فى سيمياء النص القديم قراءة فى طوق الحمامة لابن حزم … د. نعمان بوقرة

فى سيمياء النص القديم

قراءة فى طوق الحمامة لابن حزم

ـــــــــــ

د . نعمان بوقرة (*)

تقديم :

لقد تعددت الدراسات الحديثة في الغرب والشرق حول مفهوم السيميائية كمنهج في تحلل النصوص وتأويلها ، وتعددت أدوات هذا المنهج بحسب اختلاف الباحثين وانتماءاتهم المدرسية .

ولما كنا مسبوقين جداً إلى التعريف بهذا المنهج ،فإننا اخترنا أن تتنزل مداخلتنا المقتضبة ضمن سياق الدراسات التطبيقية ، التي تنتخب نصوصاً تراثية لتعيد قراءتها وفق مناهج حديثة دون أن تسلخها عن سياقها التاريخي من منطلق خضوع النصوص التراثية إلى نوعين من الأدلة في سياق قراءتها ، فبينما تمثل الأدلة اللسانية المرتبطة بالنص المنتج الفرع الأول ، تمثل الأدلة غير اللسانية النوع الثاني ، والمقصود بذلك القرائن الحافة بالنص التراثي بوصفه بنية لسانية تمثل نظاماً عالمياً يخدم إيصال أفكارنا بأن توحي اللغة للأذهان بصور الأشياء المفهومة التي تتشكل في أذهاننا . فالكلمة ـ على حد تعبير بيار جيرو ـ لا تنقل الشيء ، بل صوته (1) ، ووظيفة المتلقي أن يفكك اللغة بكسر بسيح نظامها الترميزي ليصل إلى المعاني العميقة (2) . ولنا كان الأمر يتجاوز حدود الوصف السطحي للنصوص إلى الكشف عن النصوص إلى الكشف عن الظروف النفسية والبنية الاجتماعية المتحكمة في إنتاجية النصوص ذاتها ، مما يفضي إلى تعدد في القراءات يتسنى لنا التعبير عن التعدد القرائي بلفظة سيميائيات للتأكيد على أن النص التراثي كغيره يتضمن دلائل متعددة لا بسبب دلالات الرمز ، بل بسبب اختلاف القراء تحت تأثير ظروف وأهواء معرفية متباينة .

لقد وقع اختيارنا على نص تراثي ، فنحن أمة تراثية الروح ، يمتد من ورائنا تراث طويل عبر الزمن ، ولم يزل يمتد فينا (3) ، ونحن كما قال الإمام الشافعي أمة السدد ، غير أن السند غير الاستناد . . . وإسناد القول وإرجاعه لأصله ومصدره ، وإنما يكون من باب التوثيق ولا يجوز من بعد ذلك الاستناد والركون كلية إليه والعيش في كهوفه ، والسؤال الذي نطرحه ما الذي يمكن أن يفعله النص التراثي فينا ، وفي حاضرنا من المؤكد أن لا حرية فية تجعله يفعل فينا ، وإنما فعله في ذواتنا بوعي القائل والمتلقي الذي يجعل النص ذخيرة له لا كهفاًله (4) .

وعلى هذا الأساس ، وقع اختيارنا على أحد أروع ما خلفته حضارتنا في المجال الأدبي في الأندلس ، ممثلاً في رسالة طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي .

يمتاز هذا النص بطوله ، وذلك يفيدنا في تقديم إمكانات متعددة لقراءات كثيرة ،كما يجعلنا أكثر تمكناً من الغوص في خبايا النفس الإنسانية . وهذا النص متعدد الفقرات ، تتعادل فيما بينها أحياناً ، ويطول بعضها على البعض أحياناً أخرى ، لكن لا يبدو ذلك مضراً بدلالات النص ؛ فقد وردت أحداثه وفق ترتيب زمني مقبول يشبه إلى حد بعيد بنية السرد في معقولية الزمن . فالمحب يعشق محبوبته ، ولا يصل إلى درجة الهوى المتجرد إلا عبر مراحل تمثل في النص علامات الحب في سياق الزمن ، ومن ناحية أخرى يرتكز هذا النص على مادة مأثورة متناقلة شفاهياً تمثل ذخيرة مشتركة من المعرفة حول الحب وأحوال المحبين ، ليس فقط في الأندلس بل في المشرق كذلك (5).

وقد اجتهد صاحبه في الترفع عن الانغماس في الرذيلة الشرقية من الاستشهادات التي لا تنتهي أو الاستعراض الواعي لمنمقات المؤلف في النحو والبلاغة ، وهذا ما أضفى على الرسالة خصوصية ويميزاً بين جميع الأعمال التي ناقشت الموضوع فى الشرق والغرب (6) .

سيمياء التضاد فى طوق الحمامة :

إن لظاهرة التضاد وجوداً مكثفاً في الرسالة في شكل مقابلات تكاد تكون متواترة بين علامات الحب وأضدادها في درجات البعد .

ولم يكن الحضور بداعي التكلف الجمالي من قبل الكاتب بقصد إظهار مهارته في قلب المعاني ، ولمن طبيعة الموضوع تقوم على الأحاسيس النبيلة ولا تظهر قيمة هذه الأحاسيس إلابمعارضتها بالأحاسيس المعاكسة على مرآة التضاد ، وهذا يدفعنا إلى القول بأن لظاهرة التضاد دلالة سيميائية ، من حيث كونها تثير حركة ديناميكية في السياق النصي المدروس، وتجعل تفاعل المعاني والأخيلة والأحداث والشخصيات محققاً في جوهر واحد يمثلهالمعنى الرنين للرسالة ،مما يسمح بإعادة ترتيب بنية النص وجعله أكثر تكاملاً وانسجاماً .

والحق أن هناك أنواعاً عديدة من التضاد، منها ما هو قائم على اعتبار جنسي بين الذكورة والأثوثه ، ومنها ما هو قائم على تفارق الأشياء والصفات فيما بينها ، وثالثها يقوم على تباين الطفات الاجتماعية التي عاين من خلالها الكاتب عاطفة الحب .

أ ـ التضاد الجنسى (الذكورة + الأنوثة ) :

فرضت طبيعة الموضوع أن يشيع هذا النوع من التضاد في مستوى السطح والعمق منذ البداية ، حين يقول الكاتب في سياق التعريف بالحب : ” وقد أحب من الخلفاه المهديين والأنمة الراشدين كثير منهم بأندلسنا عبد الرحمن بن معاوية لدعجاء ، وعبد الرحمن بن الحكم وشغفه بطروب ، ومحمد بن عبدالرحمن وأمره مع غزلان والحكم بن المستنصر مع الملكة صبح Auroa  (7) ، ففي هذه الفقرة المجتزأة عدة مظاهر من التضاد ، أولها أن هؤلاء الأمراء رجال والأميرات المذكورات نسوة ، من جهة ثانية المحبون ميسورون من أهل النفوذ ومحبوبات أميات وإن كن في الغالب منحدرات من أصول أجنبية ( ملك يمني / جوار ) ..

ب – التضاد الطبقي ودلالته :

من صور التضاد في الرسالة انتماء المحبوبة إلي طبقة بسيطة اجتماعية وانتماء الجل (المحب) إلي طبقة أرسطقراطية (حاكمة) ، فهذا المظفر عبدالملك بن أبي عامر يحمله حبه لواجد بنت رجل من الجانبين إلي أن يتزوج بها (8) وهذا منصور بن نزار الفاطمي ادعي الألوهية بسبب جارية هام بها حباً ، ولقد كان في التضاد الطبقي تباين غريب أدي إلي وقوع المستحيل :

الحب الشديد

أمير ( محب )                                      الجارية

(الحاكم بأمر الله                                     (المحبوبة)

ت 411)

النتيجة               الدعاء الألوهية

والكاتب عبر أجزاء الرسالة يوزع أبداً

بينهما تأكداً شديداً كثرتها جرهما بغي معني وتضادهما وفي القول تعمداً وخروج بعضهما علي بعض في كل يسر من الأمور وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه وتأولهما علي غير معناها كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه ” (10) ، فهناك إذن سلسلة من العلامات علي التكافؤ في الأحاسيس تظهر منافية للشعور الحقيقي ، ولكن لها دلالة أعمق فهي تعبر عن صدق المحبة .

وهناك نماذج أخري كثيرة ، يمكن أن تشكل جدولاً علامياً يتكون من أدلة سيميائية منها (11):

–      الوحدة .

–      الأنس بالانفراد .

–      نحول الجسم بلا علة (12) .

–      السهر ورعي الكواكب .

–      القلق والزفير والتأوة .

–      البكاء .

–      الاستكانة لجفاء المحبوب (13) .

ما علة النصر في الأعداء نعرفها علة الضر منهم إذ يضرونا الحب داء عياء وفيه دواء منه علي قدر المعاناة (14) .

ولقد علمت فتي من بعض معارفي قد وجل في الحب وتورط في حبائله واضر به الوجد وأنصفه الدنف .

… وسقام متلذ وعلة مشتهاة ولا يود سليمها البرء ولا يتمني .

يزين للمرء ما كان يأنف منه ويسهل عليه ما كان يصعب عنده حتي يحيل الطبائع المركبة والجبلة الخلوقة (15) .

إن التباين الحاصل هنا لا يقوم بين شئ وآخر ، بل بين عدة أشياء يزيح التالي فيها السابق في اتجاهين متضادين .

وفي الفقرة التالية من الرسالة صور أخري للتضاد تمثل علامات للحب أو نقل نتائج الوقوع في شراكة ، نورد منها :

كم بخيل جاد                         ونقل تزين

وقطوب تطلق                        وفقير تجمل

وجبان تشجع                         وذي سن تفتي

وغليظ الطبع تظرف                  وناسك تفتك

وجاهل تأدب                         ومصون تهتك

الحمامة / الطوق علامات سيميائية :

أما صورة الحمامة ، فقد أضحت رمزاً متعدد الدلالات اتخذها ابن جزم بؤرة لإشعاعات إيحائية لا تحد ، إذ ليس من المقصود حينما وظف هذا الرمز الحديث عن الحمامة ذاتها وإنما لكونها في حالتها وهي مطوقة بقيد مماثلة لقلب العاشق الولهان الذي يسقط صريعاً أمام سلطة الحبيب المتأني ، ولا نكون مبالغين إذا قلنا بن صورة طوق الحمامة رمز لعواطف إنسانية وفردية عميقة شعر بها الكاتب وأراد إبلاغها ، وهي من ناحية أخري شفرة مستوعبة لرموز الراسلة كلها عنون بها الكاتب رسالته لتوحي بجوها وتشير إلي موضوعها (16) . ألا يمكن اعتبار صورة الحمامة المطوقة معادلاً موضوعياً لما يشعر به الكاتب ولم يستطع البوح به بالرغم من تمرد مضمون النص في عمومه علي مجموع العادات والتقاليد السائدة في الحضارة الإسلامية إذ أن الكاتب لم يكن جريئاً بما فيه الكفاية ليفصح أمام سلطان الحقيقة بما كان يدور في دور الأمراء ، كما أنه لم يطرق أبواب الحرائر المتمنعات ولو أنه أشار إلي بعض الأحداث .

لقد أتخذ ابن حزم من هذا المعادل الموضوعي – في نظرنا – رمزاً ليسكب أحزانه وشعوره بمرارة الفراق في اسلوب غير مباشر ، سرد فيه أخبار المحبين وقد كان واحداً منهم (17) . لقد حاول من خلال رمز الحمامة أن يخلق ذاكرة ثانية للصورة إلي جانب ذاكرتها الأولي ، مليئة بالوداعة والعفاف والألفة والنواح الشجي الذي طالما ارتبط بطائر الحمام (18) .

وبالتالي سيكون هذا العنوان نقطة ارتكاز في الرسالة بتداعياته عبر الفضاء النصي ، والقلب النابض المعبر عن الحب الذي ينتصر علي الكراهية والجفاء .

وإذا كان رمز الحمامة المطوقة يمثل نقطة مركزية في الدائرة ، فإن لهذه الأخيرة أبعاداً تحدد برمز أخري توضحها الترسيمة التالية :

وعلي صعيد آخر يمكن اعتبار هذه الرموز المنتجة أدلة علي منتجها العقلي (الإنسان) الذي يبدعها ثم يستهلكها من خلال استعمالها كدلائل علي أحاسيسه ، فالمحب يستغل هذه الوسائل للوصول إلي قلب محبوبته مهما كلفه الثمن (19) .

ويمكن أن تكون هذه الحمامة في علاقتها بالطوق رمزاً للعلاقة الخفية بين الجمال والحب ، والتميز والطاعة ، وهذه صفة هامة في علاقة المحب بمحبوبته ، ولعل الثعالبي كان مصيباً حين قال : ” طوق الحمامة يضرب مثلاً لما يلزم ولا يبرح ويقيم ويستديم ” (20) .

الحب علامة علي الإصلاح :

إن في هذه الرسالة دلالة علي هاجس التعليم والإصلاح ، وهي لأجل ذلك ألفت ، وفي إطارها سرد الكاتب أخباراً كثيرة قد يكون بعضها متخيلاً بهدف اتخاذ هذه الرسالة إطاراً تفسر فيه بعض السلوكيات الاجتماعية والثقافية والسياسية في بلاد الأندلس ولا نكون مبالغين إذا قلنا بأن الكاتب كثيراً ما ينصب شراكاً للقارئ تجعله ينساق وراء عواطف الحب الجارفة ، ولكنه لا يلبث أن يتحدث عن العفة والدعوة إلي ترك المعصية والفحش (21) . وهذا هو التعليم الذي يهتدي بنور العقل وسلطة التنزيل وفي هذا السياق صورتين متناقضتين تمثل الأولي الحب بوصفه ميوعه وقلة حزم وانصراف عن الجادة وكونه لهواً لا يليق بمقامات الرجال ، وبين الحب كعاطفة نبيلة متأصلة في النفس الإنسانية قوامها العقل والخلق الفاضل الذي يمنع من الانزلاق نحو المعصية والأكيد من هذا كله أن لهذه الرسالة بعداً ذريعياً إذا انطلقنا من الوظيفة البراغماتية للنصوص الإبداعية بوصفها أبنية لغوية دالة ذات تأثير علي القارئ أو السامع .

العفة علامة سيميائية ذات دلالة إجتماعية :

تتردد الإشارات المكررة من قبل صاحب النص للعفة في الحب ، ويفسر آسين بلا يثوس ذلك بكونه نوازع زهدية في المجتمع الإسلامي ووجودها بهذه الكثافة في سياقات مختلفة في الرسالة يفصح عما تختزنه نفوس أبناء الحضارة الإسلامية التي إليها ينتسب كاتبنا من مثالية طالما أنكرها الكثير عليهم وحصروها في الثقافة المسيحية خاصة (22) . وتظهر العفة كعلامة لها دلالة خاصة حين تشير إلي وضعية النساء المرتبطات بواجبات اجتماعية تلهيهن عن المغازلة والترف ، أما الارستقراطيات والجواري فهن الأكثر عرضة للعلاقات العاطفية سواء في السر أم في العلن ، والدليل علي ذلك أن التجارب التي نقلها ابن حزم في بطاقاته الوصفية والسردية استخلصها من تربيته في حجور النساء داخل القصور ومن وراء الستر المسدلة .

شعرية الحدث :

إن الراوي – هذا الصوت ، كي لا أقول هذه الشخصية الخبيرة بأحوال الناس – يحكي لنا أو يتركنا نشاهد الحدث كما شاهده هو وعاينه أو كما نقله له غيره ممن يثق بخبره ، فمرة تتطابق شخصية الراوي مع الشخصيبة الفاعلة ( البطل في هذه المغامرات العاطفية – إن صح هذا التعبير – التي يمتزج فيها الحدث بالشخصيات بين الحقيقة والخيال ) ، ويمكن أن نقول أيضاً بأن سلسلة البطاقات التي تصف علاقة الرجل بالمرأة وتطوق هذه العلاقة بالحب توظيف هذه الرسالة بما تحمله من أحداث محكية علي لسان ابن حزن تظهر حركية سردية متولدة من تمازج شخصيات متعددة بحدث واحد هو العاطفة النبيلة (الحب) ، وهذا ما يحق ما يعرف بشعرية الحدث (23) .

شعرية الجسد والمرأة :

يعتقد الكثير أن الحديث عن عاطفة الحب في الأعمال الأدبية لا مبرر له سوي إثاة الغرائز خصوصاً إذا صدر هذا الأمر من أديب ذائع الشهة وفي ثقافتنا العربية الإسلامية لا يرتبط الحديث عن هذا الموضوع إلا بأشخاص عرفوا بعربدتهم وخروجهم عن جادة الطريق ، أما وأن يؤلف فيه عالم من أعظم علماء الإسلام شغل بفكره فذلك أمر غريب جداً ، والذي يزيد القضية تعقيداً حديثه عن أشياء محظورة مرتبطة بعالم المرأة ومفاتن جسدها ، وكيف تثير بذلك الرجل في لوحات فيها من الإثارة ما يعتبره الكثير خدشاً للحياء (24) .

أما بالنسبة لتوظيف المرأة في النص فلأنها ترتبط سيميائياً بالحياة فهي التي تقدم الأحاسيس المرهفة ، وهي بعد ذلك الأم التي تلد ، وبالتالي يمكن أن نمثل للعلاقة بينها وبين قسيمها الرجل بجدولين مترابطين :

وهما ضروريات في هذه الرسالة ولا يتم أحدهما وبغياب الآخر . وفي هذا السياق يؤكد ابن حزم علي أن العلة في الحب الحقيقي ليست للصورة الحسية ، وإن كان للتصوير المتقن توصيل عجيب بين أجزاء النفوس النائية (25) .

فالجمال الجسدي قد يكون طريقاًَ إلي المحبة إلا أن النفس بعد ذلك تكون تواقة لتميز ما وراءه ، وإلا سقط المحب في الشهوة الجسدية التي لا تثمل إلا نوعاً من الإشباع الغريزي .

وبالرغم من ذلك تصبح قد تصبح الأعضاء الحساسة مسالك إلي النفوس ومؤدية لها ، ومثال ذلك ما يرويه في إحدي مسروداته : ” وأن للوصل المختلس الذي يخاتل به الرقباء ويتحفظ به من الحظر مثل الضحك المستور والنحنحة وجولان الأيدي والضغط بالأجانب والقرص باليد والرجل لموقعاً في النفس شهيقاً (26) ، وهنا يلتقي المفكر الفرنسي ستندال مع ابن حزم الذي سبقه بثمانية قرون في تأكيد علاقة الجمال بميلاد الحبل (27) .

شعرية الخطاب الأدبي : .

إن هذه الرسالة بوصفها خاطباً أدبياً متعدد المستويات صالحة لأن تكون فضاء رحباً تمارس فيه عملية البحث عن شعريته التي تميزه عن سائر الخطابات الأخري من جهة ، وتجعله يتقاطع مع نصوص أخري ، كما أن شعرية هذا الخطاب الذي تمظهر في شكل رسالة تنقل القارئ إلي الدلالات العميقة من خلال محاولة انغماسه وتلبسه بأحاسيس المحبين وعواطفهم وبسلوكهم الغريزي – كما فعل ابن حزم – وكلما حاولنا تفكيك البنية النصية لهذه الرسالة من خلال ما تدل عليه الألفاظ والصور والأخيلة والأساليب والأحداث والشخصيات والرموز والأمثال ، كلما تكشفت لنا وظيفة هذه الرسالة في توظيف الحياة الاجتماعية والقيم الثقافية والفنية السائدة في بلاد الأندس لقد مضي الكاتب بكل جرأة موضوعة منتهكاً أستار الممنوع وباح بأسرار كثيرة شاقاً الصدفة المخفية لجوهر هذه الحقيقة علي حد تعبير الجرجاني (28) .

لقد لفت نظرنا في هذه الرسالة في مواضع متعددة تحول الكاتب من ضمير”هو” الغائب إلي ضمير ” أنا ” وفي هذا اتحاد وحلول في كيان الآخر ليخرج بالتالي من تجربة غيره ليفضح تجربته أمام الملأ ، بل ليفضح تجارب الآخرين في عصره ، لتكون – ربما – ظاهرة طبيعية في عصر برمته ، بل يمكن أن نقول أن ما تحمله هذه الرسالة من شحنات دلالية ذات قيمة سيميائية من خلال عدولها عن العموم إلي الخصوص الذي يمثل المعاناة الشخصية في ذاتها وفي علاقتها مع الآخر ، بل معاناة جيل بأكمله .

هناك نقطةلابد أن يشار إليها بخصوص تقاطع هذا العمل الإبداعي بوصفه نصاً مع مجموعة من النصوص الاخري في تارثنا ، وهذا ما يدفع بالقارئ في العملية التأويلية إلي ضرورة الرجوع إلي هذه النصوص التي ساهمت بشكل أو بآخر في خلق الرسالة ” . بالرغم من تميزها وعلي حد تعبير فاضل ثامر يكون دور القارئ – هنا – حاسماً ، إذ هو الذي يتكشف النص الغائب ويستحضره داخل النص الحاضر أو المقرءو (29) ، وهو الذي يقوم بدور الربط بينهما .

علامات الحب بين المنظور الدلالي والوظيفة السردية :

في قصص العشاق والمحبين في الرسالة الموسومة بطوق الحمامة ، نري أيضاً مغامرات وحيل يبتدعها العشاق ويرويها ابن حزم عنهعم لتدبير لقاءات مع أحبتهم في غياب الرقباء ، نختار من ذلك الحكاية التالية ، يقول : ” إني لأعلم فتي وجارية كان يكلف كل واحد منهما بصاحبه ، فكانا يضطجعان إذا حضرهما أحد وبينهما المسند العظيم من المساند الموضوعة عند ظهور الرؤساء علي الفرش ، ويلتقي رأساهما وراء المسند ويقبل كل واحد منهما صاحبه ولا يريان وكأنهما إنما يتمددان من الكلل ولقد كانا بلغا من تكافيهما في المودة أمراً عظيماً ” (30) .

إن هذا البناء السردي يقوم دائماً علي : المغامرة ( محاولة الوصول إلي المحبوبة المحبوبة )  .

المطاردة

الحيلة ( المساعدة )                   عائق مؤقت ( في الرسالة : الواشي )

النجاة ثم النتاصر

وفي نماذج أخري يقوم المساعد ( الرسول ) بنقل الوصال بين الطرفين ولابد أن يكون ممن يؤمن جانبه حتي لا يفضح أمر المعشوقة أو يتحول السفير إلي غادر ، وهو ما أكد عليه صاحب الرسالة (31) .

ويحدث الوصال أحياناً أخري في حضور الملأ وبدون أن يشعر واحد منهم فقد روي لنا ذلك عن أحد أصحابه الذي تمشي في البساتين بقرطبة مع محبوبته وأهلها إلي أن غيمت السماء وأقبل الغيث ، فلم يكن بالحضرة من العطاء ما يكفي ، قال فأمر عمي ببعض الأغطية ، فألقي علي وأمرها بالاكتنان معي فظن بما شئت من التمكن علي أعين الملأ وهم لا يشعرون ، قال فوالله ما نسيت ذلك اليوم أبداً (32) .

وعلي صعيد آخر يمكن أن نقدم تأويلاً لما رواه في هذه الرسالة المتماسكة من حيث موضوعها ووظيفتها من أحداث تلخص أخبار المحبين دون التركيز علي الشخصيات نفسها ، فبعضها مذكور عرضاً وبعضها احتفظ الكاتب باسمه ولم يذعه لأسباب اجتماعية ،ونري أن الرسالة قد ركزت في مجملها علي العواطف والعلاقات التي تعتبرها وظائف في السياق العام للنص تشترك فيها هذه الشخصيات ، بغض النظر عن صفاتها كما يسمكن اعتبار هذه الوظائف أفعالاً نلخصها في (33) :

1- فعل المحب ( البطل ) .                 وظيف الحب

2- فعل المحبوبة

3- فعل الظهير                             المساعد

4- فعل الشرير .                            الواشي .

أو لنقل شاب يحب امرأة                      امرأة باهرة

تبادله الحب

مساعدة من الإخوان أو الأصدقاء ولنضرب مثالاً بالقصة التي رواه في باب الموت (34) .

محب 1

مطاردة المحبوبة              محبوبة

محب 2

الوجد

الاستعانة بالإخوان                           الاستعانة بالملك

الإشراف علي الموت                         ظهور الظهير

(الملك ) بفكرة

اختبار المحبين بالموت                       إقدام الأول

إحجام الثاني

الهوامش والإحالات :

1-  بيير جيرو ، علم الدلالة ، ترجمة انطوان ابي زيد ، بيروت ، باريس ، ط1 ، 1981 ، ص 38 .

2-  يمني العبد في القول الشعري ، مجلة مواقف ، عدد 50 ، ص 80 ، يمكن العودة إلي مقال عبدالله حمادي ، تأمل في الخطاب الشعري  المعاصر ، مجلة علامات في النقد الأدبي ، مجلد 4 ، جزء 14  ، النادي الأدبي ، جدة 1994  ، ص 36  للاطلاع علي مفهوم علم العلامات من زاوية أنطولوجية براغمانية.

3-  سعيد يقطين ، الكلام والخبر ، مقدمة للسرد العربي ، المركز الثقافي  العربي ، ط1 ، 1997م انظر تمميزه بين التراث والنص ، ص 47  ، وتوسيع مدار اختصاص السرديات النصية إلي الخطاب .. ملتقي المخطوطات ، القاهرة ، ص 3 .

4-  لويس انيتاجغن ، نظرية الحب الدنيوي ، عند العرب ، ترجمة رفعت إسلام ، مجلة فصول ، مجلد 12 ، عدد 3 ، 1993 ، ص 134 .

5-  عبدالكريم خليفة ، ابن حزم الأندلسي حياته وأدبه ، دار العربية ، بيروت (د.ت) ، ص 188 ، يختلف الدارسون حول طبيعة هذه الرسالة : هل هي رسالة أدبية تمثل سيرة ذاتية مبنية علي فرضية التمويل علي التجارب الشخصية لوصف أحوال المحبين ؟ أم هي مجرد رسالة تعليمية في النصح والإرشاد ؟ انظر صالح مغيض الغامدي ، السيرة الذاتية في الأدب العربي القديم ، علامات في النقد جدة ، ع 14 ، 1994م ، ص 59 ، ويذكر إحسان عباس في مقدمة الرسالة أنه كتبها ما بين 417 أو 418  هـ ، بشاطبة لدصيق له من المرية زاره ، ثم انقطعت به السبل لظروف الحرب ، الرسائل
1 / 716.

6-   الرسائل 1 / 91 .

7-  الرسائل : 1 / 92 ، أنظر ترجمة الحاجب المظفر في البيان المغرب 3 / 80.  ويحكي إن واحد هذه تزوجت بعد وفاة المظفر الوزير عبدالله بن مسلمة صاحب الزهراء ثم رئيساً من رؤساء البربر ، وفي هذه علامة علي جمالها الفائق ، وإلا لما تنافس عليها الرجال ، انظر ابن عذري الليان المغرب ، 3/58 .

8-   الرسائل 1 / 99 .

9-   ارسائل 1 / 106 – 107 .

10-                 المصدر نفسه 1 / 109 .

11-       من طريف ما رواه ابن حزم في علاقة الفراسة بعلم السيمياء في سياق موضع الحب حكايته ، ولقد كنت يوماً بالمرية قاعداً في دكان إسماعيل بن يوق الطيب الإسرائيلي ، وكان بصيراً بالفراسة محسناً لها ، وكنا في لمة فقال له مجاهد ابن الحصين القيسي ما تقول في هذا ؟ وأشار إلي رجل منتبذ عنا ناحية اسمه حاتم ويكني أبا البقاء ، فنظر إليه ساعة يسيرة ، ثم قال : هو رجل عاشق ، فقال له : صدقت فمن أين قلت هذا ؟ قال : نبت مفرط ظاهر علي وجهه فقط دون سائر حركاته  فعلمت أنه عاشق ليس مريضاً ، الرسائل ، 1 / 114 ، و 1/108  .

12-                 الرسائل ، 1 / 111 .

13-                 الرسائل ، 1 / 100 .

14-       يبدو أن هناك نوعاً من البراعة الأدبية فرضها البيان بالمقابلة في هذه الجملة والمقابلة هنا لا تقوم بين أكثر من ضدين فحسب ، بل تتجاوز إلي أكثر من ذلك :  الشهوة  – السقام – تقابل المستلذ والعلة ( تقابل )  ، السليم ، البرء ، الشئ المزن سهل ، تقابل : ما يؤلف منه يصعب .

15-                 الرسائل 1 / 105 .

16-       كما هو معلوم لا يثبت مظهر السرد في الأنواع القصصية المعروفة ، بل يتعداه إلي أخري كالنصوص التاريخية والسير الذاتية والرسائل الأدبية لا تخلو من سرد كما هو الحال في رسالتنا ، ذلكم أن الكاتب حاول تقمص الأحداث ليعيشها كواحد ممن صنعوها في الزمان والمكان المدخلين – وعليه ، يمكن في نظري أن نستلهم بعض مقولات السرديات الحديثة في دراسة النصوص القديمة وقد سعت مدرسة باريس إلي تعميم النموذج بروب علي كل نوع أدبي قصصي سردي .

17-                 الرسائل ، ص 1/265 .