حداد ق . س . نايبول ………… ترجمه : سيد عبد الخالق

حداد  ق . س . نايبول

ترجمه : سيد عبد الخالق

ارتقيت الدرج الخلفي للبيت ، المؤدي إلي الشرفة الكبيرة ، ، المتحشة بالبياض تحت شمس ما بعد الظهيرة …في كل مرة ، لا أستطيع أن أحمل نفسي علي دخول هذا البيت من بابه ، أو استخدام سلالمة الأمامية . كفا الأقارب الفقراء الذين تعلموا من قديم كيف يسرفون في احترامهم للبيت والعائلة .

علي يمين الشرفة ، مطبخ البيت . كان مبلطاً ومزوداً بأدوات وأشياء حديثة . وكانت الخادمة ومزوداً بأدوات وأشياء حديثة . وكانت الخادمة الهندية الصغيرة ، ذات الوجه المستدير كختم البريد والنهدين الكبيرين المترهلين ، تقف هناك ، تغسل الأطباق ، في رداء قرمزى متسخ

.

لما رأتني قالت ” أهلً روميش ” علي مقطعين ، هللت نبرتها في البداية ، ثم أنتهت إلي نغمة مخففة تلائمني أكثر . قلت : “أهلاً . هل هي موجودة ؟ ” وأنا أضير بإبهامي نحو قاعة الضيوف التي تواجهني مباشرة . قالت : ” نعم ” وأضافت ” كانت تبكي طيلة اليوم . لقد كان طفلاً عزيزاً عليها ” ولا حظت أن البنت تحاول أن تكيف نفسها مع لغة أهل البيت . ” هلي يمكنني أنا أدخل الأن؟” همست ” نعم ” وكانت تجفف يديها في عبائتها وهي تستبقني نحو القاعة المغلقة بدأ لي رداؤها وكأنما تجمعت فيه كل شوائب المطبخ النظيف ، اللامع . مشت علي أطراف أصابعها حتى الباب فتحته مقدار بوصة أو بوصتين ، ثم أطلت وراءه في حرص زائد ، وقالت بصوت مسموع : ” وصل روميش شيلا ” وتناهت إلي أذني تنهيدة عالية من وراء الباب . فتحت لي الخادمة ، ثم أغلق الباب خلفي .في كل الأجناب . أسدلت الثقيلة ، وضجت الغرفة تحت إظلام شفيف ، وحرارة مشوبة برائحة النشادر والزيت بالكاد يمس أركانها ضوء طفيف يتسلل عبر فتحات التهوية . كان كافياً مع الوقت ، لتمييز مس شيلا ، وهى نصف جالسة ونصف مضجعة فوق أريكة داكنة ، ترتدي رداء منزلياً فضفاضاً ، خطوت فوق أرضة الغرفة المصقولة بقدر ما أستطيع من خفة وهدةء . ورفعت عيني عن مس شيلا . ثبتها لوهلة علي المائدة الصغيرة التي تقف الي جوار الأريكة . لم أعرف كيف أبداً . كانت شيلا هي التي كسرت الصمت . نظرت إلي طويلاً ، من أعلاي إلي أسفلي تحت الضوء الشحيح وقالت ” لقد كبرت ياروميش ” وابتسمت والدموع في عينيها ” كيف حالك وحال أمك ؟” ولم تكن شيلا تحب أمي . قلت ” بخير . كلهم . وأنت ” ” تكلفت ابتسامة مجهدة ” حية لم أزل ” وأشارت إلي مقعد قريب ” اسحب مقداً وأجلس ” ثم توقفت فجأة ” بل لا . لاتجلس . دعني أتملاك جيداً أوشكت أن تصبح فتي نضيراً ياروميش ” سحبت المقعد وجلست ، وقد باعدت ما بين رجلي في البداية . ولكني أدركت علي الفور فجاجة جلستي ، فضممت ركبتي وأرخيت يدي فوقهما . ولما رفعت وجهي ناحية شيلا رأيتها تبتسم لي . لحظات وبكت . مدت يدها نحو مندليها المندي فوق المائدة ، فنهضت وتحيرت فيما إذا كانت تريد شراباً مالحاً أو مسكراً . حركت رأسها وقالث وهي تهتز من النهنهة والدموع ترغرغ سوتها “أجلس” فجلست صامتاً ، دون أنا أدري ما الذي ينبغي علي فعله . جففت دموعها ، ثم سحبت منديلاً أكبر من جيب ردائها وتمخضت . قالت بعدها ” لابد أن تعذرني علي ما وصلت إليه حالتي ” وكنت أريد أن أقول بوضوح وفي هدوء الكبار ” لا بأس ” إلا أن الكلمات القليلة خانتني ، أندلقت فمن فخرجت كالغمغمة السريعة غير المفهومة .

– أنت لا تعرف أبني يادوميش ؟

– رأيته مرة

كنت أكدب . لوهلتي ندمت . ماذا لو أنها سألتني أين أو متى رأيته ؟ بل أن الأكثر من ذلك هو أنني لم أكن أعرف طفلها هذا كان ولداً حتى مات وأنتشر الخبر . لكنها لن تختبر صدقي علي كل حال .

– عندي بعض صور له .

– ونادت بصوت نحيل متوتر : ” سومينترا ” .

فتحت الخادمة الباب :

– تريدين شيئاً يا مس شيلا ؟

– نعم يا سومين ( ولا حظت أنها اختصرت اسم الفتاة علي نحو غير مألوف ). أريد صور ريقي . وما كادت تنطق باسمه حتى انفجرت في البكاء مرة أخري . أنصرفت الخادمة ، وانشلغت أنا بتأمل الجدران ، تحت الضوء الكابي ، استطعت أن أتبين مطبوع ” أمراء البرج ” ومطبوعاً آخر لنهر صغير ، تتهادي مياهه الزرقاء الجملية في بطء وتصطف علي ضفتيه الزهور . كنت أنظر إلي الجدران لا لشئ ، إلاً كي أتحاشي النظر إليها . غير أنها كانت ترقبني في أهتمام . وتتابع نظرتي حتى أستقرت علي ” أمراء البرج “.

– أتعرف قصتهم ؟

– نعم

– أنظر .. إنهم موشكون علي الموت .. تعرف ، منذ يومين فقط أدركت أنني لم أكن أفهم هذه الصورة . الأولاد ، أنظر . يبدون نعساء . والكلب . انظر إلية . يستغرب كل شئ . كما لو أنه يريد أن يتحرر من اطار الصورة !!

– صورة محزنة .

ولاح لي أنه لم يعد لأئقاً أن ظل علي صمتي . فقلت فجأة ” ليست مضطر للحديث ، لو أنك لا تريدين “. وعادت سومينترا تحمل ألبوم صور أنيقاً بغلاف جلدي وكان ريقي يتكرر في كل الصور . منذ أيامه الأولي وحتى شهره الأخير قبيل الوفاة لقطات له وهو في لباس البحر ، يعبث بالرمال فوق الساحل الشرقي ، أخري وهو يتنكر في ملابس ” الكرنقال ” الخاصة وحفلات الشاي ،… وهو فوق دراجته ذات العجلات الثلاث وداخل سيارات بخاربة ، بعضها حقيقي وبعضها من لعب ..ثم وهو يتوسط مجموعة من أناس لا أعرافهم . كنت أقلب الصفحات في تراخ وأضح ، ومن أن الي اخر ، تميل تحوي كي تعلق علي صورة ، وأهز رأسي دون أن أرفع عيني لها . ” هنا …ريفي في منزل ذلك الطبيب الأمريكي . كان طفلاً عبقرياً وجميلاً . وليس كذلك ؟ وأنظر هذه : كان دائم النظر للكاميرا ، وكان يعرف ما نفعله . كان غاية في العذوبة ” .

استنفذنا كل الصور اخر الأمر . تكاثف صمت شيلا ونحن نقترب من النهاية . أعرف أنها شاهدت هذا الألبوم عشرات المرات طيلة اليومين السابقين . وفاجأتني شيلا : ” لابد أنك جائع ؟” وكأنما أنقذتني . هززت رأسي في تردد . – سومينترا ستعد لك شيئاً علي الفور أعدت سومينترا الطعام فعلاً ، وأكلت في المطبخ . كان طعامهم رائعاً علي الدوام وكنت أتاهب لملاقاة دموع الوداع في عيني شيلا ، لما وصل ” الدكتور ” ، زوج شيلا كان نناديه بالدكتور ، وكان طويلاً وله زجه أبيض رقيق . زلكنه يبدو الأن مرهقاً وشاحباً

– أهلاً يادكتور

– كيف حالها اليوم ؟

– بيست سعيدة

– ستكون علي ما يرام في غضون أيام . إنها اثار الصدمة كما تعرف . ثم أنها فتاة رقيقة بطبعها .

– أتمني أن تشفي منها في أقرب وقت .

ابتسم وربت فوق كتفي . ثم سحب الستائر كى يحجب حرارة الشمس على الشرفة

-أنت تعرف أبني ريفي ؟

ترددت هذه المرة قبل أن أقول :- الى حدِ ما .

-كان طفلا ممتازاً ، وكنا نربد ، أو بالأحرى ، كنت أريد أشركَهٌ في ” مسابقة كاوآند جيت بيبى ، لكن شيلا لم ترحب بالفكرة ..

لم أجد ما أقوله .

-وعندما كان في الرابعة ، كان يستطيع الغناء هل تصدق ؟ كل أنواع الأغاني بالإنجليزية والهندية ، ولابد أنك تعرف تلك الأغتية التي تقول ” سألتقيك هناك ، أو مأت برأسي .

-اعتاد أن يغنيها كثيراً . لا أعرف كيف ، أو أين تعلم كلماتها . ولكنه تعلَّمها . أنا نفسي ، حتى الآن ، أعرف نصف كلماتها . ثم إته كان بنطقها بسرعة مدهشة . تعرف ما هي أخر كلماته ؟ قال لى ” سألتقيك هناك ،… في تلك الأماكن القديمة الحميمة ، وعندما علمت شيلا بخبر موته ، تطرتْ إلىّ وصرختْ ” سألتقيك هناك ” .

لم أكن أنظر نحوه .

-أنها رمسألة غريبة . تدعوك للتفكير . أليس كذلك تدفعك الى التفكير في الحياة ، في الحياة والموت . ولكن .. ها أنا ذا أتفلسف مرة أخرى !!

وسألني فجأة !

-ثم لماذا لا تشرع في التدريس للأطفال ؟

-ماذا ؟

-يمكنك أن تدرَّ على نفسك ربحاً وفيراً . أعرف فتىَ مثلك يكسب خمسين دولاراً في الشهر عن درس واحد، يعطيه كل أسبوع .

-عندي امتحاناتي الخاصة …

لم يهتم بما قلته . إذ فاجأني مرة أخرى قبل أتم جملتىٍ للنهاية

-هل شاهدت الصور التى التقطناها لريفى في حفل اتلكرنفال الأخير ؟ لم تكن عندي الشجاعة كى أقول نعم . فنادي على الفور :

-يا سومين … أحضري ألبوم الصور !!.

هوامش

* منذ صدور روايته ” منحنى النهر ” (1971) وأسم ف.س.نايبول يتكرر بقوة كأحد الأسماء المرشحة لنيل جائزة نوبل ، بل كان بالفعل أبرز المرشحين لولا حصول نظيره التيريتدادى ” ديريك والكوت ” عليها عام 1992 ، الأمر الذي آخر نايبول إلى أجل غير مسمّى .

* ولد نايبول في تيرينداد ، بجزر الهند الغربية ، عام 1935 ، ولكنه انتقل الي العيش في لندن حيث أستقر هناك نهائياً منذ سفره لدراسة الأدب الانجليزى في مطلع شبابه ، ومارس نايبول الكتابة في سن مبكرة ، ولذلك فهو غزير الانتاج إلى حدِ ما ، ويكتب في القصة والرواية والنقد والسياسة وغيرها من بين أعماله القصصية والروائية البارزة : شارع ميجيل ، المدلٍّك الغامض ، منزل للسيد بيسواس ، راية فوق الجزيرة ، المقلدون في ولاية حرة ، منحنى النهر ، وأخيرا طريق في العالم ( الصادرة في العام الماضى ) . وفي غير الرواية يبرز لنا : الحرب الأهلية ، والهند : تلك الحضارة الجريحة ، وغيرها .

*وهذا وقد حصل نايبول على طائفة كبيرة من الجوائز الدولية الرفيعة منها : جائزة بوكر في عمله ” في ولاية حرة In aFree State وكذلك جائزة تحمل اسم و.هـ . سميث عن عمله ” المقلدون The Mimic Men  ، بالإضافة إلى جائزة سومرست موم ، وجائزة الفونيكس ، وجائزة هاوثورندن عن عدد من أعماله الأخرى .

* العنوان الأصلى للعمل : The Mourners ( المعزون ) إحدى قصص مجموعة : Flag on The idland ( راية فوق الجزيرة )