نشيد للزمن الجديد جيوكنده بيلي * Giocanda Belli ( نيكاراجوا 1948 )

نشيد للزمن الجديد جيوكنده بيلي * Giocanda Belli ( نيكاراجوا 1948 ) إلي شقيقاتي من الجيش السانديني . إلي توماس الذي عاش ليري الحلم . أستيقظ أنا المرأة الساندينية ، متمردة علي طبقتها امرأة مولودة بين وسائد حريرية وقصور براقة في سن العشرين مفاجأ بواقع بعيد عن فساتيني الرقيقة الموشا حلي الأثرياء رجال ونساء لا ثروة لهم سوي القوة والحركة المفاجئة ******** أستيقظ لأنشد عن الزلازل الأصوات الغاضبة اليائسة بعض أهلي يطالبون بحقوقهم الضائعة غاضبة في مواجهة البؤساء الذين احتلوا الميادين المسارح النوادي المدارس يرحلون الآن أكثر فقراً لكنهم يمتلكون الوطن ومستقبله كرماء بين الكرماء براكين تمخر عباب الحرب اشجار تنمو في عصف الريح ******* أستيقظ علي تعب العمل علي الموتي الذين لا زالوا بيننا مع الذين لا يموتون أبداً باتجاه قمة الجبل أعري لقبي وأسمي أهجرهما بين الأحراش أنزع عن ملابسي الخرق اللامعة أشعل الأفق اللانهائي أفق فجر العمال المشرق الذين يصنعون الطرق بعصيهم وجواريفهم يصلون اليوم بسلسلة القرون المكسورة النساء بفساتين الذرة يتركن خلف ظهورهن . – الأنهار تجري حرة في عروقهن – الاطفال الذين جاءوا في زمن الأمل ، أطفال لن يروا المزاد المحترق ولا الآباء المقتولين . ********* يأتي الناس بابتسامة يحملون الغد ، أنشد أشعاري بقيثارة التاريخ ، الذي يبدو لذيذاً يعلن عن الطلاوة في أجراس كنائس القري أصوات باعة الحليب والجبن صانعو الخبز . الحائكون والمزارعون . البسطاء المنتصرون علي الظلام وحبائل محترفي السياسة – سنوات طويلة يبيعون الوطن يهبون الأرض ، والعقل والشرف مهزومون الآن بالجموع التي تتدافع وتتفرق تصرخ بصوت شجاع لا يخجل ، نازعين عنهم الصمت رافضين أن يكونوا بلا حقوق أسود تدفع إلي الشمس غضبها الجميل أغني ، نغني ، حتي لا يتوقف صوت الزحف أبداً ..

نزيف النخيــل ………………… جميل محمود عبدالرحمن

نزيف النخيــل جميل محمود عبدالرحمن * للنخيل بأرضي .. علاقته بالمدي … والنخيل بأرض بلادي بفطرته مؤمن … والندي مطهر … يتقاطر في الفجر ..نهر حنان .. لكي يتوضأ منه النخيل ، وسجادة العشب .. مسجده الأبدي … فإذا صاح صوت المؤذن .. يتهجد قلب النخيل ويبكي كمن فتح مستشرفاً ..قارئاً .. في مرايا الأفق وطوايا الغيوب البكاء ..نحيب والدموع ..عبق آه يادرراً للتسابيح تهمي وأورادها تتزاحم منفطرات بأعماقه … فتميل جدائله للركوع .. ويساقط من جبهة السعف المتماوج . في سجدات القنوت ، جمان الندي .. لؤلؤاً رابتا فوق عشب الحقول .. فجأة حين هم نخيل بلادي لسجدته كان يسقط .. فوق بساط تهجده دم قتلي المصلين في ثالث الحرمين.. واليمام .. يخر ذبيحاً بسجادة العشب ماذا أصاب النخيل ؟؟!! تمدد خيط الدماء بحلق المآذن يسكب صرخته في ضمير البلاد … ويخبئ في رحم الأرض هذا الجنين الغضب .. ويخبئ في شجرالصبر غيماً عصوف الردي ويخبئ في نفق ” الأقصي ” الحجارة تشعل أيامنا الخاوي تستدير لنا بعدهم … ثم تطوي بنا صفحه باليه .. هل علي ” قبة الصخرة ” الآن ، يصعد سرب الحمام .. وتهتف عصفورة بالغناء ؟! أم النوح فوق نعوش المصلين ، صار النشيد الجديد ؟؟!! لم يجبني المدي وأجابت دماء النخيل

نثــار جمال الغيطاني *

نثــار جمال الغيطاني * أحاول استيعاب ما يقع عليه بصري ، ما أراه الآن وربما لن أعود إليه الكتب الصور المعلقة إلي الجدران ، لوحة تثبت مشهداً من الجمالية أو توحي به النافذة العريضة الأفق المفتوح الممتد كثيراًما توقف ضيوفي القادمون من الخارج اتجهوا إليه مباشرة أتبعوا فضولهم باستفسارات شتي تتوازي رغبتي في البقاء فترة أطول مع الشأن الذي احتواني سنين مع حرص علي الإسراع بالمغادرة الوقت المتاح قصير وما أرغب في إنجازه كثير إضافة إلي الضرروي . فتحت درج المكتب أقلب محتوياته بسرعة ودقة احتفظ فيه بالخطابات الحساسة تلك المتصلة بعلاقات قديمة أو مودات ذبلت لكنها تتردد بين حين وآخر كأصداء عناوين أصدقاء هنا أو هناك ، أرقام هواتف ، بعض صور تعد مرجعية للحنين والطواف بلحظات مندثرة . غداً أتأهب في مثل هذه اللحظة للسفر بعد أن أعددت الامر كله وتكيفت وصرت قابلاً لكل احتمال بهدوء محايد أحتوي المرئيات وأصفي الأحوال طوابع بريد لم استخدمها أقلام رصاص بطاقات حرصت علي الاحتفاظ بها يرن الهاتف . لماذا أرفع السماعة ؟لماذا أبدد وقتاً ثميناً صرت في حاجة إليه ، لكنني أخشي الرنين دائماً ، ذلك الحذر القديم من البرقيات ورنين الهاتف في أي لحظة . يمكن أن تبدأ المويجات العاكمة المؤججة لوقيد ينتشر في صدري لكنها لا تتوالي إلا ليلاً هل ثمة علاقة بين اندلاع الألم واستقرار الليل واكتمال عتمته ؟ رنين .. رنين .. أرفع السماعة يجيئني صوته من عمق . هادئ معقم . ذو مستوي خفيض لا يتقلقل ولا ينفعل واضح مخارج الحروف ألم يعمل مذيعاً محترفاً أكثر من خمسة وثلاثين عاماً قبل تقاعده ولأنه كان مثاليا ولائه وانضباطه وقدرته علي المسايرة المحكمة لم تلحق به الإجراءات التي طالت بعض زملائه من أصحاب الأسماء ذات الانتشار تكريماً له تم إسناد مهمة استشارية في مؤسسة جديدة ذات طابع استشاري يتقاضي العاملون فيها مرتباتهم بالدولار ويتحركون في مبني يحرسه أفراد من الأمن الخاص ، مكيف نظيف أخبرني من زاره إنه يجلس في غرفة فسيحة يغلب عليها اللونان الأزرق والأبيض لا توجد فوق مكتبه ورق واحدة يقول متباهياً لكل من يزوره أن هذا من علامات حسن الإدرة . والمسئول الناجح من لا يكدس الأواق أمامه هذا الخلو يعني أن كافة الامور جري البت فيها أمزق خطابين حرصت علي الإحتفاظ بهما عدة سنوات منذ وصولهما إلي علي مسافة متقاربة إذ أتطلع إلي خطها كأني أصغي إلي أنفاسها ، انقطعت فجأة عن التلقي والرد توقفت مدحوراً واكتفيت بالاستعادة عبر ما علق بروحي وذاكرتي . أين هي الأن إذا كانت حية تسعي ؟ وكيف تتلقي خبر اغترابي النهائي لو وصلها يوماً ؟ أسند السماعة إلي ما بين دماغي وكتفي . يحرر هذا الوضع يدي . يقول سيادته إنه أدار رقمي بمجرد دخوله الغرفة لأن ما فكر فيه طوال الليل قدر أن يفضي به إلي أن أكون أول من يحيط به علماً .أمزق دعوتين قديمتين إلي عرس لم أمض إليه لاأريد أن أدع ما يشير إلي أن تفاصيل تمت إلي حتي وإن تلح الآن غير هامة هذه البطاقات من رحلات مختلفة حصيلة سنوات من الترحال ما حاجتي إليها الآن ، لماذا أتركها للفضوليين ” ماذا تعني بالنسبة إليهم ، بل .. بالنسبة إلي الآن وها انا مقدم علي سفر بعد ساعات أحتمال عودتي منه تماثل اللاعودة وحتي لا يقض مضجعي وحتي لا ينتفي سهادي انتهيت إلي حال من الرضا بما سيكون وما يجري أقصي ما أنتظره إلا أنتظر شيئاً لذلك عكفت وأديت وآخر ما تبقي تلك الوريقات لكنه لا يعلم ولا أنوي إخباره بشئ لم ينتبه إلي محايدة نبري وردودي الصوتية النائية عن اللفظية . يقول إنه منذ صباه اضطر إلي ممارسة أدوار أكبر من عمره ، سيخبرني بما لم يطلعني عليه من قبل إنه شريف منحدر ، من السلالة النبوية الشريف ولديه شجرة معتمدة محورة بخاتم نقيب الأشراف في مصر ، وبطاقة تحمل رقم أربعة وأربعين يحتفظ بها في حافظة نقوده وبطاقاته الحساسة جداً ، التي تحوي تصاريح بدخول بعض الأماكن السيادية . يتمهل . أدقق أسماً أجنبياً من ؟ من صاحبه ؟ لكن .. لماذا أجهد ذاكرة مرهقة في الاستعاد وما تستهدفه التقاط التفاصيل الممكنة ؟ يقول إن وفاة والده المبكرة جعلته يرث المكانة المقدسة له وهو بعد في التاسعة اصبح مقصداً للفلاحين والبسطاء من أبناء البلدة سعوا للتبرك به ولمسه الحصول علي إثاره وفي المولد يركب حصاناً وعلي كتفيه الطيلسان والوشاح ومن حوله الزفة والطبل والزمر والدروايش إلي أين أدي هذا به ؟ أقطع الخطاب المكتوب علي ورق أزرق اللون ، ورد إلي صباح يوم من رئيس مجلس الإدارة يخبرني فيه بقرار جماعي يقضي بترشيحي مندوباً عن المؤسسة مندوب لماذا ؟ واين ؟ اقرأ الرسالة مرة أخري .. ياه هل من المعقول أن أنسي ؟ اذكر بئراً عميقاً في دير قبطي قديم ، لماذا قصدته ؟ يقول إنه انقطع عن اللعب مع أقرانه ذلك أن تصرفاته مرصودة فكل ما يبدر عنه أو يصدر منه يتم تأويله أو تفسيره كل حرف لكم ضاق .. بذلك لكم تمني أن يتسلق شجرة أو يركب حماراً بالمقلوب أو ينزل الترعة ليغطس بعض الوقت ، لكنه لم يفعل لم يتمايل في خطوة لم يسرع . آه .. تطل من جديد من خلال صورة نادرة كنت أخشي التطلع إليها ، ذلك أن مجرد النظر إليها يجهد قلبي ، لكنه الآن واستجاباته مقيدة بأدوية مهدئة وعقاقير سارية حتي يرسو عند اللحظة التي يطاله فيها مبضع الجراح ، كيف سيدو لمن سيراه بعد شق الصدر وارتفاع الحجب ؟ رغم كل شئ وإدراكي المحاذير أو شك علي ذرف دمعة ، هذه الصورة في ساحة المبني الذي يشغله الاتحاد شتاء قارس وحرارة لم اعتدها دون الصفر بكثير أقف مبتسماً بعد نزولي من السيارة فجأة رأيتها تخرج من باب جانبي .. يبدو أنها لمحتني من النافذة كانت ترتدي كنزة من الصوف الرمادي ، وبنطلوناً رمادياً أيضاً تركت معطفها وقبعتها الفرو بداخل .. صرخت مشفقاً عليها بافتسمت مسفرة عن فيض من فتوة وأقبال تبعتها صاحبتها الاكبر سناً وإليها يرجع الفضل في تثبيت اللحظة ، أطيل التحديق هل من المعقول أن أتخلص ؟ كيف ؟ يقول إنه فوجئ بمن يستدعيه ويكلفه بالسفر إلي ليبيا ، كان ذلك آخر عصر الملكية وبسبب خطأ سير ، غير مقصود في البرقية تأجل سفره ، قامت الثورة وفوجئ بقائدها يطلبه بالاسم كيف عرفت اسمه؟ لايدري كيف توصل إليه حتي هذه اللحظة لا يعرف لكن فيما بعد وصلت إليه روايات عديدة متضاربة وماذا لو عدت مرة أخري ، كيف يمكن لي استعادة هذه الصورة ؟ أنها الملمح الوحيد الدال عليها . لا يمكن .. تمزيقها يعني إفناء لحظة مجوهرة راسخة عندي طالما أمدتني بعون علي مواجهة اللحظات الوعرة . لابد من وسيلة ما لأبقيها فإذا .. انتبه هل انت معي ؟ طبعاً … طبعاً يتحدث من غرفة لابد أنها فسيحة هادئة درجة حرارتها مضبوطة مستقرة ، آخر مرة رأيته لاحظت صبغة مشعره الخفيفة ، صوته لا يعرف التعرجات الصاعدة أو النازلة أحدق إلي ما تبقي في الدرج استعيد لحيظات إقدامي علي فتحه، أول ما بدأ به نهاري هنا أضع المفتاح أديره المهم أن يظل الدرج متاحاً لي قبل انصرافي أغلقه متي يقدر لي أن أمد يدي أن أدير المفتاح مرة أخري ؟ يتخذ صوته درجة أقل خفوتاً يتأهب لاستئناف شئ ما كان يقوله .. يؤكد أنه لم يقصد ولم يكن في ذهنه أبداً ولم ينبئه أحد بالأماكنية المتاحة ، ولكنه الخط يتدخل مرة أخري ليدفع به إلي هذا الموقع الفريد . صعب المنال هكذا وجد نفسه مسولاً عن عدة آلاف في وضع حساس وفي فترة دقيقة كانت الأمور فيها تتجه إلي منحني وعر بالنسبة لجميع . أتأمل صورة عثرت عليها مدسوسة بين مظروفين طالما بحثت عنها ، صاحب حميم عن يميني .. ممتلئ فقد الكثير من وزنه الآن بعد تمكن داء السكر منه ، نجلس متجاورين نحدق إلي الأمام في اتجاه واحد مبتسمين آمنين إلي يساري صاحبي الآمن ، الذي كانت أوي إليه وأصغي لابتسامته بعد لا أقدر وعلي تعيينه . تلك أمور لا قابلية لها عنده لكنها المفارقات .. إذ تثري التفاصيل لا يدري أيضحك أو يبكي أنها ابتسامة ذات ملامح مألوفة ، لكن ماذا يصل منها ؟ لماذا غموضها ؟ لم أتصور الأم هكذا . إنها الأبدية أنها الأبدية هنا تبدو أهمية الرأي والمشورة طالما بحثت . طالما أملت في عثور مفاجئ واجهت ، قررت ، لكنني لم أستغؤرق مهما حاولت ، فلابد من مسافة ما غير أن لحظة معينة تحل فتجهيز علي أي بات إلي أين ؟ صعب هذا النزوع هذا التوق لكنه الأمر كله .. إذا بدا .. ماذا يبقي ، وماذا يبدو ؟

ملف خاص الشعر المعاصر في أمريكا اللاتينية ترجمة وتقديم : الدكتور / طلعت شاهين *

ملف خاص
الشعر المعاصر في أمريكا اللاتينية
ترجمة وتقديم : الدكتور / طلعت شاهين *
الأدب المكتوب باللغة الإسبانية ( القشتالية Castellano  في أمريكا اللاتينية مختلف تماماً عن الأدب المكتوب في اسبانيا رغم وحدة اللغة المكتوب بها ، وهذا يعود بالدرجة الأولي إلي اختلاف طريقة التناول للواقع وروح الكتابة التي يشعر بها الكاتب الأمريكي اللاتيني الذي يعيش حضارة مختلفة نتجت عن تمازج الحضارات القديمة المايا Maya  والأثنيكا Alzeca  والكيتشوا Quechoa  وغيرها من الحضارات التي كانت قائمة قبل غزو كولومبوس لتلك الأراضي عام 1492 – في تلك البلاد بالحضارة الأوروبية المعاصرة التي انتقلت إلي العالم الجديد مع الفتح الأسباني لها قبل خمسة قرون وعبر الكاتب الاسباني ميجيل دي اونامونو عن هذا الاختلاف في رسائل تبادلها مع الكاتب والشاعر النيكاراجوي روبين داريو صاحب الفضل الأول في تحرر أدب أمريكا اللاتينية من التأثير الكاسح للتيارات الاوروبية ، وأول من وضع أسس الأدب الحديث أو ما يسميه النقاد باسم ” المودرنيزمو El Modemismo  الذي كان أكثر تأثيراً علي الكتاب الاسبان من تأثير التيارات الأوروبية الأخري التي كانت سائدة في ذلك الوقت .
فقد اعترف أونامونو بأن الكتابة في أمريكا اللاتينية تبدو كلما لو كانت مجرد لعب بالألفاظ وهو ما يؤكده واقع الكتاب التي يجب أن نقبلها علي هذا النحو دون اعتراض مع وجود خطورة في ألا نكون علي قدر الفهم المطلوب وذلك لأن تلك الكتابة تأتينا من العالم الجديد في وقت كانت تعيش فيه إسبانيا وجيل 1898 حالة من التشوش نظراً للتوجه الفردي والشعوبي الذي يحكم تاريخها وثقافتها ،وهو ما يتطلب منا العودة إلي الجذور الروحية للتراث التي تكاد تفلت من بين أصابعنا بسبب تراكم الانحطاط الذي حل بنا طوال عصور عديدة فقد كتاب يقول :
” أنا أري في حضرتك كاتباً يريد أن يقول باللغة الأسبانية ما لا يستطيع أن يقول المتحدثون بها ولا فكروا في قوله أبدا ، وما كان يمكن أن يعتقد أحد في ذلك قبل اليوم ” وكما يقول خورخي روديجيث باردون فإن هذه اللهجة التي يتحدث بها الكاتب الاسباني إلي زيمله النياكراجوي روبين داريو فيها من إحساس الأبوة أكثر من الإحساس بالدهشة التي تدل دلالة طبيعية علي عدم الفهم لما توصلت إليه الكتابة الأدبية في أمريكا اللاتينية وصل الغزاة الأسبان إلي العالم الجديد حاملين معهم ثقافتهم المتطورة عبر عناصر عصر النهضة التي كانت تحتويها الثقافة الأوروبية في ذلك الوقت ، ولكن الأسبان لم يتوصلوا إلي لغة مشتركة للحوار الذي لا مقر منه مع أولئك الذين يقيمون في العالم الجديد ، ولا حتي مجرد فهم واقع تلك الأرض الجديدة وبدا واضحاً أن اسبانيا كانت تهدف إلي زرع ثقافتها في ذلك العالم بكل الوسائل بغض النظر عن الثقافات القائمة هناك وبعضها كان قد وصل إلي درجة عالية من التقدم .
لذلك لم يكن هناك مفر من نشأة ثقافة جديدة لم يسبق لها مثل تنتج عن المزج بين ما هو قائم في أمريكا اللاتينية قبل الفتح وما هو قادم مع الغزاة الاسبان هذه الثقافة التي شكلت هوية شعوب جديدة نتجت في معظمها عن التمازج بين الأصيل في تلك البلاد والعناصر الوافدة وكما يري الكثير من الباحثين فإن الحضارات التي بدت متباعدة جداً في أصولها وعناصرها تمكنت من التقارب في ظروف خاصة ونادرة وخلقت شكلها الجديد  والخاص ، وإن كان الظاهر يبدو أن الشعوب الأصلية كانت لثقافتها الغلبة في النهاية لأن الثقافة الغازية لم تتمكن من فرض شروطها رغم تمتعها بالقوة التي مكنتها من الفتح  فإن الشعوب الأصلية في تلك البلاد والتي يطلقون علي أفرادها اسم ” الهنود الحمر” تمييزاً لهم عن الشعوب التي تسكن الهند الآسيوية ، استقبلت الثقافة القادمة من أوروبا كبذرة لنبت جديد ونمت تلك النبتة الجديدة كما لو كانت تطوراً جديداً في حضارة تلك البلاد التي سرعان ما تفردت بثقافة جديدة لها تطورها الخاص بعيداً عن الثقافة الأوروبية التي وقفت عند حد التلقيح .
كان الشعر بالطبع من أوائل الأنواع الأدبية التي أنتجتها تلك البلاد ، ولكن البدايات كانت مجرد تقليد للشعر القادم مع المستعمر الأسباني تماما كما كان المسرح ، بل بدأت بعضها علي ايدي أحفاد الإسبان الغزاة ومع مرور الوقت تطور الأمر بدأت الأجيال الجديدة تعرف طريقها إلي إبداع أمريكي لا تبني خالص علي الرغم من وحدة اللغة مع كتاب اسبانيا.
وكان عام 1888 الذي أصدر فيه الكاتب النيكاراجوي روبين داريو بداية حقيقة لانفصال الشعر في أمريكا اللاتينية عن تبعية الشعر في اسبانيا بل أن تأثير كاتبه ” أزرق Azul ” امتد إلي الأجيال الجديدة التي تكتب الشعر في أسبانيا وربما كانت الرقعة الجغرافية الواسعة التي تمتد عليها أمريكا اللاتينية كقارة وما يعني ذلك من تنوع في نطق اللغة وكتابتها إضافة إلي التأثيرات المحلية الخاصة بكل منطقة اثرها في تعدد مشارب شعراء تلك القارة وموضوعاتهم وطريقتهم في تناول تلك الموضوعات حتي اصبح التعامل مع كل إنتاج أمريكا اللاتينية بشكل جمعهي صعبا للغاية .
بلغ العديد من شعراء القارة القمة في الإبداع وحصل عدد منهم علي جوائز نوبل مثل ” جابربيلا ميسترال ” التي حصلت عليها عام 1947 أو أوكتافيو باث الذي حصل عليها عام 1990 فاز عدد كبير منهم بجائزة ” ثرافانتيس ” التي تمنحها الأكاديمية الإسبانية لأفضل الكتاب الناطقين باللغة الإسبانية والتي يعتبرونها بمثابة جائزة نوبل للأدب المكتوب بتلك اللغة.
ونظراً لصعوبة الحديث المفصل عن الكتابة الشعرية لدي كل دولة من دول أمريكا اللاتينية علي حدة أو الحديث عن كل حركة من حركات التجديد الشعري فيها بشكل مفصل فإننا نقدم هنا نموذج لتلك الكتابات مع مقدمة صغيرة للتعريف بكل شاعر حتي يمكن للقارئ أن يلم بشئ من المعرفة حول كل منهم ، ونترك للقارئ أن يتعرف علي جانب من الكتابة الشعرية في أمريكا اللاتينية من خلال تلك القصائد التي أخترناها من بين مئات القصائد التي كان يمكن أن تصلح للترجمة لتوسيع دائرة معرفتنا بهذا الشعر ، لذلك نعتذر مقدماًُ عن عدم القدرة علي أن يحتوي مثل هذا الملف علي كل شعر أمريكا اللاتينية المعاصر ، وإنما هي مجرد نماذج ربما تفتح الباب أمام غيرنا من المتعاملين مع هذا الأدب المكتوب في تلك البلاد بهذه اللغة لتوسيع دائرة المعرفة به .
أغنيات في البحر
جابرييلا ميسترال *
Gabriela Mitsral
التشيلي 1889 – 1957
1- القارب الرحيم
احملني يابحر
علي ظهرك في هدوء
لأنني أذهب متألمة
آي ايها القارب ، أشعر بضلوعك
التي تصل الجرح
*************
أبحث في أمواجك الحية
راكعة عن رقة
أنظر إلي بحر
بنظرة إلي وجنتي
تعرف ما تحمل
**************
ما بين أحمال الفاكهة الحمراء
وحبالك العفية
وركابك الممتلؤون بالأمل
تحمل جسدي النحيل
*****************
بعدها تعود بالفاكهة فقط
وأشرعة مفرودة
وفي طريقك يا بحر
عند هذا الجسر ،
تهز الجرح
2- أغنية الذين يبحثون عن النسيان :
علي حافلة القارب
قلبي ملتص
علي حافة القارب
الموشي بالزبد
******
أغسله يا بحر ، بملح قوي
اغسله يا بحر ، بمقدمة القارب
لأنني لا أريده أن يحملني بعد الآن
******
سكبت كل حياتي
علي ظهر القارب
شكلها يا بحر في مائة يوم
تكون فيها مسكونة بك
******
شكلها يا بحر برياحك المائة
اغسله يا بحر ، اغسله يا بحر
غيري يطلب منك ذهباً ولؤلؤاً
أنا أطلب منك النسيان
******
ولكنها اختارت اسما مستعارً مركبا من اسم الشاعر ” جابرييل دانوزيو ” التي كانت معجبة بكتاباته كثيراً من عائلة فقيرة حيث كان أبوها يعمل مدرساً بإحدي المدارس الريفية لكنه سرعان ما ترك مهنته ليعمل في مهن أخري بدأت الشاعرة ، دراستها العلمية عندما كانت في الخامسة عشرة نظرة لصعوبة الحياة التي كانت تحياها ومحيطها الريفي وسرعان ما بدأت تنشر قصائدها الأولي في الصحف والمجلات المحلية .
لكن سرعان ما تركت الدراسة بسبب تعصب أحد رجال الكنيسة ضد كتاباتها لأنها في رأيه كتابات غير أخلاقية ولا تتفق مع المدرسة الكنسية التي كانت تتلقي فيها علومها لكنها اتجهت نحو العمل في مدارس الأطفال الريفية حتي وصلت إلي أن تكوين مديرة لإحدي هذه المدارس الصغيرة .
وعندما بدأت شهرتها اختارتها وزارة التعليم المكسيكية لتكريمها ومنحتها منصباً شرفياً للمساعدة علي إصلاح التعليم الأساسي هناك .
وفي عام 1925 اصدرت الحكومة التشيلية قرار بتعيينها سفيرة متجولة لبلادها
حصلت علي العديد من الجوائز الدولية والوطنية ولكن كان حصولها علي جائزة نوبل للآداب عام 1947 قمة مسيرتها الإبداعية ولتكون أول كاتبة من أمريكا اللاتينية تحصل علي هذه الجائزة العالمية وتوفيت عام 1957 م .

مقاطع من قصيدة الرؤية في ليلة معتمة ارنستو كاردينال * Eernesto cardinal

مقاطع من قصيدة
الرؤية في ليلة معتمة
ارنستو كاردينال  *
Eernesto cardinal
الحبيب والحيبة
الحبيبة ترقب القمر الصاعد
دراجة بخارية تثير الضجيج
في الشاعر
الحبيب يسير إلي ساعة النوم
ببطء
******
أنا ولدت لحب متطرف
ربما كان ذلك السبب
في أن كلا منا يفهم الآخر
ربما أكون أكثر تطرفاً منك
ما زلت أشك أني أعرفك
******
ما يؤكد الحقيقة
أنها ليست محض خيال شخصي
أنك لا تمتعني بحبك
أيها الحبيب الغامض
أنت لا ترويني
لا أريد إلا أن أكون بقربك !
******
ما الذي أجنيه من جمال القمر
ما لم أكن معك ؟
أنا لا أرغب في أن أرقبه علي سطح البحيرة
يتجمل القمر لغيري
همهمات الليل الغامضة ليست لي
ما لم تكن معي
*******
يفصل بيننا زجاج متوحش
جحيم لا نهائي بيني
وبين رغبتي في عناقك
ربما أعانقك أ أرنو إلي عناقك
******
أنظر أيها الحبيب
إلي تلك الحديقة ” المدريدية ”
أيها الحبيب النوراني
انظر إلي تلك الأجساد
التي تتعانق
إذا لم تكن تحبني
أنا أحبك
قل لي
ما الذي يجمعنا في هذا العالم ؟
كما لو كنا في عالمين متوازيين .
*********
لو سمعوا ما أقوله لك أحياناً
لشعروا بالخجل
لا تهموني بالتمرد
لكنك لا تفهم دوافعي
تعرف أني أهزل
تلك الأشياء
يقولها العشاق في السر

مطارحــات العزلـــة عصام ترشحاني *

مطارحــات العزلـــة
عصام ترشحاني *
الشعلــة
في الشعلة روحي …
فوضي أجنحة الضوء …
وموسيقا الأضداد
جسد آخر للحلم
هراء يتلظي
وخيول نحو مصائرها تسعي ..
في الشعلة ..
ماء القلب
ورجع المطلق ..
قلق .. مأهول بالرؤيا
ونزيف أزرق …
أو ليس أمير النار .
بذك العزف الغجري
يشي بظلام أدهي شجناً
وألذ سقوطاً
في هذا الوطن المفتوح ،
علي المغلق .. ؟
البيت الآخر للشعراء
في الغرفة  ،
حيث المتذكر ،،
والحالم والمتخيل ”
كان الظل المتوحد فينا
يرتجف كأوراق الماء ..
كانت موسيقاك الخضراء
تراقص جسدي …
وفراشاتك ترغب ،
أن ينقض النجم علينا
في الغرف
والوقت حريق مقفل
تزداد العزل وعياً
وأصابعنا البيضاء خلاء
يرتفع البحر .
إلي مملكة الحلم الأولي
والغيمة فينا
تلو الغيمة تهطل ..
حراث المبهم
تأتين ،
كما لغتي السرية في الحلم ،
متاهات مبهرة ،
يتصاعد منك السحر  ،
كأرض فاغمة عذراء..
تأتين
فأغمض جفن الكون عليك
وحين المصباح الريان ،
بصوت وردي يتألم
أتصاعد
في أحلامك ،
تورية للنار ،
أنا .. حراث المبهم ..
انتظــار
علي شرف الفجر ،
كان الغناء
وكنت أنا
بانتظار التي
تحمل البحر لي …
كيف لم أنتبه للنجوم ..
وقد بلل الماء ،
جسم السماء …

مصرع الذئب ألفريد دي فيني ** Alfred De Vigny ترجمة أ.د./ أحمد فؤاد ***

مصرع الذئب
ألفريد دي فيني  **
Alfred De Vigny
ترجمة  أ.د./ أحمد فؤاد  ***
جاء الذئب وجلس رافعاً رجليه من الأمام .
غارسا أظفاره في جوف الرمال .
وعند المفاجأة شعر أنه هالك لا محالة .
فأمسك بفمه واسنانه الناري الملتهبة .
أشرس كلابنا حتي تدلت رقبته .
وأطبق علي الرقبة بكل أنيابه الحديدية .
وانهالت طلقاتنا النارية علي جسده .
وانغرست حرابا فيه من كل جانب .
وتغلغلت بين أحشائه الغليظة .
ولكنه ظل ممسكاً بالكلب حتي خنقه وألقاه .
وأخذ – بعد أن تركه – يرمقنا بنظراته .
وغم حرابنا المغروسة إلي آخر بطنه .
وبنا دقنا المحيطة به من كل جانب .
أخذ يلعق دمه السائل بشدة علي فمه .
ودون أن يفكر لحظة أنه هالك وللحياة مفارق .
أغلق عينيه الواسعتين وأسلم الروح في صمت .
قلت في نفسي : إنني بشر إنسان .
ولكن أخجل من شدة ضعفي أمام النوائب .
عرفتم معشر الحيوانات كيف تفارقون الحياة .
وتتغلبون علي أدوائها وشروها .
وشاهدتم ما علي الأرض وما يتركه البشر فوقها .
فآثرتم عظمة الصمت لأن ما عداه ضعف فهمتك جيداً أيها الذئب الشرس .
ونفذت  نظرتك الأخير إلي القلوب .
كأنما تقول : أيها الإنسان .
فارق دنياك بعد قسوة العمل وشدة الفكر .
وكأنك ولدت في الأدغال وعشت فيها مثلي .
أعلم أن الأنين والبكاء والرجاء حين
عليك أن تأخذ بقو ما كلفت به من مهام .
ثم سر في طريق إرادة القدر .
وبعد هذا تألم ومت وفارق الدنيا .
ولكن في صمت وبلا صوت .. مثلي أنا

مشكلات النص النقدي في ضوء نظريات النص الأستاذ الدكتور / عبدالستار جواد *

مشكلات النص النقدي في ضوء نظريات النص الأستاذ الدكتور / عبدالستار جواد * إمبسون تتنبأ بشمولية النص وتعددية المعني . يحاول النقد الأدبي اليوم أن ينشئ أدباً “خاصاً ” به . عند موت المؤلف تلتقي البنيوية مع التفكيك . تعدد الدلالات هو العمود الفقري لنظريات التلقي والتفكيك . مخاطر تخويل القارئ حق إعادة كتابة النص . أهم أنواع النقد هي تلك التي يمارسها كاتب ماهر مدرب . لم يعد النص النقدي تعليقاً “تقليدياً” علي الأعمال الأدبية ، أو أنطباعاً “ذوقياً” صادراً “عن ذات الناقد أو ضرباً ” من النقاش الأدبي الذي يستند إلي معايير نقدية راسخة توارثها النقاد منذ أرسطو النص النقدي اليوم تتجاذبه اتجاهات ومذاهب مختلفة يمسك كل واحد منها بعباءته من طرف ، وصارت تعصف بكيان النقد ريح صرصر تهب من الغرب تحمل معها البنيوية والتفكيك ، ومن الشرق آراء الشكلانية الروسية وطروحات الماركسية الأدبية . اليوم يمكن النظر إلي النص النقدي علي أنه نسيج معقد أو كرة زجاجية تعكس ما لا يحصي من الألوان وبذلك فقد الناقد الكثير من فرادته وأصبح يمارس لعبة التناص بوعي أو لا وعي ، وإذا كان النصف الثاني من القرن العشرين شهد ولادة الكثير من المدارس النقدية والاتجاهات الأدبية والفنية ، فإن هذه الولادة المتسارعة المحكومة بالأزمات أدت إلي الغاء الكثير من المناهج النقدية الرصينة دون أن تطرح النموذج الذي ينير النص الأدبي من كل جوانبه وتحقيق المعني هذه الحالة بالطبع جعلت العملية النقدية أسيرة النزعات الفردية وحالات الانبهار بكل جديد يحمل لغة مراوغة حتي فقد النص النقدي وظيفته في إضاءة العمل الأدبي وصارت النصوص النقدية تقرأ علي أنها نصوص إبداعية تحتاج لفك مغاليقها إلي نقد حداثوي جديد يهبط من علياء ذلك العالم الصوفي الذي تعيشه الحركة النقدية . بعض النقاد جعلوا النقد غايتهم الوحيدة وأهملوا وظيفة النقد الأساسية في تبيان جماليات العمل الأدبي ونواحي القوة والضعف فيه وتحليل عناصره الإبداعية وإنطاقه عن كامن معناه وخفي مغزاه ، ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا ذهبنا إلي القول بأن النقد الأدبي المعاصر يسعي لتأسيس أدبية النقد وتحقيق نهضة فكرية يكون النص النقدي فيها نداً “مساوياً” للنص الادبي وهذا النقد الجديد له لغة خاصة به ليست أقل أبداعاً من لغة الأدب وبذلك تكون اللغة الشارحة أو الميتالغة Meta Language التي تحدث عنها رولان بارت بمستوي اللغة الأولي ولا يجوز النظر إليها علي أنها لغة ثانوية كما ذهب البعض من الكتاب . إنها تمارس اللعب الحر بالكلمات تماماً ” مثل اللغة الأدبية ، ومن أبرز النقاد الذين تبنوا هذا الاتجاه التفكيكيون الأمريكيون الذين لا يؤمنون بأن للنقد لغته الخاصة التي تختلف عن لغة النص الأدبي وفي طليعة هؤلاء جفري هارتمان G.Hartman الذي يقول : “يمكن للتعليق الأدبي أن يعبر الخط ويصبح ملحاً ” له نفس حقوق الأدب أنه لون لا يمكن التنبؤ به وغير ثابت لون لا يمكن تحديد تبعيته بصورة مسبقة لوظيفته المرجعية أو التعليقية .. لكن يجب أن تصل قوة النقد إلي درجة لا يصبح معها المقال النقدي مكملاً ” لشئ آخر ، يجب أن يحدث انقلاب يصبح معه هذا العمل الثانوي عملاً ، أولياً (1) . في الحقيقة من حق النقد أن يؤسس عالمه الإبداعي ومن حق الناقد أن يري نفسه مع المبدعين ومن حق لغ النقد أن تزهو بمكانتها كلغة إبداع شأنها شأن لغة الأدب ولكن ؟ إذا كان الأديب أو الشاعر يصور الحياة ويجسد الواقع في عمل إبداعي أصيل ويحول تجارب الحياة الساخنة إلي نصوص جمالية فإن وظيفة الناقد تتمثل في تحليل الأعمال الأدبية وتقويمها وإضاءتها ومساعدة القارئ الاعتياد يعلي إدراك جمالياتها ، فالناقد هناوسيط بين المؤلف وبين المتلقي ولكنه ليس وسيطاً “سلبياً ” بل طرف فاعل في هذا الثالوث الأدبي . إن المعني الشائع لكلمة نقد هو تبيان الأخطاء “والناقد” رقيب يرصد الهفوات إلا أن الرحلة الطويلة التي قطعتها مسيرة النقد الأدبي عبر السين ، جعلت النقد ممارسة إبداعية تستجلي في الأعمال الأدبية عناصرها الجمالية وقيمها الفنية وما تنطوي عليه من تجربة حية تجسدت في نص إبداعي . لقد صار جمهور الأدب يتوجه للناقد بوصفه مختصاً في هذا الحقل المعرفي عارفاً بأسراره قادراً علي إدراك مغزاه أفضل من سواه بحكم ما تمرس به من متابعة جادة للأعمال الأدبية وتقويمها في ضوء المعايير النقدية والجمالية الراسخة ، فالناقد الحصين هو الأقدر علي تحليل النصوص واستجلاء جمالياتها . يتساؤل الشاعر الإنكليزي وليام هنري أودن W.H.Auden (1907 – 1973) عن مهمة الناقد الادبي فيري فيه ذلك الذي يستطيع أن يقدم له الخدمات الآتية (2) : يعرفني بالمؤلفين أو الأعمال التي أجهلها . يقنعني بأنني قللت من قيمة مؤلف أو عمل أدبي . يبين لي العلاقات بين الأعمال الأدبية في مختلف العصور والثقافات والتي لم أكن ابدا قادراً علي رؤيتها بنفسي لأنني لا أمتلك المعرفة الكافية . يقدم لي “قراءة ” في عمل أدبي تزيد من فهمي له . يسلط ضوءاً علي عملية “الخلق” الفني . يلقي الضوء علي علاقة الفن بالحياة والعلوم والاقتصاد والاخلاق والدين وغيرها . إن نظرة أودن هذه لوظيفة الناقد لا تختلف عن نظرة استاذه إليوت التي أوضحها في مقالة مشهورة بعنوان ” مهمة النقد ” نشرها عام 1923 وعرف فيها النقد بأنه التعليق علي الاعمال الأدبية وعرضها عن طريق الكلمة المكتوبة ونفي فيها أن يكون النقد نشاطاً لا هدف له خارج ذاته بل إنه يوضح الاعمال الفنية ويعمل علي تصحيح الذوق (3) ، وقد تبني النقد الجديد في أمريكا الكثير من آراء إليوت وريتشاردز إلي حد أنهما يعتبران من أهم أقطابه إلي جانب بروكس وبيرك وتيت ورانسوم ووارين . إلا أن ظهرت حركات نقدية جديدة أدي إلي غياب المفهوم التقليدي للنقد الأدبي وإلي بروز اتجاهات ومشاريع يلغي بعضها البعض الآخر مما ادي إلي خلق حالة من الفوضي النقدية ألقت بظلالها الكثيفة علي دور الناقد ومهمة النقد . ومن أبرز هذه المشاريع النقدية إذا جازت لنا هذه التسمية هي المشروع البنيوي والتفكيك ونظرية التلقي ودور القارئ إلي جانب نظريات التفسير والتأويل ونظرية النص التي جاء بها رولان بارت . وإذا ما أردنا تسليط الضوء علي إشكالية النص النقدي المعاصر ، كان لابد من تقديم عرض موجز لمسيرة النقد الادبي والمأزق الكبير الذي أنتهت إليه البنيوة والتفكيك وبقية الاتجاهات التي أعتمدت علي علوم ومعارف خارجية سعت لإدخالها قسراً في بعض الأحيان في صلب العملية النقدية . ولعل من المناسب الوقوف عند النقد الجديد الذي التقت معه البنيوية في عزل المؤلف عن النص الذي كتبه ، وقد وجدت فيه ضالتها فالنقد الجديد New Criticism أو ما يسمي أحياناً بالنقد الشكلاني Formalist criticism نشأ في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين علي يد نخبة من النقاد أبرزهم : John Crowe Ransom Allen Tate R. P. Blackur Robert Pan Warren Cleanth Brooks . وقد استمدت هذه الحركة النقدية اسمها من كتاب رانسوم الذي نشره عام 1941 بعنوان The New Criticism الذي ناقش فيه طبيعة الحركة ونشأتها في الولايات المتحدة في الثلاثينيات وما ناظرها من حركات نقدية في بريطانيا ريتشاردز I.A. Richards وإليوت T.S.Eliot وإمبسون William Empson تنظر هذه المدرسة النقدية للعمل الأدبي علي أنه كيان مستقل تم بناؤه بعناية فائقة ولذلك لا تكترث هذه المدرسة كثيراً بالمؤلف أو حياته أو بالظروف التي برز العمل الأدبي فيها ، بل إنها تعتمد إيضاح النص القائم بذاته والذي لا تعتبره جزءاً من سياق أكبر ، وقد أطلق علي هذا النقد وصف الشكلاني Formal أيضاً لتأكيده علي شكل Form العمل الادبي وعلاقات عناصره كبناء الحبكة وتباين الشخوص . ووظائف القوافي ووجهات النظر وما إلي ذلك ولكن أتباع هذا الاتجاه رغم تبنيهم للنظرية الموضوعية في الفن لم يفلحوا في تشكيل مدرسة نقدية ذات منهج ولذلك وصفت حركتهم بأنها مجموعة مواقف أدبية أكثر مما هي نسق نقدي منظم ، أن النقاد الجدد يمثلون صرخة احتجاج قوية ضد التقاليد النقدية وضد الأسلوب الآلي في دراسة النصوص الأدبية وقد صبوا اهتمامهم علي المعني الضمني للنص Intrinsic ورأوا من واجبهم اكتشاف قيمة هذا النص الأدبية وتقديمها للقارئ الذكي . وقد شمل احتجاجهم الرومانسية ومبادئها في الإفصاح عن الذات ونظريتها التعبيرية في الفن وفلسفتها الكمالية Perfectibility ولذلك تبني النقاد الجدد مفهوم الفنان اللاذاتي أو الموضوعي Impersonal الذي نادي به إليوت كما أنهم تمدوا علي الانطباعية في النقد وتبنوا بدلاً ” عن ذلك منهجاً ” يعتمد التحليل الدلالي وطرحوا رأيهم في أن قيمة العمل الفني والأدبي تتبع من خصائصه الداخلية وأن الأدب لا يمكن أن يقيم وفق مصطلحات عامة أو لا تخص العمل الأدبي ذاته . وقد انصب اهتمام النقاد الجدد علي : – الصورة Image . - الرمز Symbol – المعني Meaning ولذلك وجدت المشاريع النقدية اللاحقة في النقد الجديد نقطة انطلاق قبل أن يحصل الفراق ، فمن المعروف أن هذه الحركة النقدية أولت اهتمامها منذ البداية للاستجابة الشخصية للعمل الأدبي ، أو موقف المتلقي من العمل الأدبي ولكنها مضت قدماً في تفسير التلقي عن طريق تحليل العمل الأدبي تحليلاً دقيقاً قائلة بأن المؤلف صاغ قصيدته أو مسرحيته أو قصته بشكل كامل بحيث أن النص يوجه استجابات القراء ، لكن الافتراض بأن ” المعني ” متموضع بشكل كامل في النص ، شكل نقطة الافتراق مع الحركات النقدية ، لاسيما نظرية النص ونظرية التلقي والتفكيك التي طرحت فكرة القارئ المقاوم resisting reader (4) والذي بإمكانه وحد استخلاص معني النص وأن لا دور للمؤلف في توجيه القارئ أن نظرية النقاد الجدد في أن للنص معني “ثابتاً ” يدركه القارئ المتمكن ظلت سائدة حتي السبعينيات من القرن العشرين حيث ظهرت حركات أدبية ونقدية جديدة تجاوزت النقد الجديد الذي كان قد وضع نهاية للنقد التاريخي والذاتي . ومن المهم التنبيه هنا ، أن النقد الجديد في تركيزه علي النص وقيمه الجمالية ورسوخ معناه لا يلغي المؤلف كما نادت البنيوية ونادي التفكيك ولكنه في الوقت نفسه لا يعطيه تلك الاهمية التي كان يعطيه إياها النقد التاريخي أو الرومانسي إن مناداة النقاد الجدد بتحليل النصوص بعيداً عن المؤلف والقارئ لتحقيق الموضوعية القائمة علي التجرد من الذات قد شكل نقطة التقاء مع التفكيك في أميركا علي يد هارتمان مللر دي مان وبلوم . ومن الملفت للنظر فشل النقد الجديد في الوصول إلي نظرية نقدية متكاملة بسبب عدم استناده إلي فلسفة واضحة في الوقت الذي لاقت آرؤه توافقاً واضحاً مع الكثير من آراء الفلاسفة الألمان . يري هرش E.D. Hirsch أن المؤلف يتمتع بحق الملكية في معني النص وأن أي شخص يخرق هذا الحق إنما يقوم بعمل غير صحيح (5) ، إن “المعني” عند هرش هو ما يحمله المؤلف في ذهنه وإن ما يكتشفه المفسر في النص إنما هو “دلالة” وقد ذهب بعض الكتاب إلي أبعد من ذلك بقولهم إن المعني كامن في الكلمة التي صارت من لحم ودموقد عومل النص علي أنه قول إلهي ولذلك له معني حقيقي واحد فلا مراوغة في كلام الله وإذا ما أريد صيانة كلمة الله خالصه فيجب أن تفسر بلا تناقض من لدن القادة الروحيين في الأرض (6) . ولعل من المناسب الإشارة إلي أن إمبسون كان تنبأ بشمولية النص الذي جاءت به ما بعد البنيوي قد فتح هذا النقد الموهوب “تعددية المعني ” حين شغل نفسه في الكيفية التي يفسر بها القارئ المعني وليس ما يجري داخل النص وأطلق علي ذلك “تعددية الدلالة ” Multiple Significance ” سبعة أنماط من الغموض ” الذي نشره عام 1930 وكان حدثاً ندياً كبيراً إذ عد عدم الدقة في المعني من مزايا الشعر الكبري وليس من نقائصه كما كان ينظر إلي ذلك في السابق : “إذن فقد يكون للكلمة الواحدة عديد من المعاني المتمايز وعديد من المعاني المرتبطة أحدها بالآخر وعديد من المعاني التي يحتاج وأحدهما إلي الآخر ليكمله ، أو عديد من المعاني التي تتحد معاً حتي أن الكلمة تعني علاقة واحدة أو سياقاً واحداً ،وهذا مساق يستمر مطرداً “فالغموض ” معناه أنك لا تحسم حسماً ” فيما تعنيه أو تقصد إلي أن تعني أشياء عديدة وفيه احتمال أنك تعني واحداً أو آخرمن شيئين أو تعني كليهما معاً ، وإن الحقيق الواحدة ذات معاني عدة (7) . وإذا كان إمبسون من بين مؤسسي النقد الجديدة وإن الكثير من آرائه قد تبناها النقاد التفكيكيون في أميركا ، فهل يصح القول بأن المدرسة الأمريكية انطلقت من النقد الجديد وليس من آراء دريدا الذي جاء إلي أميركا بآراء فرنسية ؟ إن رولان بارت ( وهو بنيوي وما بعد بنيوي في آن واحد ) أفاد من النقد الجديد ولكنه غادره بعدة طرق : 1- يعتقد بارت أن النقد يقع في ذات الخطاب الذي يقع فيه الأدب ، ذلك أن كلاً منهماً جزء من النص العام general taext . 2- إن نص الكاتب Writerly text شمولي بمعني أكثر تطرفاً من الصورة اللفظية Verbalicon لأن معني النص لا يمكن أن يكون محدداً فهناك أنظمة معني جديدة يمكن دوماً أو تؤثر فيه . 3- إن ذاتية القارئ ؟ الكاتب ليست أقل شمولية من النص فالنقاد الجدد كتبوا كما لو أن خطابهم كان خالصاً :تماماً ولايثير جدلاً ، وأن نظرية النظام عند بارت تختلف جذرياً عن فكرة النسق البنيوية الأكثر ألفة فالبنية التي تنتجها الأنظمة Codes ليست ثابتة ولكنها مجموعة من الدلالات المتعددة المتزايدة علي الدوام إنها الاتساق التي تعمل عملها في كل نشاطاتنا التفسيرية وتعيدنا إلي النطفة الأولي اللغوية والنفسية والثقافية (8) . والواقع هو أن مفهوم “المؤلف ” كمصدر وحيد لعمله الادبي لم يرد في الكثير من النقد الأدبي السابق أو الدراسات النقدية التي تناولت فن الشعر هناك الكثير من الآراء النقدية السابقة للبنيوية والتفكيك والتلقي تضع الإبداع خارج سيطرة المؤلف الواعية ومن المعروف أن النظرة الكلاسيكية تري أن الشاعر لا يخلق القصيدة وإنما هو وسيلة ملهمة للإبداع القدسي (شيطان عبقراً وحوريات البحر) . أن الكثير من النصوص النقدية الكلاسيكية والرومانسية علي حد سواء تفصح علي أن “التلقي” Response – Theory قد سبق البنيوية والتفكيك وكان إليوت قد أدخل مفهوم اللاذاتية impersonality في قوله بأن القصيدة ليست انعكاساً لعواطف الشاعر فهو يري أن القصيدة كيان مستقل خارج السيطرة الكلية للشاعر وتلقي القارئ فمعني القصيدة يمكن أن يستنبط منها وليس من قصد مفترض مسبق ، إن القصيدة حالما تكتب تخرج عن ملكية الشاعر . وقد التقط ومسات Wimsatt آراء إليوت هذه وتبناها في كتابه “المغالطة المقصودة ” أو ( الخرافة القصيدة ) Intentional Fallacy وقد أفاد النقد البنيوي من آراء إليوت هذه مما يؤكد أهمية النقد الجديد بالرغم من فشله في طح أنموذجه النقدي المتكامل فالنقد البنيوي يري أن العمل الأدبي يتألف من عناصر تقليدية تعطي العمل الأدبي معناه إذا ما توفر عليها قارئ عارف بهذه التقاليد الأدبية ، ولكي يتمتع المشاهد باللعبة عليه أن يعرف قواعدها ، وهكذا علي القارئ أن يدرك أصول الفن الأدبي . لقد اهتم النقد البنيوي بالنص الأدبي علي أنه مكتف بذاته ولم يكترث بمرجعيات العمل الأدبي أو مدي علاقته بالواقع ولذلك يوجه للنقاد البنيويين نقد ساخر بأنهم يريدون أن يروا العالم كله في حبة فاصولياء واحدة . أما مدرسة الشكلانيين الروس في النقد الأدبي التي برز نشاطها بين عامي 1915 – 1930 فكان أتباعها من رواد البنيوية أيضاً إذ حللوا السرد بالنسبة لوحداته وطرائفه العامة وبهذا طبقوا المنهج البنيوي الذي طوره النقاد الفرنسيون والأمريكيون خاصة نورثروب فراي في كتابه الشهير ” تشريح النقد ” . وعلي هذا الأساس يمكن القول بأن الاتجاهات النقدية الحديثة لاسيما التفكيك ونظرية القراءة ونظرية النص لم تولد من فراغ بل وجدت لها إرهاصات في الشكلانية الروسية والنقد الماركسي والنفسي والنقد الجديد الذي كان أبرز الاتجاهات التي سبقت المشروع البنيوي والنقد فالنقد الجديد شهد قمة تطوره في الخمسينيات من القرن الماضي ، إلا أن جذوره تمتد إلي فترة الثلاثينيات في إنكلترا وأمريكا ولسنا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن أبرز الاتجاهات النقدية التي أثرت في البنيوية الأدبية و التفكيك ونظرية القراءة ، هو النقد الجديد ، وإن كان أتباعه قد اتهموا بالتناقض تارة وبعدم الجدية تارة أخري ، وقد ظهرت في بريطانيا دراسات نقدية تبحث في إنجازات وإحباطات النقد الجديد في أميركا ومعظم هذه الدراسات تميل إلي القول بأن جذور هذه الحركة النقدية بريطانية ، وإذا كان في هذا الرأي شئ من الصحة فعلينا أن نتذكر أن الأنكليز يقولون دوماً بأنهم أسسوا النهضة الثقافية في أمريكا (9) . وقد بلغ تأثير ” النقد الجديد ” أن صار يشتمل علي مجموع النقد المعاصر الذي يصب اهتمامه علي العمل الأدبي باعتباره موضوعاً في حد ذاته ، ثم التحري فيه عند لغة خاصة تعارض لغة العلم والفلسفة ، ثم فحص هذه اللغة في عملية تحليلية صارمة (10) . وكان النقاد الجدد بزعامة رانسوم قد وجهوا اللوم للنقد المعاصر ودعوا إلي دراسة عميقة وتفصيلية تحلل النصوص الشعرية بدل الاهتمام بعقل الشاعر وشخصيته وأرشيفه الثقافي والبحث في تاريخ الافكار والمضامين السياسية والاجتماعية والثقافية والفلسفية . وأكد هؤلاء النقاد علي أن أخلاقية العمل الفني وقيمته إنما هي وظيفة الخصائص الكامنة في هذا العمل وأن الأدب لا يمكن أن يقيم بألفاظ أو مصطلحات عامة لا تمت بصلة إلي العمل الأدبي نفسه ، فالنقد الجديد أساساً هو صيحة احتجاج ضد الأساليب التقليدية في النظر إلي الحياة وإلي الفن بشكل عام . وقد شن النقاد الجدد سلسل من الهجمات التنظيرية ضد الواقعة التعبيرية Expressive Realsim فالتقوا بذلك مع الشكلانيين (الاتباعيين ) الروس الذين كانت أعمالهم قليلة الشيوع في أوربا والولايات المتحدة والتقوا كذلك مع آراء نورثروب فراي (11) . وهنا يمكن الإشارة إلي أن الكثير من النصوص النقدية التي كتبت منذ الأربعينيات حتي نهاية الثمانينات تأتلف ثم تختلف وتتفق ثم تفترق مما احدث لهذه النصوص حالة من الإرباك والتداخل والتنافر وهذا ما دعا الكتاب الأنكليز إلي القول بأن البنيوية ترجع إلي آراء كولردج والرومانسية البريطانية وأن النقد الجديد في أميركا يستمد جذوره من ريتشاردز واليوت وإمبسون ، وهذه في الواقع من المشكلات الأساسية التي يواجهها النص النقدي ، ولذلك سنحاول أن نسلط عليها مزيداً من الضوء قد يكون من المناسب الوقوف عند نص نقدي بارز ظهر في أوج تنامي حركة النقد الجديد وآثار موجة من الجدل الساخن وعد من أهم الوثائق التي أسهمت في تطورالنظرية النقدية الحديثة . في عام 1946 م نشر ومسات W.K Wimsatt بالتعاون مع بيردزلي Monroe C.Beardsley المغالطة المقصودة Intentional Fallacy التي أصبح اسمها من مصطلحات النقد الأدبي المعاصر وصارت تطلق علي معني العمل الادبي ونجاحه في تحقيق هدف المؤلف الظاهر فالمغالطة هي الخطأ في نقد وتقويم العمل الأدبي ونجاحه في تحقيق هدف المؤلف الظاهر ، فالمغالطة في الخطأ في نقد وتقويم العمل الأدبي عن طريق تحقيق هدف الكاتب وهل أنجزه أم لا ؟ بدلاً من التركيز علي العمل الأدبي نفسه مثلما يريد النقد الجديد . في هذه المقالة النقدية المهم كانت آراء ومسات هي الطاغية ولذلك ضمها في كتابه ” الأيقونة اللفظية ” الذي نشر عام 1954 . يري ومسات أن المؤلف يجب أن يدعي كشاهد علي العمل الأدبي الذي ألفه ثم تخضع شهادته لفحص دقيق في ضوء العمل الأدبي ذاته . أما البحث عن نيات المؤلف فليست له أية علاقة بالنقد الأدبي لأن نيات المؤلف في رأيه يجب البحث عنها خارج النص أي في التأريخ وسيرة حياة المؤلف وأقواله . ويوضح ومسات ذلك بقوله : ” إن القصيدة ليست ملك الناقد وليست ملك المؤلف أيضاً ” ( إنها مرسلة من المؤلف منذ الولادة وتتجول حول العالم خارج طاقته علي التخطيط لها والسيطرة عليها ). فالقصيد إذن ملك الجمهور أنها تتجسد في اللغة وفي امتلاك الجمهور لها كما انها تدور حول إنسان أو شئ يعرفه الجمهور ، أن ما قيل عن القصيدة خاضع لذات التأمل ، شأنه في ذلك شأن أي قول يدخل في علم اللغة أو في علم النفس العام ” (12) . وقد انبري عدد من النقاد للرد علي ومسات وبيردزلي فأثروا قضية ” المعني الكلي ” للنص وأن هدف المؤلف من وراء عمله الأدبي ليس المعيار الوحيد يرد ومسات علي ذلك بقوله : “نحن نبحث هنا لا عن الأصول ولا عن التأثيرات وإنما عن العمل طالما أمكن عده في حد ذاته هيكلاً ذا معني : يجب ألا تختلط السمات العقلية للمؤلف ولا تأثيرات القصيدة في ذهن القارئ بالسمة الأخلاقية للمعني الذي تعبر عنه القصيدة نفسها “(13) . يري ومسات أن القصيدة موجودة في نصها اللغوي وحسب وأن القارئ يريد من الناقد الحصيف أن يوضح العلاقة بين اللغة والمعني ، فوجود نص ثابت ينطوي علي معني ثابت كلام لا جدوي منه أمام القراءة التحليلية المتكررة للنص فالنص الإبداعي يظل يفيض بالمعاني في كل عملية قراء وهنا لابد من إشراك القارئ في عملية تفسير النصوص . أن هدف النقد الأساسي هو إيضاح أو إضاءة النص وعلاقة القارئ والمؤلف به . وقد ذهب بعض النقاد إلي الظن بأن ومسات يلتقي مع النقاد البنيويين في تحديد المعني بالنص ولكن هذا التوافق ظاهري لأن البنيوية اللغوية ألغت استقلال القارئ في حين يؤكد ومسات أن النص الإبداعي هو ملك القارئ . فالناقد البنيوي يركز علي العلاقة بين الوحدات والانساق الصغري والانساق الكبري أما النقاد الجدد فهم الذين ركزا علي البناء العضوي للنص الأدبي وهو ما أطلقوا عليه بالإنكليزية hypostatization عن هذه الإشكالية التي يواجهها النقاد يقول النقاد عبدالعزيز حمودة : ” أن نقد الحداثة من بنيوية وتفكيك ، انطلق من رفض عنيف للنقد الجديد ، ولفتر طويلة جعل بعض النقاد المحدثين همهم هدم النقد الجديد حتي حين لم يكن لديهم بديل أو بدائل مقنعة ، ومن ناحية أخري كان نقد الحداث تمرداً علي النقد الجديد وامتداداً له ، فالنقد الجديد برغم فشله الواضح في تطوير نظرية متكاملة للغة كانت كفيلة بإخراجه من أزمة التناقضات العديدة التي أدت إلي تراجع في النهاية مهد الطريق لتطوير نظري للغة والدلالة لا ينكرها غلاة البنيوية أنفسهم ، ومما لاشك فيه أن جذور النص الأدبي المغلق والنص اللغوي المغلق الذي سيركز عليه البنيويون فيما بعد ، ثم الحديث عن النص المفتوح ولا نهائية المعني عند التفككيين تبدأ من داخل تربة النقد الجديد الذي يجمع بين كل هذه المتناقضات “(14). أطروحات النقد التفكيكي يفترض النقد التفكيكي أن اللغة غير ثابتة وغامضة ولذلك تنطوي علي عنصر التناقض ، ولأن المؤلفين علي عنصر التناقض ،ولأن المؤلفني كما يري هذا النقد غير قادرين علي السيطرة علي اللغة ، فإن النصوص تكشف من المعاني ما يتجاوز وعي المؤلفين (15) . هذا النقد الذي يقف بالضد تماماً من النقد الجديد أو الشكلاني اليوم بعد أن التقي معه في أكثر من محطة يري أن العالم لا يمكن الإحاطة به وأن اللغة مراوغة وغير مستقرة بل خداعة وذلك لأن المعني يظهر من خلال التضاد أو ما يطلق عليه الثنائيات المتضادة binary oppositions فكلمة “ساخن ” تعني ضد “بارد” بل تستدعي هذه اللفظة وحتي الساخن تتفاوت درجاته ويسعي النقاد التفكيكيون إلي إظهار تناقض العمل الأدبي الذي يسمونه تارة نصاً Text وتارة خطاباً discourse وأن هذا التناقض حتمي : فعلي سبيل المثال يري جوناثان كللر Jonathan Culler أن تفكيك نص يعني إظهار كيف ينسف هذا النص الفلسفة التي جاء ليؤكدها (16) ، إن النص ما هو الإعلامات علي الورق ولذلك حيثما يذهب القارئ فإنه كاتب النص وليس المؤلف الأصلي ، فالنصوص مراوغ ومفتوحة لكل عملية قراء لأنها غير نهائية المعني ، وعلي الرغم من تأكيد هذا النقد علي لا نهائية المعني فبالأمكان أحياناً التقاط الماحات او تفسيرات تفكيكية تلتقي مع النقد الماركسي (17) ، فالمؤلفون رغم اعتقادهم بفردانيتهم فإن أعمالهم تكشف عن الحالة الاقتصادية في المجتمع الذي يعيشون فيه ، وإن كانوا لا يدركون ذلك . وهذه إحدي الطرائق التي يستنطق بها الناقد التفكيكي العمل الأدبي لأنه يعتمد أسلوب الاستجواب مع النصوص بغية الكشف عن المعني الكامن الذي يجهله المؤلفون ..وهذا يعني أن الناقد يعثر دوماً في النص علي معني خاص قد يدهش المؤلف ذاته . إن استجواب النص واستنطاقه يعد ميزة من مزايا النقد مادامت العملية النقدية تتركزحول تحقيق معني النصوص الأدبية ، ولأن النقد يرفض فكرة وجود معني واحد للنص فقد أحدث تأثيراً إيجابياً في دراسة الأدب ، ولكن مشكلة هذا النقد الأساسية تكمن في تبنيه مقولات ثابتة تطرح عند كل نص والإدعاء بأن مؤلف النص غير قادر علي إدراك كنه العمل الذي أنتجه ما داممعناه غير ثابت ، وإن القارئ هو وحده الذي يستطيع فك مغاليق النصوص وهنا تكمن الخطور في منح القراء حق صياغة المعني ، وقد عبر فنست ليتش عن ذلك بقوله : ” إن المعاصرة باعتبارها صيغة لنظرية النص والتحليل تخرب كل شئ في التقاليد تقريباً وتشكك في الأفكار الموروثة عن العلامة واللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ ودور التاريخ وعملية التفسير وأشكال الكتابة النقدية ، وفي هذا المشروع فإن المادي ينهار ليخرج شئ فظيع ” (18) . لقد وجد التفكيك في آراء دريدا المتمرد علي البنيوية ضالته فقد استغل دريدا فشل المشروع البنيوي والنزعة إلي رفض الاتباعية والنقد التاريخي والإحباط الذي وصل إليه النقاد الجدد ، ليطرح مشروعه الجديد الذي جاء متناغماً مع نزعة الشك والعودة إلي الذات الديكارتية . في مؤتمر عقدته جامعة جون هوبكنز عام 1966 ألقي دريدا بحثاً مشهوراً بعنوان : ” Structure ign , and Play ” أطلق الشرارة الأولي للحركة التفكيكية في الولايات المتحدة (19) ، ووضع علامة استفهام كبيرة علي الفلسفة الغربية منذ عصر أفلاطون لاسيما الافتراضات الميتافيزيقية لهذه الفلسفة إن مفاهيم الوحدة والمركز والوجود تعد من أساسيات الفكر الغربي الذي رأي دريدا في أقطاب هذا الفكر قو مسيطرة تريد أن تفرض نفسها من خلال ثنائية معينة (الجسم / الروح أو الخير / الشر) ودعا إلي التمرد عليها خاصة في تركيزها علي الكلام دون الكتابة قائلاً بأن للكتابة ذات الخصائص السيميولوجية التي تتمتع بها القراءة دريدا قال بأن من المعقول اعتبار الكلام شكلاً من أشكال الكتابة كما يصح العكس أيضاً . لقد قلب دريدا كل الموازين السابقة فأصبحت المراوغة حتمية لابد منها في كل عمليات التدليل . ولقد أثرت آراؤه أول وهلة في الأمريكيين لاسيما مدرسة ييل Yale School لا أنه من جهة أخري أثار موجة من المعارضة لهذا التطرف الذي جاء به ومن النقد الذي وجه له هو أنه إذا لم يكن للمعني حدود أو وجود ثابت فماذا عسي أن يجد الناقد في النص الذي يعالجه ؟ أو ماذا يمكن أن يحقق المؤلف من وراء كتابه ؟ حاول دريدا بالطبع تجنب المفاهيم الحتمية في خطابه النقدي مستخدماً ألفاظاً بديلة كالاختلاف في المعني difference أو المكمل Supplement الذي يسميه النحاة العرب الفضلة أو الأثر trace وما إلي ذلك من ألفاظ يستشف منها المراوغة أيضاً أو الحري المطلقة في استخدام اللغة (20) . هذه الحرية المطلقة بالطبع ستؤول إلي فوضي ولذلك وجه للنقد اتهامات قاسية لاسيما من قبل فنسنت ليتش Leich وجون إليس John Ellis وغيرهما ممن صورهم عبدالعزيز حمودة بقوله : ” تجربة الاستراتجية التفكيكية في الواقع تؤكد أن المشروع الجديد فتح أبواب الجحيم علي مصارعها أمام الابداع والتلقي علي السواء فهو يقدم عالماً تسوده فوضي لا تعترف بالقوانين أو السلطة أو الإحالة ” (21) . ولكن مع الإقرار بقوة الهجمات التي وجهت للنقد التفكيكي وتهافت الكثير من أطروحات يلاحظ أن التفكيك حقق شعبية كبيرة في الساحة الأدبية الأمريكية منتهزاً كل فرصة سانحة لتحسين صورته وتعليب آرائه واستغلال أزمات المشاريع النقدية السابقة والتحرك لملء الفراغ الذي خلفه انسحاب النقد الجديد ، إن تجسيد أزمة الخطاب النقدي العام في الستينيات كان من صنع التفكيكين وقد ساعد هذا علي إظهار النقد التفكيكي بمظهر المخلص أو في الأقل أنه الرد المناسب علي هذه الأزمة ، ولقد اعتمد أقطاب التفكيك أسلوب الاستفزاز والمغامرة في حمل معول التفكيك وعدم التردد في مهاجمة الأسماء الكبيرة التي أفرزتها البنيوية وغيرها ، من هذا ما تعرضت به بربارا جونسون Brabara Johnson لناقد كبير مثل رولان بارت الذي وصفت نقده بأنه مضطرب (22) . لقد انطلق الخطاب النقدي التفكيكي من مبدأ عام قائم علي الشك المطلق والتمرد علي كل التقاليد الأدبية السابقة ورفض منهج القراءة السابق والدعوة إلي إطلاق يد القارئ في النص كيفما يحلو له ، ولكن هذا الطرح لم يأخذ شكل نظرية نقدية تستند إلي قاعدة فلسفية وإنما هو نوع من الممارسة التي تسمي في أدبيات النقد الحديث أحياناً إستراتيجية ، كما تسلط الضوء علي ذلك إيرين هارفي Irene Harvey ” إن دريدا يشرح ممارسته للتفكيك عن طريق الأمثلة أو الحالات وليس عن طريق نظرية عامة أو بحث حول الموضوع والواقع أنه يقول صراحة : ” إن التفكيك ليس نظرية أو منهجاً وايس مذهباً هرمنيوطيقياً بالقطع بل يمكن تسميته – مؤقتاً – إستراتيجية للنص ، وحتي نكون أكثر دقة إنه ” ممارسة ” وليس نظرية (23) . إن لكل جديد بريقاً ، وهذا ما حصل للنقد الذي برز بشكل أخاذ في السبعينيات ، ثم أخذ نجمه بالأفول بعد أن شغل الدنيا بالجدل المحتدم ليخلي مكانه لنظريات التلقي والقراءة التي سبقته في اشكالها الاولي ثم تزامنت معه . ولكن ربما يكون من المناسب القول بأن الأمريكيين من أمثال مللر ، دي مان ، هارتمان ، وبلوم ، دخلوا خيمة التفكيك وهم مسلحون بأسلحة النقد الجديد الذي حاولوا نسف سلطته حينما بدأت تترنح ، فهل ستكون الحال كذلك بين أتباع التلقي ودعاة التفكيك ؟ نظرية التلقي واستجابة القارئ نري أن نظرية التلقي Reception Theory واستجابة القارئ Reader – response criticism هما وجهان لعملة واحدة . فنقد التلقي الذي يركز علي دور القارئ واستجابته للنص ، يؤكد الفكرة القائلة بأن القراء المتعددين ، تتعد طرائق استجاباتهم للنصوص الأدبية والنقدية ولذلك فإن القراء إلي جانب المؤلفين هم من يخلق المعني . والواقع هو أن أي عملية قراءة تخلق استجابة من نوع معين وقد تخلق قراءة النصوص الأدبية نوعاً من الاستجابة النمطية بسبب طبيعة النص ، إلا أن النقاد المتمرسين لا يميلون للقول بهذه النمطية لأنهم يرون أن عملية القراءة أعقد من ذلك بكثير وقد تجاذبتها آراء ومذاهب نقدية مختلفة لاسيما النقد النفساني ونقد التلقي . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل أن الاستجابة لقراءة الأعمال الأدبية والنصوص النقدية تكون استجابة جمالية خالصة ، لأنها استجابة لعمل فني وليست استجابة لشئ آخر له وجود في الحياة العامة ؟ إن إشكالية النقد الذي يقوم علي نظرية التلقي تتمثل في بعض أوجهها في أن القراء تختلف نظرتهم للحياة مثلما تختلف تجاربهم وثقافاتهم ولذلك ستكون استجاباتهم متباينة كما أن الكثير من الأعمال الأدبية لا تنطوي علي حالات تشبه بشكل واضح الحياة اليومية (24) . إن معظم قراء شكسبير اليوم ليسوا من الأنكليز الإليزابيثيين وعلي هذا الأساس فإنه استجاباتهم للنص الشكسبيري ليست إستجابة عرقية أو مذهبية ، وإنما حالة تقع في وعي القارئ . نعم أن الكاتب المبدع والشاعر الخلاق والفنان الاصيل هو ذلك الذي يرسم الواقع بدقة ويتمثل حالاته المختلفة بحيث ينقل قارئه إلي الواقع الذي تجسده أعماله الفنية إلا أن العلاقة بين القارئ وبين الواقع الذي تجسده هذه الأعمال ليست علاقة متكاملة ، بل أن بعض الأعمال الادبية القديمة أصبحت لا يطيقها الذوق العام المعاصر . وعلي هذا الأساس يقوم نقد التلقي علي أن معني العمل الأدبي ليس مجرد شئ وضعه المؤلف فالمفسرون في هذه النظرية النقدية لا يقكون شفرة القصيدة بل إنهم يصنعونها علي حد قول ستانلي فيش Stanely Fish أحد دعاة التلقي وإستجابة القراء . هنا ينبري الناقد الإلماني هانز روبرت ياوس Jaus ليقول بأن العمل الأدبي يوجه فقط في التفسير الجمعي Collective interpretation لأجيال متوالية من القراء ، فل مجموعة من القراء تستجيب للنص الادبي من خلال عدسات أفق خاص من التقاليد والقواعد التي يطلق عليها ياوس اسم التوقعات expectation (24) ، فليس ثمة شك بأن ياوس متأثر بآراء كادامير التأويلية إلا أنه طور نوعاً جديداً من التاريخ الأدبي معتمداً علي أفكر كادامير وهوسرل . ركز ياوس علي الاستجابة reception (التلقي) للنص منذ ولادته حتي الحاضر ولم يركز علي النص ذاته أو علي مؤلفه أو التأثيرات الأدبية الأخري وهنا تجدر الإشارة إلي أن النقد الظاهراتي ينطوي علي القراءة الداخلية للنص (25) . لقد اختلفت الآراء حول سلطة القارئ التي تمنحها غياها نظرية التلقي ، فمن النقاد المحدثين من قال بأن القارئ يبني أو بالأحري يعيد بناء النص تحت إشراف دقيق من لدن المؤلف ، وهذا يعني أن المؤلف يتمتع بالسلطة الكافية لبناء النص وفك رموز الفكرة بالشكل الذي يراه .. وهذا ما يجعل القارئ مجبراً علي إدراك معني النص علي وفق ما هدف إليه المؤلف ، وقد سميت هذه النظرة بالنظرة ” الموضوعية ” Objective view طالما أن القارئ ينظر بإيجابياته إلي النص ويتأمل ما وضعه المؤلف فيه . أما النظرة الأخري فهي ذاتية Subjective تقول بأن القارئ هو الذي يؤسس معني النص حسب شخصيته وهويته السيكولوجية ومن هذه النظرة الذاتية تنبع نظرة متطرقة تقول بأنه لا يوجد مثل هذا الشئ الذي يدعي أدباً بل هناك نصوص فقط بعض منها ينظر فيه القراء بطرثيقة نخبوية خاصة (26) . لقد كانت النظرة التقليدية أو الاتباعية traditional للنص تري أن النص هو الوحيد الذي يحدد معناه سواء حدث التطهير Catharsis في النص أو في ذات القارئ فالنص يظل السبب الفاعل والسلطة الوحيدة للمعني . إن الدجدل اليوم محتدم حول حق القارئ في تفسير النص وإعطائه معني ، فالقارئ مع النص يشتركان في صنع المعني علي حد ما ذهب إليه أرسطو في حديثه عن عملية التطهير التي يمر بها من يشاهد عملاً تراجيدياً . أحد تفسيرات التطهير عند أرسطو يقول بأن أرسطو يصف التأثير الذي يقع علي عواطف المشاهد ومشاعره وهو يراقب عملاً مأساوياً يندمج في تفاصيله، إن المشاهد يشارك بشكل تفويضي في إفعال بطل التراجيديا ويتعلم من خلال التأثيرات التي تقع عليه كإثارة الخوف أو الشفقة أن النزعات الشريرة للبطل مدمرة ، وأنه تعلم كيف يتجنبها في حياته وثمة تفسيرمعروف آخر يقول بأن الصراعات العاطفية لدي مشاهد التراجيديا تجد لها حلاً وأن معاناته الداخلية وجدت فرصة في أن تلقي علي عاتق البطل التراجيدي وهذا التفسير الأخير نفساني آثار نقاشاً طويلاً (27) . لقد سعي اتباع نظرية التلقي واستجابة القارئ إلي التعكز علي آراء أرسطو في التراجيديا وما تحدثه مشاهدتها من آثار عاطفية تمنحه فرصة للتخلص من شحنات عاطفية تعتمل في ذاته والسؤال القائم هو : هل النص أم القارئ هو الذي يحدد عملية التفسير ؟ إذ يري بعض الكتاب أن النص يستولي تماماً علي تلقي القارئ ، ولكن نشاط القارئ من جهة أخري يعد أساسياً في هذه المسألة لاسيما بالنسبة للنقد الذاتي Subjective Criticism . من الحقائق المعروفة أنه لا يوجد مؤلف يستطيع كلياً السيطرة علي استجابة القارئ والتحكم في ردود أفعاله ومواقفه في كل تفصيلات النص ، مهما كان هذا النص محكم البناء ومهما كان المؤلف عارفاً ماهراً بارعاً في اختيار كلماته وعباراته ومواقفه ، هناك دوماً الكثير مما يترك لخيال القارئ هناك ثغرات ومرواغات علي حد قول فولغانع آيزر Wolfgang Iser أحد أبرز أقطاب نظرية التلقي أن بعض هذه الثغراات يملؤها خيال القارئ وبعضها لا . لقد تعرض النظرة الذاتية في هذا الخطاب النقدي والقائلة بأن القارئ هو الذي يحدد معني النص للارتباك لأن ذلك في المحصلة يعني أن لكل قارئ فكرة مختلفة عن معني النص ، فكرة تجسد تفكيره الخاص ، وهذا ما يجعل القارئ علي غرار ” نرسيس ” Narcisuss الذي تطلع إلي صورته في بركة ماء فظن أنه فتي ” في غاية الجمال والوسامة ، في حين أنه في الواقع لم يشاهد سوي انعكاس هيئته علي سطح الماء (28) . ويركز نقد التلقي علي توقعات القارئ المسبقة وهو يقدم علي قراءة النص، فالقارئ هنا ليس قارئاً عادياً وإنما هو قارئ خبير عرف قواعد الأدب وجماليات الابداع ولذلك يستطيع أن يستخلص معني للنص من تفاعل بناء النص ومعناه الكامن فالخصائص النصية يقوم القارئ باكتشافها وكان رومان انكاردن Roman Ingarden تلميذ هوسرل قد شبه النص بوجود كلي totality متكون من عدة طبقات Strata من مستوي الكلمة إلي مستوي الأركان المنظمة ، وهذا ما يتجلي في كون النصوص الروائية والادبية مرواغة ويجب أن يتنبه القارئ لذلك . وهذا لا يعني أن القارئ يستطيع أن يجعل النص يعطي المعني الذي يبغيه هو ، وذلك لأن الأركان المنظمة من النص تقدم هيكلاً من المعاني أو البني التي تستدعي التلقي وهي التلي تحفز القارئ للاستجابة بطريقة معينة إن رحلة القارئ مع العمل الأدبي عملية مستمرة لتكييف وجهة نظر باتجاه ما نحن نختنزن في ذاكرتنا توقعات معينة قائمة علي ذاكرتنا لأشخاص أو أحداث إلا أن هذه التوقعات تتطور باستمرار مع مسيرة النص ، لذلك نحن نفهم قراءة معينة أو تفسيراً معيناً إذا أدركنا كذلك الاستجابة الشخصية للقارئ وتاريخ تطوره النفسي فلقد أصبح من المتعذر أو الصعب جداً التحدث عن معني النص بمعزل عن استجابة القارئ له ، إن المعرفة يصنعها الإنسان وليست ملقاة علي قارعة الطريق كما يقول بليتش Bleich الذي يميز بين استجابة القارئ الآتية Spontaneous للنص وبين التعبير الموضوعي لمعني النص . ولكن إذا أراد القارئ أن يفهم النص الأدبي أو النقدي عليه أن يكون موضوعياً تماماً وأن يكون ذهنه متلقياً متفتحاً وهذا ما تراه مدرسة جنيف من النقاد التي تضم من بين أعضائها البارزين جورج بوليه George Poulet وفولغانع آيزر Iser قائلاً إنها عملية تتكشف تدريجياً ومن خلالها يستطلع القارئ وجوه النص المختلفة . وفي هذا السياق نري من المناسب الإشارة إلي أنكلاً من ريتشاردز وإمبسون أظهر اهتماماً كبيراً بسيكولوجية القراءة فكان ريتشاردز يري أن الشعر قادر علي أحداث تغيرات في ذهن القارئ ومن المعروف أن هذا الناقد الكبير يتناول الأدب من وجهة نظر القارئ أكثر مما يتناوله من وجهة نظر المؤلف (29) . أما إمبسون فقد اهتم بالأساليب الفطرية لدي القراء في سعيهم لإدراك معاني النصوص وقد أثرت آراؤه ي النقاد المحدثين ومنهم جوناثان كللر J.Culler الذي ذهب إلي أن أقوال المتحدث تكون مفهومة من قبل الىخرين فقط لأن اللغة تضم في طياتها هذه الأقوال ، فأرجعه الأذهان إلي آراء سوسير الذي تبنت البنيوية أنموذجه اللغوي القايل بأن النص مجموعه من المتقابلات الثنائية حيثو تمثل كل كلمة حضوراً يستدعي كلمة غائبة لتحديد الدلالة الحاضرة فالبارد يستدعي الساخن وهكذا فالمعني إذن لا وجود له إلا داخل النص . إن إلغاء النص وقصدية المؤلف هما مركز التقاء التلقي والتفكيكو لكن التفكيكين أعطوا القارئ حرية مطلقة إلي حد أنهم قالوا بأن القارئ هو الذي يكتب أو يعيد كتابة النص وهذا ما مهد للقراءات اللانهائية في حين تنقل نظرية التلقي المعني من داخل بني النص وعلاقاتها بالانساق إلي الملتقي ولم تنكر هذه النظرية وظيفة النقد في إضاءة النص سواء من داخله أم من خارجه وتقديمه إلي المتلقي وهذا ما ينسجم معه ما ذهب إليه كانط في قوله أن معني النص يفهم في ضوء النشاط الذهني الذي يجري في عقل المؤلف أو عقل القارئ . الأنموذج الكانطي النص نشاط ذهني للكاتب نشاط ذهني للقارئ المعني ومن هذه يستشف أن كانط يؤكد علي دور الخيال في خلق الأشياء ومنها المعاني وقد وافقه علي معظم آرائه الكاتب والفيلسوف سارتر (30) . مشكلات النص النقدي لقد جاءت هذه الصفحات لتسلط الضوء علي طبيعة الاتجاهات أو المشاريع النقدية الحديثة ونقاط الالتقاء والاختلاف فيما بينها وتبيان حجم التناقض الذي انطوت عليه أطروحاتها فالنقد الجديد ، كما ألمحنا سلفاً جاء علي أنقاض النقد التاريخي ليطرح مشروعه المتمرد علي المنهج الاتباعي إلا أنه فشل في طرح نظرية نقدية تستند إلي فلسفة متماسكة بالرغم من الشعبية التي حققها في القارتين الأوروبية والأمريكية ، ثم جاءت البنيوية لتطرح النموذج اللغوي ومشروعها الطموح في تحقيق عملية النقد إلا أنها فشلت في تحقيق المعني إذ حاولت اعتماد منهج علمي ليطبق علي نص إبداعي أدبي مما أوقع النقاد البنيويين في تناقضات كبيرة ففشل مشروعهم في إنارة النص تحرك البنيويون في النسق نحو النص الفردي معتمدين علي نموذج للتحليل رسم علي غرار النموذج اللغوي إلا أنهم اكتشفوا أن هذا النموذج فشل في تحقيق المعني أو الدلالة بسبب انهماكهم في تحديد الانساق والأنظمة وطرائق عملها في حين أن النموذج اللغوي لا ينطبق بالضرورة علي الأنظمة غير اللغوية . أما المشروع التفكيكي فقد جاء مناقضاً للبنيوية بل ثورة وتمردا عليها فرفض علمية النقد وطرح الشك ولا نهائية المعني وأطلق يد القارئ في النص فخلق النقاد الجدد حالة من الفوضي الدلالة باستبدالهم علمية النقد بأدبية اللغة النقدية التي أريد لها في المشروع أن تكون لغة إبداع فالنص النقدي عندهم هو نص أدبي كتب بلغة أولي وليست لغة شارحة أو ما بعد لغة Metalanguage وقد أدي هذا ببعض النقاد إلي التصرف وكأن النقد غاية وليس الهدف منه إضاءة النص وتبيان جمالياته بهذا يلتقي أقطاب التفكيك الأمريكيون مع الفرنسيين الذين كانوا يرون أن لغة النقد (الميتا لغة النقدية ) ليست أقل إبداعاً من نص الأعمال الأدبية وأن من حق هذه اللغة استخدام كل ألاعيب النص الأدبي . ” فإذا كانت الوحدات المكونة للنص في حالة لعب حر ، إذن لا توجد قراءة نقدية واحدة بل إن كل قراءة نقدية هي في حقيقة الأمر فشل الناقد في قراءة النص وحتي تفسح المجال من جديد بصورة لا نهائية ، وهكذا يستدل بالمفهوم التقليدي لتعدد قراءات النص الواحد حسب قدرته علي الإيحاء عن طريق الرمز مفهوم لا نهائية القراءات (32) ، والواقع إن إمعان النظر في هذه الكلمات التي صاغها في الأصل فنسنت ليتش Leich يعني غياب النص أو عدم الاعترا بوجوده أصلاً فضلاً عن إنكار وجود مؤلفه ولعل ما رددته حكمت الخطيب لا يخرج عن هذا الإطار : ” نحن القراء طرف في علاقة طرفها الآخر النص ، نحن نبدع النصوص حين نقرأها ونحن بالقراءة نقيم حياة النصوص أو نشهد علي موتها . أن نمارس النقد معناه أن نشارك في دورة الحياة لثقافتنا ، ننتج حياة هذه الثقافة لتنتج بدورها حياتنا الأفضل (33) . كما أن مفهوم “القراءة ” قد تجاذبته اتجاهات عديدة وذهب فيه النقاد مذاهب شتي ، حتي أثقلت النصوص النقدية التي تناولته بالآراء المتباينة والمتناقضة بحيث يحتاج النقد الأدبي المعاصر الذي ورث هذا التراث النقدي إلي أن يبلور نظرة موضوعية لمعني القراءة ومعني النص ففي “شعرية النثر ” Poetique de la Prose يقول توودروف Todorov بأن المناهج النقدية السائدة إما تبحث من خلال النص عن شئ خارج النص ، المؤلف أو المجتمع مثلاً ، أو تسعي لإيضاح النص عن طريق الشرح والتعليق وهو ما يمكن وصفه في المحصلة النهائية بإعادة صياغة Parphrase وهذه عملية التفاف واضحة بدلاً من ذلك يطرح تودرودف مقاربة أو أسلوباَ approach لدراسة النثر تركز حول شعرية النثر أي المبادئ العامة التي تجسدها الأعمال الفردية ذاتها . إن هذه المقاربة تستلزم اهتماماً دقيقاً بالعمل الفردي مع وعي أشمل بجهاز هذه الشعرية وهي ما يصطلح عليه بـ ” القراءة ” القراءة تنظر للعمل الفردي علي أنه نسق مستقل ولكنها تتحاشي الالتصاق بالنص اذلي لا يطرح إلا مجرد الإيضاح وذلك لأن القراءة علي وعي دائم بهوية النص كنسق وبعلاقته بنسق أكبر آخر هنا لا يبحث القرائ عن المعني “الكامن ” ويعطيه الاولوية في نشاط كالتفسير مثلا” وإنما يولي اهتمامه بالعلاقة بين مستويات المعني المتعددة مع تعددية المعني التي يتمتع بها النص إن النص الادبي قادر علي تخريب النسق اللغوي الكامن فيه فهو لا يبرر الأشكال المميزة للغة التي تشتمل عليها وحسب بل هو كذلك يوسع أفق اللغة ويجري تعديلاً عليها . وأخيراً فإن الكتابة وهي المادة الخام للقراءة ليست اللغة ذاتها ، وعلي هذا الأساس فإن الأدب – داخل اللغة – هو ما يحطم ميتافيزيقا (معقولات) كل نص . جوهر الخطاب الأدبي هو الذهاب إلي ما بعد اللغة ( وإذا لم يكن كذلك فلا مبرر له ) . الأدب هو كأي سلاح قاتل تستخدمه اللغة للانتحار (34) . أما جورج وبوليه وهو أقطاب مدرسة جنيف فيطرح راياً أكثر تطرقاً في التنظير لعملية القراءة فيقول ” القراءة هي النشاط الذي يتحول فيه العنصر الذاتي الذي أسميه (أنا) بطريقة تجعلني لم أعد صاحب حق في اعتبار هذا الأنا عائداً لي علي وجه التحديد أنا معار للآخر وهذا الىخر يفكر ويشعر ويعاني ويعمل داخلي، وهذه الظاهرة تتجلي في أوضح صورها في نوع من السحر اجتلبته أنواع رخيصة من القراءة كالروايات المثيرة التي أقول عنها : ” لقد تملكتني ” . والآن من المهم الإشارة إلي اثر امتلاكي من قبل لا يحصل عند مستوي التفكير الموضوعي وحسب أي بالنسبة للانطباعات والاحاسيس والأفكار التي تمنحني القراءة غياها ، وإنما فضلاً عن ذلك يقع عند مستوي ذاتيتي الخاصة ” (35) . خلاصة القول أن النص النقدي يمر اليوم بأزمة حقيقية طرفاها الناقد نفسه وفوض النقد فلقد عرفنا كيف أن أبرز النقاد مروا بمراحل دخلوا خلالهخا أكثر من خيمة فمنهم من كان اتباعياً في نظرته لوظيفة النقد ثم ما لبث أن التحق بركب النقد الجديد الذي جاء علي أنقاض النقد الكلاسيكي والرومانسي . وهناك من النقاد الجدد من أصبح بنيوياً في حين ثم ما لبث أن تحول إلي ركب التفكيك ثم جاء النقاد التكفيكيون ليتمردوا علي كل شئ وليزرعوا الشك في كل الأنظمة مرة يلتقون مع النقد الجديد وأخري مع البنيوية التي ثارت عليه ، ثم ينسفون المشروع البنيوي من أساسه ويلغون وجود النص أصلاً وليس وجود مؤلفه وحسب جاء التفكيك ليطرح لا نهائية المعني ولتضيع أطروحاته في ضبابية اللغة التي صيغ بها خطابه النقدي . أما التلقي فلم يكن جديداً ولكن اتباع نظرية التلقي من النقاد المحدثين أخذوا يتشبثون بكل الإرث النقدي الذي أفرزه النصف الثاني من هذا القرن فتحوا النص علي مصراعيه ونظروا إلي دور القارئ في ضوء علوم ومعارف خارجية بالنسبة للنصوص الأدبية ، فذهبوا في تفسيراتهم مذاهب شتي متاثرين بعلم النفس تارة وبالنقد الذاتي تارة أخري وعائدين إلي الفلسفة الألمانية التأويلية في أحيان أخري إنها رحلة علي غير هدي انعكست آثارها علي الخطاب النقدي المعاصر الذي أخذت تتجاذبه تيارات متباينة . إن فوضي النق المعاصر قد طرحت اللامنهج بدلاً من المنهج هذا في أوروبا والولايات المتحدة ثم جاء النقاد المحدثون العرب ليستوردوا الأزمة كاملة دون دراية بمراحلها التكوينية والبيئة الثقافية التي نشأت فيها ثقافة الناقد هي الأخري تشكل في أزمة النص النقدي المعاصر حالة مشخصة تستدعي النظر الجاد فالناقد الحصيف لا يمكن أن يتوفر علي مهمته بنجاح ما لم يتسلح إليها بكل أدواته الفنية ومعرفته الغنية بالاتجاهات الأدبية والنقدية ومراحل التطور التي مرت بها فنون الأدب ونقده . هذا الناقد الذي نتطلع إليه بعنق نعامة ، لابد أن يمتلك معرفة عالية بواحدة من اللغات الحية الكبيرة كالإنكيلزية والفرنسية والألمانية كي يتمكن من الإطلالة علي كنوز الابداع الإنساني وتطور الفكر النقدي منذ كولردج حتي يومنا هذا وهذا الناقد لاشك أقدر من سواه علي فرز الأوراق المختلطة والوقوف علي إشكالات الترجمة التي شوهت المصطلح الأدبي والنقدي في كثير من الأحيان وخلقت حالة من الضبابية الكثيفة التي عتمت رؤية الأديب والقارئ علي حد سواء . إن الناقد الذي تتطلع إلي ودلاته من رحم الإشكالية الادبية المعاصرة هو واحد من المبدعين الذين ينتجون نصوصاً لا تقل إبداعاً عن أروع الأعمال الأدبية. يري إليوت أن شطراً كبيراً من الابداع ما هو إلا نقد أدبي في جوهره فإن كان جانب كبير مما يسمي بالكتابة النقدية هو إبداع حقيقته فمن المعقول جداً أن يكون هناك نقد إبداعي بل إن إليوت يؤكد أن الجانب الاكبر من مجهود الكاتب في تكوين عمله ، إنما هو مجهود نقدي مجهود غربلة المادة وربطها وبنائها والحذف منها وتصحيحها واختيارها ذلك المجهود المخيف الذي هو مجهود نقدي بقدر ما هو مجهود ابداعي (36) . ويخلص هذا الشاعر الناقد الكبير إلي أن أهم أنواع النقد هي التي يمارسها كاتب ماهر مدرب ، وأن بعض الكتاب الإبداعيين يتفوقون علي سواهم من الكتاب بسبب حماستهم النقدية المرهفة (37) . وكان ماثيو أرنولد يرلاي أن النقد لا يقل أهمية عن الشعر وإذا كان الثالثون الأساسي للنقد الأدبي يتكون من المؤلف والنص والقارئ فلسنا نجد ضيراً من تطويره إلي ” رابوع ” يكون الناقد طرفاً أساسياً فيه . المــؤلف النص الناقـــــــد القــــارئ يظل القارئ محتاجاً للناقد الأدبي الذي يعالج الأعمال الأدبية في ضوء ثقافته العالية وحقله المتخصص وحاسته الفنية في التذوق ولغته النقدية المحكمة ومهمته في إضاءة النصوص ، فليس من المعقول أن يعطي القارئ وحده حق القراءة وإعادة القراءة التي تنتهي إلي صناعة النصوص وصياغة معانيها بسلطة مطلقة تزعم لنفسها وحدها تحقيق المعني . المراجع عبدالعزيز حمودة المرايا المحدبة : من البنيوية إلي التفكيك ، الكويت ، سلسلة عالم المعرفة 1998 ، ص 57 – 58 . ستانلي هايمن : النقد الأدبي ومدارسه الحديثة ترجمة إحسان عباس ومحمد يوسف نجم ، بيروت ، دار الثقافة ( بلا تاريخ ) ، جـ 2 ، ص 57 . ينبغي التمييز بين النقد الدجديد والنقد الحديث الذي يعرف بأنه استعمال منظم للتقنيات غير الأدبية ولضروب المعرفة غير الأدبية أيضاً – في سبيل الحصول علي بصيرة نافذة في الأدب راجع ستانلي هايمن النقد الأدبي ومدارسه الحدجيثة ، مصدر سابق ، جـ 1 ، ص 9 . عبدالستار جواد ، أوراق للربح ، صفحات في النقد والأدب بغداد : دار الشؤون الثقافية ، 1992 ، ص 49 . المصدر السابق ص 96 . المصدر السابق ص 97 . عبدالعزيز حمودة ، المرايا المحدبة ، مصدر سابق ص 135 – 139 يلاحظ أن حمودة ترجم مقالة ومسات إلي ” خرافة القصدية ” وكنا قد ترجمناها قبل أكثر من خمسة عشر عاماً إلي ” المغالطة المقصودة ” وهي برأينا اقرب إلي المعني الذي ذهب إليه المؤلفان أن لفظة Fallacy الانكليزية تعني الوهم أو السفسطة أو المغالطة المنطقية وأن أقرب كلمة للخرافة في هذا السياق هي Fable وقد ظهرت بعض النصوص التي تحمل لفظة خرافة . عبدالعزيز حمودة المرايا ، مصدر سابق ص 291 – 292 .

مسابقة لملكات الجمال بيرتا ليثيا بيرالتا * Bertakalicia Perala ( بنما 1939 )

مسابقة لملكات الجمال
بيرتا ليثيا بيرالتا *
Bertakalicia Perala
( بنما  1939 )
مطلوب امرأة جميلة :
نهودها تتطلع للسماء علي الأقل .
كل نهد ثماانية عشر بوصة
إلي أسفل قليلاً
جذع لين .
يضمه كفان في عشرين بوصة
أسفل قليلا تنفرج
ستا وثلاثين
كل هذا مقابل رحلة حول العالم
سيارة أحد موديل .
أزواج بالجملة
إعلانات تليفزيونية
وأفضل أدوات التحميل
التي عرفتها البشرية
الجحيم
بدروشموسي  *
Pedro Shmose
(بوليفيا 1940 )
تحتضر الغربان عل يحافة الجحيم .
تغني القبرة علي الأشجار
غناؤها
يكون النجوم
بائعة الزهور تعبر النار .
بشكل فجائي
تقذف :
الحرية .
السهم ،
المنجنيق
الألم المؤلم
أدير الوجه فأري حجم
الكراهية
لم آن لأقول لك
أن الوقت قد فات
عدت إلي قسوتك
لأموت إلي جانب الجمر
أري طامي في يعينيك
لا زالتا جميلتين
أري يديك
لا زالتا في كمالهما
أغرق في هزل الماضي العنيف
أكون في كل مرة
أكثر
عزلة
******
أعود إلي تأملي
أري كل شئ حزيناً
كل شئ
عزلتي ،
قواي ،
الجبل
أتطلع إليك
في أحلامي الخادعة
في جحيمي
***
لو التقيت بذلك
الذي يهرب مني ،
سأعود إلي رقتك
واقول لك
الذي ما كان يمكنني
أن أقوله أبداً .

مارينا ……………………………………………..إدوار الخراط

مارينا *

إدوار الخراط **

جسده المضني انحسرن عنه سورات النشوات القديمة التي لم يعرفها بعد ، وكانت كامنة فيه فجوة واحدة بين صخورالحبل الرمادي الحار ، مفتوحة علي سماء حجرية لا استجابة منها بيضاءغير صافية البياض ، مشتعلة شجرة الدوم نحيل عتيقة عليها طبقة خفيفة من التراب أغصانها تنوس في نعمتها القاحلة علي الجذع المكين المشفق ، يعرف أنه لاحظ له منها إلا نظرات أخيرة ، واهنة ربما لكن فيها حدة النهايات . أحسن في سمائه الداخلية رفرفة طيور الفراق ، ما زالت جثوما بعد ، فهل هي علي أهبة الانطلاق ؟ الالم في ضلوع صدره رقيق لكنه لا يريم وفي عينيه سحابات غائبة . رأي في غبش سحابة ملتبسة الجسم الأنثوي الصغير عارياً ، لا مناعة له في الظاهر ، لكن حصين في نعومته ، يبدو أنه معرض للبلي سريعاً . ها هو الآن قد هاله الزمن يقف أمام نهايته ، وبجانبه أسد مقتول – هل قتله أم سوف يقتله ؟ ممدد الأطراف مخالبه المقوسة الطويلة ناشبة في تراب الارض الخام غير المستوية ، بل جدوي ، رأسه مثقوب بطلقة رصاص واحدة شعر لبدته الغزير الثقيل نازل علي الكتفين المنهارتين فيه خصل ملبدة بالدم ، لكن فيه كرامة لا تنال . كان كل شئ صامتا رمادياً أغبر في هذا الفجر الساخن الذي يخايل بأنه فجر صعب المجئ صمت بدء الخليفة قبل أن تنطلق صرخات الطيور من وكناتها . فلما عاد إليه ذلك الصباح ، رأي بالتأكيد أنه علي بسطة السلم الحجري من غير سياج ملاصقاً لحائط البيت القديم تهبط درجاته إلي الفناء الواسع الذي لم تصله أشعة الشمس بعد رأي نفسه طفلاً صغير الجسم جداً يقظ الوعي . كان جالساً علي أرض البسطة الحجرية بجانب الزير العالي يكاد يلتصق ببطنه الفخاري العتيق المحبب بثغرات دقيقة جداً مندي ندي خفيفاً بنضح الماء عليه يعطيه هذا النضح ملاسة وليونة علي صلابة جسمه المتين نصفه منير بوهج الصبح الباكر ونصفه الآخر معتماً قليلاً لكنه واضح الاستدارة والكمال . كان حسه بالطفلة إلي جانبه حساً نقياً وكان يعرف أن اسمها مارينا . الأنس بمجرد وجودها معه عاد إليه بكل قوة الطفولة ، أنس يتجاوز الحب أو الشهوة سوف يعرفهما ، الحب والشهوة بكل عرامتهما وجموحهما وإلحاح نهشهما لروحه – مع هذا الأنس نفسه بوجود التجسد الاخير لمارينا معه ، في الزمن الأخير ، لكن حسه بهذا الأنس – هذا الصلح أشمل وأعمق من سورات النشوة القادم في مقتبل الزمان ، أهدأ وأروح وغير موضوع للسؤال أو تقلب الهواجس . كانت القطعة المسطحة الواسعة تحت الزير تترقرق بماء صاف في مثل صفاء روحه الطفلية تناثرت فيه حبات قليلة من نوي المشمش بلونهاالبني الخشبي المرسوم بخطوط منبعجة طولية في غاية الرهافة ، يضخم الماء المتموج فوقها من حجمها ، بينما كان يعرف أن قعر الزير من جوه قد امتلأ بنوي المشمس وفصان البلح الصغيرة المستدقة لأن أباه كان قد رفعه إلي فوهة الزير الواسعة وشال عنها قرص الغطاء الخشبي المدور إذ أمسك بالعارض البارزة التي تضم نصفي القرص أحدهما إلي الآخر بمسامير خشبية عاشق ومعشوق أعطاه أبوه قبضة من نوي المشمش الجاف وقال له : ازجل يا سيدي يابن ستي . ازجل النوي في الميه تحصل البركة من يدك ازجل. وعندما رمي الحبات في عتمة الزير سمع صدمة طرية إذ سقط النوي في عمق الماء وسمع له بقبقة سريعة متتالية بانبثاق فقاعات الهواء من علي سطح الغمر . كأن باب غرفة النوم الكبيرة مردوداً خشبة الثقيل قد بهت لونه قليلاً عند حافة احتكاكه بالحائط الحجري وكأن عالياً جداً في عيني الطفل يحجز دونهما ، وهو ومارينا عالم الكبار الحافل بما هو غير مفهوم وربما غير ضروري ، كان قد نزل كاد يتدحرج ويقع من علي السرير الضخم الذي تنام عليه امه وأبوه وهو عايدة الصغيرة معاً .. رفع طرف الناموسية البيضاء الكثيفة ، وعندما وصل إلي الباب رده بجهد وعناء ولكن بفرح التشوف والمغامرة . ( ألم يكن هذا شأنه علي الدوام ؟ ) خرج إلي بسطة السلم فوجد مارينا قد استيقظت قبله وجلست تحت الشباك التي تخترق الشمس ما بين أخشاب ضلفتيه ، خطوط من النور رفيعة مستقيمة تقع علي جانب وجهها وشعرها وهي متربعة علي حجر بسطة السلم ساقاها الصغيرتان – حتي في هذه الطفولة – مليئتان ومخروطتان بانسياب انكشفتا تحت فستانها الخفيف المشجر بالأحمر والأزرق يشف عن قميص داخلي ضيق غامض اللون . هل كان ذلك أول الصبح بدري بدري ؟لم يكن في البيت الكبير صوت لم تدب إليه بعد ضجة الحياة اليومية المليئة بالأحداث . كانت أشعة الشمس تسقط علي الماء الذي تهتز له مويجات رفيعة في القطعة العريقة ، تنفذ خيوط الضوء حادة وناعمة في الوقت نفسه ، إلي عمق هذا الماء وتقع علي حبات نوي المشمس فتعطيها حياة أخري وتبدو كبيرة مليئة بالسر . قطرات الماء تسقط مدور ناضجة كبيرة واحدة بعد الأخري بتمهل .. بين هبوطها قطرة الماء وتكون القطرة التالية وانفصالها عن جسم الزير زمن يتصوره طويلاً جداً ترتطم بسطح الماء المشع فتستدير لها موجة دائرية تنداح باتساع وتخفت دورانها حتي تصطدم بحافة القصعة وتذوب بهدوء . مارينا – دائماً أشجع منه واقدر علي المبادرة – تمد يدها الصغيرة وتلعب بحبات النوي تحت الماء المروق الذي سوف نشرب منه . سمع صخة ثاقبة . كان أبوه قد قال له : هذا الصقر يحلق عالياً جداً في السماء يا ولدي لكي يحرس أخميم من كل شر ، هذه صرخته الحادة إذ يلتقط ببصره النافذ تلوبات الثعالين علي الأرض فيهرب الثعبان إلي جحره بأسرع ما يستطيع قبل أن ينقض عليه الطائر من السماء . لم تكن الصرخة نذيراً في السماء الساطعة بشمس هذا الصباح ، بل لعلها كانت في حسه نوعاً من تأكيد لحس الشامل بالأنس وبنعمة اليوم الجديد . لا يستطيع أن ينسي مشهد الماء المهتز علي سطح القصعة الفخار الملساء وفي قاعها العريض العميق وعليها حبات المشمش ، تخترق جسم الماء خطوط شمس صبحية أخميم بنعومة ومضاء معاً . مرقت أمامهما بسرعة عقرب كبيرة متجهة إلي جحر لها في ركن البسطة كانا يرقبانها بلا قلق بشئ من اللامبالاة وبفضول ، مرت من أمامها بسلام . كان مثول هذا المشهد ودوامه في روحه احتفالاً متجدداً بنعمة لا نكران لها حتي إن شابتها وضربتها طعنات كثيرة . وجه مارينا دمث السمرة شعرها الأكرت مضفور ضفيرتين صغيرتين مربوطتين بفيونكة من قماش فزدقي انفكت أطراف عقدتها وتهدلت عيناها الخضروان الواسعتان شمس أخري في هداة نصف العتمة نصف النور التي تكسو وتبطن كل شئ بنوع من السكون والصمت لا حاجة فيه للكلام . ( هل يذكر أي كلام دار بينه وبين نس العالم في ذلك الصباح ؟ لعله لم يكن بحاجة للكلام إلا بعد ذلك بسنوات كثير ليته ما كان بحاجة للكلام ) . يعرف أنه إذ يمتع النهار قليلاً وقبل أن تحترق أخميم بصهد الظهر سوف يخرج إلي سطح البيت الذي عمرته صوامع الغلة وأبراج الحمام المدهونة بالأبيض وعشش البط والوز والدجاج المختبي من الحر في ظل جدار السطح تنافح عنه الديوم والذكور بفحيح وهجوم غير هياب بالمناقير المشرعة . وبجانب سور المسطح ترتفع رصة الألواح الخشبية التي يقرص عليها العيش الشمسي كان يصعد إلي السطح يتدأدأ ويحتمي من الحر في ظل صوامع الغلة أو أبراج الحمام ، يرقب أقراص العجين علي الألواح الخشبية ، تسخن تحت الشمس في وقدة السطوع الثابت قبل أن تسحب وتوضع في الفرن الذي يوقد ويترك حتي تفتر حرارته إلي أن ينضج العيش وتفوح له رائحة شهية . كانت حنينته التي تشتغل عند عمتي ديماريس تعمل في الخبيز بعد الظهر عندما تحمي أقراص العجين ويقب سطحها أقف بجانبها مفتوناً وهي تبدأ بأن تدخل أقراص الجلة المدورة من الفتحة السفلية علي الجانب الأيسر للفرن وتغذيه دون توقف بحطب القطن النشاف وأعواد الذرة الجافة بعد أن تقصفها إلي أجزاء صغيرة والفروع الرفيعة الذابلة التي يكسرها لها الولد خلة ابن روماني من شجرة الجميز العتيقة وهي تحرص طول الوقت أن يظل الفرن فاتر الحرارة يتقد للنار وعيج هادئ له وشيش وفحيح خافت ، ومن الفتحة العلوية علي أرضية الفرن المسطحة المصقولة السوداء يخرج العيش المشمشي سطح كل رغيف قبلة مدورة ناضجة وفواحة تجره حنينة بعصا مقعوفة الطرف من فوهة الشابور الخلفية الذي هدأت ناره الآن بعد أن كانت حنينه تؤرثها بين كل أونة واخري . ياما أكلتني حنينة البيض المشوي علي مهله ، علي قرص الفرن الساخن وياما شربت بعده من قسط اللبن الدافئ المحلوب تواً من جاموسة ابن عمتي الخواجا شفيق ديمتري وكما كنا كلما لبسنا الحذاء أو جلسنا علي الكرسي أو تمددنا علي سرير – بعد ذلك بسنين – ننظر أولاً بحرص وننفض البنطلون أو الجلابية بقوة ونستوثق تماماً من أن الفراش أو الملاية أو الشتلة بريئة من العقارب المستكنة في الثنايا كانت حنينه – يذكر الطفل تنطلق عقرب أو أكثر من قرص الفرن الناعم الصلب بسرع خاطفة وفي كل مر والطفل يرجع للوراء خطوتين أو ثلاثا ويكتم صرخة تفاجئه هو نفسه كانت المرأة العجوز القوية علي استعداد ممسكة بالبشكور الطويل الصلب معقوف الطرف الذي تجذب به العيش بعد نضجه تضرب به العقرب المندفعة شائلة الحُمة ، ثم تمسح القرص الذي بدأ يدفأ بخرق نظيفة منداة بقليل من الماء مسحاً وثيقاً هي تتمتم : ” باسم الصليب وشارة الصليب” . يري الطفل وهو يلتقط حبة نواة المشمش التي استخلصها من قصعة الماء بتحريض ناعم من شيطانته الصغيرة بين الشمس والظل يأخذان يحكان قمة النوا بالحائط حتي تتأكل ويظهر فيها ثقب صغير جداً ينبشان ما بداخل الحبة العنيدة العصية بسن دبوس إنجليزي جاءت به مارينا ويخرجان فتاتاً من قلبها المر العذب معاً ، حتي إذا فرغ القلب تماماً دفعا بالهواء إلي داخله هي أولاً ثم هو بالدور فتعطي النواة صفيراً حاداً ثاقباً كأنه استجابة لصرخة الصقر الحارس المحوم في عين الشمس . هل كان يحلم أم كان حقاً مع عمته ديماريس وأمه مارينا الصغيرة النائمة جنبه وأمها المقدسة كيريا ، واختها سالومة ، علي الكليم الأسيوطيط المفروش علي السطح وقد هدأت الحياة الصاخبة فيه ، وإن كان يسمع في نصف النوم نقيق دجاجة خفيض يرد عليه زقاء ديك فخور يظن أن الفجر جاء أوت الطيور إلي عششها الخشبية وأغلقت عليها الرتاجات الكبار يتكلمون براحتهم يحكون مع بعضهم بعضاً حكايات الكبار التي لا تثير اهتماماً كبيراً عندما رأي الشهاب يتوهج في قلب زرقة السماء العميقة المنتثرة بفصوص النجوم الكثيرة المشعة ، يسطع وهو يشق صفح الزرقة الليلية الصافية رأسه مستدير متألق وذيله الطويل يستدق ويخف حتي تلاشي السهم الساقط بناره البيضاء تماماً وسمع عمته تهمس بصوتها العذب الحنون : “اسم الصليب حافظك حافظ شعبه لا يغفل ولا ينام ارحمنا يا يسوع ” . لم تكن مقمرة عندما سأل عمته لماذا لا يصعدون للسطح عندما يسطح البدر المستدير قالت له “يا وليدي “داعين الجمر في تمامه تفلج الحجر ” وعرف أنهم يتوجسون من سطوة البدر في كمال نوره . هل كانت سقطته من علي هذا السلم بعد تلك الليلة أم بعد تلك اليقظة الباكرة في الصبح ؟ لا يذكر إلا إحساسه بأنه يتدحرج علي درجات السلم الحجرية التي نعم حوافها الزمن وطول الاستعمال السماء الممزقة في نور النهار تسطع في عينه وتختفي وهو يتقلب علي الدرجات ويهوي إلي أسفل تبدو أرض الحوش الترابية بعيدة جداً لا يصل إليها في سقوطه الذي لا ينتهي أطرافه تتأرجح وتهتز في الهواء لا تسمك بشي ليس السلم سياج ، سمع صرخة أمه الثاقبة كأنها تأتي من بعيد لا تعنيه في شئ لا علاقة لها به ، لم يحس ارتطام جسمه بالأرض ، فقط كان الدم ينز ببطء من جرح واسع علي ركبته اليمني – ما زال أثر هذا الجرح واضحاً حتي الآن ، الجلد شف عليه ورق فقد سمكه ولدونته وأصبح مشدوداً ورفيع القوام . في أول الصبح كان أبييصنع قهوته علي السبرتاية الصغير فرشنا الكليم علي بلاط فسحة شقتنا علي شارع الكروم علي أطراف غيط العنب ونحن متحلقون حوله بشغف ، أمي وعايدة أختي وهناء وألبير غنن الصغير . كان أبي حكاء من الطراز الأول ، يعرف كيف يطرز حكاة وينمقها ويستثير شوقنا لمعرفة ماذا يحدث بلهجته الصعيدية التي لم يغيرها ، لم يلحق بها أي عوار من شوب لهجة أسكندرية حتي مات هذه اللهجة التي يخفق لها قلبي حتي الآن كلما سمعتها من أحد العابرين أو أحد أقاربي الذين نادراً ما ألقاهم ، لا أعرف علي الإطلاق لماذا هذه اللغوة الأصلية بعيدة عن لهجة صعايدة التليفزيون من أول حمدي غيث حتي سناء جميل مروراً بأحمد زكي أو يحيي الفخراني عند أهل التليفزيون أحس بالإتقان المدروس إلي حد الافتعال والزيف مهما كانت مخارج الحروف سليمة وتقطيع النبرة مضبوطاً أما عند أهلي فهي العفوية التي لا تعمل فيها ولا إتقان ولا حرص فيها علي الدقة وسلامة النطق بل هي تتدفق من الصميم. حكي لنا أبي إن ابن عمه سلوانس قال له وهو صغير في أخميم إنه كان عائداً من الشونة ليلاً بعد جمع محصول البصل ورص الشوالات وتشوينها وكتابة الحساب في ” دفتر الأستاذ ” وكان الوقت قد تأخر عليهم في الشغل ومحاسبة الأنفار ونهو اللازم ,. في شارع عزيزة المقفر الخاوي كانت الليلة غير مقمرة وكانت السماء مضيئة بنوها العميق داكن الزرقة وبما تبعثر علي صدرها من حبات النجوم نسمةة هواء الليل لم تكد تهب بعد حر النهار الخانق في بؤونه صادفه عند مفارق درب أشعيا قبل السويقة الكبيرة رجل يبدو أنه عريق في السن صغير الجسم لكنه ممشوق ومتسق الأعضاء وجهه علي شيخوخته وتجاعيده الخفيفة يبدو نضراً وضيئاً يعتمر عمامه بيضاء مشعته الأطراف كبيرة كأنها تُخفي وفرة من الشعر الغزير لا يظهر منها شئ قال أبي إن ابن عمه سلوانس خيل إليه أن أطراف القماش الممزق في العمامة صلب وحاد كأنه اسنان الشوك وكان يلبس عباءة قاتمة اللون تنسدل علي جسمه فلا يبين منه شئ وكان واقفاً علي المفارق وكأنه في بقعة منيرة ، بعيداً عن حيطان البيوت بين تقاطع الشوارع وقال له بصوت خفيض ولكن فيه عذوبة لا تتصور ولا مثيل لها : – يا عم سلوانس يا وليدي ” تعال جرب إهنا قال له ابن عم أبي ، كأنه قد حدس أنه لابد أن يكون قد دخل أورشليم وقدس فيها : – إنت عم بتعرفني يا مجدس ؟ – بجوالك جرب … ما عدتش جادر اخطي خطوة عاد يا وليدي تجدر تحملني لغاية آخر الطريح ؟ كان سلوانس ابن عم أبي قوياً متين العضل قائم العود وفخوراً بنفسه ، فقال له : – باه يابوي .. تعال عاد انحني وبحركة واحدة رفعه إلي كتفيه فجاءت رجلاه علي جانبي عنق ابن عم أبي ، وإن كانت العباءة تغطيهما بينما كان يسند جسم الشيخ بيديه ، كأنه لا يحمل شيئاً كان في خفة الريشة أو النسمة ، لكنه ما أن سار بضع خطوات حتي أحس الثقل يزداد علي كتفيه ، ويزداد وتشتد وطأته ورأي سلوانس أن مصابيح الغاز المقامة حديثاً علي جانبي الشارع تنطفئ واحداً بعد واحد ، كلما تقدم خطوة وفي الوقت نفسه يغمر الشارع كله نور غريب ساطع بدائرة وهاجة تحيط به هو وحمله في مركزها .. كان الثقل في كل خطوة يتضاعف ويتضاعف حتي لم يعد يطاق ، ولمح ابن عم قدمي الرجل وقد سقط عنهما مركوبه ، ورأي فيهما ندبة عميقة سوداء نافذة من الظهر للبطن ، كاد يتعثر انحني وركع علي الأرض وقد أشرق ذهنه فجأة وصاح : بجي لا السما تحملك ولا الأرض تحملك وأنا سلوانس الضعيف الخاطي أجدر علي حملك … ! وعندئذ لم يحس سلوانس ابن عم أبي ألا بخطف نور وهاج كأن البرق قدمزق السماء والأرض ، الصوت العذب يقول له من قلب النور : بشراك يا سلوانس بن قلادة هرمينا الخراز ، نذير سوف يولد لك ولد يدعي لعازر أغابيوس من أب المحبة ، سوف تثقل عليه أعباء الحب فلا يستطيع أن يحملها . قال سلوانس : أنت قلت إنك سراج للعالم حمل نورك لا يستطاع هكذا حكي لنا أبي وهو يمتص لحسه من عجينة سوداء صغيرة رفعها إلي فمه بعود كبريت ، بعدان دورها وملسها بأصابعه ثم وضعها تحتلسانه وهو يشرب قهوته السادة الثقيلة ركبت المعدية ذات الجنزير الذي يربط بين الشطين دفعت القرش تعريفه عائداً من سوهاج إلي أخميم . أمواج النيل تحتضن بعضها بعضاً وتذوب معاً في هذا العناق كأنها علي وشك الهجوع في مضاجعة هادئة من غير جموح الشهوات . بدت لي أخميم من بعيد محاط بسياج من الأشجار الجاثمة كأنها العمالقة من عالم لا أعرفه رابضة تحرس البلد من أعداء مخوفين تتفع من هنا وهناك من بين أحضان هذه التياتين ، أشجار النخيل عرائس إلهية محلولة الغدائر ويبدو هنا وهناك بصيص من الضوء الباهر يلتمع متشععاً بين دغلات الأشجار المروضة الملتلبدة كأنها أضواء من عيون مرتقبة . لماذا كل هذا الترصد والتحصن والتمنع علي الاقتحام ؟ هذه القوي من غير العالم لا تقتحم كيان إنسان ولا منعة مكان فل الحرص والترقب ؟ بل هي مقتحمة . لأن الخيانة ، هنا كما هي في كل مكان ماثلة وقائمة ولا نعرفها .