قصتان قصيرتان ……………………….. جلاء محمد عزت

قصتان قصيرتان

جلاء محمد عزت

قاصة من مصر

( 1 )

الجمجمة

جمجمة عجفاء على المنضدة المزدحمة بكتب الطب.. أصفر.. أصفر.. كان وجهها.. رائحة الموت تملأ أجواء الحجرة.. من مقعدها هبت البنت.. بالفرشاة أمسكت.. بالذهن تدور الأفكار.. عاجزة هي عن الخروج الفكرة تمشي متباطئة .. لجد سأرسم لكني أخاف أن أنسى الشارب فينهرني ويغضب مني.. إذن الأب سأرسم.. حمراء.. حمراء كانت عيون أبي.. أخاف وأرد تلك الفكرة.. عين الأب تحتاج إلى قطرة.. على الشجرة قلب مغروس فيه السهم.. رومانسي جدا هذا الرسم.. الشجرة كانت شجرة تفاح.. بعض التفاح يساعد عقلي على التفكير.. امرأة العزيز أدخلت الصديق يوسف على النسوة فقطعن أيديهن.. لا.. لا.. مفزعة جدا تلك الفكرة..

فإن جوخ أعطى للحبيبة قلبا.. فنا.. حبا.. أذنا مقطوعة .. فلأرسم أذنا قطعت ويسيل منها الدم.

الدم يرسم قلبا يعانق في لهف قلب الحبيبة.. الجمجمة تنشر رائحة الموت.. تشعرها أنها في مقبرة.. تسمعها أنين الموتى وصخب البكاء بيدها.. أزاحت هذا الرأس العظمى .. قادرة هي على وضع بعض خطوط اللوحة.. من يدها تنزلق الفرشاة.. صرخت.. الصرخة تعلو.. تعلو.. أعضاء مبعثرة تملأ أرجاء الحجرة رأس.. فم.. قلب .. أذن مقطوعة.. بالأم تستغيث.. يد تفتح الباب.

يتبعها الرأس.. فم يسأل عن سر الصرخة.. بيدها أزاحت كل شيء.. إلى الخارج تجري.. بشعا.. بشعا كان المنظر.. الأعضاء المبعثرة تملأ الشوارع.. رءوس تتقافز.. مثل كرة المطاط يد تشتبك مع الأخرى حاولت الصراخ.. غادرها الصوت وجرى بعيدا عنها.. بيدها تحسست وجهها.. نحو البيت تجري أقفلت الحجرة.. التقطت الفرشاة.. أكملت اللوحة.. أذن مقطوعة، يسيل منها الدم !

( 2 )

لماذا تركتني ياحبيبي؟

أطرق.. أطرق باب المساء فتفتح لي.. وتولِّي الوجه ولا ترد عليَّ السلام… أعفو أنا عن صمتك وأغزل منه نسيج الوقار..

أغاضب أنت مني؟.. فمنذ عشرة أيام لم تستبح صورتك فضاءات حلمي… تقول لي في صوت يسكنه العتاب.. وأنا أنتظر منذ عشرة أيام سورة يس ترتلينها عليَّ.. أفتح فم الدهشة.. ألهذا أنت غاضب مني؟..

وأنت تعلم يا جدي أنني ما تركت يس أو الفاتحة مذ كنت مسجيا على فراش الصمت..

جدي..، الإطار المطلي بماء الذهب
ازدان بصورتك.. لحيتك استطالت
فأخذت مساحة كبرى من الإطار.. من فوق الحائط أنزلت صورة مايكل جاكسون.. وقلت، وأنا ألقيها على الأرض جدي، بألف منك يا هذا الجاكسون.. جدي، إليك أخبار البيت.

جدتي ما زالت تستمع لأغنيات عبد الحليم حافظ، وتقول في صوت يملؤه الحزن : أين أيامك يا شيخي وهنائي.. !!

تضحك !!

للأسنان بياض زهرة فل..

بقلبي تزهر ورود الفرح..

أما أخبار حديقتنا :

النخل غادره التمر، والنحل ذهب بعيدا مع وردات حديقتنا.. وأنا غادرني الفرح.. أقسموا جميعا على عدم الرجوع حتى تعود..

فمتى تأتي ؟… أنت المحب لي وأنا الساكنة عندك بالقلب.. اشتقت كثيرا لوجه يشبه رغيف الخبز !!
وللعينين الخضراوين بلون النعناع الأخضر، وللحية أخذت بياض زهرة القطن..

بيدك سأمسك.

ولن تغافلني للمرة المائة وترحل..
يد جدي تتسرب من يدي كحبات الماء، يبتعد ويتلاشى ويغلق باب المساء على شقشقة عصفور أخضر ورائحة زهرة فل ونعناع.. أستيقظ وأقول في سري: خيرا يا ربي، وأفتش في المصحف عن سورة يس.

جلاء محمد عزت