عوالم بورخيس الخيالية …………. د . مصطفى رجب

عوالم بورخيس الخيالية

د . مصطفى رجب

الأديب الأمريكي اللاتيني خورخه لويس بورخيس كاتب عظيم لم يؤلف سوي القليل من المقالات والقصص القصيرة لكنها تكفى مع ذلك لأن تجعلنا نصفه بانه كان عظيماً بفضل ذكائه المذهل وثروته من الابتكار وأسلوبه المحكم الرياضي تقريباً

ولد خورخه لويس بورخيس فى 24 أغسطس 1899 فى بينوس آيرس من أصل أسباني وانجليزي وكان والداه من الطبقة الوسطي المثقفة وقد انحدرا من شخصيات عسكرية وسياسية بارزة فى النضال من أجل الاستقلال الوطني الأرجنتيني والوحدة الأرجنتينية وبعد ان أكمل تعليمه الثانوي فى جنيف قضى حوالى ثلاث سنوات فى أسبانيا متصلاً بجماعة ألتراييستا Ultraismo الأرجنتينية التى تتميز عن نظيرتها الأسبانية بمزج خاص للشكل التعبيري الحديث والحنين النوستالجي الذى ينطوى على مفارقة تاريخية إزاء بعض القيم الوطنية وهى قيم تتجسد أوضح ما تكون لدى أولئك الكتاب الذين فى الأحياء الكريولية القديمة فى بيونس آيرس وفى ذلك الحين كانت تلك القيم تتلاشي وسط رواج ما بعد الحرب وتتدفق الهجرة الأجنبية ولم يكن موقف بورخيس ورفاقه مختلفاً عن ذلك الذى اتخذه بعض الكتاب الأمريكيين الشماليين من نفس الجيل الذين عانوا تأثير الحرب التصنيع والفن الأوروبي الحديث على ميراث هادئ فى الغرب الأوسط أو الجنوب غير أنه انطلاقاً من هذه الشروط العامة التى يسترك فيها الكثيرون فى زمننا خلق بورخيس عملاً ليس كأى عمل آخر وربما كانت السمة المميزة اللافتة للنظر أكثر فى كتاباته هى رد فعلها العقلي الصارم ضد كل فوضي ومصادفات الواقع المباشر وإصرارها الجذري على القطيعة مع العالم المعطى وعلى المطالبة بعالم مختلف وكان بورخيس الذى ولد وسط تدفق وتقلب يصيبان بالدوار بمنطقة حدودية نائية للثقافة الغربية استخدم عقله الغريب الموهبة عقل ميتافيزي من القرن السابع عشر عقل منظر للأدب الخالص أقرب ما يكون إلى بو وليس لبورخيس أى وطن روحي فهو يخلق خارج الزمان والمكان عوالم خيالية ورمزية وتتمثل واحدة من أمارات أهميته فى واقع أنه لا يمكننا أن نتذكر عندما نحاول تصنيفه سوى أعمال غريبة وبالغة الإحكام إنه صنو لكافكا وبو وأحياناً لهنري جيمس وويلز ودائماً لفايري بالاطلاق المفاجئ لمفارقاته فيما صار يعرف بالميتافيزيقيا الخاصة به

وعن هذا الأديب الفذ اصدرت يوليو 1999 سلسلة  آفاق الترجمة التى تصدر نعن الهيئة العامة لقصور الثقافة كتاباً عنوانه عوالم بورخيس الخيالية وهو مجموعة من المقالات الهامة بأقلام لامعة منهم أندريه موروا, جون كنج, جيمس إي. آيربي, وإيرس بيسيير ويتكون الكتاب من مائة وأربعين صفحة من القطع المتوسط

ويببدأ الكتاب بمقال بقلم الكاتب الفرنسي الأشهر أندريه موروا (1885 – 1967) وهو مقال بورخيسي بامتياز كما يقولون ففى صفحات قليلة جداً استطاع الكاتب أن يقدم بحس مرهف لوحة شاملة تعرض مصادر بورخيس وهمومه الجمالية والميتافيزيقية وخياله وتقنياته فنجده يقول مصادر بورخيس لا تعد ولا تحصي كما أنها غير متوقعة فقد قرأ بورخيس كل شيء وخاصة ما لم يعد أحد يقرؤه: القبلانيين, الإغريق السكندريين, فلاسفة القرون الوسطي واطلاعه ليس عميقاً لكنه هائل الاتساع وعلى سبيل المثال: كتب باسكال “الطبيعة كرة لا نهائية مركزها فى كل مكان ومحيطها ليس فى أى مكان” ويشرع بورخيس فى تعقب هذه الاستعارة عبر القرون ويعثر عند جيورادانو  برونو على ما يلي “يمكننا أن نؤكد بيقين على أن الكون كله مركز” أو أن “مركز الكون فى كل مكان” ومحيطه ليس فى أى مكان غير انه كان “بوسع جيوردانو برونو أن يقرأ عند عالم لاهوت فرنسي فى القرن الثاني عشر آلان دوليل صياغة مقتبسة من Corpus Hermeticum (مجموعة السيمياء, والسحر الطبيعي) (القرن الثالث): الموجود كرة مدركة بالعقل مركزها فى كل مكان ومحيطها ليس فى أى مكان ومثل هذه الاستقصاءات التى نعهد إجرائها بين الصينيين وكذلك بين العرب أو المصريين تبهج بورخيس وتقوده إلى موضوعات قصصه وكثير من اساتذة بورخيس إنجليز وهو يكن لويلز إعجاباً لا حد له وهو  ساخط لأن أوسكار وايلد امكنه أن يصنفه على أنه “جول فيرن علمي ويبدى بورخيس ملاحظة فحواها أن قصص جول فيرن تتأمل الاحتمال المستقبلي (الغواصة, السفر إلي القمر) فيما تتأمل القصص ويلز الإمكانية الخالصة (شخص  غير مرئي, زهرة تفترس رجلاً, آلة لاستكشاف الزمن) أو حتى تتأمل الاستحالة (رجل يعود من العالم الاخر حاملاً زهرة مستقبلية) وفيما وراء ذلك تصور روايات ويلز تصويراً رمزياً ملامح جوهرية فى كافة المصائر البشرية ويرى بورخيس أن أى كاتب عظيم وباق لابد من أن يبدو المرلف غير مدرك لأهمية انتاجه وهذا وصف ممتاز لفن بورخيس ذاته “الرب لا ينبغي أن  سنشغل باللاهوت, الكاتب لا ينبغي أن يحطم بالاستنتاجات البشرية الايمان الذى يتطلبه الفن منا”

وبعد ذلك نقرأ مقال جون كنج الأستاذ البريطاني للتاريخ الثقافي لأمريكا اللاتينية, وصاحب كتب ودراسات عديدة عن ثقافتها وأدبها وصاحب كتابات عديدة عن بورخيس ويقدم المقال عرضاً عاماً هاماً يلقى أضواء قوية ليس فقط على الخلفية التاريخية والسياسية والشخصية لانتاج بورخيس بل كذلك على مراحل وخصائص وإشكاليات هذا الانتاج لقد كاتن لبورخيس أسلاف بريطانيون وكان يتكلم الإنجليزية بمسحه من لكنة نورثهمبرلاند وكان يتكلم الإنجليزية القديمة بطلاقة وفى سنواته الأخيرة تمثل احد اختباراته المفضلة لزائر أو زائرة ناطق بالانجليزية بطلب اجراء حديث معه فى ان يرى ما إذا كان يتعرف على الصلاة الربانية بالانجليزية القديمة وقد نشأ ثنائي اللغة وهناك توتر دائم فى انتاجه بين أسلافه الهسبان والإنجليز التوتر بين البربرية والحضارة وانتاج بورخيس استفزاز متواصل وفى مقالاته وقصصه القصيرة وقصائده نلقاه جدلياً بهدوء مقوضأ أسس النزعة القومية والرواية الواقعية والصرامة الفلسفية والأكاديمية والأنظمة والأيديولوجيات التى تدعى تفسير العالم ككل واحد وطارحاً للمناقشة بجدية ساخرة تعاريف مسلماً بصحتها ومبادئ ثقافية وهو يستكشف أوسع الموضوعات لكن دائماً داخل الحدود الصارمة لصفحات قليلة

والحقيقة أن صرامة براعته ونقاء كتابته واتساع نطاق قراءته وقد اعلن دائماً أنه قارئ أكثر منه كاتب أدت إلى الاعتراف به على أوسع نطاق باعتباره أهم كاتب أميركي لاتيني فى القرن العشرين وقد عبر الكتاب الآخرون جميعاً عن اعترافهم بأنهم مدينون له وفى عام 1969 أكد الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتوس ما يلى الثر النهائي لنتر بورخيس والذى لولاه لكا كانت هناك أصلاً رواية أمريكية أسبانية هو أنه يثبت قبل كل شيء أن أمريكا اللاتينية تفتقر إلى لغة وأنها بالتالي ينبغى أن تخلق لغة وانها بالتالي ينبغي أن تخلق لغة وليفعل هذا يخلط بورخيس الأنواع الأدبية وينفذ كافة التقاليد ويستأصل العادات الرديئة ويخلق نسقاً جديداً للدقة الصارمة ولهذا فإن تتبع تطور وتأثير كتابة بورخيس يعنى تتبع الاتجاهات الرئيسية فى القصة الأمريكية اللاتينية فى القرن  العشرين