آخر ما كنا نمتلك ………………… سعيد بكر

آخر ما كنا نمتلك

سعيد بكر *

لم أعرف شغلة معينة لأبي … ينتقل من عمل لآخر .. أمي تؤكد أنه كان حلوانيا من الدرجة الأولى … وكان يمتلك محلا كبيرا ذا بابين واسعين في شارع فرنسا … وله زبائن من أكابر الناس … الباسوات والبهوات والأمراء .. كانوا ينتظرون في سياراتهم  الكبيرة أمام المحل ليأتي أبى لهم بالهريسة والبقلاوة … يمتدحونه ويجزلون له العطاء .. وأراها تنظر الى الأرض ثم تقول لى في حسرة واشحة … هل تعرف بيت أم الشامية .. هذا البيت كان يمتلكه أبوك … ظلّت وراءه أم الشامية حتى اشترت البيت منهكما يقول .. وتمصمص بشفتيها دلالة علي عدم اقتناعها ولكنها رضيت بالأمر الواقع ولم تناقشه أو تختلف معه …

تعودا كلما يغلقان وراءهما باب الخزانة أن يعلو صوتهما … تتهمه بأنه خرب الدنيا وأنه غير مؤتمن علي بليته ولا أولاده … ويأمرها بأن تخرس وتضع لسانها في فمها وتغلقه والا سيغلقه هو بنفسه .. لم تكن تسكن علي الحال التي أوصلنا اليها .. تصرخ في وجه .. وقد تطور الأمر فيما بعد وأصبحا يختلفان ويتخانقان ويتشابكان بالأيدي .. كنت أراه وهو يضربها ويجري خلفها في الشارع .. وأخي محروس يقف في وجهه بينما يراقب أخي سيد الموقف دون أن يتحرك .. وتبكي أختي سميرة في دهليز البيت وحين أراها تبكي تخنقني العبرات ونبكي سويا في صمت … يأمرنا أخي محروس بالدخول وهو يحجز أبي عن الجري خلف أمي التي اختبأت في بيت أم كمال الرشيدي … ويظل أبي يتهددها بصوته الذي اصبح عاليا وأخافه كثيرا .. يلتم الناس في الحارة .. يتفرجون علينا .. يخرج كعبوة ويقف عند عتبة بيتة ويشغل سيجارة دون أن يفعل شيئا … ويجئ عمى رمضان .. يهرول نحونا متسائلا عما حدث … يوبخ أبي الذي كان أطول من عمي كثيرا .. عمي رمضان كان قصيرا ويرتدي زية التركي … سرواله فضفاض ومتجمع بين فخذيه … منذ تلك الأيام لم يثبت أبي علي شغلة واحدة … فيوما يعمل نقاشا … يحمل جردل البوية السلم علي كتفية ويخترق الحارة في زهو …يعود بعد منتصف الليل وبقع كثيرة منتشرة فوق وجهه وثيابه لاتكاد تبين … أو يبيع البطيخ والشمام مع البطيخي الذي أقام شادره في المساحة الخالية أمام باب عشرة … أو نجده يكتب ” العرايض ” لأهل الحارة الذين لهم حاجة في مصالح الحكومة .. خطه جميل كما كان أسلوبه الذي أشاد به يوما أخي السيد وهو يقلب في أوراقه بحثا عن شئ يثبت ملكيتنا لبيت أم الشامية أو أية ملكية غفل عنها … وقتها لم نجد سوي أوراق لا قيمة لها …حلمها أخي السيد وأشغل فيها النار في ركن الدهليز … ظل يراقبها حتي خمدت النيران وأصبحت الأوراق بقايا سوداء .. وأمر أختي سميرة أن تزيلها وتنظف المكان .. ثم دخل الغرفة الداخلية وسمعناه يبكي بصوت مخنوق .. لا أدري إن كان يبكي أبي الذي أصيب بالشلل فجأة أم كان يبكي الحال التي انتهت اليها اسرتنا … أم يبكي حسرة علي ما أضاعة أبي من محلات وبيوت كان أخرها بيت أم الشامية … منذ فترة طويلة دب الخلاف بين أبي وأخي السيد … حين يعود من المدرسة التي يعمل بها في تلك القرية البعيدة ليقضي وقتا بيننا يدب بين الأثنين شجار لا يوقفه الا حذق أخي السيد وتحمله لسباب أبي الذي يقذفه به ليثير غضبة … ولكن السيد يخرج مغادرا البيت الي القرية مفضلا قضاء أجازته بها حتي أصبح مجيئة الي البيت نادرا وتطلب أمي في رسائلها التي اكتبها لها أن يغفر عن أبية ويعود إلينا من جديد وتكذب في الحديث عن أبي وسيرته التي أصبحت طيبة ولكن أخي السيد يدرك أم أمي تخفي حقائق كثيرة وما هي الا محاولة لاستمالته للعودة … منذ تسلم عملة في مدرسة البكاتوش الابتدائية وأبي لا تنقطع رسائله عنه .. يطلب ما لا حينا أخري يشكو له الحال التي أصبحت غير محتملة وأنه صار لا يجد عملا ثابتا مما بدفعه الي الاستدانة من رفقائه للصرف علي البيت وأخوته الصغار وكانت أمي تصرخ في وجهه :

– ستجعل السيد يهجرنا إلي الأبد …

ويعود هو الاخر :

– أليس لنا الحق فيه …

وتقول أمي بعد نفاد صبرها :

– أنت غير محتمل …

ويهددها سائحا :

– لا تقفي بيني وبين الأولاد ….

وتردد أمي :

– هذه الحال لم يعد ينسكت عليها ..

– هلي تريدين أن أشحذ في الحوراي من أجل عينيك ..

– لقد فر الأولاد منك وأفعالك ..

أخي محروس لم يعد يحضر الي البيت ..

يبيت في الخارج وأبي لا يسأل عنه الا اذا شحت النقود في يده .. يروح يسأل عنه عمال الجمرك والمخازن ومكاتب الشحن والتفريغ واذا ما صادف وأن التقي به يبتسم في وجه ثم يطلب مالا .. يفرغ أخي محروس جيبه في يده ويعود إلينا محملا بحبة بطيخ كبيرة وكيس عنب .. تدرك أمي أنه تقابل وأخي محروس فتسأله عن حاله وأين يبيت ليلة فيبتسم أبيتسامة من يجهل الأمور ويقول :

– نسيت أنا أسألة

– أنت أمام المال تنسي نفسك …

– لا تزيدي حرفا واحدا …

وتضع أمي لسانها في فمها وتبتلع غصتها وتعطيه ظهرها حتي تقطع عليه طريق الخناق وفي الليل تضمنا الي صدرها وتغمغم :

– لو لا كما لغادرت البيت من زمن كثيرا ما تهجر أمي البيت لأسباب نجهلها … ونبقي أنا وسميرة وحدنا نخاف الليل الذي نقضيه وحيدين نبكي حتي يعود أبي من الخارج … يتساءل اذا ماتناولنا عشاءنا ننفي أننا ذقنا الزاد منذ مطلع الصباح … فيروح يزعق في الجدران ويعلن البيت وأمي ثم يبصق في فراغ الصالة ويخرج  ليشتري لنا بقرشين فول وبضعة أرغفة فوق حافة الكنبة ويدخن سيجارته محملقا في عوارض السقف الخشبية .. كان أبي يخفي استياءه وحزنه لغياب أمي وهجرتها للبيت طويلة .. لم يكن يظهر لنا رغبته في عودتها .. ينفخ ويصدر أصواتا كأنما يحدث نفسه … أخي محروس كان يذهب لها في ميت غمر يسترضيها ويذكرها بالأولاد ( يقصد أنا وسميرة ) ولكن لا شئ يثنيها عن عزمها .. ستبقي في بيت أهلها حتى ينصلح حاله .. وكلنا نعرف أن حال أبي لين ينصلح فقد ستمرأ الجلوس فوق المقاهي بلا عمل ونعلم أنه يجري وراء أم الشامية ونساء أخريات وكانت أمي تحيط بما يفعله في الخارج فتبصق في الهواء وتردد :

– نجس الذيل …

وأبي لا يني يهددها لأنه سيتزوج أول إمرأة توافق علي الزواج منه نكاية بها وضجرا من

أفعالها وصراخها في وجهه ليل نهار … وكنا وقت حرب 56 يوم هجرت أمي البيت مغلظة بأغلظ الايمان انها لن تعود اليه ولو أنطبقت السماء علي الارض … وطالت غيبة أمي كما طالت الحرب ولم تتوقف .. والقنابل فوق رؤوسنا تنفجر … وسيقطت بيوت كثيرة من حولنا وظل بيتنا واقفا في شموخ دون أن يسمة ضرر … وحين توقفت الحرب قال أخي محروس :

– حسب أمي هذا

ولم ينبس أبي … بحلق في وجوهنا ثم عاد الي سيجارته :

– سأذهب لاحضارها ..

حين عاد أخي من ميت غمر كان أخي السيد الذي عاد من البكاتوش ينتظر ليعرف اخبارها .. نظر أخي محروس في وجوهنا ثم انفجر باكيا :

– أمكم مريضة ..

صرحت سميرة .. وبكيت .. وارتبك أبي الذي يمع الخبر .. حاول أن يكون صلدا ومتماسكا تساءل بصوت فضح جزعة علي أمي :

– ماذا جري لها …

– الملاريا توشك أن تقتلها …

لم ننم … ظللنا وقتا طويلا ينظر كل منا للاخر دون أن ننبس بكلمة واحدة … وكانت عينا أبي محمرتين … ولكنه لم يذرق دمعة واحدة … حين تسللت خيوط السباح الي غرفتنا نهض أبي وغسل وجهه بالماء .. ثم قال : هيا بنا نزور أمكم