عطش ذاكرة النهر ………………….. على السباعي

عطش ذاكرة النهر

على السباعي

صخور مهمشة أسماك يابسة جثث حيوانات مائية نخيل متيبس أوان صدئة بقايا هياكل عظمية لحيوانات نافقة نفايات أحذية عسكرية تقطنها سرطانات مخيفة أياد مفجوعة تمسك بعدد الحفر وزوارق خشبية محطمة ترى كم مرة عبرت ومن حملت عند غرقها كلها أضرحة تؤكد موت النهر

المدينة ظمأى تبكي نهرها تجمهر الناس بعيون قلقلة متأرجحين بين عالمين فى كل عالم يضعون قدماً فى برزخ بين ارتواء وعطش نور ظلام بين حياة وموت صراخ وصمت أبيض وأسود امرأة متسولة ترتدي سروالاً رجالياً أزرق شعرها ذو تسريحة رجالية بلون  الكستناء تمسك بيدها اليسرى سيكارتها أفعى خضراء موشومة فوق كفها عند الابهام كأنها تنفث سحباً زرقاً دخانية وتارة تمج نفساً طويلاً  رصاصياً كالجحيم عيناها بلون الحبر الصيني تراقب الناس ببلادة بغل نظرات ثابتة ثقيلة صرخت فى صوت كوارثي

ا تركوا جسد النهر يا كفار

تعانقت نقاط الوشم الأربعة الموزعة  فى زوايا فمها الأدرد ذى الشفاه البنفسجية تردد نداؤها

اتركوا المدينة

الناس ضاجون كضجيج كورة زنابير تدافعوا ناحية النهر يبحثون عن بقايا حروبهم الماضية وآخرون يتصورونه مستودعاً يحتفظ بخيباتهم تنفث المتسولة دخان سيكارتها بمتعة سروالها يتطاير عابثاً مالئاً الحيز بين قدميها عاودت ؤزعيقها

توبوا اطلبوا التوبة  يا خطاة

تدافع جيش الأطفال مطارداً ضفدعة مرعوبة النساء الرجال يتضرعون بأصوات مستجيرة أو جرت المتسولة كلماتها فى صدور لمتضرعين

كفى آن لكم أن تموتوا استطردت انتظروا موتكم

هتف آخر

لنترك المدينة

\نادى أحدهم بتساؤل خرافي مبتور

من تنتظرون يا مساكين؟

صدح أسمجهم بصوت فيه نبرة انكسار

غادروا المدينة لن يجرى النهر أبداً

أمواج البشر تلد أمواجاً أخرى تتناسل كالذباب يتصاعد غبارها لافا دائراً يندب نفسه كنساء معزيات ينفد  صوت المرأة المتسولة كالرمح إلى خاصرة المدينة

موتوا آن لكم أن تموتوا

يهلوس بكلمات كالمحمومين انتظرناك الف ءليلة وليلة ولم تأت

الشمس تتفتت كالبخار بفعل غيوم عاجية جعلت نفسها فرشاة تغمسها بلهب الشمس صانعة لوحة صارخة تكثر بها ض ربات الفرشاة السريالية المعاول تحفر فى جسد النهر آباراً فارغة كل فرد يحفر لنفسه بئراً أصبح جسد النهر مجدوراً بملايين الآبار العميقة رائحة الطين تملأ المكان شوقاً لقطرة ماء يحركهم لحن تدفق المياه بداخلهم توجع المجدور من ضربات الفؤوس النابشة المتسولة تستجدى وتبكي تبكي وتستجدي بصوت جنائزي

جئت لأموت امنحوني قبراً

مجرى النهر خارطة رسمت عليها مقبرة حديثة وجوه الحافرين زرق مجهدة مثل طين غليظ م زج بمياه آسنة يدهشهم استجداء المتسولة

لله  يا محسنين قبراً لفقيرة

تدثر القءمر بغيمات بيض قطنية عنفها أحد حفارى الآبار الشبان منزعجاً

عشت حياتك كلها فى الشحاذة واليوم تستجدين قبراً ابتعدي

خرج صوتها يرافقه دخان سيكارتها ساحباً كلماتها بصرير موجع كمن يسحب سريراً حديدياً على بلاط

يا الهي لماذا يقف الانسان ضد الانسان

نهرها ثانية

ابتعدى أيتها المجنونة

أشعلت سيكارة جديدة من عقب سيكارتها المنتهية مجت دخانها نفساً طويلاً من غيوم رصاصية مشعثة قالت وهى تواصل نفث عباراتها الغامضة

مساكين أهل الأوهام يحفرون قبورهم رن كلامها مثل ضربات فؤوس تنبش الأرض بسخط

ادفنوا ءفيها أحلامكم ذكرياتكم حروبكم خطاياكم أوهامكم ابتلعت ضربات المعاول كلماتها عاودت موال استجدائها الحزين

قبراً لفقيرة

قبول تقرع تضرعاً متى يجري النهر

الغيوم عناكب خردلية نسجت مكوكاتها شباكاً معتمة اصطادت الشمس والبشر البشر مطاردون بتدفق أصوات المياه هرولت كلمات احدهم

احفروا استمروا بالحفر سنجد الماء حتماً

تتضاحك معاولهم بأصواتها القاضمة للطين أن لا جدوى

قال آخر

واصلوا الحفر

جهر صوت نسائي من حفرة بعيدة

لقد جري جري احفروا

ابتلع كهل ريقه باصقاً بشدة فى كفيه صاح مفجوعاً

نحن متواطئون مع الشيطان

كفن صوته ووضع فى تابوت ضيق صراخ امرأة تحاول ارضاع طفلها من ثديها السائح كعجينة ممطوطة

حلت نهايتها رحممتك يا الهي

ذهول شاحب ركع فى وجوه وحركات الحفارين عيونهم شاحبة باردة جاحظة فى تشوش كأنها عيون ضفادع باردة رخية تستفهم ببلادة حشودهم تنز عرقاً عيونهم رطبة تجوس خلال الأشياء بتردد نذور النسوة طمرتها أتربة الحفر طمرت شموعهم زغردت المتسولة فرحة

ولى زمن الغربة وعاد نهرنا يجري يجري

عينادها السوداوان زجا جيتان لمعتا بنداوة مكابرة قطعت الشمس البرتقالية آلاف القطع بسكاكين حملتها الطيور الأبابيل بمناقيرها كان أهل المدينة منذهلين ينظرون ناحية الطيور الأبابيل يرفعون رؤوس أصابعهم تتطاول رقابهم شخصت أبصارهم لتشاهد تحت فضة القمر البلبلة المتسولة خارجة من قبرها حاملة ما بين راحتيها اليابستين ذاتي الأصابع الطويلة غرفة دم. دم ساخن وفائر.