ملف الكوميديا في قطر ……………. إمام مصطفى

ملف الكوميديا في قطر

إمام مصطفى

كاتب من مصر

(1)

الجسرة .. أيام وذكريات

ما الذي يأتي .. وما الذي يذهب ..  وما الذي نأخذه معنا ؟

مئات الأحداث الصغيرة تأكل عمرنا.. عشرات الأماكن تشهد على خطواتنا .. مئات الأشخاص تعاملنا معهم تفاعلنا تشاركنا تباعدنا .. يظل هناك دائما ما يبقى في الذاكرة .. نسترجعه.. نتأمله .. نبتسم .. نضحك .. نهز رءوسنا فرحا .. نسعد بما لم يضع منه في زحام الأيام .

دائما ما أحن إلى أيامي الأولى في الدوحة حين وصلت اليها عام 1982 وبقيت فيها حتى عام 2010 .. تظل الأعوام الأولى هي أعوام لذة الاكتشاف والاندهاش  والمرح، وهي عندي أجمل الأعوام .

ولما كان لابد لأحد منا أن يحكي أو أن  يكتب ما رآه وسمعه ليصبح تاريخا ، ربما لا يهتم به أحد الآن  ، لكن حتما سيأتي زمن يبحث فيه الناس عن  الجذور والبدايات .

فلم يعد التدوين والتسجيل ترفا لا ضرورة له إلا عند من لا يهمه تاريخه وحاضره ومستقبله..

فقد قررت أن أكتب عن تلك الأعوام  المبكرة التي قضيتها في الدوحة.

أسعدني الحظ بأن عشت قريبا من حي الجسرة على مدى ما يقرب من ثلاثين عاما، فتواصلت مع دكاكينها وتجارها ومجالسها وعائلاتها  ومساجدها، وأيضا مجانينها !

فإذا كان لكل قرية عبيط أو مجنون، فما بالكم بحي تلقي السفن بجانبه كل يوم المزيد من البضائع والتجار والصعاليك .

من هذا التواصل المثمر حصلت على مادة شديدة الخصوبة مكنتني من الكتابة عن  بعض من تاريخ الحي وأعلامه وظرفاؤه ودراويشه والظروف التي مروا بها إلى أن طواهم الزمن وصاروا مع الحي العريق أثرا بعد عين … صحيح أن جانبا منه صار سوق واقف السياحي الشهير ، لكن من قال: إن الجميع سعدوا بذلك السوق السياحي الشهير وأسماء محلاته الغريبة – فهي إما صحراوية وإما أوروبية !

المهم أنني اكتشفت مؤخرا أنني لم أكتب عن الثراء الثقافي لذلك الحي المتميز بحيويته وتنوع الجنسيات التي تعمل به أو تتردد عليه  للبيع والشراء والإقامة بلغاتها ولهجاتها مما يضفي على الحياة اليومية فيه ثراء دراميا متجددا … ولما كنت قد عملت مشرفا على النشاط الفني في نادي الجسرة لمدة أربع سنوات مليئة بالأحداث – فقد شعرت بالتقصير تجاه ذلك الحي الذي ساهم في صياغة مسيرتي العملية في الدوحة .

فإذا أضفنا لكل ذلك أن هذا الحي بالذات شهد مولد فرقة مسرح الأضواء الموسيقية المسرحية بقيادة الشاب الموهوب عبد العزيز ناصر عبيدان – فإننا نزعم أن الكتابة   في قطر تبدأ من هذا الحي  الذي موّل تجاره الأثرياء النشاط الفني والأدبي في قطر قبل أن تتولى الدولة الإشراف على ذلك النوع من النشاط .

..  ونعتقد أننا في حاجة للمزيد من الدراسات عن رواد حركة التنوير في قطر، والتي بدأت من  الجسرة في الشعر والأدب  والفن التشكيلي مع أحمد حسن الجابر وحسن نعمه ووجاسم زيني  ومحمد قطبة وعلي ميرزا محمود  وسنان المسلماني وخالد عبيدان، وتواصلت  بعد ذلك مع  الأجيال التالية، وأسماء أخرى مجهولة عملت في ظروف صعبة للغاية؛ حيث كانت النظرة السلفية تنظر بارتياب للكتابات الاجتماعية والآراء التي تتناول أمورا تتعارض معها .

نتحدث عن زمن كان أولو الأمر يقدمون رجال الدين – أيا كان مستواهم- على رجال البحث والعلم والتحديث .

تستحق هذه الأسماء المجهولة التفاتة قوية من  الدارسين والباحثين للتنقيب عن أعمالهم وآثارهم  وإعادة طباعتها ونشرها، سواء أكانت أشعارا أو نصوصا مسرحية أو قصصًا قصيرة أو روايات .

بل إن أمورا أخرى لا تقل أهمية قد جرت في مجالس تجار الجسرة، تستحق البحث والتدوين في زمن ما قبل الاستقلال .

وقد شهدت تلك المجالس مناقشات ومساجلات لا تخلو من كوميديا نظيفة  وتراشقات لفظية، لها أبطالها ونجومها من كبار التجار من الدرويش والجيدة والفخري وبو سلول  والملا والخال والعبيدان  وبو عباس وشكري وغيرهم.

لم يكونوا مجرد تجار

لكن، لماذا الجسرة بالذات دون باقي أندية الدوحة والتي شهدت بعض المحاولات الجادة التي لم تتبلور بما يكفي لإنشاء كيان فني أو أدبي أو ثقافي ؟

الحقيقة أن الطبقة الوسطى في العالم كله هي التي تولت عملية الإبداع الفني والأدبي .. وتولت الطبقات العليا منها عملية التمويل والدعم والحماية وشق الطريق لتلك العمليات عند أولي الأمر.

وفي الجسرة تم تأسيس أول نادٍ اجتماعي ثقافي معترف به من قبل الدولة رفد الحياة اليومية للناس بما أتيح له من آراء مستنيرة، أضاءت دروب التنوير قبل ظهور المؤسسات الإعلامية المختلفة منتصف الثمانينيات عقب الاستقلال .

والواقع أن الموقع الجغرافي للحي ساعده في أن يتوسط أندية الدوحة في زمن ما قبل التوسعات والامتدادات شرقا وغربا وجنوبا .. الشيء نفسه ينطبق على قربه من الميناء القديم والوحيد قبل إنشاء الميناء الحديث على مقربة منه .

الجسرة كانت سرة البلد كما يقولون تواجه البحر، وعلى يمينها الديوان الأميري، وعلى يسارها فريق شرق وخلفها أندية صغيرة هي في الواقع امتدادات لها كمشرب والأصمخ وبراحة الجفيري .. أسماء تستحق أن يكتب عنها مجلدات لتعرفها الأجيال الجديدة التي ستكبر مع مسميات جديدة لتاريخ جديد وجغرافيا جديدة .

والجسرة في الأدب القطري هي أكثر الأندية التي كتب عنها شعرا وأقاصيص منشورة على صفحات المجلات الأولى؛ كالعروبة والعهد والجوهرة وأخبار الأسبوع .

وسوف نتناول في الأعداد القادمة شخصيات الجسرة التي قدمت عطاءات فنية وأدبية تستحق التوقف عندها .

(2)

الكوميديا في قطر

من الارتجال إلى النص المكتوب

باعتبار أن المسرح ظاهرة أوروبية استشرت بعد ذلك في بعض أقطار العربان نهاية القرن التاسع عشر ( بدايات التنوير في البلاد العربية ) فإن البعد عنها غنيمة ومحاربتها إن وجدت تعتبر من أبواب الثواب ؛ فالمسرح         -حتى لو كان مرتجلا- فهو يفتح الباب لمناقشة قضايا توجع رأس الحكام وأولي الأمر الذين اعتبروا منذ العصر المغولي أن الفقهاء لديهم أجوبة لكل الأسئلة والقضايا الدنيوية والآخروية .

تخيلوا كيف كان حال المطالبين بإنشاء الفرق المسرحية  في قطر، لا أسوة  بمصر والشام والمغرب، بل أسوة بالبحرين الشقيقة التي هي على حذفة حصاه من الساحل القطري .

نعود الى مرحلة البدايات، وهي المرحلة التي أهملها  عمدا رؤساء الفرق المسرحية الجدد؛ حيث يعتبرون أن تاريخ الفرقة يبدأ من يوم توليهم لمناصبهم على عادة الكثيرين من الحكام والولاة التي يعتبرون أن التاريخ يبدأ معهم، وينتهي أيضا معهم .. يعلمون تمام العلم أنه سيأتي من يشطب فترتهم من التاريخ ليبدأ التاريخ به، وهكذا دواليك .

للحقيقة وقبل أن أنسى .. فهناك أسماء مهمة في التأريخ للحركة المسرحية والفنية بعامة في قطر، مثل: الدكتور محمد عبد الرحيم كافود، والأستاذ الفنان عبد الله أحمد عبد الله الكاتب والممثل البحريني الأصل، والذي تولى الأرشيف المسرحي  المطبوع والمكتوب في قطر بعنايته، وكان عونا للكثير من الباحثين والمهتمين بتاريخ المسرح في قطر .

رجل يحتفظ بالقصاصات والصور والنصوص الأصلية وتعليمات الرقابة والمصنفات، بل إنه يحتفظ بكعوب التذاكر وأسماء مجالس إدارات الفرق وحتى الأعضاء ..  هناك أيضا الدكتور حسن عبد الله رشيد صاحب الأرشيف الموسوعي الضخم  والمتابع عن قرب للنشاط المسرحي القطري في الداخل والخارج..  أيضا الكاتب والشاعر السوري حسان عطوان صاحب كتاب (الحياة المسرحية في قطر ) وهو أحد المراجع المهمة في التأريخ للمسرح القطري، فلهم جميعا  الشكر والتقدير .

المؤلفات المسرحية

الحقيقة أن المؤلفات في المسرح القطري على قلتها تنقسم لنوعين لا ثالث لهما .. فإما مؤلف عبارة عن ( سي في )  للشخصية التي يتناولها المؤلف .. تمتلئ بالمديح الزائد عن الحد  وصولا إلى حدود النفاق النقدي، وتبتعد عن الموضوعية .. يفرح بها الفنان لفترة، ثم سرعان ما يكتشف أنها لم تنفعه في شيء ولم تقيمه بما يستحق  .. وإما مؤلف جاد يحلل أعمال الفنان بحيادية، فيقسو في أماكن الخلل، ويمتدح في أماكن الإجادة..  ويتعامل مع عطائه بموضوعية وحيادية فيغضب له الفنان وربما قاطع مؤلفه .. لكنه بعد فترة سيكتشف عكس ما تصوره في البداية .

ستجد مؤلفات عن أشخاص، لا عن ظواهر، ومرحلة الارتجال التي شغلت حيزا كبيرا من عمر المسرح القطري – لن تجد عنها مؤلفا واحدا .

مطبوعات كثيرة أصدرتها وزارات الإعلام عن نشاطاتها المختلفة – خلت من التقييم .. في الحقيقة أن من الظلم أن نتوقع شيئا من تلك المطبوعات التي لا يقرؤها أحد وتمتلئ بها مخازن الوزارات تمهيدا للتخلص منها مع مقدم الوزراء الجدد .

تهدف هذه المقالة إلى إلقاء نظرة على تطور الكوميديا في قطر من الارتجال إلى النص المطبوع الذي يعاد إخراجه في مناطق مختلفة من العالم العربي، والذي يمكن القول: إن الفنان غانم السليطي قد عاصر ذلك التطور منذ مطلع السبعينات؛ أي: مرحلة احتضار الكوميديا المرتجلة وحتى اليوم الذي يقدم فيه النص الكوميدي المطبوع في المسرح والتليفزيون والراديو؛ لذلك اتخذناه نموذجا .

من المؤسف عدم وجود صحافة يومية أو أسبوعية في تلك المرحلة .. فقد كانت من الممكن أن تساعدنا على معرفة تفاصيل أكثر كآراء المشاهدين مثلا أو عدد الحضور .. إننا نعتمد في معرفة التفاصيل من الفنانين أنفسهم الذين ربما أصبحوا غير معروفين للعامة هذه الأيام؛ أمثال هتمي  ومبارك الهتمي وعلي خليفة الكواري وعطية الله النعيمي، وهم من أسسوا لمسرح نادي شل ( كبار الموظفين ) ورواد مسرح نادي الجزيرة أمثال صالح وحمد السليطي وعبد الله عبد الكريم وموسى عبد الرحمن مؤسس الفرقة الشعبية للتمثيل عام 1968وعلي العوجان الذي ساهم مساهمة فعالة في تأسيس فرقة الأضواء، والذي تواصل عطاؤه حتى شمل تأسيس فرقة النادي المسرحية ونادي السينما  وبناء قاعة العروض في مبنى وزارة العمل والشئون الاجتماعية الذي منح لنادي الجسرة قبل زوال الحي بأكمله .

*   *   *

كانت الأعمال كلها تنتمي للمسرح الارتجالي الذي يعتمد على قدرة الممثلين على التمثيل في إطار الفكرة التي شرحت من قبل المؤلف أو مجموعة المؤلفين دون نص مكتوب أو خطوط عريضة مكتوبة لكل دور، وهو ما يذهب إليه الدكتور كافود في معرض تناوله لمسرحيتي بنت النوخذة والدكتور بوعلوص التي قدمهما المسرح الشعبي.

ويجدر بنا القول: إن المسرح الارتجالي الذي عرفته قطر والبلاد العربية مأخوذ من مسرح الكوميديا ديللا آرتي التي عرفته إيطاليا وإلى منتصف القرن السادس عشر .

وكان مسرح الكوميديا ديللا آرتي يعتمد على مشاهد مسرحية يقوم بالدور الرئيس فيها شخصية يطلق عليها بنتالوني ( بنطلون ) البندقية، وهو تاجر عجوز يلبس قبعة وسترة حمراء وبنطلونا واسعا جدا ونعالا  .. جشع وبخيل ومطارد للنساء، ومظهره وصفاته تجعلانه مدعاة للضحك .

ودوتورى ( دكتور ) وهو شخصية مدعية تقلد الطبيب في ملابسه السوداء الرسمية .

و أرليكينو الخادم المهرج، وهو ريفي ظريف يساعد العشاق، ويدبر الحيل حتى وإن عادت عليه بالضرر في أعماقه حزن دفين يعكس إحساسا بالفشل في الإصلاح، وهو بهلوان رشيق محب للحياة بكل ما فيها .. حبه الدائم للمرح يدفعه للتنكر فهو مغرم بأن يتلبس الأشياء والشخصيات. هو الفرفور عند يوسف إدريس .. والخادم أو الخادمة في المسرحيات التي تعتمد على تدابير الخادم صاحب الحيلة .

يقول الدكتور علي الراعي في كتابه فنون الكوميديا ص83:

“على أن من الحكمة دائما أن نتذكر أن الكوميديا ديللا آرتي هي نوع من الفن المسرحي الشعبي له نظائر في بلاد أخرى مثل الفاصل الفكاهي في إنجلترا، وأن الرغبة في الارتجال والقدرة عليه معروفة وممارسة في التجمعات الشعبية المختلفة.

ففي عالمنا العربي كان هناك السامر وخيال الظل والأراجوز الذي يضرب بعصاه .. كل تلك الأعمال لم تكن تعتمد على نص مكتوب، وإنما تعتمد كما قلنا على ظرف الممثل في النكتة والمزاح وتوليد المعنى والهزء والتهكم والهجو والسخرية والتورية والقفشة وحسن الجواب” .

هكذا بدأ الارتجال المسرحي مع بدايات الفرق الفنية  في قطر .. ولنأخذ فرقة الأضوء الموسيقية المسرحية التي أسسها عبد العزيز ناصر، واتخذ لها مقرا في حي الجسرة .

يقول عبد العزيز ناصر:

… كان لابد لنا أن نعطي للفرقة طابع الترفيه بالموسيقى والفكاهة، وكان إلى جوار فقرات الموسيقى والغناء مشاهد كوميدية تقوم بمقام الفاصل بين الفقرات، وتؤدي دورا في إشاعة المرح والبهجة بين الحاضرين، خصوصا وأن أغلب الأغاني التي كانت تقدمها الفرقة من النوع العاطفي بما فيه من معاني الهجر والصد والتيه والدلال؛ فغالبية المطربين كانوا متأثرين بنجم الغناء العربي الراحل عبد الحليم حافظ .

وقد حدث معي موقف طريف في يوم وصولي للدوحة؛ للعمل كمشرف مسرحي لنادي الجسرة، يستحق الرواية؛ لما فيه من دلالة على مسألة الارتجال والنص المكتوب .

ففي السيارة التي أقلتني من المطار إلى مبنى النادي كان يجلس خلفي مباشرة الأستاذ محمد سعيد عبد الحسين، وكان يقود السيارة على ما أذكر الأستاذ عبد الله ملا زينل .. وحين قال الأستاذ عبد الرحمن الخال: إنه يود أن يشاهد نشاطا مسرحيا يرفع الرأس .. أجبته قائلا: النصوص أهم حاجة، والباقي سهل .. وعلى الفور صرخ محمد سعيد :  إيه.. توك واصل وتتحكى عن الفلوس.. صح إنك مصري! عبثا حاولت إفهامه أن النصوص غير الفلوس، لكنه استمر يقول: إيش فاكرنا ؟ إحنا خريجين ؟ أي نصوص وأي بطيخ ؟ والله..  للحين ما دش النادي ويقولنا أهم حاجة الفلوس.. إيه والله.. فلوس!

هنا  يشير الموقف  على بساطته وعفويته إلى أن الرجل لم يتعرف سوى على المسرح الارتجالي الذي يقدم دون نص مكتوب يلتزم بحواره الممثلون .

وكان الخروج عن النص في المسرحيات الكوميدية التي تقدمها الفرق الأهلية في ذلك الوقت يقترب من حدود الارتجال؛ فقد كان بعض ظرفاء الممثلين؛ أمثال موسى عبد الرحمن وغانم السليطي وسعد بخيت  وعلي سلطان يدخلون أحيانا في مساجلات مع الجمهور خلال العرض، ويقومون بتركيب الإفيهات على تلك المساجلات بعيدا عن الحوار الأصلي للعمل .

وهي ظاهرة عادت لتؤكد نفسها مع الكوميديين الكويتيين  في هزليات ما بعد الغزو التي تقترب من الكوميديا المرتجلة.

وفي مقابلة تليفزيونية مع الفنان عطية الله النعيمي ( في الضحى ) قال: إن الارتجال لم يكن فوضى مسرحية، بل كان منضبطا حتى لا يتحول الممثلون إلى مهرجين .. كان الممثل يرتجل في حدود الشخصية والخط المرسوم له، وكنا نترك الفرصة لبراعته وموهبته في اختيار الكلمات التي تعطي المعنى وفي الوقت نفسه تؤكد حضوره .

غانم السليطي

في أحضان مسرح الارتجال ترعرع غانم السليطي متفرجا ثم  مؤديا .. كان قد استوعب حيله ومبالغاته في الأداء النمطي وألعاب التنكر، وهو ما سيلون أداءه وتأليفه وإخراجه لفترة طويلة جدا.

لكنه نجح في كتابة نص بالتعاون مع مصطفى أحمد بعنوان “بيت الأشباح” عام 1973 ، وقدمته فرق مسرح نادي السد أي: منذ أربعين سنة تقريبا .

منذ هذا العمل المبكر وغانم يتخذ من التراجوكوميديا خطا ثابتا لايحيد عنه في أعماله المسرحية والتليفزيونية، وهو نوع من الكتابة يختلط فيه الضحك بالبكاء، وفي تلك الحالة يزدهر الهجاء والسخرية من البشر والقيم والأفكار .

في كل أعمال غانم سنجد ذلك البحث الدءوب في الانعتاق من الفقر والظلم الاجتماعي الذي يتماس أحيانا مع النقد السياسي. ولعل غانم تحديدا هو أجرأ الكتاب القطريين في مباشرته التي لا يداريها في التاريخ القريب أو البعيد .. ربما كان عمله الوحيد الذي يستدعي فيه التاريخ هو روايته الممتازة ( المتراشقون ) تلك التي انتزعت عدة جوائز في مهرجانات مسرحية محترمة، وفيها نجح غانم في صياغة بناء مسرحي لا تكاد تلمح فيه أثرا للكوميديا ديللا آرتي؛ فالموضوع سياسي بالدرجة الأولى، وفيه يتناول أوضاع العالم العربي في مرحلة الانقسام والارتماء في أحضان الدول الكبرى .

غير أن ذلك لا يجب أن يبعدنا عن تيمته الأساسية في البحث عن الحرية والعدالة الاجتماعية..

فبعد أن جرب النقد الاجتماعي البسيط في (المناقشة) مع حمد الرميحي       -بدا أن وعيه الاجتماعي تقدم خطوات في مسرحية “عنتر وأبله” التي شكلت منعطفا في مسيرته – ظل محافظا عليه حتى عمله الأخير( 11 سبتمبر) كناقد كبير يصب نقده في قالب من الهجاء الاجتماعي الذي يعتمد فيه اعتمادا كبيرا على قدراته التمثيلية التي لاشك فيها .. تلك القدرات التي جعلته قطبا من أقطاب الكوميديا في الخليج .

كونه المؤلف والمخرج أخل كثيرا بالنص في صورته النهائية، فهو إذ يفرد لنفسه مساحة كبيرة من النص – فهو يظلم باقي عناصر العمل، فيأتي العرض وكأن ليس فيه سواه، وهو ملمح حقيقي من ملامح كوميديا الارتجال التي تجعل من الآخرين مساعدين لفرش الإفيه أو تلقيه !

الارتجال عند السليطي لا يقاربه فيه أحد فهو ممثل مثقف وقارئ ومطلع على أعمال المسرحين المصري والسوري، وبالطبع الكويتي والبحريني، وفي مجمل أدائه سوف تجد ظلالا من كل تلك المسارح؛ فغانم كممثل مزيج من حسين عبد الرضا وعادل إمام ودريد لحام وبيل كوسبي وبقايا من غانم الطفل الشقي الباحث عن المتاعب .

غانم يتمنى أن يقدم المونودراما حيث لا يكون على المسرح سواه، فيخرج كل ما لديه من كنوز الارتجال، والتي لا نشك لحظة في امتلاكه إياها ،  لكن الجمهور القطري لا يقبل بمونودراما إلا في إطار مسرح تجريبي لا معقول ؛ ذلك أن الجمهور العربي والشرقي عموما يحيا بشكل جماعي ويفكر بشكل جماعي، ويتحرك مقودا أو منقادا بشكل جماعي على عكس المجتمعات الأوروبية التي تجد للفردية فيها ملامحا في نواحي كثيرة .

لذلك يواصل غانم ارتجاله في أعماله على الرغم من وجود ممثلين آخرين ونصا مكتوبا ( كتبه هو في الغالب ) مسيرته الطويلة في المسرح والتليفزيون مليئة بالأعمال المتشابهة الأداء .. وإذا
كان جزءا من الجمهور قد انصرف عن مسرح غانم؛ فذلك لأن غانم لم يجد مؤلفا يجبره على الالتزام بالنص ولا مخرجا يمنعه من التصرف كما يشاء .. فهل يعود غانم ممثلا فقط؟

(3)

محمد عبد اللطيف

كوميديان قطر الأول

الكوميديا في قطر تبدأ وتنتهي عند أصحاب المواهب الحقيقية، ولا عليكم من البروباجاندا والاستظراف والشقلبة على السلك والمشي على الطوف .

حين نفتح ملف الكوميديا القطرية فإننا نطالع في صفحته الأولى اليوم اسما كبيرا  يستحق الوقوف عنده طويلا .

إنه محمد عبد اللطيف أو محمد فقط كما يحب أن يوقع رسومه الكاريكاتورية التي يتحف بها قراء صحيفة الراية كل صباح فينشر الابتسام والضحك بل والقهقهات العالية.

لا نبالغ حين نقول: إن أغلب قراء الراية يفتحون الصحيفة على كاريكاتير محمد، ثم يتابعون بعده باقي العناوين والأبواب، أو ربما يكتفون بالكاريكاتير؛ فقد تناول فيه موضوع الساعة بموهبته الفلتة، والتي لم نشاهدها إلا عند كبار دنيا الكاريكاتير في العالم .. إنه عالمي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولا نبالغ حين نقول: إنه كوميديان قطر الأول؛ فهو لا يزغزغك ولا يلح عليك بالإفيه ليفسد استمتاعك بالكوميديا، كما يفعل متوسطو الموهبة  في الفن والأدب .

منذ فترة طويلة وهو يمارس دور راسم الابتسامة اليومية لأهل قطر ومقيميها ومن عاشوا على أرضها، ولازالوا مرتبطين بها بعد أن غادروها، ولازالوا يتابعون إبداعات قممها المعدودين .

يرسم كعالم اجتماع ومحلل سياسي وطبيب نفسي ما يلتقطه بعين الفاحص لطبقات قطر في خضم أحداثهم اليومية، فيضحك ويؤلم ويثير القهقهات والدعوات للتأمل من خلال عالم من الشخصيات التي حددها بدقة متناهية لتعبر عن فئاتها التي تنتمي إليها .

فكأنما انشقت الأرض لتبتلع كل رسامي الكاريكاتير، ولتخرج لنا من برها وبحرها عبقرية لا نظير لها.. زلزالا من الدعوة للتأمل .. إعصارا من خفة الدم .. شلالا من الروح الشعبية التي نسيها كوميديون كثيرون بعد أن عانقوا الثراء وحياة أصحاب الأموال .. طوفانا من اللماحية ومهارة الالتقاط .. سيلا من المقدرة على الإضحاك الإيجابي .. منجمًا من التعليقات الحراقة التي تلسوع.

محمد عبد اللطيف معك أينما كنت في الشارع بحفره والمكاتب الحكومية بروتينها وفي اجتماعات مجالس الإدارة العائلية ومع دروس الأولاد الخصوصية  هو في السجن والمول والمطار والكورنيش والبورصة والجامعة والجمعيات التعاونية وصفوف المدرسة والمكتب الحكومي والسجن وحتى المهرجانات الغنائية والفنية .

انظر بابو راعي الدكان وسيكله وهو يعلق على الأسعار أو وهو يتبادل نظرات الغرام مع ميري الخادمة .. وتأمل فضل الرحمن  وهو يعلق على حفر الشوارع التي زهق هو نفسه من حفرها .. وقهقه ماشاء لك حين تكون أم صجمة عارضة أزياء ومعلق الحفل هو الأستاذ فرغلي والحفل في قاعة الأزياء لا المحاضرات بالجامعة ! .. ثم تأمل راجو راعي المعصرة وهو يريد التنكر في زي امرأة لأن الشباب يذهبون للكافيتريات حيث تقوم بالخدمة هناك فتيات !

وهل هناك تلخيص للحياة اليومية في قطر أعمق من كاريكاتيره ( سابع المستحيلات )  الذي يعرض فيه المستحيلات التالية :

– قطري ما عليه قروض

– سيارة ما داست قطوه

– واحد يفكر يطلع له بليب

– دوار ناشونال فاضي يوم الجمعة

– تكسي خالي من الدعمات

– زول يخسر سحب على سيارة

– واحدة تسوق عراوي

– شيبة ما يحب المصارعة .

*   *   *

لم يقلد أحدا بل انفرد بأسلوبه الخاص حيث يرسم بالكمبيوتر ويلون ليخرج الكاريكاتير قبل الطبع بدقائق طازجا مستلهما أحداث الدوحة يوما بيوم  ليضع فيها وجهة نظره التي هي وجهة نظر رجل الشارع لا وجهة نظر رئيس التحرير التي يخضع لها  للأسف الشديد الكثيرون من رسامي الكاريكاتير في وطننا العربي.

وهنا يحضرني مثلٌ لأحد المؤسسات الصحفية العربية العريقة والتي كانت مدرسة عظيمة لتخريج أمهر رسامي الكاريكاتير في عالمنا العربي.

.. أقول: كانت؛ لأنها اليوم ترسم كما يريد رئيس التحرير ومدير التحرير !

فمحمد عبد اللطيف مستقل في جريدة شبه مستقلة ، له موقفه ورؤيته  الساخرة بالخطوط والكلمات التي هي أحد عناصر الإدهاش عنده، سواء أنطقت بها شخصياته باللهجة القطرية أو بأية لهجة أخرى .

فهو حريص على أن يضع تعليقا لكل شخصية من شخصيات الرسمة  حتى قطته (طمبحلة ) وهكذا تتصاعد عنده الكوميديا حتى تصل للذروة في تعليق أخير…

وهو في تلك  الناحية  يبتعد عن الكاريكاتير الأوروبي الذي يكتفي بالرسم دون التعليق والذي برع فيه المرحوم ناجي العلي وقلده فيه من تبعوه من الرسامين الذي يفتقدون الكلمة اللاذعة .. وهو ما يميز مدرسة الكاريكاتير المصرية التي تتفوق في التعليقات المدهشة ( حجازي ـ  الليثي ـ جاهين ـ  مصطفى حسين وغيرهم ).

*   *   *

وموقف محمد عبد اللطيف من وسائل الإعلام  غاية في الغرابة؛ فهو يقاطع الظهور العلني فيها مرئية أو مسموعة والقراء لا يعرفون شكله .. ولا يعرفون سوى اسمه الأول .. لذلك كان الكثيرون منهم يسألونني بحكم عملي في الراية عن اسمه بالكامل وعن أصله وفصله .. فلا أجد إجابة سوى هو محمد عبد اللطيف الموهوب جدا   في صناعة الفكاهة التي يتمسح في أذيالها الكثيرون، المتشدد في منع التدخين السلبي قبل الإيجابي ، المثقف القطري العالم بأمور وطنه ، المبتعد بكل قوته عن الشهرة .

.. حين طلبت منه صورة لأضعها في كتاب شخصيات قطرية أرسل لي صورة طمبحلة !

وإذا كانت هناك مقولة شهيرة عن الفكاهة تقول …( الضحك الراقي جده الأعلى الحق ، وقد أنجب الحق ابنا أسماه حسن الرأي ، وهذا بدوره أنجب الذكاء اللماح الذي تزوج من امرأة من قريباته اسمها الفرحة ، فأولدها مولودا اسمه الفكاهة ).

ففي رسومات محمد عبد اللطيف كل ما ذكرته المقولة .

واسمحوا لي أن أنقل لكم صورة تقريبية لهذا الموهوب .. هو طويل وعريض يمشي مترنحا لسبب لا علاقة له بالمكيفات ، جهم في الغالب ، يرتدي نظارة طبية كنظارة فرغلي  الذي هو الشخصية التي يضع على لسانها أظرف التعبيرات ، باب غرفته في الجريدة مغلق دائما، سواء أكان بداخله أو خارجه كأنما يضع في الغرفة أفكاره التي لا يجب أن
يراها أحد إلا في صورتها النهائية ، نادرا ما يظهر في أعراس أو مآتم أو مناسبات ولم أره خارج الجريدة إلا على كورنيش الدوحة يمارس المشي منفردا .

دائما هو مهندم ومرتب على عكس رسامي الكاريكاتير الذين عايشت

بعضهم؛ فجودة خليفة مثلا رحمه الله كان يأتي للمجلة بشبشب وزنجرفة مقددة ، وكان محمود الهندي يرسم في الجريدة بالبيجاما الكستور المخططة !

إمام مصطفى