بين الثقافة والصحافة عبدالعزيز اسماعيل احمد

بين الثقافة والصحافة

دراسات فى التطوير الثقافى

عبدالعزيز اسماعيل احمد

ياسر الفهد مترجم وصحفى وباحث تربوى معروف فى سوريا والعالم العربى له العديد من المقالات المنشورة فى عدة دوريات عربية ومحلية وتتسم كتاباته بالجدة والموضوعية وغالبا ما تتناول فى مضامينها مفاهيم عصرية وتتمحور حول موضوعات حداثة بعيدة عن القولبة التقليدية والاسلوب الكلاسيكى فى الكتابة . وله عدة مؤلفات جادة ورصينة تتناول الصحافة العربية المعاصرة فى بلاد الشام والخليج العربى وله عدة مؤلفات تربوية ايضا واخر مؤلفاته الكتاب الذى بين ايدينا بين الثقافة والصحافة دراسات فى التطوير الثقافى الذى صدرت طبعته الاولى عام 2000 عن دار البشائر بدمشق وقد جاء الكتاب فى مائة وستة وسبعين صفحة من القطع الكبير والكتاب بمجمله محاولة جادة لكسر الطوق الفكرى وطرح وجهات نظر غير معهودة ورؤى جديدة مبتكرة فى ثلاث محاور مترابطة ومتكاملة هى الثقافة والصحافة والتربية والتى تشترك جميعها فى مهمة التعليم والتثقيف والتوعية . جاء فى مقدمة الكتاب اننا لكى نحلق بموكب الحضارة الانسانية ونساير ركب التطور المتسارع يجب ان نفكر ونعمل بطرق جديدة غير معهودة وان نتغير كما يتغير الاخرون وقد اخترنا فى هذا الكتاب الحقل الثقافى ليكون هدفا .. ” اعتمد المؤلف فى كتابه اسلوب المقالة العلمية الثقافية الرصينة التى تحمل افكارا قصيرة ومفيدة بطريقة مبتكرة وجميلة بعيدة عن اسلوب المقالة التقليدية والتكرار الممل . وقد اجاب الكتاب على مجموعة من التساؤلات الهامة فى الصحافة والثقافة والتربية وكرس مجموعة من الافكار الهامة فى تلك المجالات نجملها بالنقاط التالية : يتناول الكتاب مفهوم المجتمع المدنى والعناصر الاساسية التى تدخل فى تركيبته كما يتناول الثقافة بنوعيها الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية او الجماهيرية ثم يقارن بين دور الكلمة المكتوبة والكلمة المرئية فى عملية التثقيف مبينا ان المفكر او العالم او المثقف الرفيع يعرف ملصحته ولا يمكن للقنوات الفضائية ان تصرفه عن الارتشاف من معين المادة الكتابية القيمة ويخلص الى ان تطوير صحافة شعبية ناجحة قادرة على تزويد ملايين الناس بثقافة اساسية تشمل حرية جميع فروع المعرفة بطريقة شيقة وفى ظل توافر حرية الكلمة سوف يساعد على نشوء طبقة واسعة من المثقفين العاديين الذين يستطيعون مساعدة الطبقة الضيقة من صفوة المثقفين ونخبة المفكرين على شد ازر المجتمع المدنى القادم وتدعيم مواقعه وتزويده بالافكار والاسس والمفاهيم العلمية والمعرفية السليمة .ويربط المؤلف قيام المجتمع المدنى بضرورة توفر الديمقراطية التى تعد الركيزة الاساسية لتقدم الامم ورقى الشعوب كما يركز على اهم عناصر الديمقراطية وهى الحرية بانواعها وخاصة حرية الفكر والعقيدة وحرية الكلمة ولا سيما حرية الصحافة التى هى اهم فروع حرية التعبير حيث ان السماح بها فى الصحافة واجهزة الاعلام وفى الكتب يفتح الطريق امام النقد وهذا بدوره يقود الى التغير الايجابى ثم يتطرق المؤلف لاهم معوقات حرية الكلمة ويصل الى نتيجة مفادها ان حرمان الامة من حرية الصحافة يعنى تراكم الاخطاء والانحرافات وتشجيع اصحاب الضمائر المريضة على ممارسة الفساد ولابد من اصدار قوانين جديدة لتوسيع اطار حرية الصحافة فى البلدان العربية والسماح للكتاب بان يقولوا كلمتهم ويدلوا بدلائهم دون خوف او تحسب من اجل مصلحة البلد .وتحت عنوان صحافتنا والمسؤليات الجديدة يتناول المؤلف عملية التثقيف الذاتى بعد انقضاء الحياة المدرسية ثم الجامعية وانتهاء دور التربية والاستاذ ثم يعدد السبل التى تحقق التثقيف الذاتى وحول اهمية الصحافة الادبية .

يقول المؤلف نحن الآن بحاجة إلي أدب جديد متطور يعالج صميم المشكلات الأخلاقية التي تجثم علي كواهلنا وتعوق تقدمنا في شتي الميادين كما أن الأدب ضروري للقضاء علي النزعة الفردية والتناقض بين الأقوال والأفعال والمطلوب من الصحافة العربية أن تعي مسؤولياتها الجسيمة في هذا المجال وتعمد إلي نشر أدبيات جديدة فعالة قادرة علي ترميم قصورنا الأخلاقي .

وحول تساؤل مفاده :هل يتحقق التقديم بالتطور العلمي أم بالازدهار الثقافي ؟ يقارن المؤلف بين المتعلم ورجل العلم والعالم ويعرف الثقافة بمفهومها الشامل ثم يقارن بين المثقف ورجل العلم ويصل إلي رؤية مفادها أن ” المثقفين الحقيقيين بالمعني النبيل والشامل للثقافة هم الذين يستطيعون انتشال الأمة من هوة التقهقر والسمو بها إلي قمة التقديم لأنهم يشبهون الأحجار التي تحرك الدوائر في البحيرات الراكدة ”

وفي جوابه علي تساؤل هام : أي نوع من الثقافة نحتاج اليوم ؟ يقول المؤلف أن العرب يحتاجون اليوم إلي الثقافة الحديثة ولا سيما ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان أكثر من الثقافة التقليدية الي الثقافة العلمية أكثر من الثقافة النظرية والي الثقافة الأخلاقية القيمة أكثر من الثقافة المعلوماتية كما أنهم يحتاجون الي الثقافة الترجمة في المجالات التي تسبقنا فيها الأمم المتقدمة والي الثقافة الأصيلة في الميادين المرتبطة بصميم بيئتنا المحلية مثل الأدب والتراث والتاريخ العربي والإسلامي ”

وتحت عنوان ” الكلمة المكتوب في مواجهة التحديات الفضائية يتناول المؤلف ما تتعرض له الكلمة المكتوبة من منافسة قوية من جانب التلفاز والقنوات الفضائية مبينا انه رغم تلك المنافسة تبقي للصحافة مزاياها ويبقي القها الخاص ثم يعدد مزايا الصحافة ويبين ضرورة قيامنا بالارتقاء بصحافتنا العربية كي تستطيع مواجهة ما تتعرض له من منافسة ثم يتطرق لأهم معيقات مسيرة الصحافة العربية التي تجعلها جامدة وغير منطلقة ثم يعدد أهم الإجراءات والخطوات التي يمكن اللجوء إليها لتسحين صورة الدوريات العربية والارتقاء بأدائها وجعلها أكثر قدرة علي استقطاب القراء وحثهم علي ارتياد حديقة الكلمة المكتوبة وأهم تلك الإجراءات ” التجديد والجدية والرصانة وصحة لمعلومات ودقتها والوضوح والاعتماد علي الأعمال الإبداعية والإكثار من المادة العلمية والطبية المترجمة وتحسين الشكل والإكثار من الصور ومواكبة الإحداث ورصد المناسبات المحلية والعالمية ثم يصل المؤلف إلي نتيجة مفادها : أن أقصر طريق لتطوير الصحافة العربية فضلا عن تحسين السياسات التحريرية أن تنفق الدولة بسخاء علي المشروعات الصحفية وان تزيد الاعتمادات المالية المخصصة لها ليتمكن المسؤولون الصحفيون من الوصول إلي الكلمة المكتوبة إلي مكانتها التقليدية العظيمة والتي تحصنها في وجه الإثارة الإعلامية للقنوات الفضائية التلفازية التي تأسر القلوب وتصرف المشاهدين إلي حد ما عن الاهتمام بوسائل الثقافة الجادة .

ويتناول المؤلف موضوعا هاما هو الصحافة العربية ومواكبة العصر موضحا انه يجب علي الصحافة العربية أن تعمل علي تحديث مضموناتها مسايرة للعصر ومواكبة لتطوراته المتلاحقة وعليها أن تتناول ضمن سلم اهتماماتها جملة من الموضوعات الحديثة مثل :

المعلوماتية الحاسوب والإنترنت الأخطار البيئية التي تهدد الأرض ومسألة السلام وتحديدا السلام العادل وبعض التطورات في مجال الطب والجراحة والأمراض الجديدة وموضوعات الاستنساخ والعلوم الوراثية ومسألة العولمة التي تستحوذ علي اهتمام المفكرين المعاصرين وكذلك مشكلة نقص المياه الذي يعاني منها العرب أشد معاناة .

يركز المؤلف في كتابه علي أهمية ” الترجمة ” كونها تفتح النوافذ والكوى الوميضة علي أحداث التطورات العالمية الحديثة في شتي المجالات ثم يجيب عن تساؤل : أيهما أنسب أن نترحم حرفيا أم بتصرف ؟

ثم يتناول صحافة الترجمة ويضرب مثالاً عليها مجلة ” العلوم ” الصادرة في سوريا ومجلة ” والثقافة العالمية التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون بدولة الكويت .

ويلقي المؤلف نظرة على بعض الدوريات العربية الهامة مثل : جريدة البيان الإماراتية “ومجلة ” العالم السعودية التي تصدر عن المركز الطبي الوطني للدراسات الإستراتيجية ومجلة ” الثقافة ” ومجلة ” المجلة ” السعوديتين اللتين تصدران في لندن ومجلة البحرين الثقافة التي تصدر في البحرين .وتحت عنوان ” التقليد والابتكار في الصحافة العربية يقول المؤلف يجب علي المسؤولين الصحفيين عند انتقاء المادة الصحفة أن يختاروا للنشر المقالات المبتكرة التي تعكس واقعنا الحالي وتساير حياتنا الراهنة وتتلاءم مع مستجدات عصرنا وعلي الصحافة العربية إذا أرادت ان ترتقي وتؤدي دوراً أفضل في خدمة الثقافة أن تعتمد اكثر فأكثر علي نشر المقالات الأصلية التي تحمل نظرات ورؤى وطروحات غير معهودة من قبل فهذه المقالات وحدها قادرة على تصحيح المسارات الخاطئة التي لم تفلح الطروحات القديمة في إصلاحها كما يركز المؤلف في عنوان آخر علي طريقة هامة للتغلب علي مشكلة ” العزوف عن القراءة ” تتجلي في ” الأدبيات القصيرة جدا ” سواء كانت مقالة أم قصة والتي تعد من أنجح الأدوات لجلب الكثيرين إلي مائدة القراءة .

ويتناول المؤلف ” مشكلة العلاقة بين الكاتب والدورية ” وحالات ظلم كل واحد منها للآخر ثم يعدد الحالات التي يظلم بها الكاتب الدورية والحالات التي تظلم بها الدورية الكاتب ويعزي السبب الأساسي لاضطراب العلاقة بين الكاتب والمجلة غلي غياب التشريعات الصحفية والثقافة التي تحدد حقوق وواجبات كل طرف من الأطراف التي تشارك في عملية النشر .

وتحت عنوان : ” التربية والصحافة وأخلاقيات المجتمع المدني ” يبين المؤلف أن التربية بمدراسها وجامعاتها الإعلام بصحافته وإذاعته وتلفازه كانا وما زالا يتجهان علي الأغلب نحو تزويد الطلاب والقراء والمستمعين والمشاهدين بالمعلومات والمعارف والأخبار بطريقة روتينية وتلقينية ثم يقول : ونعتقد ان هذا الدور علي اهميته يجب ان يتبدل ويتكيف مع مستلزمات الأوضاع الراهنة للأمة العربية بحيث يصبح التركيز منصباً علي تحسين أخلاقيات الإنسان العربي فإذا أفلح الإعلام والتعليم في تطوير السلوك اليومي للناس تطويراً إيجابياً والارتقاء بقيمهم ومبادئهم نكون قد أرسينا أساسا متيناً من أسس المجتمع المدني العربي المرتقب .

تحت عنوان ” مهام جديدة للتربية ” يري المؤلف أنه من الضروري اليوم توسيع دائرة مهام المدرسة العربية لتشمل حقولا جديدة من بينها الاهتمام بالقضايا وببناء شخصية الإنسان ومثله ومبادئه .

وأن لمدرسة العربية يجب ألا تبقي مكاناً لتلقين المعلومات وتزويد الطلاب بالمعارف وتمكينهم من نيل الشهادات والمؤهلات بل إن عليها أن تعد نفسها لمهام وادوار أعظم وأكثر تأثيراً في مستقبل المجتمعات العربية ومن بين هذه الأدوار بناء شخصية الطالب وتنمية مثله الأخلاقية وإثارة وعيه وتحويله من متعلم جامد إلي مثقف حقيقي وكذلك معالجة انحرافاته السلوكية واضطراباته النفسية فإذا استطاعت مدرستنا العربية أن تضطلع فعلا بهذه الأدوار فإنها تكون قد خطت أشواطاً بعيده باتجاه الإصلاح التعليمي الفعال والتجديد التربوي الحقيقي .

ويتناول الكتاب الكثير من العناوين الهامة والبارزة مثل ” مكافحة الأمية ” والتربية الديمقراطية والتعليم بين الاختيار والالتزام وتصورات مستقبلية للمدرسة العربية والكتابة القصصية بين الأسطورة والخيال العلمي وفن الكاتب عن الإعلام هموم الكاتب في المجمعات المغلقة … إخ ”

وبعد فإن هذا الكتاب جدير بالاهتمام والقراءة المتأنية للوقوف علي بعض الحقائق الملموسة وتشخيص المشكلات التي تمس الحياة العربية وسب مواجهتها وإزالتها ومعالجتها للانتقال إلي مجتمع أفضل .

ويشكل الكتاب إضافة جديدة وهامة للمكتبة العربية ومرجعاً هاماً يلائم معطيات العصر يمكن للدراسيين والباحثين أن يستفيدوا منه ويضعوه علي مائدتهم القرائية في معرض دراستهم للقضايا المعاصرة علي الصعد التربوية والثقافة والإعلامية.