانيين , أو أقباط مصر ويتمثل ذلك فى مجموع الأفلام التى أخرجها حسن الإمام مثل ” الراهبة ” عام 1965 و”شفيقة القبطية ” عام 1963 و ” بديعة مصابنى ” عام 1975 وغيرها من الأفلام. ثم هناك القصة التاريخية فى فلم ” الناصر صلاح الدين ” ليوسف شاهين بين عيسى العوام ولويزا عام 1963.

ومن خلال  هذه الأفلام , يمكن أن نجمع مجموعة من السمات التى تربط فيما بين هذه الأفلام وموضوع الهوية القبطية التى ظهرت فى كل فلم أو جزء من قصص هذه الأفلام , وهى:

– يتفاوت ظهور الهوية القبطية , أو إخفاؤها لاعتبارات اجتماعية عامة من فيلم لآخر , ففى بعض الأفلام لم يؤكد السيناريو المكتوب على هوية أبطال القصص , وإن كانت أسماء هؤلاء الأشخاص تأخذ الهويتين معآ , مثلما حدث فى فيلم ” البوسطجى ” , فنحن أمام أشخاص مثل جميلة , وخليل , ومريم , ووصيفة.  أم والدآ جميلة فقد أشير إليمها فى السيناريو المنشور باسم ” والدة جميلة ” , و ” والد جميلة ” , ولكن السيناريو يشير إلى أن اسمه ” سلامة ” . وقد أشار النص الأدبى الوأخوذ عنه الفيلم إلى هويتهما الدينية . وجميلة تتلقى تعليمها فى مدرسة دينية بأسسيوط , وهى نو من المارس تضم الكثير من التلاميذ . وإذا كان النص الأدبى ليحيى حقى فى ” دماء وطين ” قد أشار إلى هوية جميلة وأسرتها , فإنه لا توجد أى إشارة واضحة بالمرة إلى هذه الهوية فى الفيلم . بل إن جميلة تسيحلف عمها بالنبى مرتين فى المشهد رقم 66 من السينايو الذى يدور فى بيبت العمة بالنخيلة : ” يللا والنبى ياعمتى  نروح ” , ثم هى تكرر الحلف مرة أخرى ” والنبى ياعمه .. عشان خاطرى ” . والمعروف أن الأقباط لايميلون إلى القسم بشكل عام , ويستخدمون ألفاظآ من طراز ” صدقنى ” . كما خلت جدران بيت المعلم سلامة من أى إشارة إلى الهوية الدينية للأسرة , وأيضآ لخليل . ولم يكن الفيلم فى حاجة للدخول إلى هذه النقطة , ولكن الأسماء التى ترد على لسان خليل تحمل التأويل , فخليل فى المشهد رق69 يشير إلى أن ” نجيب أفندى واصف جوز أختى اللى فى إسكندرية كان مواعدنى بوظيفة وهو اسم قبطى بقدر ماهو مسلم فى صعيد مصر .

لكـن هناك أفلاماً أخرىتتم الإشارة إلى الهويـة القبطية وبديعة مصابنـى ( وهى اسماء حقيقة فى التاريخ ) ومثل الخالة دميانة فىللحب قصة أخيرة ومثل ماما تريز صاحبة البيت فى سيداتى أنساتى وهناك بالطبع إشارة واضحة إلى ديانة كل منها وفريد فى فيلم ضحك ولعب وجد وحب ويبدو ذلك واضحاً من خلال اللوحات المعلقة على جداران منزل الفتاة كذلك هناك إشارة واضحة إلى أن عيسى العوام قبطى مصرى فى فيلم الناصر صلاح الدين بالأضافة إلى الأماكن التى تدور فيها أحداث أفلام أخرى مثل ” الراهبة ” .

ظهرت شخصيات قبطية كثيرة فى أفلام مصرية تشير إلى الوحدة الوطنية فى مصر وقد بدأ ذلك واضحاً فىأفلام مثل الناصر صلاح الدين وشخصية المناضلين فى بين القصرين وأيضاً شخصية القس فى نفس الفيلم ونفس الشخصية فى فيلم الزواج على الطريقة الحديثة لكمال كريم وايضاً شخصية الجنود الأقباط الذين يدفعون حياتهم من أجل أوطانهم فى الحروب ضد إسرائيل فى أفلام الرصاصة لاتزال فى جيبى والعمر لحظة وغيرها . وقد تعاملت السينما مع هؤلاء الأشخاص بشكل طبيعى بحسبان أن الأقباط جزء من نسيج المجتمع وأنه يتم تجنيد أبناء الشعب مهما كانت هويتهم شريطة اللياقة الجسمانية والعقلانية وفى داخل الوحدات العسكرية تنصهر الطبقات الاجتماعية والطائفية كافة تحت لواء الرتب يحملها كل إنسان .

والكثير من القصص التى ظهرت هذه الوحدة الوطنية تعودإلى التاريخ سواء المعاصر منه أو التاريخ القديم فعلى الرغم من أن الحملة باسم الصليب قادمة من أوربا فإن عيسى العوام القبطى المصرى حسب الفيلم يدافع عن وطنه مصر ضد الغزاة الأجانب مهما كانت هويتهم الدينية ويشارك فى تدمير مراكبهم. وقد أبرز المخرج يوسف شاهين هذه الشخصية فى الفيلم للتأكيد علىأن الوحدة الوطنية فى مصر قديمة وأنه عندما يقترب خطر أجنبى ولو باسم الصليب فإن أبناء الصليب المصريين يهبون للدفاع عن وطنهم .

ومن التاريخ الحديث كان هناك مشهد التأم فيه ابناء الهلال والصليب لمواجهة جنود الاحتلال الإنجليزى فى بين القصرين وسقط ضحاياي من الطرفين برصاص هؤلاء الجنود منهم فهى أحمد عبد الجواد وزملاؤه الأقباط وهناك مشهد فى هذا الفيلم يتصافح فيه رجل من الأزهر ، وقس ثم يخرج الاثنان لقيادة مظاهرة وطنية تنادى بالوحدة للهلال والصليب ومن التاريخ الأكثر حداثة بحسبان أن حرب أكتوبر قد صارت تاريخاً الآن اشترك فى الحرب من خلال الأفلام السابقة الذكر جنود مسلمون وأقباط ايضاً .

لم يتقدم السينما المصرية أقباط مصر كذميين بل كمواطنين يعيشون قصص حب فيما بينهم مثلماً يعيش المسلمون نفس قصص الحب بمفرداتها فإذا كانت هناك أفلام ربط فيها الحب بين مسلمين ومسيحيين فإن هناك أفلاماً أخرى قامت فيها قصص حب بين مسيحيين فقط . بدونأى تدخل من المسلمين بالمرة ولعل فيلمى ” شفيقة القبطية ” و ” والراهبة ” هما أبرز مثالين على ذلك والفيلم الأول تدور أحداثه فى مصر فى الربع الأول من القرن العشرين . أما الثانى فيدور فى لبنان . وليست هناك علاقة بين القصة التى رأيناها فى الفيلم وبين والرواية التى نشرها جليل البندارى قبل عامين من عرض الفيلم كما ليست هناك علاقة بين وقائع الراوية والتريخ الحقيقى للراقصة شفيقة القبطية فحسب مقال نشره محمد اسيد شوشة فى مجلة ” دنيا الفن ” عام 1962 فإن البندارى قد استوحى هذه القصة المكتوبة عن شفيقة القطبية من قصة كتبها شوشة عن راقصة أخرى اسمها ” توحيدة ” أخرجها البندارى ومزج بين اسم شفيقة القبطية وبين حوادث عاشتها توحيدة .

وليس مجالنا هنا المقارنة لكن لكن السيناريو الذى كتبه محمد مصطفى سامى قد اختلف تماماً عن الواقع والنص الأدبى ونحن نرى شفيقة فى قمة مجدها وليس فى بدايته مثلماً حدث فى رواية البندارى حيث يقوم الأب بطرد ابنته شفيقة بعد أن أخطأت وتضطر إلى أن تترك وحيدها عزيز بعد أن كبر فى السن طبعاً فى غرام سعاد ابنة أسعد باشا وهو عشيق والدته شفيقة وتتعرف المرأة على ابنها عزيز دون أن يعرف هويتها الحقيقية بالنسبة له .

ويحدث أن يتقدم عزيز لخطبة سعاد فيهينه والدها ويطرده وتسمع بهذا شفيقة فترد له الإهانة بأن تهينه أمام زوجته وتبعاً لهذا فإن الباشا يأمر بوضع عزيز فى السجن ويتخلى عن شفيقة ويختار خادمتها بهية عشيقة جديدة له ، بعد أن قامت هذه الأخيرة بسرقة أموال شفيقة وثروتها من الذهب وأمام صدمة سعاد العاطفية فى فشل حبها ودخول عزيز السجن فإنها تختار دخول الدير ، وترفض الأقتران بعزيز عقب هروبه من السجن أما شفيقة القبطية فإنها تسقط فى أعماق العوز والفقر وتتعاطى الكوكايين ثم تموت بين ذراعى ابنها الذى يعرف فىأخر لحظة أنها أمه .

ونحن أمام قصة قبطية فى المقام الأول أغلب أبطالها من العشاق وغيرذلك من الأقباط وليست هناك إشارة إلى أن قصة حب بين شخصية من ديانتين .. مختلفتين قد قامت هنا ولا فى فيلم ” الراهبة ” لنفس المخرج ، وأيضاً لنفس كاتب السيناريو وقد جسدت فيه هند رستم أيضاً شخصية راقصة والقصة هنا يرجع أن تكون مقتبسة من راوية فرنسية كعادة العلاقة فى النصوص التى يكتبها محمد مصطفى سامى لحسن الإمام فهدى وأختها فتاتان مسيحيتان تعيشان فى لبنان وإن كانت اللهجة فى كل اليفلم بالعامية المصرية وهما يتعرفان على المرشد السياحى عادل تعجب به هدى ولكنه ينصرف عنها إلى ويتفقان على الزواج وتنهار هدى وتمر بحالة نفسية سيئة فتتعرف على فؤاد صاحب أحد الملاهى الذى يغريها بالعمل فى الملهى وتصبح نجمة لامعة ويحاول الكثيرون كسب ودها ولكنها تضيق بحياتها وتقرر دخول الدير لتصبح راهبة وفى الفيلمين خصيصاً الأخير صور حسن الإمام شعائر الرهبنة بالتفصيل وها نحن أولاء مرة ثانية أمام قصة حب كل أطرافها من نفس الديانة دون أن يكون هناك أطراف من ديانة ثانية وغذا كانت إيفون قد دخلت الدير فى فيلم ” لقاء هناك ” بسبب فشلها فى حب عباس المسلم فإن هدى هنا تدخل الدير وتضحى بحبها من أجل أختها ونرى فى هذا الفيلم هدى قبل أن تصدم تضع الصليب على صدرها وتتبرك بتمثال للعذراء فوق الجبل كما أنها ترفض العودة للحياة الطبيعية بعد الرهينة .

وهناك فيلم ثالث لحسن الإمام كتبه أيضاً محمد مصطفى سامى حول نفس قصص الحب يحمل اسم الفنانة الشهيرة ” بديعة مصابنى ” وهى لبانية تجئ إلى مصر تعمل فى فرقة نجيب الريحانى الذى تتزوج منه ويصنع منها نجمة ذات شهرة عريضة ولكنهما لايلبثان أن ينفصلا كزوجين وتقيم هى فى غرفة خاصة بها لكنها لاتلبث أن تنهار على يدى الراقصة الجديدة ببا عز الدين مما مما يدفع ببديعة إلى أن تعود إلى لبنان بعد إصابتها بالفقر وفى مذكرات حسن الإمام التى نشرتها مجلة الشبكة أن أحمد الحاروفى – وهو متعهد حفلات قديم قد اشترى مذكرات بديعة مصابنى ودفع بها إلى حسن الإمام الذى تحمس لها واسند البطولة فىأول الأمرإلى نادية الجندى ثم إلى نادية لطفى بعد أن دب خلاف بين الممثلة والمنتج .

ومثلما هناك صليب على صدر هدى فى الراهبة فإن هناك نفس الصليب على صدر بديعة ويصور الفيلم لحظة انفصال بين الريحانى وبديعة حيث يأتى القس كى يحاول  إرجاع كل منهما عما قرر , لكن كلا الأثنين يبدو عند رأيه حتى يتم الانفصال . والمعروف أن الأقباط المصريين لايتم بينهم الطلاق بمثل هذه السهولة , لكن لأن بديعة لبنانية فإنه تم الطلاق بناء على طلب أحد الطرفين أو كليهما .

برزت الأماكن فى هذه الأفلام بما لها من قدسية عالية لدى المسيحيين فى مصر أو لبنان معآ , وقد أتضح هذا فى علاقة هدى بتمثال العذراء فوق الجبل , فهو يضاء بهالته المقدسة , وهى فى الكنيسة تقوم بمسح الأرضية , دليلآ على اندماجها فى المكان , وتقديسها له , كما أنها تهب كل حياتها للكنيسة , حيث تقوم بالتدريس لتلاميذ صغار . وهدى تزور الكنيسة من وقت لآخر , وتضع الإشارب على رأسها دليل الاحتشام عندما تفعل ذلك . كما أنها ترتدى مسوح الراهبة حين يقام حفل زفاف أختها فى نفس الكنيسة على الرجل الذى أحبته الاثنتان معا , الأخت وهدى معا , وتبدو معالم الكنيسة مليئة بالرهبة , وأدعى إلى الخشوع فى أحداث الفيلم بل فى أحداث كل الأفلام التى رأينا فيها العاشقات يخترن هذا البيت السماوى كبديل للحياة الرغدة . وقد امتزج ظهور الكنائس من الداخل والخارج بموسيقى كنيسة مهيبة , ذات دلالات خاصة فى كل من ” شفيقة القبطية” و”الراهبة”.

فى الأفلام المصرية التى يتحاب فيها شاب مسلم وفتاة مسيحية , فإن أحداث الفلم تكون حريصة تماما على ألا تقع الفتاة فى الخطيئة . ولكن فى بعض القصص التى صورتها هذه السينما بين عاشقين من نفس الديانة , فإن هناك خطيئة ما حدث بين الطرفين , حيث تزل الفتاة , ولايكون أمام الاثنين سوى الزواج . وفى فيلم ” البوسطجى ” الذى سبق أن أشرنا إلى أن الهوية الطائفية فيه لم نكن واضحة تماما , فإن جميلة قد أخطأت مع خليل الذى أخذ يراسلها ويؤكد لها أنه سوف يتزوجها . فتبعا لوضعه الاجتماعى الأجتماعى الجديد بعد الخطيئة , فإن خليلا يرحل إلى مدينة أخرى ليعمل موظفآ , و “عاوزك تكتبى لى وأنا أول ما تبعتيلى عنوان ح أكتب لك على كل حاجة ” .

ولكن هذه الرسالة تقع بين يدى البوسطجى المتلصص على أسرار الناس , ويقوم بخطأ غير مقصود , بخاتم باطن الرسالة بخاتم البريد , مما يعنى استحالة إرسالها إلى الفتاة الخاطئة التى تنتاظر الرسالة على أحر من الجمر . وينتج عن ذلك أن تفوح رائحة الفضيحة ويقوم الأب بذبح ابنته بعد أن اكتشف انتفاخ بطنها .

وفى فيلم ” ضحك ولعب وجد وحب ” رأينا واحا من شلة رباعى مدارس مصر الجديدة يحب تلميذة صغيرة , والأثنان قبطيان , هو فريد , وهى مها . وتقع الصغيرة فى الخطيئة مع حبيبها , ونتيجة لصغر سنهما فإنه من المحال أن يتزوجا. وعندما تضيق السبل بفريد , فإنه يتجه إلى عائشة , حبيبة الطلاب وعاشقة أدهم كى تجد حلا لهذا الأمر . وفى البداية تستضيف مها فى بيتها , ثم تطلب والدتها لتحادثها وتكشف لها الموقف . كما أن عائشة أو ” أش أش ” تستدعى طبيبآ ليقوم بإجهاض الفتاة . وحسب نهاية الفيلم , ومن خلال بضعة سطور مكتوبة على الشاشة نعرف أن فريدا قد تزوج من مها بعد تخرجه , وأنه دخل الجيش , واستشهد فى حرب أكتوبر . واليلم – كما هو معروف – مأخوذ عن تجربة ذاتية للمخرج طارق التلمسانى أملاها على كاتب السيناريو مجدى أحمد على , فكتبها كما رأيناها , أى أننا أمام شخصيات حقيقية مثل  ” بديعة مصبنى ” و ” شفيقة القبطية ” وإن كانت السينما قد قامت بتغيير ملامحها كما شاء لها .

تباينت مصادر هذه مصادر هذه الأفلام من حيث هى نصوص أدبية كتبها أدباء مشهورين . ففيلم ” البوسطجى ” مأخوذ من قصة ” دماء وطين ” التى نشرها الكاتب عام 1935 , وقد كتب سيناريو الفيلم كاتب قصص آخر هو صبرى موسى بالإضافة إلى أدبية أخرى هى دينا الباب . أما فيلم ” شفيقة القبطية ” فمستوحى من كتاب لجليل البندارى , هو أقرب إلى التحقيق الصحفى منه كرواية , فلم يعرف عن البندارى أنه أديب , رغم أن الكتاب تتبع حياة شفيقة منذ أن كانت فتاة معدمة تعيش فى حى شعبى , حتى مماتها بعد أن زالت عنها الأضواء . وليس فى الرواية أى إشارة إلى قصة الابن التى جاءت فى الفيلم . وكما سبقت الإشارة , فإنه لا علاقة بالمرة بين الكتاب والفيلم . أما رأفت الميهى , فقد كتب سيناريو الأفلام التى بدت فيها العلاقات بيبن أزواج مسيحيين , مثل علاقة الأم تريز بزوجها الصغير فى فيلم ” أنساتى سيداتى ” وبقية الأفلام التى أمامنا , غير مستوحاة من نصوص أدبية . ويقول حسن الإمام فى مذكراته المنشورة فى مجلة ” الشبكة ” : ” أنا مخرج ” شفيقة القبطية ” أنا حسن الإمام ” . ” فشفيقة القبطية هى أشهر بطاقاتى السينمائية فى بيروت ” .

وبرغم أنه أخرج كل هذا الكم من الأفلام , فإنه فى مذكراته كان ينوى إخراج المزيد حيث يقول : ” سافرت إلى لبنان بدعوة من مليونير يدعى رزق فوجدته قد حجز لى شقة فى عمارة بلدزلار وأسند لى قصة كرسى الاعتراف بعد تعريبها فسميتها الهلال والصليب وكانت قصة حب بين مسلم ومسيحية وما إن انتهيت من الفيلم حتى سسمعت نشرة الأخبار فى الراديو وغذا بها الحرب حرب عام 1967.

وليست لدينا أىمعلومات عن هذا الفيلم برغم أنالأمام يشير إلى أنه انتهى منه وهو فيلم لبنانى غير موجوج فى قائمة المخرج اللبنانية أو المصرية أى أن هذا النوع كان شاغل حسن الإمام فىتلك الفترة من الستينات وقد قوبل بخاصة فى لبنان بعروض الأفلام أخرى من نفس النوع حتى إن فيلمه ” بديعة مصابنى” الذى قدمه فى منتصف السبهينات كانت أحداثه على الأقل بداياته تدور فى لبنان ايضاً .

أما رأفت الميهى فقد اظهر هذه الشخصيات فى أفلامه بكل وضوح بداية من للحب قصة أخيرة ومن خلال شخصية دميانة يكشف لنا الكاتب كيف تتمتع بإيمان قدرى خالص فنراها تعتقد أن السيدة العذراء قد قامت بمعالجة ؤفعت الذى يعيش سعيداً مع زوجته سلوى وهو مصاب بمرض عضال يجعله ينتظر نهايته المحتومة كما نراها وسط الجميع تدعو للتلاوى وهو علىغير دينها ويقول مدحت محفوظ فى مقاله المنشور بنشرة نادى سينما القاهرة :وحين نصل لمشهد جنازة دميانة فإننا نكون قد وصلنا للذروة وليس غريباً أن يكون الموت محور أكثر وأهم مشاهد الفيلم ومركز أكبر وأهم التحولات الدرامية لأبطاله ولا أكاد أصدق أن هناك من رأى فيه طولا زائداً. وصحح أنه طقوس كاملة لجنازة ميسحية لكن هذه الطقوس بل والموت نفسه ليساً إلا خلفية لتأملات حافلة وعديدة ومتشابكة امتلأت بها المقدمة وأسهمت فيها الصورة السينمائية بثراء كثيف حقاً وتضافرت مع الدراسات وشريط الصوت ووصلت فى مجملها لحد لإثارة وليس أقل من هذا الوصف .

وفى وسط عالم شبه فنتازى فى فيلمه سيداتى انساتى فإنه يصور ماما تريز بعيداً عن أى شكل فنتازى تقريباً فهى أرملة غاب عنها زوجها منذ أكثر من ربع قرن وفى لحظة تنوير تكتشف أنها تعيش وحيدة فى هذه الحياة فتقرر أن تتزوج من شباب صغير يتسم بالطيبة والبراءة النادرة ويصورها لنا الفيلم تضع إيشاربا على رأسها ويقول كمال رمزى فى مقال له عن الفيلم بمجلة فن وهذه الزيجة التى قد تبدو غريبة من الوهلة الولى تتمتع فى الفيلم بمنطق خاص فالشاب المقلس مثله قطاع كبيرمن الشباب من العسير أن يجد زوجة تماثله سناً ، كما أن الأرملة تملك مالا، ومكاناً لكنها لاتتمتع بزوج والصفقة ليست مادية ففيها جانب آخر فهى تمنحه قدراً من الحنان مقابل قدر من الأمان” فكرة تريز ” العجينة تلهم الإنسان بفكرة أكثر جنوباًفكرة بدورها لها منطقها الخاص فهى تراعى عدم تنازل الموظفات عن حقوقهن بل تجعلهن أكثر قدرة على الحرية والتصرف فيقررن أن يتزوجن رجلا واحداً وأن تكون العصمة فى ايديهن وأن يعشن جميعاً فى شقة بمنزل ماما تريز .

وليست هناك مخرج أخر من كل هذه الأجيال قدم مثل هذه الأجواء فىأفلامه بنفس القدر الذى رأيناه عند حسن الإمام ورأفت المبيهى ويعد ” ناصر صلاح الدين ” هو الوحيد من بين هذه الأفلام الذى قدمه مخرج مسيحى باعتبار أن أكثر هذه الأفلام من تأليف وإخراج مسلمين وقد كان من المفروض أن يقوم بإخراج هذا الفيلم عز الدين ذو الفقار ولكن مرضه حال دون ذلك فأسندت أسيا إخراج الفيلم إلى شاهين الذى لم يكن قد قدم من قبل فيلماً بمثل هذه الضخامة والذى قام بتعديل بعض من السيناريو جسماً جاء على لسان محمد الشربينى فى كتابة بالفرنسية حول شاهين والفيلم يتحدث عن الحملتين الصليبيين الثانية والثالثة وفى هذه الحقبة فإن صلاح الدين قد حقق نصره على الصليبييين فى الإسكندرية ويعد نفسه لتحرير القدس التى احتلها المسيحيون ويصور الفيلم كيف قام رينو الفرنسى بذبح حجاج بيت الله الحرام وهم فى طريقهم إلى مكة وقد عارض هذا الموقف ملك القدس الذى منحهم الأمان ولذا تحصن صلاح الدين فى جبال حطين وهاجم رينو الفرنسى وقواته فى معركة فاصلة استولى بعدها على مدينة القدس وكان عليه أن يواجه حملة جديدة ينظمها ريتشار قلب الأسد ملك الإنجليز بمساعدة الملك الفرنسى فيليب أوجست وقد قررا استعادة القدس بأى ثمن .

فى البداية وحسب موضوع الفيلم حقق الصليبيون انتصارا فى عكا بفضل خيانة محافظها والذى قام بتسليم المدينة إلى الغزاة وهنا طلب مدينة القدس إلى الصليبيين وأيضاً كل الممالك الأخرى التى كان يحكمها المسيحيون ولكن العرب لم يتوقفوا عن المقاومة برغم أن الصليبيين حققوا بعض الانتصارات السريعة مما دفع بصلاح الدين إلى إعداد خطة محكمة ليجذب أعداءه إلى قلب الصحراء المؤدية إلى مدينة القدس وقد نجحت أسلحة العرب الخفيفة فى أن تصد وتنتصر على أسلحة الصليبيين الثقيلة والشديدة البطء مما أدى إلى انقسام المعسكر المسيحى وفى وسط هذه الأجواء انضم المقاتل المسيحى عيسى العوام إلى جيش صلاح الدين ورغم حبه للوزير إحدى الفرنسيات من الجانب الآخر فإنه كعربى مسيحى قرر البقاء إلى جوار صلاح الدين يدافع عن وطنه .

ولقد قام ريتشارد قلب الأسد بإعادة الملك الفرنسى إلى بلاده كى يعقد هدنة مع العرب لكن فيليب أوجست اتفق مع كونراد على استكمال المجابهة ضد ريتشارد الذى كان عليه أن يحج إلى القدس التى أقام بها صلاح الدين وجيوشه ويصاب الملك بسهم ويحاول بعض أعوانه إقناعه بأن هذا السهم عربى ولكن هذا لميمنع أندلاع الحرب من جديد ويكتشف شخص يسمى الدمشقى أن هناك سائلا قابلاللاشتعال يمكنه أن يدمر ابراج الصليبييين فيقرر عيسى العوام أن يساعد الدمشقى فى الوصول إلى القدس حيث يمكنه إعداد السائل القابل للاشتغال وينجح العوام فى أن يفعل ذلك وبعد المعركة الفاصلة يقرر ريتشارد العودة إلى بلاده بعد عقد معاهدة صلح مع صلاح الدين ويعده أن يعود فى العام القادم إلى القدس كحاج بينما تقرر لوزيرا أن تعود للزواج من عيسى العوام .

وقد اخترنا أن يؤكد على هذه القصة التاريخية من أجل إثبات كيف أكدت السينما على وطنية العرب مهما كانت هويتهم الدينية فلقد غامر العوام بالسباحة تحت الماء من أجل إحضار الدمشقى ولاشك فىأنه كان عاملاً حاسماً فى المعركة بأن تميل الكفة فى النهاية لمصلحة العرب .