إحسان عباس قارئاً عبد الوهاب البياتي .. ماجد السامرائى

إحسان عباس قارئاً عبد الوهاب البياتي  والعام

الصورة  والصورة الأخري

هناك صورتان للبياتي شاعراً عاشتا معاً وترافقتا واطمأن إليهما الشاعر في حياته بل كان قد جعل منهما معبراً لهذه الحياة التي عاشها بين العام 1926 والعام 1999 : الصورة الأولي : هي تلك التي رسمها النقد والنقاد له – وكان الاهتمام به نقدياً قد بدأ مبكراً

الصورة الثانية : هي تلك التي رسمها هو لنفسه شاعراً كما أراد لقرائه ان يروه وكما أراد هو أن يبدو أمامهم .

( ولكن هناك صورة ثالثة قد تتشكل مستقبلاً هي التي سيرسمها له النقد الذي بدأت كتابته من بعد غيابه وانسحاب تأثيره المباشرعلى أحكام بعض نقاده في السابق ..)

غير أن السؤال يثار هنا هو : هل من أثر متبادل بين الصورتين الأولي والثانية جاء بتأثير إحداهما في الأخري ؟

حين كتب الدكتور إحسان عباس كتابه النقدي عن البياتي الشاعر في أعقاب صدور ديوانه الثاني : ” أياريق مهمشمة “(1954 ) كان أن وقع ناقدنا في هذا الديوان إلي القصيدة الحديثة كما كانت قد تشكلت رؤية ومفهوما في وعيه النقدي وهما رؤية ومفهوم يتكثفان في أن القصيدة جاءت تلبية لحاجات نفسية وفنية فعلية ، رامية إلي إحداث التغيير في بنية القصيدة وفي الأساليب التي كانت تتخذهافي التعبير فإن ” كانت نازك الملائكة أجرأ المعاصرين من الشعراء على الخروج بالشعر عن شكله القديم ، فإن للسياب والبياتي ثورتهما على الشكل الشعري .. وهم جميعاً كانوا ” يرمون بالشكل الجديد لا إلي طرافة الشكل وحده فهذه تجعل عمر الشعر قصيراً ” وإنما كانوا أساساً وجوهراً يلبون دعوة الحياة المتجددة وحركتها ومداخلها النفسية الدقيقة ومشكلاتها الاجتماعية ويغيرون النعمات القديمة ليصبح الشعر كفؤا بالتعبير عن متطلبات الحياة الجديدة ” إحسان عباس : من الذي سرق النار : 83 )

غير أن السؤال الذي يثار هنا ونحن نتكلم في بدايات القصيدة الجديدة  سؤال يتوجه إلي ” الوعي النقدي ” الذي تحددت به / ومن خلال دراسة هذا الديوان بوصفه عملاً شعرياً أراد الشاعر به تحقيق ” الجدة دفعة واحدة ” وتعرف الناقد فيه شاعراً ” يتمتع بنصيب لا ينكر من الأصالة وقوة الشاعرية .. ” من الذي سرق النار : 39 ) هذا السؤال هو أن : القصيدة الجديدة التي حمل هذا الديوان ” نموذجها ” في تشكله من خلال تجرية شاعر من شعرائها .. هو الذي كونه مفهوم الناقد لها فدرسها على أساس ذلك ؟ أم أنه أقدم على قراءة هذه القصيدة في دراسته هذه من خلال ” مفاهيم قبلية ” عن الشعر والقصيدة الحديثة – في الأقل في ما تكونت فيه في المفهوم الغربي لها1 ؟ تشكلت الصورة البدئية للبياتي الشاعر في نقد الدكتور إحسان عباس في منحني عام هو : المنحني الذي رسمته حركة التجديد التي جاءت ، في نظر ناقدنا استجابة لحاجة فنية لدي الشاعر قبل أي شئ آخرومن هنا فالقصيدة الجديدة ليست مقصورة على ” الشكل ” وحده فالشكل في نظره لا يصنع الشعر إن ما يصنع الشعر هو ” قدرة الشاعر الحقة ” التي تظهر في تمثله ، فلسفياً ” لصورة التغير في نفسه “.

هذا المنحي في التحديد وفي تعيين طبيعة الجديد سيتمثل الناقد أولاً من خلال الشاعرة نازك الملائكة التي يجد أن التجديد لديهم لم ين ” مقصوراً على الشكل وإجادتها في مذهبها ليست قائمة على حدود التخلص من التقنية والمساواة بين شطري البيت ” بل يجدها تتعدي هذا النطاق في ما له حدود ليتشخص التجديد عندها في ما تتمتع به أو ما وهبته ” من قدرة فنية فذة وإرهاف عجيب وتعيق لجوانب النفس واستشعارلخطرات الحلم وإيمان بحرية الفن وطلاقته ” (من الذي سرق النار 186 ) كما أنه سيجده من بعد عند البياتي متمثلاً في ” أن الشعر الحر على يد البياتي ورفاقة في العراق لا يصور حاجة نامية في المجتمع فحسب وإنما يصورأيضاً ضروة من ضروريات التحول في الوضع الشعري … ” من الذي سرق النار : 94 )

وإن ” ما أراد البياتي أن يحققه ليس هيناً – أراد الجدة دفعة واحدة في الصورة والموضع والنغمة …” نفسه 137 ).

وعلى رغم من أن هذا الاهتما البدئي نقدياً بالبياتي الشاعر قد جعل من كتاب الدكتور إحساس عباس عنه كتاب تبشير بحركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر وإن هذا الاهتمام بالبياتي شاعراً في ثاني ديوان شعري كان أن مثل ” سابقة نقدية ” حسبت نقدية ” حسبت في الوقت نفسه على الناقد فإن توالي صدور أعمال شعرية أخري للشاعر من بعد ذلك لم يثر شيئا من الاهتمام النقدي لدي ناقدنا بحيث يتوازي مع ما أبداه تجاه ” أباريق مهشمة ” على الرغم من الكثير الذي كتب عن هذه الأعمال ، شرقاً وغرباً وسيصمت ناقدنا عنه حتي العام 1966 ليقطع حبل هذا الصمت الذي دام أكثر من عشرة أعوام بما كتبه عن ” الصورة الأخري في شعر البياتي ” ( مجلة ” الآداب ” – العدد الثالث – آذار 1966 ) الأمر الذي يقف بنا بداية على حقيقتين :

– الأولي : إن ما كتبه الدكتور إحساس عباس وهو ما جاء في إطار عدد من المجلة خاص بالشعر الحديث – قد أعاده إلي اهتمامه الأول – على الرغم من أنه في هذه الأثناء كان منشغلاً بتأليف كتابه عن ” بدر شاكر السياب ” مما يدلنا على أن صورة البياتي الشاعر ما تزال الصورة طرية وحاضرة في تمثلات ناقدنا للقصيدة الجديدة 2

– والثانية إن الديوان الذي استأثر بموضوع التكابة ( سفر الفقر والثورة ) هو الذي حفز اهتمام الدكتور إحساس النقدي بالبياتي الشاعر مجدداً الأمر الذي يثير هنا سؤالاً على جانب من الأهمية : هل إن الناقد وجد في هذا الديوان ما يلتقي فيه الشاعر مع آمال الناقد التي علقها عليه فب ” أباريق مهمشمة ” خصوصاً وانه كان قد كتب ” سفر الفقر والثورة ” في أعقاب تخليه عن ” القصيدة السياسية المباشرة ” وما عرف بـ ” الشعر العقائدي ” ؟ كما ان تجدد ” الاهتمام النقدي “بالبياتي من قبل ناقدنا يثير سؤالاً آخر هو أن الناقد وجد في هذا الديوان ” إرهاصات عودة ” من قبل الشاعر إلي ” قصيدته الأولي ” التي تعرف ناقدنا إليه من خلالها ، واحتفي به من باب احتفائه بها وبشر به شاعراً مجدداً من خلال ما وجد فيها من تحققات تجديدية 3 ؟

فما المشترك في رؤية الناقد للشاعر في الدراستين ؟

– وما أوجه التطور والاختلاف التي وجدها الناقد متحققة في شعر الشاعر بعد أكثر من عقد من السنين حياة وتجربة وكتابة  4؟

يبني الناقد ( الدكتور إحساس عباس ) نظرته إلي الشعر الحديث على ما تبلور من خلال ” التصويريين الغربيين ” في أعقاب الحرب العالمية الأولي ، وهو ما يتفق / ويلتقي مع ما يعده ( أوعده أصحاب هذا الاتجاه ) ” اصولا كبري للشعر ..

1- استعمال لغة الحيث في الشعر واختيار الكلمة ذات الدلا لة الدقيقة …

2- ابتكار نغمات جديدة لتعبير عن حالات جديدة …

3- خلق صورة – اذ ان الشعر في منظورهم ” يحب ان ينقل الجزئيات بدقة ولا يتعلق بالعموميات المبهمة (انظر : من الذي سرق النار : 81 )ثم تطورت هذه “التصويرية ” على أيدي شعرائها وشعراء آخرين إلي ” الزمرية ” التي كانت في بعض الأصول تعبر عن حاجة حقيقية إلي التغيير في مقاييس الشعر وتعبيراته ” ( نفسه : 82 ) ليجد البياتي في ” أباريق مهشمة ”

” يحاول أن يجعل الشعر شيئا مشابهاً للحديث في ألفاظه ونغمته ( … ) وهو بعد ذلك شغوف بالصورة بمعناها العام ” ( نفسه : 82 ).

وبالانعطاف إلي سواه من المجددين من باب التمثيل والمقارنة يجد ناقدنا أن نازك الملائكة كانت ” أجرأ المعاصرين من الشعراء على الخروج بالشعر عن شكله القديم ولكنها لتعمقها في القديم وتشربها روح التعبير القوي لم تستطع ان تكسب الشعر الحر الحديث العادي بينما ” يجد البياتي خطا بالشعر مرحلة أخري حين جعله نوعاً من الحديث ( نفسه  82 – 83 )

ويجد الصورة عند البياتي صورة تخرج على ” حدودها ” عند ” التصويريين ” فلا تقف بذاتها ، بل تسندها إيماءاتها من جهات متعددة والغاية النهائية للصورة حين تكتمل هي التي تشبع كل لفظة بالإيحاء فهو يتعمد أن يرد إلي اللفظة حياتها ويجعلها ستار أتختفي وراءه معان كامنة … فإذا ما وجد أن التصوير ” شئ مشترك بين البياتي وشعراء المدرسة التصويرية ” فإنه عند النظر إلي ذلك من زاوية أخري يجد ويحدد” الخلاف في الغايات ” في حين يختفي الفرق بينه وبينهم ” في نثر أجزاء الصورة فإذا كان البياتي ” يخضع إلي الواقعية في تصويره “فإن ” هذه الواقعية أدخلت في شعر البياتي أشياء لم يكن الناس يرونها في الشعر من قبل لأنهم كانوا يؤمنون بالانتقاء والخضوع للذوق الموهف المتأنق … ” مما يجعله يذهب إلي ” إن هذا الشعر- الحر – كان خطراً على البياتي نفسه فقد أنفق فيه طاقته الشعرية وكيف هذه الطاقة حتي أصبحت محدودة فإذا طلع علينا بقصيدة غير تصويرية لم يبق هو البياتي الذي عرفناه : أصبحت النغمة تقتضيه تعبيراً قوياً عارماً وفكرة تقوم مقام الصورة ووحدة من نوع جديد فإذا الشاعر الذي يريد أن يتقدم موكب التجديد شئ عادي إلا في لمحات قليلة ( من الذي سرق النار 139, 87 , 86 , 85 )

وهو وإن حاول أن يحقق شيئا من ” صورة العبث “والجهد الضائع التي استمدها من تجربة الحياة اليومية فإنه في هذه الصور تحديداً لم يكن ” شاعر المدنية وإنما هو في صورة ابن القرية ” ” ويعش في صورة القرية ” وقد ” سيطرت الروح القروية علي ديوانه ” أباريق مهشمة في الشخصيات والمناظر والأحداث ” فضلاً عن ” تراكم الصور ” في قصيدته هذا التراكم الذي يراه الناقد ” عدا لمظاهر الصورة الخارجية ” وهي غالباً أمور ” تدركها العين ولا قيمة لها في الصورة إلا من حيث ارتباط إيحاءاتها بالمنظر العام ” ( نفسه : 91 )

ومن ملاحظاته النقدية الأخرى على قصيدة البياتي في ديوانه هذا :

1 – الإهمال الذي يلحق اللغة والموسيقي في قصائده ” وسواء أكان يتعمد ذلك إسرافا في تحكيم طبيعة الحديث في الشعر أو لا يتعمده ” فإن الناقد / يري / ويجد ” أنه يستطيع التخلص منه بشئ من العناية ” ( نفسه : 98 )

2- وكذلك هو ” الجو الغريب ” في المقارنة والاقتران إذ غالباً ما تكون قصيده ” ضعيفة الصدى ” في نفوس قرائه ويرجع هذا الجو الغريب – نظر الناقد إلي ما يتعمده الشاعر من ” اقتباس التعبيرات ” من سواه ” فلا يدل على فناء شخصيته في تجربة بعيدة  عن حياته وبيئته فهو ” دخيل ” وهو بخلاف ما يجده متحققاً عنده ” الشخصية الغريبة ” نفسه :99 )

3- ومن الظواهر التي تلفت انتباه ناقدنا فى هذا الديوان ” ظاهرة التكرار ” التي يري فيها ” ظاهرة ( مهمة ) في الشعر الحر عند البياتي ، حتي تكاد لا تخلو منه قصيدة من هذا اللون فإذا ما طلب تعليلاً لذلك وجدناه يذهب في تحديد السبب بالقول : ” وما ذلك إلا لأنه يصور الاضطراب النفسي ويكمل النغمة الموسيقية ويؤثر في دورة اللحن ويقرب اللحن من الأغاني الشعبية ذات اللازمة المرددة ” إلا أنه في الوقت نفسه يلاحظ أن هذا ” التكرار ” غالباً ما ” يجئ لتصوير الفيض المتردد في انطلاقة من داخل  النفس أو للضغط وتقوية اللمحات العاطفية في التعبير .

ومع ان البياتي مسرف في استغلال التكرار إلا أنه يساعده كثيراً على السكون في نهاية القصيدة ” ( نفسه :100 )

4- يلحق هذا التوجه وينتظم معه : التشبيه في قصيدة البياتى فلما ” كانت صورة مستمدة من الحياة الواقعية ذات المظاهر البائسة فإنه يميل إلي ” تهجين التشيبة ” ويجد ناقدنا في هذا ” إن الإغراب في هذا الصور يكسبها حدة وطرافة ”

فهي تشبيهات ” تدل على أنه يحاول الخلق والابتكار ” نفسه ص 101 )

5 – وأما الصورة في قصيدة البياتي فهي ” إما ان تكون عريضة ( …) وهي الصورة التي يحاول أن يجمع فيها وحداتها المتنوعة وتكون جزئياتها في الغالب مكانية ” تمتلئ بالمنظورات والمسجوعات ولكن المنظورات فيها أقوي واهم وأما أن تكون الصورة طويلة وهي التي يظهر فيها فرد أو شبح وتنطلق هواجسه وآلامه في خط واحد مستقيم او متعرج ” ففي كل صورة لديه قافل من المنظورات المتتابعة وهذه المنظورات السريعة تشبه أن تكون التقطت من قطار سريع فلمها عابر وتآلفها عابر وتآلفها أحياناً مهزوز وتتعبها يتعب النظر “وهذا ” يعني إسرافاً مغرقاً وإلحاحاً على أن لا تمر صورة دون أن تلتقط ” ( نفسه :102 , 138 ، 139 )

6- وفكرة عن العالم ورؤية للعالم يري ناقدنا البياتي/ ويجده واقعاً تحت وقع ” المؤثرات والمفهومات الوجودية ” التي كثيراً ما يقترب من معانيها وتعبيراتها وصورها( نفسه :107 )

7 –  ثم يجد ” أن الجوانب التي تشد البياتي إلي ماضيه ” الطفولة والأم ” أقوي من التي تجره نحو المستقبل ( حيث يقوم بأسراره ومفاجآته ) وأن الشخوص التي تصورها قصائده لا تكاد تنظر نحو المستقبل حتي تميل بوجهها عنه واجدة طعم الراحة

8 – وهو في دايون هذا يتحول من الرومانسية التي كان وثيق الصلة بها في ديوان الأول ” ملائكة وشاطين ” ( حيث لم تكن الصورة في عديد القصائد فيه سوي ” ظلمات بعضها فوق بعض من التشاؤم والخوف والضجر وترقب الموت المرعب وفي هذا اليأس يكفر الشاعر بالناس وربما واجههم بشئ من الاحتقار لأنه يعيش وحده متلقباً بين يأس وأمل )

9 – وإذا تبرز ” الرموز الأسطورية ” عنده – ومنها ” برومثيوس ” ( سارق النار من الآلهة ليمنحها البشر و ” سيزيف ” ( رمز العذاب الوجودي والجهود الإنسانية الضائعة والسعي المخفق ) يجد البياتي في ” الرمز السيزفى ” صورة أقرب إلي تصوير حال الإنسان في العصر الحاضر فتكون ” احب إليه من  بروميثيوس ” ( فإذا البطل أيضاً معذب ومخفق يشكو ضياع تضحياته سدي وقد حجبت هذه الحقيقة عن عيني البياتي الإيمان التام بالإنسان ” يري ناقدنا في هذا الاتحاه / التوجه تأثراً من البياتي واضحاً بإليوت في تظرته ” إلي الحياة والناس “( نفسه :113 )

10- وبإزاء هذا كله / أو في مواجهته يجد ناقدنا سيزيف في نفسه قهراً كاملاً  ” نفسه : 115 )

11- ويلاحظ الناقد من ين ما يلاحظه ” غراية اللون في صور البياتي ” فهو ” في  أغلب الأحيان قاتم أسود ” معيداً هذه القتامة وهذا السواد إلي طبيعية ” موضوعاته القائمة على الفقر والمرض والكراهية والحقد والعدم الرهيب ” إلخ ( نفسه : 136 ) .

بعد هذه الملاحظات التي تتشكل في صور ” عيوب القصيدة ” لدي البياتي يستدرك  ناقدنا فيذهب في الرأي إلي أن ” وراء ذلك كله شاعر يتمتع بنصيب لاينكر من الأصالة وقوة الشاعرية ويقترن حاضره في نفوسنا بالأمل في مستقبلة الناضج وفلسفته المكتملة وجنوحه إلي التروي ، واستقلاله التام نبذ الساعات الزائقة من تاريخ إبداعه الفني ” ( نفسه : 139 ) .

ومع أن بعض هذا الذي يجئ على قلم الناقد لايمثل حكماً على واقع قائم أو متحقق وإنما هو من قبيل ” الأمل بالمأمول ” من شاعر يحنفي به ناقده على هذا النحو وهو مايزال شاباً في مقتبل الشعر .

ولكنه أعقب ذلك بالصمت من الشاعر وعن شعره أكثر من عقد من السنوات .

–  فهل كانت أعمل الشعر الواقعية بين دراسته الأخري عن ” سفر الفقر والثورة ” أعمالاً لم تستجب لمل الناقد في ما كان يرجو من شاعره من “مستقل ناضح”

–  أم أنها مجموعاً وهي خمسة أعمال شعرية ومسرحية لم تعبر عن ” فلسفة مكتملة ” كما كان يريد من شاعره ؟

–  أن تراه وجده كما ستجده الشاعر الناقد كمال خير بك قد أخفق في هذا ” النمط الواقعي ” الذي تحول إليه صوت الشخصي ليسقط ” في نوع من الشعر ” الصحافي والشعارات المظومة في ” أبيات ” 5 ؟

–  هل وحده ” شاعراً مسرفاً ” في القول لا يجنح إلي التروي ؟ أم كان فيما كتب لا يعبر عن ” استقلال تام ” وأنه تمادي مع تلك ” الساعات الزائفة ” وقد وجدها الناقد قد تطبع تاريخ إبداعه الفني وهو يقرأه في أول ما قرأ له ؟

ولكن .. هذا سؤال آخر يبحث عن جواب آخر : هل وجد في سفر الفقر والثورة ” وهو يتمثل ” الصورة الأخري في شعر البياتي ” ما يستجيب لبعض آماله وامانيه ؟

إذا كان الدكتور إحسان عباس قد وجد ” أباريق مهمشمة ” ذروة شعرية جريئة ” تمددت فيها وقفته ” وقفة الشاعر ” الشاهقة في ميدان الشعر الحديث ” فإنه سيجد في ” سفر الفقر والثورة ” الذروة الثانية – إلا أنها ذورة أعلي سناماً في التاريخ الشعري الشاعر ” إذ يجده ” وقد استطاع ان يحقق السير ( على تناسق أو تفاوت في الخطي ) في اتجاهات ثلاثة معاً :

أ – اتجاه علوي صعودي في معارج الدرجة الفنية ..

ب – واتجاه أفقي عامد في البحث عن الرمز الذاتي الجماعى .

ج – واتجاه عمقي ذاهب نحو أغوار الفكر المتأمل في طبيعية الموقف الإنساني 6 ( نفسه : 143 ).

وما بين ” الذروتين ” يجد الناقد أن الشاعر ( البياتي ) كان مأخوذا بالاتجاه الأول ولكنه في الوقت نفسه كان مأخوذا ” بسحرناطم حكمت يؤمن أن ( البساطة ) قد تكون تعريضاً خير تعويض من الأعماق الكبيرة ” كما يجد في توجهاته والمفردات التي ستخدمها ما يسوغ اعتماده هذه البساطة مذهباً شعرياً ( نفسه : 144 ).

أما في ” سفر الفقر الثورة ” فيجده ينتقل إلي صعيد جديد . ” فهو وإن حافظ فيه على روح البساطة هذه أن تجاربه فيه أتاحت له ” أن يري أعماقاً جديدة ” فهو من خلال ما اعتقد من رموز استطاع ” أن يسيطر على قسط غير قليل من الغيرية وان يفرق عناصر نفسه مجزأة في نماذجه الكبيرة ( مع انه مايزال ينسي ذلك فيتدخل أحيانا في توجيه السياق العام )

وبذلك أصبح يستطيع الاختفاء وراء الذموذج الكبير فلا يصدم القارئ بالمواجهة الدائمة وإنما يهيئ لشعره سبيلا من التنويع ( ويمسرح  ) الموقف الشعري فيمنحه طاقات جديدة  هي ما يتمثل أمامه في :

1-   ضياع ” معالم البساطة في تضاعيف التركيب والبناء الكبير ”

2- تعين الانقسام الرمزي وتحده ” في رمز واحد يقوم وحده برسم المفارقة بينه وبين ما عداه … ”

3-   ” تمثلت من طبيعية الرمز والصورة الكبري .. ”

4- وكبرت حقيقة الموت أكبر من ذي قبل وجرت في طريقها معاني الإنسانية على نحو أعمق  . ” نفسه 144 :145 : 152 :155 ) .

غير أن يلاحظ على قراءتي الدكتور إحسان  عباس هاتين لشعر البياتي ” هو جمعها بين الموضوعي والذاتي في القراءة النقدية – إذ نجده في غير موضوع منهما يتعاطف مع الشاعر موقفاً ورؤية للعالم فيبرر له مسألة اتخذها هنا وقضية أثارها هناك إلا أنه مع كل يبديه من تعاطف لا يلبث أن يحفز موضوعيته ليجد ما سؤاخذه عليه أو يأخذه به : من شطط في الكلام وسذاجة في التعبير وهو في موضوعسته هذه إذ يكشف عن عناصر القوة في شعر البياتي لا يمنعه ذلك من الشكف عن مظاهر الضعف لديه أيضاً متغلغلا في أعماق النصوص مستنبطا منها ما هو في أصل الرؤيا الابداعية في النص هدفه بما يقرأ ميسرا له تذوق هذا الذي يقرأ بحيث يكون أهلا لتقدير مكانته الفنية قضلا عن إشارعة حالة الاستماع بالنص .

عن إشاعة حالة الاستمتاع بالنص .

وإذ كانت أهم خاصة ( ذاتية ) في نقد الدكتور احسان عباس الشعر هي : التواصل والتفاعل مع ما يقرأ فإن هذه الخاصية التي طبعت معظم ما كتب من نقد ( في الشعر تحديداً ) هي العامل الفعال في الجمع عنده بين الموضوعية والذاتية .. ما يجعله أقرب إلي ” مفهوم القراءة ” في العملية النقدية منه إلي سواه من المفهومات … فهو في قراءته النقدية هذه وان كان بصدر عن ” تصور نظري ” الآ انه يري النقد أثبت انه رغم تشبثه بالموضوعية نظريا يظل فيلا المستوي التطبيقي خاضعا لذاتية الناقد مرتبطا بشخصيته … ” من الذي سرق النار : 28 ) وهذه ” الموضوعية ” عنده هي ” الرجحان الذي يخفف من غلواء الانطباعية الذاتية في مجالى الاعجاب المطلق والذم المطلق ” وهي الكشف البصير عن الخصائص المميزة للعمل الأدبي ” نفسه 244 )

ونجد الدكتور احسان في نقده الذي الذي كتبه حتي ما بعد منصف الستينات ( ودارستاه عن البياتي تقعان ضمنه )يجمع بين نزعتين سادتا الشعر والنظر كان لهما من تجليات واضحة في الموقف النقدي العربي من الشعر وهما :

1 – التصويرية : بما هي نزعة في الشعر تمثل ويتمثل فيها ” استعمال لغة الحديث في الشعر واختيار الكلمة ذات الدلالة الدقيقة و ابتكار نغمات جديدة وخلق الصورة اذ أن الشعر في عرف أصحاب هذا الاتجاه يجب أن ينقل الجزيئات بدقة ولا يتعلق بالعموميات المبهمة ( من الذي سرق النار82 )

2- والرومانسية بكل ما حمل الشعر الشعراء منها من غيبوبة الحلم ومفارقة الواقع المرير إلي فردوس متخيل ( يوتوبي )وإن بقي طريقه رديف الاحساس بالغربة عن الوجود على الرغم من ان الشاعر الرومانسي ق استمد من إحساسه هذا أفضل ماكتب منسحبا إلي عالم الحلم مرة والى ذلك الماضي الجميل “متغلغلا من خاله في أعماق رموزه حاملا معانية علة محمل المغايرة والتغاير فقد وجد الشاعر الحديث في الرومانسية بما لها من عوالم الاحلام والأوهام م ما يحرر منطقة أحلامه الذاتية ويجعل قواه الروحية قوي طليقة فالشعر بهذا المعني ومن المنطلق كما كان يراه شاعر مثل الشابي – ” ثمرة مباشرة عصره من شعره واستوعب رؤاه الزمانية ورؤيته المكانية فأن خصب طاقاته الشعرية وغني مجاليه الرؤوية كانت لدي غير شاعر طاقة متفجرة بموضوعات مثلما هي متكاملة بناء في قصيدة جديدة شكلا وجوهرا .

هوامش

1 ) ينبغي أن نأخذ هنا الاعتبار ثلاث مسائل / الأولي هي : أن الدكتور احسان عباس قد تعرف إلي هذا النمط الشعري الجديد في قصائد لنازك الملائكة سبقت صدوراباريق مهشنة وكان أن خصها بدراسنين ، الاولي عن نازك الملائكة والتجدي (1925 ) الثانية عن تطور الاتجاه الفني في شعر نازك الملائكة ( 1923 ) كما تعرف أيضا هذه هي المسألة الثانية إلي شعر السياب فكتب عنه في أكثر من مناسبة واما المسألة والمهمة فهي : مجي كتابه عن البياتي بعد اصداره كتابه النقد الأول ” فن الشعر العام 1953 الذي نج موقفا نقديا يستجيب لحركات الحداثة في الشعر ويطالب فيه الناقد في نقده أن يحول انتبتهنا عن السطح الظاهر ويتخلل الاعماق إلي ما وراءها فلغة الشعر كما يراها ويريدها لغة رمزية ومهمة النقد أن يقرأ اللغة الرمزية ”

2 ) بعد أن انجزت مسودة هذا المقال الدكتور احسان عباس في عمان اواخر شهر مارس 2000 فذكرت له اشارتي هذه في كتبت فقال لي أنه لم  يجد فيها مهما في مستوي شعري – تجديدي .

3 ) في واحد من لقاءاتي الدكتور احسان في عمان اذكر انني سألته قبل نحو ثلاثة أعوام وقلت : أعدت مؤخرا قراءة دراستك عن الصورة الأخري في شعر البياتي فوجدت نفسي اتساءل أمامها : تري هل كتب احسان ما كتبه عن شيئ موجود فعلا في هذا الديوان ( سفر الفقر والثورة ) أم أنه كتب عما كان يامل ان يراه ويجده في شعر البياتي من بعد الذي كتبه عن ” أباريق مهمشمة ” ؟ فأجانبي :  معك حق ( !!! ؟ ) وقد استأذنته في لقائي المشار إليه في الهامش السابق أن أذكر هذا فأذن لي بذلك مشكوراً .

4 ) أصدر البياتي ” أباريق مهشمة ” العام 1954 وكان له من العمر ثمانية وعشرون عاما وهذا الديوان هو نتاج الشعر الشعري بين تاريخ صدوره ديوانه الأول ” ملائكة وشياطين (1950 ) أما دسوانه ” سفر الفقر والثورة ” فكان قد صدر العام 1965 بعد ديوان ” كلمات لا تموت 1960 أي أنه نتاج مرحلة عمرية تقع بين الرابعة والثلاثين والتاسعة والثلاثين وقد اصدر البياتي بين ” الأباريق ” والسفر ”

خمس مجموعات شعرية هي المجد للاطفال والزيتون (1956 ) رسالة إلي ناظر حكت وقصائد أخري (1956 )

أشعار في المنفي (1957 ) عشرون قصيدة من برلين (1959 ) كلمات لا تموت (1960 ) مسرحية ” محاكمة في نيسابور ( 1963 )

5 ) كمال خير بك : حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر المشرق للطباعة والنشر بيروت 1982 – ص 45 .

6 ) يتمثل البياتي في مسارة الشعري هذا فيضعها في ثلاث توجيهات ( في الأقل في مايتصل بموقفه هو رؤية وواقعا ) لعلها تمثل ” مراحل ” شعرية يمكن تميزها  … وهي :

1 – التوجه الذي يمثله ديوانه ” أباريق مهمشة ” ويتحدد بشخصية ” الجواب والمتمرد والثوري اللامنتهي ”

2 – التوجه الذي تمثله اعمله الثالية للعمل السابق  “المجد للأطفال والزيتون و أشعار في المنفي  وعشروين قصيدة من برلين  وكلمات لا تموت وتتمثل فبها جمبعا شخصية الثوري المنتمي .

3 – ثم التوجه الذي تمثله اعمله الأخري بدءا من منتصف الستينات ” النار والكلمات وسفر الفقر والثورة و الذي ياتي ولا يأتي والموت في الحياة والكثير مما تلاها وفيها تبرز كما يوقل شخصية ” الثوري في الثورة المستمرة ”

( انظر : عبد الوهاب البياتي : تجربتي الشعرية )

7 ) في مرحلة لاحقة حين يقرأ ناقدنا قصيدة للبياتي كتبها في أعقاب هزيمة حزايران سيجد في موقفه ( موقف الشاعر )من التراث والتاريخ العربيين موقفا تفسيرهما على هواه إلي حد المسخ والتسويه ويري الخطا في هذا خطا ثقافيا لأن الشعر فيه ” يريد أن يفرض تصور الخاص به ( وهو تصور مشوه على الماضي والثراث والتاريخ ( من الذي سرق النار 368 : 369 )

في حين يري البياتي في هذا التوجه منه انه يمضي به  خطوة إلي الأمام حين يحطم مرآة الحاضر باستعمال حجارة قديمة فهو من أجل أم يزيد في تحقير حاضر امته يقسه بأبشع صوريتخيلها للماضي وكأنما هو لا يبغي الا الهدم من اجل الهدم وحده ولا يكتفي بأن يقتل بعد ذلك في غيظ المنق بضحيته ( نفسه : 269 )

8 ) ‘حسان عباس من الذي سرق النار خطرات في النقد  والدب جمعتها وقمت لها الدكتورة وداد القاضى المؤسسة العربية للدرسات والشتر – بيروت 1980 .