الشعر في قطر علي امتداد مائة سنة ……. حسن توفيق

الشعر في قطر علي امتداد مائة سنة

من الاستسلام للتقليد إلي المبالغة في التجديد

حسن توفيق *

إذا كان علماء الجيولوجيا يدرسون – ضمن تخصصاتهم – مراكز الزلازل وامتدادتها وتوابعها ، فإننا نستطيع الحديث عن مراكز الحضارات الإنسانية ومناراتها وإشعاعاتها التي تنطلق من المراكز إلي المناطق المحيطة بها ، فإذا انطلقنا إلي التخصيص ، نستطيع القول إن لحركات النهضة الثقافية والأدبية ، قديماً وحديثاً ، مراكز تنطلق منها بقوة ،وامتدادات تتأثر بها ، وإن تفاوتت درجات التأثر ما بين امتداد وآخر .

فيما يتعلق بالنهضة الأدبية العربية الحديثة ، يمكننا الإشارة إلي مركز رئيسي انطلقت علي أرضه تلك النهضة ، وهو مصر العربية ، حيث تضافرت جهود الروادج المصريين والمتمصرين وأبناء الشام الذي وفدوا وهاجروا من الشام . بمعناه الواسع – إلي مصر ، ونذكر علي سبيل المثال جهود رفاعة الطهطاوي والذين أتوا من بعده ، ومنهم مصريون ومتمصرون وشوام ، ومن المركز الرئيسي – مصر – ومعه الشام ذاتها والعراق ، امتداد إشعاعات النضهة الأدبية العربية الحديثة ، لكن درجة الاستجابة في الامتدادات المختلفة كانت متفاوت ، ما بين استجابة سريعة أو متمهلة حذرة أو بطيئة متخوفة .

حين ننتقل إلي منطق الخليج العربية فإننا نجد أن الحدود القائمة الآن بين دولها لم تكن واحدة في درجتها نتيجة عوامل وأسباب مختلفة ، فالبحرين – مثلاً – كانت الأسرع والأبق في الاستجابة ،وتلتها الكويت أما بقية المنطقة الخليجية فإن الاستجابة فيها للإشعاعات القادمة كانت إما متمهلة حذرة أو بطيئة متخوفة ، وهذا هو شأن قطر ، وقد اشار إلي هنا كثيرون ممن درسوا هذه الظاهرة – درجة الاستجابة ، ومن هؤلاء د. ماهر حسن فهمي و د. محمد عبدالرحيم كافود و د . يوسف حسين بكار ومبارك راشد الخاطر (1) ، حيث يقول الأخير : … إن البحرين والكويت كانا أكثر فاعلية في تلك العلاقات لما لهما من سبق من تلقي حركة النهضة العربية الحديثة وخاصة علي صعيد الثقافة والتعليم والأدب والفن منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي والتعامل معها في إثرائها بالمساهمة في مبادراتها الثقافية الجديدة آنذاك (2) .

من هذا المنطلق ، يمكن رصد مسيرة الشعر العربي في قطر ، وقبل هذا الرصد لابد من التأكيد علي وصف الشعر بأنه العربي الفصيح ، لأن هذا الشعر جاء تالياً في الظهور للشعر النبطي ، وما يزال هذا الشعر النبطي إلي الآن يحظي برعاية كبيرة من قبل أفراد مؤثرين في مجتمعاتهم ومن جانب مؤسسات متعددة بعضها حكومي لأسباب مختلفة ، لكن هذه الظاهرة ليست محصورة بالطبع في نطاق قطر وحدها بل في سائر دول منطقة الخليج العربي ، ولعل هذا هو السبب الذي دفع الدكتور محمد عبدالرحيم كافود لأن يخصص فصلاً كاملاً عن الشعر النبطي ، في كتابه الرائد والأدب القطري الحديث ، وفي مقدمة هذا الفصل يبدو كأنه يعتذر عن إقحامه له في كتابه ، حيث يقول: قد يكون هذا الفصل دخيلاً علي بحثنا ، الذي يهتم بدراسة الأدب الفصيح والتأريخ له ، إلا أنه نظراً لكثرة هذا الشعر وانتشاره في قطر وخاصة في المرحلة الأولي رأيت أن أخصص له هذا الفصل .. ” (3) .

الراصد لمسيرة الشعر العربي في قطر يستطيع أن يلاحظ – بكل وضوح – ظاهرة الاستسلام المطلق لتقليد نماذج الشعر العربي التراثي القديم في بدايات تلك المسيرة ،ومن الاستسلام المطلق في البدايتا إلي الاندفاع الشديد نحو الإيغال في الحداثة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، وهذا ما يجعلني أستعير من السياسة والاقتصادة مصطلح سياسة حرق المراحل ، لأنه المصطلح الأكثر توافقاً وانطباقاً علي النماذج الحديثة ، حيث نجد علو شأن ” قصيدة النثر ” والتركيز علي نقدها وتحليلها في الصحف التي تنشرها ، وذلك بعد إن كان هناك تدرج هادئ في الانطلاق من الاستسلام للتقليد إلي المزاوجة ما بين القصيدة العمودية ذات الروح المعاصرة وقصيدة الشعر الحر علي يد الشاعر الرائد الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني .

ونبدأ الآن برصد مسيرة الشعر العربي في قطر انطلاقاً من بداياتها المستسلمة للتقليد والتي يحددها الدكتور محمد عبدالرحيم كافود بأنها تمتد ” .. من أوائل القرن التاسع عشر وحتي منتصف القرن العشرين ، وهي مرحلة أتسم فيها الشعر بالجمود والركود ، وغلبة الروح التقليدية عليه من الناحية الفنية والموضوعات (5) .

وحين يتحدث مؤرخو الأدب في قطر ونقاده عن البدايات المبكرة ، فإنهم يشيرون إلي عبدالجليل الطباطبائي ومحمد بن عيثمين ، كما يشيرون إلي الأثر الذي تركه محمد بن عثيمين في تكوين الشعراء محمد حسن المرزوقي وعبد الرحمن بن درهم وعبدالرحمن بن صالح الخليفي وأحمد يوسف الجابر .

والحقيقة أن دور كل من عبدالجليل الطباطبائي ومحمد بن عثيمين دور محدود للغاية ، ولم يكن لهما تأثير حقيقي ملموس علي الشعر العربي في قطر ، وكل ما فعله الطباطبائي – مثلاً – أنه لفت الأنظار إلي الأشعار الفصيح لكنه لا ينتسب إلي قطر وحدها ، فقد .. عاش حول منتصف القرن التاسع عشر ، وتنقل بين البصرة حيث نشأته ، والزيارة بقطر حيث تزوج . والبحرين حيث مدح ، والكويت حيث مات ، فهو شاعر ينتسب إلي الخليج كله لا إلي منطقة بعينها ، ولم تكن الحدود والقيود قد تحددت بشكل واضح في ذلك الوقت (5) .

ماجد بن صالح الخليفي هو أول شاعر قطري بكل معني الكلمة ، وقد ولد سنة 1873 ورحل عن عالمنا سنة 1907 ، وهو الشاعر الوحيد بين كل شعراء قطر فيما يتعلق بالمغامرات الحياتية وخوض الأهوال والجرأة والإقدام ، علي نحو ما يتبين لمن يقرأ مقدمة ديوانه ، التي كتبها جامعة يوسف بن عبد الرحمن الخليفي ، والواقع أن قسماً كبيراً من قصائد ديوان ماجد بن صالح الخليفي من الشعر النبطي ، أما قصائد الفصحي فإنها حافلة بكل مظاهر التقليد ، فضلاً عن ضعف لغتها وركاكة صياغتها ، ونحن هنا لا نظلمه ، خاصة أن ظروف عصره ، وظروفه الحياتية لم تتح له فرصة التعرف علي جوهر الشعر والاستفادة الحقيقية البعيدة عن التقليد من قصائد تراثنا العربي العريق ، وقد عاش حتي السنوات السبع الأولي من القرن العشرين ، وهو يعد أحد الرواد الاوائل في مسيرة الشعر العربي في قطر ، كما أن شعره يمثل المرحلة المبكرة غير الناضجة من مراحل التطور التي كان لابد منها لكي ينطلق من بعده شعراء قطر جيلاً وراء جيل (6) .

حين ننتقل من المرحلة المبكرة غير الناضجة إلي المرحلة التالية لها ، وهي المرحلة التي ، تمثل بداية نهضة حقيقية للشعر في قطر (7) ، فإننا نجد أن صوتين شعريين قويين وتقليديين هما اللذان يمثلانها خير تمثيل .

أحدهما من أبناء قطر ، والثاني عاش ما يقرب من نصف عمره في قطر ، بعد أن انتقل إليها من البحرين ، الأول هو أحمد بن يوسف الجابر ، والثاني هو عبدالرحمن بن قاسم المعاودة .

لم يهتم أحمد بن يوسف الجابر بجمع شعره في ديوان فتكفل بهذه المهمة كل من الدكتورين يحيي الجبوري ومحمد عبدالرحيم كافود ، وقد صدر الديوان سنة 1983م ، أي خلال حياة الشاعر ، وفيما يتعلق بالملامح الواضحة التي دارت في فلكها قصائد الديوان تلكب المدائح التي كتبها الشاعر للأمراء الذين تعاقبوا علي الحكم في قطر ، إلي جانب المناسبات الدينية والوطنية العامة وقد اقتصرت المناسبات الوطنية علي ما عرفته قطر وحدها باستثناء قصيدة واحدة خصصها أحمد بن يوسف الجابر لرثاء الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر ولا يتضمن الديوان ولو قصيدة غزل واحدة ، وذلك تحرجاً من الشاعر أن يتغزل في حين أنه يؤم المصلين ويخطب الجمعة ، وفي هذا السياق أشار أحمد بن يوسف الجابر إلي ابتعاده عن شعر الغزل ، قائلاً لا أتغزل ، وإن كنت أعرف الغزل وأطرب له وأعرف جيدة من رديئة ، ولكني لا أقول الغزل ، لأن مركزي الذي أنا أعيش فيه لا يتقبل غزل ولو بحرف واحد لأني إمامومحدث وقارئ وكاتب وخطيب جمعة وجماعات وأعياد … (8) .

أما عبدالرحمن بن قاسم المعاودة فإنه قد مر بمرحلتين حاسمتين في الحياة وتحولين كبيرين في الشعر ، فقد ولد في المحرق بالبحرين سنة 1911 وعرف بأنه شاعر ثائر علي مجمل الأوضاع العربية ، لدرجة أنه كتب قصيدة حادة عن الجامعة العربية بعد إنشائها مباشرة سنة 1945 ، وفيها يطالب العرب بألا يكتفوا بالقول ،وإنما يقرنوا الأقوال بالأعمال :

تمخضت عن فأر فلا كنت ياجبل

ولا جادك الغيث الهتون إذا هطل

بني العرب ما قول لديكم بدافع

إذا لم يؤيد منكم بعد بالعمل

وجامعة في مصر للعرب أصبحت

لها صوتها الداوي ولكن بلا عمل (9)

لكن جذوة الثورة ما لبثت أن خمدت شيئاً فشيئاً في نفس الشاعر ، بعد أن طابت له الحياة في قطر منذ أوائل الخمسينيات ، حيث اهت – بصورة أكبر من ذي قبل – بنظم قصائد المديح ونظم الخواطر والتأملات الحائرة في مصر الإنسان ، وهكذا أصبح يلقب في قطر شاعر القصر ، بعد أن كان يلقب – فيما مضي – وهو في البحرين ” شاعر الشباب ” تماماً مثلما كان أحمد رامي يلقب في مصر ، وقد عاش المعاودة خمساً وثمانين سنة ، توزعت ما بين البحرين وقطر ، ولهذا السبب فإن الباحثين من الدولتين يدرسونه ، ويتنازعون علي نسبته ، وقد رحل عن عالمنا يومو 18 مايو سنة 1996 ، وفي لقاء مسجل وحيد (10) ، أكد المعاودة أن مثله الأعلي في الشعر هو المتنبي ومثله الذي كان يحذو حذوة في المسرح الشعري هو أحمد شوقي ، وبكل أسف فإن مسرحيات المعاودة الشعرية ما تزال تائهة حتي الآن ، ولم تبق منها سوي عدة مشاهد لا تكفي للتعرف علي بنائها الشعري والمسرحي ، أما تأثيره علي شعراء قطر ممن جاؤوا بعده وممن عاصروه ، فإنه تأثير ملحوظ وواضح .

يمكننا أن نرجع حركة التجديد الحقيقية التي أحدثت نقلة جادة في الشعر العربي في قطر إلي الشاعر الرائد الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني ، فهو الرائد الأول لحركة الشعر الحر في قطر بغير منازع وهو رائد كتابة المسرحية الشعرية وإن كان قد اكتفي بنص مسرحي واحد ولم يتابع مسيرة الرياد في هذا الفن ، ولو تذكرنا – كما قلت من قبل – أن الاستجابة لإشعاعات النهضة الأدبية العربية الحديثة لم تكن واحدة في درجتها، فإننا لن نندهش حين نقارن مثلاً بين بدايات حركة الشعر الحر في كل من مصر والعراق وقطر ، فمن مصر كتب أحمد زكي أبوشادي قصيدة الشعر الحر سنة 1926 وهي السنة التي ولد فيها بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري في العراق ، وتتابعت نماذج الشعر الحر في مصر علي أيدي خليل شيبوب وعلي أحمد باكثير ولويس عوض ، لكن هذه النماذج لم تشكل تياراً شعرياً سائداً وقتها ، أما في العراق فقد ظهرت حركة الشعر الحر علي يد بدر شاكر السياب سنة 1947 ثم نازك الملائكة بعده بقليل ، ومن بعدهما جاء بلند الحيدري ، وعبدالوهاب البياتي ، بينما نجد أن مبارك بن سيف آل ثاني قد كتب قصيدة الشعر الحر في أوائل السبعينيات ، لكنه لم ينشرها إلا في أواسط السبعينيات علي صفحات مجلة ” الدوحة ” المحتجبة فيما بعد(11).

وبالطبع فإن مبارك بن سيف آل ثاني لم يقصر نتاجه الشعري علي قصيدة الشعر الحر ، فقد ظل منذ بداياته وإلي الآن يوازي بين القصيدة العمودية البناء وقصيدة الشعر الحر ، تاركاً لتجربته الشعرية أن تختار الشكل الذي تنبثق من خلاله .

أما الشاعر الذي بقي مخلصاً دون تردد للقصيدة العمودية ، فهو الدكتور حسن النعمة وعلي الرغم من كونه شاعراً غزير العطاء فإنه لم يهتم حتي الآن بجمع شعره في ديوان ، ولهذا فإن قصائده تظل متناثرة علي صفحات الجرائد وبالذات جريدة الراية ، وينطلق الدكتور حسن النعمة انطلاقه رحبة في آفاق الشعر بجوهره الأصيل من خلال موهبته الفنية الكبيرة وثقافته الموسوعية والشاملة ، كما يتميز بنفس ملحمي ملحوظ ، ويتجلي هذا في قصائده الوطنية العديدة ، مثل قصيدته عن سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي كرمه الله وقصائده العديدة عن فلسطين العربية الواقعة في قبضة الصهاينة منذ 15 مايو سنة 1948 وقصيدته الرائعة ” وعدنا ياقدس ” (12) .

تعمدت أن أذكر كلا من الشاعر الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني والشاعر الدكتور حسن النعمة قبل أن أذكر الشاعر الشيخ علي بن سعود آل ثاني رغم أنه من جبل سبقيهما ، وذلك لأن الشعراء التاليين له والذين يصغرونه عمراً قد بدأوا مسيرتهم الشعرية ونشروا قصائدهم أو ألقوها في أمسيات الشعر قبله ، أما الشاعر الشيخ علي بن سعود آل ثانيب ، فقد كان ينظم الشعر لمتعته الفنية وحدها ولم يكن يطلع أحداً خارج دائرة أصدقائه علي قصائده إلي أن أقنعة ناصر محمد العثمان – عندما كان رئيساً لتحرير الراية – أن ينشر هذه القصائد فاستجاب الشاعر منذ سنة 1983 ، ثم تحمس شيئاً فشيئاً إلي أن أصدر ستة دواوين ، قبل أن يرحل عن عالمنا يوم 5 يوليو 1999 والقارئ لهذه الدواوين يدرك علي الفور ودون جهد أن صاحبها يترسم خطي شعرائنا العرب القدامي ، ويحلو له في كثير من الأحيان أن يختار من قصائدهم ما يقوم بمعارضتها (13) .

وتنطلق مسيرة الشعر في قطر علي أيدي مجموعة من الشعراء الذين بدأو مسيرتهم بعد مبارك بن سيف آل ثاني وحسن النعمة ، حيث نلتقي مع الشعراء علي ميرزا محمود ومحمد بن خليفة العطية والدكتور محمد قطبة وعبد الله محمد جابر وخالد عبيدان كما نلتقي مع الشاعران حصة العوضي والدكتورة زكية مال الله وسعاد الكواري وأخيراً الدكتورة كلثم جبر .

يتميز علي ميرزا محمود بأنه لم يتعصب لشكل شعري دون سواه ، ويضم ديوانه من أحلام اليقظة ، قصائد عمودية وأخري من الشعر الحر ، وكلها قصائد تؤكد أن صاحبها شاعر متمكن وأصيل ، أما محمد بن خليفة العطية فإنمه كان منحازاً تماماً للقصيدة العمودية كما يتضح لمن يقرأ ديوانه الأول ” مرآة الروح ” إلي أنه انطلق لكتابة الشعر الحر دون أن يهجر القصيدة العمودية ، وكانت أولي قصائده التي تنهج الشعر الحر قصيدة ” طارق الشعر ” التي نشرت عدة مرات ، ونالت استحسان كثيرين من النقاد والمتابعين (14) ، أما الدكتور محمد قبطة الذي رحل عن عالمنا يوم 3 مارس سنة 2001 فكان منحازاً إلي القصيدجة العمودية بصورة لا لبس فيها ، وديوانه الوحيد ” مشاعل ومشاعر ” خير دليل علي هذا ، وكان الشعر عنده رسالة تمتزج فيها قضايا العروبة مع قضايا الإسلام والمسلمين ، ومن هنا تعلو في قصائدة نغمة المباشرة التي لم يكن هو ينفيها عن هذه القصائد (15) .

وفيما يتعلق بعبد الله محمد  جابر فإنه شاعر رومانسي ،نشر العديد من قصائده في مجلة “الدوحة ” قبيل احتجابها ، ثم اصدر ديوانه الوحيد ” حبيبتي ” الذي يحفل بأجواء الرومانسية الفردية لا الجماعية ، وربما لهذا السبب فإن تجربته الشعرية توقفت بعد أن جف نبعه الإلهام الرومانسي ، أما خالد عبيدان فإنه شاعر غزير العطاء ومتمكن من لغته بصورة لا نعهدها إلا عند القليلين من ابناء جيله ، وكانت بداياته من ناحية الشكل مع القصيدة العمودية ، لكنه – منذ نحو أربع سنوات – أخذ يكتب قصيدة الشعر الحر التي يهتم فيها بالثراء الموسيقي بحكم قرائاته المتعمقة لروائع التراث العربي وإيمانه بأن القصيدة التي تهجرها الموسيقي لا علاقة لها بفن الشعر (16) .

حين نشير إلي الشعر الذي تكتبه المرأة – الشاعرة في قطر ، لابد أن نشيسر أولاً إلي حصة العوضي باعتبارها شاعرة رائدة ومتمكنة في آن واحد ، ومن ناحية الشكل الفني فإن القارئ لديوانيها ” كلمات اللحن الأول ” و ” ميلاد ” يدرك أن معظم قصائد هذه الشاعرة يندرج في إطار الشعر الحر ، بينما يجد القصيدة العمودية عندها تحتل مكانة متواضعة ، وبشكل عام فإن شعر حصة العوضي هو الأقرب في الوصول إلي المتلقي من سواها ، ولكن النقاد ، فيما يبدو – قد ظلموا هذه الشاعرة الرائدة ،فلم يهتموا بالقدر الكافي بتقييم تجربتها الشعرية ، ويبدو أيضاً أن الشاعرة ذاتها قد أسهمت دون قصد في الظلم الذي لحق بها ، لأنها متنوعة الاهتمامات فلديها كتب عديدة نثرية وشعرية مخصصة للأطفال ، كما أنها تكتب القصة القصيرة ولها مجموعة قصصية بعنوان البدء من جديد (17) .

أما الشعرة الدكتورة زكية مال الله فإنها الاسم البارز في الساحة الثقافية القطرية، ولها حضورها في العديد من الملتقيات والمهرجانات الأدبية العربية ، وقد أخلصت لفن الشعر بغير حدود ، أصدرت العدد الأكبر من الدواوين قياساً إلي كل شعراء قطر ، حيث أصدرت حتي الآن تسعة دواوين أولها في معبد الأشواق الآن تسعة دواوين أولها في معبد الأشواق سنة 1985 ، وأحدثها نزيف الوقت سنة 2000 ومن بين هذه الدواوين ديوان واحد يضم مجموعة من القصائد المكتوبة باللهجة العامية القطرية وهو ديوان ” أصلج ذهب ” وحين ننظر إلي قصائد الدكتورة زكية مال الله من ناحية البناء الموسيقي ، فإننا نجدها في البداية توازن بين شعر المقطوعات الرومانسية وقصيدة الشعر الحر ، إلي أن اتجهت – بقوة – إلي كتابة قصيدة النثر (18) .

وفيما يتعلق بالشاعرة سعاد الكواري ، فإن بدايتها الأدبية كانت مع فن القصة القصيرة ، ولها عدة قصص ، نشر معظمها باسم مستعار في جريدة الراية القطرية ، ثم انطلقت إلي كتابة الشعر الحر لفترة محدودة إلي أن اتجهت – بحماسة فائقة – إلي ” قصيدة النثر ” وقد أصدرت حتي الآن عدة دواوين أولها “تجاعيد” سنة 1995 ولم تكن روحي سنة 2000 ووريثة الصحراء سنة 2001 ، وهي الشاعرة التي ينطبق عليها الإبغال في التجديد والحداثة وكأن ما تكتبه رد فعل لظاهرة الاستسلام للتقليد في بدايات مسيرة الشعر العربي في قطر .

ونبقي الدكتورة كلثم جبر التي تعرفها الساحة الثقافية القطرية والخليجية والعربية باعتبارها كاتبة مبدعة ومتألقة في القصة القصيرة منذ أواسط السبعينيات ، ومما تتميز به قصصها القصيرة لغتها الشفافة المرهفة التي تقترب في كثير من الأحيان من لغة الشعر ، لكنها ابتداء من سنة 2000 دخلت تجربة كتابة الشعر ونشرت العديد من قصائدها ، وكلها مستوحاة من تجربة حياتية أليمة ومؤثرة ، وتنتمي بعض هذه القصائد – موسيقياً – إلي القصيدة العمودية الخارجة من إسار التقليد ، كما ينتمي بعض منها إلي الشعر الحر ، وبصورة عامة ، فإن قصائد الدكتورة كلثم جبر لقبت استجابة تلقائية ، وتجاوب معها النقاد والمتلقون علي حد سواء ، ونظراً لنضج هذه القصائد فنياً وموضوعياً فإن السؤال الذي لم تجب عليه الشاعرة كلثم جبر هو هل كانت تكتب الشعر منذ فترة طويلة دون أن تنشره ، أم إن ما نشرته من وحي التجربة الحياتية الأليمة يمثل بدايات انطلاقها لكتابة الشعر (19) .

من خلال هذه الصورة السريعة والمجملة لمسيرة الشعر العربي في قطر نستطيع القول أن عمر هذه المسيرة بشكلها الناضج يزيد قليلاً علي نصف قرن ، أي منذ بدايات الخمسينيات من القرن العشرين – الماضي وحتي الآن ، ولكن يبقي أن أشير إلي ظاهرة ملموسة وواضحة ومع هذا فإن النقاد في الخليج العربي لا في قطر وحدها يتجاهلونها ويغفلونها وإذا تحدثوا عنها فإنما يتحدثون علي استحياء وتتمثل هذه الظاهرة في وجود عدد من الشعراء العرب – غير الخليجيين ممن يعملون في الدول الخليجية ، وبعضهم تجاوزت إقامته فيها ما يزيد علي خمس وثلاثين سنة ، وقد أصبحوا يشكلون بنتاجهم الشعري جزءاً من الساحة الثقافية في دول الخليج العربية ، ورغم هذا فإن مؤرخي الأدب ونقاده يغفلون نتاجهم ولا يدرسونه إلا باعتباره نتاجاً وافداً وطارئاً – وهنا أشير – فيما يتعلق بقطر – إلي الشاعر معروف رفيق محمود الذي ينتمي إلي عائلة من الشعراء الذين ولدوا في فلسطين وعلي سبيل المثال ، فإن عم معروف رفيق محمود هو الشاعر الفلسطيني الشهير والشهيد عبدالرحيم محمود ، صاحب القصيدة الشهيرة التي يرددها حتي الآن كثيرون من أبناء العروبة، وهي قصيدة :

سأحمل روحي علي راحتي

وألقي بها في مهاوي الردي

فأما حياة تسر الصديق

وإما ممات يغيظ العدي (20)

يقيم معروف رفيق محمود في قطر منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة ، كما أنه يحمل الجنسية القطرية ، ومع هذا فإن نتاجه الشعري – وهو غزير ومتنوع – لا يدخل في نسيج الشعر العربي في قطر من وجهة نظر عدد من النقاد ، رغم أن له ديواناً كاملاً بعنوان قطر علي شفة الوتر (21) .

أخيراً فإن الهدف من أية مختارات شعرية يتمثل في رسم صورة عامة ومجملة ، لكنها سريعة للمشهد الشعري ، لكنها بالطبع لا تغني من يود أن يستزيد ، وقد كان هذا هو هدف مخارات شعراء قطر ، والتي تضم لأول مرة شعراء لم تكن لهم أية قصائد تمثلهم في المختارات السابقة التي صدرت من قبل ، مثل مجلد ( مختارات من الشعر العربي الحديث في الخليج والجزيرة العربية ) الذي صدر عبن مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري سنة 1996م(22).

الهوامـش :

1-  راجع تطور الشعر العربي بمنطقة الخليج للدكتور ماهر حسن فهمي ، والأدب القطري الحديث ، للدكتور محمد عبدالرحيم كافود ومحاضرة مبارك الخاطر ” بواكير العلاقة الثقافية والتعليمية والأدبية بين بلاد الشام والخليج العربي ، ضمن كتاب دورة الأخطل الصغير – أبحاث الندوة ووقائعها ، وكتاب العين البصرية – قراءات نقدية ،للدكتور يوسف حسين بكار .

2-    محاضرة مبارك الخاطر المشار إليها سابقاً – ص 685 .

3-    د. محمد عبدالرحيم كافود – الأديب القطري الحديث ص 281 .

4-  د. محمد عبدالرحيم كافود – الشعر العربي المعاصر في قطر – ضمن المجلد السادس من معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – ص 362 .

5-    د. ماهر حسن فهمي – تطور الشعر العربي الحديث بمنطقة الخليج –ص26.

6-  حسن توفيق – من أعلام الشعر في قطر – ملف القرن العشرين – ملحق جريدة الراية القطرية – عدد 28 ديسمبر 1999م .

7-  د. محمد عبدالرحيم كافود – الشعر العربي المعاصر في قطر – ضمن المجلد السادس من معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – ص 364 .

8-  راجع ديوان أحمد بن يوسف الجابر – مقدمة د. محمد عبدالرحيم كافود – ص 18 وراجع أيضاً من أعلام الشعر في قطر –ملف القرن العشرين –ملحق جريدة الراية القطرية –عند 29 ديسمبر 1999.

9-    راجع نص القصيدة في ديوان لسان الحال – عبدالرحمن بن قاسم المعاودة- ص 74 .

10-       نشر قسم كبير من هذا اللقاء المسجل الوحيد مع الشاعر عبدالرحمن بن قاسم المعاودة ضمن مقال لحسن توفيق – جريدة الراية القطرية عدد 20 مايو 1996م .

11-       راجع قصيدة سفن الغوص البائسة – مارك بن سيف آل ثاني – مجلة الدوحة – عدد يناير 1976 وفي ديوان الليل والضفاف – مبارك بن سيف آل ثاني – ص 37 .

12-       راجع قصيدة ” وعدنا قدس ، د. حسن النعمة –جريدة الراية القطرية –عدد 24 يوليو 1999.

13-       لمزيد من التفصيل راجع دواوين علي بن سعود آل ثاني وراجع مقال حسن توفيق عن الشاعر في جريدة الراية القطرية عدد 7 يوليو 1999 ومقال إعلام الشعر في قطر ضمن ملف القرن العشرين – ملحق الراية – عدد 1 يناير 2000 م .

14-       نشرت قصيدة طارق الشعر في الراية القطرية والشرق القطرية وإصدار كتاب في جريدة ، شعر من الخليج كما أنها تتصدر ديوان الثاني الجديد ذاكرة بلا أبواب .

15-       راجع مقدمة ديوان مشاعل ومشاعر للدكتور محمد قطبة وراجع كذلك قصيدة لماذا أقول الشعر – ص 19 من الديوان .

16-       راجع ديوان خالد عبيدان الذي صدر عن المجلس الوطني للثقافة في قطر بعنوان ، سحابة صيف شتوية ، سنة 2001.

17-       راجع مقال حصة العوضي هل ظلمها النقاد أم ظلمت نفسها ؟ – حسن توفيق – جريدة الراية القطرية – عدد 3 أبريل سنة 2001.

18-       د. محمد عبدالرحيم كافود – الشعر العربي المعاصر في قطر – ضمن المجلد السادس من معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين ، ص 375 .

19-       نشرت الدكتورة كلثم جبير أولي قصائدها فيجريدة الراية القطرية عدد 5 مايو 2000، بعنوان صباح الخير يا أمي .

20-       راجع الأعمال الكاملة للشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود تحقيق عز الدين المناصرة قصيدة الشهيد –ص 31 .

21-       لمعروف رفيق محمود سبعة دواين من بينها ديوان قطر علي شقة الوتر ، الذي صدر في الدوحة سنة 1987م .

22-       راجع مختارات شعراء قطر ضمن ” مختارات من الشعر العربي الحديث في الخليج والجزيرة العربية – من ص 535 إلي ص 574 .