التشكيل الروائى عند نجيب محفوظ

التشكيل الروائى عند نجيب محفوظ دراسة فى تجليات الموروث تبدو الكتابة عن نجيب محفوظ للوهلة الاولى كتابة غير مجدية فليس للباحث من شئ يقوله بعد ان قيل كل شئ عنه وعن ادب حتى عدت الكتابة عنه كتابة مكررة وانها تقول ما قيل من قبل وتستعيد افكارا ورؤى سبق وان ذكرت عن هذا الروائ العربى الكبير الفائز بجائزة نوبل للاداب . وتبدو محاولة د. محمد احمد القضاة فى الكتابة عن نجيب محفوظ ضرب من المغامرة بسبب الطروحات النقدية الهائلة التى كتبت ونشرت وترجمت . الا اننا عندما ننتهى من قراءة كتاب ” التشكيل الروائى عند نجيب محفوظ – دراسة فى تجليات الموروث للدكتور محمد احمد القضاة ” نتبين : 1- انه احاط بالكثير مما كتب عن نجيب محفزظ احاطة تبدو الى حد كبير كاملة بسبب اتساع رقعة اهتمامها وانتباهتها ورصدها ومتابعتها 2- انه تناول جانبا مهما فى ادب نجيب محفظ لم يدرس بدقة وبسعة كما تناوله د. القضاة مع انه مهم وجلى ذلك ان الموروث وتجلياه دائم فى الحضور فى معظم اعمال نجيب محفوظ 3- ان الغوص فى اعماق ادب محفوظ غوص فى اعماق البيئة العربية والمصرية تحديدا ودراسة البيئة عالم فاعل فى معرفة سوسيولوجية المجتمع وهو امر نحتاج ان ندرس ونعمق صلتنا به كونه جزءا منا وتماسه بنا قائم ومستمر وهو الذى يشكل توجيهاتنا فى الماضى والحاضر والمستقبل هذه الجوانب الثلاثة التى شغل بها د. القضاة تجعلنا ندرك جيدا عمق ومدى الجهود المتميزة التى بذلها حى يتم له تقديم دراسته المتميزة هذه . صحيح انه اعتمد الى حد كبير على مصادر مختلفة وتبنى هذا الراى او ذلك مما جعل رايه النقدى لا يبرز على نحو واضح ومؤثر وفعال الا اننا عندما ندرك الدراية والنباهة التى يمتلكها المؤلف فى انتقاء هذه الاراء نتبين دقة الاختيار التى لا تقل فى اهميتها عن تقديم الاراء النقدية ذاتها . ذلك انه لا يريد ان يعيد ما قيل وينسبه الى نفسه وفق صياغات جديدة بل هو امين على حقوق سواه واراء سبقته ووجد قناعة فى سلامتها فتبانها دون ان ينسبها لنفسه او يغيب صاحبها . انه باحث امين ومثالى فى الاحتفاظ بحقوق سواه والاعتراف بالمعطى الذى يحمله غيره . ولا يقلل من شان الباحث ان يذكر ماله وما لمم سبقه . يقول د. القضاة فى المقدمة : لقد انتحيت منهجا يجمع بين البعد التاريخى والتحليل النصى للروايات اذن كان يبحث عن الجذر التاريخى فى النص او تماس التاريخ فى جسد النص او فعل التاريخ فى قلب النص . والتاريخ عنده الناس والناس هم التشكيل المجتمعى وما حمله من مكونات الموروث الذى يحدد ملامح وهوية كل مجتمع من المجتمعات البشرية ومنذ البداية منذالسطور الاولى التى يعرفنا فيها المؤلف بنشاة نجيب محفوظ كونه ولد فى حى الجمالية بالقاهرة عام 1911 وانه ينتمى الى اسرة مكتفية ومتدينة تسكن بالقرب من مقام الحسين والتكية نعلم ان عملية الاكتفاء جعلته ينصرف الى دراسة الفلسفة ويعمق صلته بالفكر والابداع دون ان تشكل الحاجات اليومية شاغلا يصرفه عن المعرفة . كذلك كان الانتماء للبيئة لمجتمع مسكون بقيم واعراف وانتماءات دينية هى الاساس التى جعلته لا يركن الى ما هو قائم ولا ان يستسلم الابد وفق ما هو موجود بل اخذ يسعى لان يجتهد لان يعرف ما لا يعرفه سواء عن هذا العالم المتوارث الذى يحيط به . نجيب محفوظ افاد من الاكتفاء بالانصراف كليا الى المعرفة وكان جذر المعرفة مستمدا من معطى الاسرة المتدينة التى عاشها وعرفها وتفاعل معها لكنه لم يستسلم كليا الى معطياتها بل راح يفتح نوافذ يرى من خلالها ما لا يراه غيره ممن مشى على خطى سبقته فلقد بحث عن التفرد عن البعد الاخر والمعطى الاخر والاى المختلف . الاختلاف الايجابى قاده الى حقائق جديدة الى حريات ابعدها سواه فقربها هو ولم يتردد فى الكتابة عنها وفق رؤيته وان جاءت متاخرة عبر روايته المتميزة اولاد حارتنا العمل الذى كان مثار جدل واسع والمختلف عن سائر اعمال نجيب محفوظ الامر الذى يجعلنا ندرك ان نجيب محفوظ كان يختزن افكاره ورؤاه على مدى اعوام طويلة حتى يظهر الينا اولاد حارتنا . وعندما يناقش المؤلف الموروث فى اعمال نجيب محفوظ فانها تبدو واضحة امامه عبر خان الخليلى و زقاق المدق و الثلاثية : بين القصرين و قصر الشوق و السكرية . حتى ليصبح حى الجمالية هو العالم الاكثر ثراء فى حياة وادب محفوظ شانه شان ماركيز فى ماكانرو والسياب فى جيكور وكولن ولسون فى سوهو وما دام يعنى بالحى الشعبى فانه لابد ان يفرد جوانب مهمة واثيرة لشخصيات هذا الحى ذلك انه يعرفها يعرف تفاصيل حياتها . سايكولوجيتها ما يكمن فيها وما يحيط بها وما يثير الجوانب الخفية منها فيجعلها تتنفس وترى وتحس وتدرك وتواجه من هن كانت الثلاثية واولاد حارتنا والحرافيش هى احب اعمالى الى نفسى كما يقول نجيب محفوظ عنها واذا ما عرفنا ان الخيط الثقافى الوحيد فى اسرته هو الدين تبينا الجذر الذى انطلق منه نجيب محفوظ وهما الثقافة والدين وبهما تجسدت اعماله اضافة الى انه لم يكن ثمة حاجز بين قضايا البيت وقضية الوطن الامر الذى انطبعت فى حياة محفوظ وطفولته علاقة وثيقة بين البيت والعالم منذ سن مبكرة . ولم يكن بوسع محفوظ الانتقال الى الفلسفة الروحية كونها تعد عالما زاخرا بعيد اللغور نحس فيه بحريتنا ونعرف بداهة هذه الحرية غير المتناهية لو لم يكن قد عرف الفلسفة المادية ذلك ان المرء لا يمكن ان يعرف قيمة الشئ الا بعد معرفته لنقيضه اضافة الى ان الفن والادب يجئ نتيجة لتطور السياسة والاقتصاد ثم المجتمع والدين والكشوف العلمية كما يقول د. على شلش وهو يتحدث عن نجيب محفوظ فى مجهولة العلم . كذلك فقد كان حرص نجيب محفوظ على الزمن وعدم هدره ودقة التعامل معه وخبرته الطويلة لمدة 54 سنة فى الوظيفة ساعدته على امور كثيرة فى الكتابة منها الخبرة والدقة والتجربة والتفاعل مع الناس والازمنة والامكنة ولذلك نراه لا يلجأ الى شكل مستعار حتى الشكل المستعار فانه لا يقبل الثبات بل يتطور هذا التوجه جعل نجيب محفوظ يغير نمط كتاباته وفق المضامين والطروحات التى يريد التعبير عنها . وهذا التغيير لم يجعله يتخلى عن الحارة التى انتمى اليها يقول : ” حنينى الى الحارة جزء من حنينى الى الاصاالة ويتقدم العمر تجد ان نظرتك تتغير وانك تريد ان تتحرر من كل ما فرض عليك ولكن بطريقة تلقائية وطبيعية وليس لمجرد الخروج او كسر الشكل عمدا تجد نفسك تبحث عن النغمة التى تستخرجها من اعماقك ” . هذه المؤشرات مجتمعة هى التى جعلت النقاد يقسمون تراث نجيب محفوظ الى ثلاث مراحل هى : ( تاريخية رومانسية – واقعية نقدية – فلسية رمزية ) . غير اننا قد نجد تداخلا بين هذه المراحلة او تلك اضافة الى تفاعل فى التوجهات ففى الثلاثية قد تجتمع التاريخية والنقدية وفى اولاد حارتنا هناك تفاعل بين الفلسفة والنقد وفى ثرثرة فوق النيل قد نواجه الوعي النقدي والرمزي بشكل واضح . وإذا ما عرفنا ان الرواية التاريخية عمل فنى لا ينقل التاريخ بحرفيته وإنما ينقل تصور الفنان له أدركنا المدى العميق الذي يتوجه إليه نجيب محفوظ وهو يكتب عن لحظة أو مرحلة تاريخية معينة ذلك ان الحقيقة التاريخية لا تشغله بقدر ما تشغله معطيات هذه الحقيقة من مؤشرات درامية يمكن تحدد مسارها فى العمل الابداعى الذى يشغل عالم او ذهنية المبدع . وهكذا يلاحظ د . القضاة : ان نجيب محفوظ حاول ان يخرج بالشخصية التراثية من اطارها الفردى الى اطارها الجماعى وعمد الى ان يحقق الاسقاط التاريخى على الحاضر من خلال اخفاء الشخصية . ذلك ان محفوظ ليس مؤرخا ولا موثقا ولا باحثا فى التراث انه هو روائى فنان يعطى من خزين ذهنه والق روحه واحلام يقظته . مضفيا الكثير من الخيال والقليل من التاريخ والواقع على عمله الابداعى . انه تعامل مع التفاصيل التاريخية من موقع وظيفتها الفنية . وفى حديثه عن أشكال القص التراثى يقول د . القضاة : تمثل مرحلة اولاد حارتنا مرحلة خروج نجيب محفوظ على الشكل الروائى التقليدى وذلك من خلال اختيار شكل غربى مناسب وتحويره حتى يتلاءم مع الموضوع المحلى حتى عدت هذه الرواية من اكثر الروايات ايغالا بالرمز الميتافيزيقى وتجهت نحو الميثولوجيا وظهرت فى الرواية وهى : ” تلبس الميثولوجيا ثوبا واقعيا ” . ولا يناقش الباحث الاسباب التى تكمن وراء توجه محفوظ نحو هذا الاتجاه الذى يختلف تماما عن مجمل مسيرته . ونحن نعتقد ان الاكتفاء المادى الذى يضفى على صاحبه التوازن والثقة والتوجه نحواكتساب الثقافة واحترام القيم و العائلة المتدينة التى نشا فيها لا تسمح بالتمرد على توجهاتها ومسيرتها اضافة حساسية المضامين التى يطرحها وما يمكن ان يؤول الحديث عنها ومناقشتها من قبل المجتمع الذى اعتاد الاتباع بدلا عن الابداع حتى اذا جاء نجيب محفوظ مبدعا اضطر الى اتخاذ الرمز متكا وخروجا عن المالوف او المتعراف عليه اضافة الى كونه يقدم عملا فنيا وليس بحثا اكاديميا كما نظر البعض عندما ناقشوا اولاد حارتنا ونددوا بما ذهب اليه من رؤى ذلك انه ليس من الموضوعية مناقشة عمل ابداعى بادوات خارجة عنه وسياقات بعيدة عن دائرته وهذا هو الخطا الفادح الذى وقع فيه كثرة ممن اادان الرواية وافلح فى اقناع الرقابة التى تكفلت بحجبها عن القراء منذ عام 1959 مع انها ظهرت منشورة بشكل مسلس فى جريدة الاهرام وفى العام ذاته ومتداولة فى انحاء العالم وبعدة لغات فيما حرم من قرائتها النبع الاول الذى خرجت منه مصر . ان قيمة اولاد حارتنا تكمن فى اتخاذ الحارة التى ينطلق منها يمكن ان تكون البشرية باسرها ويمكن ان تكون مصر وحدها ويمكن ان تكون رمزا مزدوجا فهى تجمع بين خصائص التطور الانسانى العام وبين ملامح الازمنة الحضارية التى تعيشها مصر واتخذ نجيب محفوظ من الحياة اليومية ومن البيئة التى عايشها ومن قيمها اساسا لطرح فكرته الخاصة هذه الابعاد المختلفة لابد ان تحمل بالتالى تاويلات مختلفة وهذا هو الابداع الحقيقى الذى يحمل عدة وجوه لا وجها احاديا منفردا يتفق بشانه الجميع وليس بوسعهم الاختلاف على شئ واضح يمكن ان تلمس معطياته بسهولة ان الادب ومضة يمكن للمتلقى ان ينظر من خلالها الى ومضات لاحقة وموحية انها اللاحدود التى تخرج عن السياقات التقليدية والمعانى الجاهزة والمؤسرة . نجيب محفوظ فى اولاد حارتنا ياخذ مرجعيته من العالم الذى يعرفه ويعيشه وله تماس مباشر معه الا انه لا ينقل هذه المعارف والهواجس كما هى … وانما كيف يراها هو نفسه دون سواه كيف يمتحن ذاته فى داخلها كيف ينطلق من الجاهز لانجاز مشروعات ينظر اليها على نحو مختلف وهذا هو السر الذى يجعل نها حقيقة ابداعية تختلف عن سواها وتنفرد برؤيتها وسموها وفعلها النير . وعندما يتحدث د . القضاة عن الحرافيش يشير الى انه : ” لم تكن هذهالروايات على بعض ملامح السير والحكايات الشعبية والتراجم يعنى استلهام الشكل الشعبى وتوظيفه فنيا اذ كانت الرواية العربية فى مطلع القرن الماضى غير مستقرة على شكل معين وكان اقترابها من الشكل الشعبى تجريبيا وليس توظيفيا . ونحن نعتقد ان التجريب لا يلغى التوظيف ولا يبتعد عنه او يتقاطع معه للتجريب ان يوظف او يلغى التوظيف بان لمعمار اخر يوازى او يكون على تضاد مع ما قبله ومابعده . نجيب محفوظ كان مجريا من طراز رفيع المستوى بدأ تقليديا وعندما اكتملت تجربته واغتنى عالمه راح يفكر بمضامين ورؤى غير سالكة اختلط لنفسه اكثر من مسار حتى يحقق حضورا وينجز مشروعا ويبنى وجودا . واذا كنا عرفنا نجيب محفوظ متخفيا وراء قناع فرعونى فى اعماله المبكرة عبث الاقدار رادوبيس كفاح طيبة فانه لم يكن ليلجا الى هذا التخفى الا لكى يناقش مسائل ساخنة تتعلق بالزمان والمكان الذى يعيشه . وما كان ليلجا الى الف ليلة والتصوف والتاريخ والموروث الشعبى الا لكى يناقش ظاهرة معاصرة له ولمجتمعه تماس مباشر معها ان هذه الرحلة الطويلة التى خاض غمارها الباحث د. محمد قضاة عبر مسيرة مكثفة لاعمال نجيب محفوظ الغزيرة والكتب والدراسات التى تفردت فى قراءته عدة قراءات وهى الاكثر غزارة مما كتب نجيب محفوظ تعد بحق عطاء استثنائيا ويشكل اضافة متميزة مقارنة بما قراناه عن اعمال محفوظ . لقد خرج د. القضاة من رحلته الممتدة لمسافات طال امدها فى الغوص عميقا فى ادب محفوظ .ومحاولة استخلاص الموروث فى منجزه الروائى والقصصى خرج بنتائج مثمرة وباجتهادات لم يسبقه اليها الا ندرة من الدارسين لكن ما فاتهم لم يكن ليختفى عند د. القضاة بل لقد قرأ ودرس وحلل وناقش والاهم من ذلك كله اجتهد فى تقديم مؤشرات واضحة لمرجعيات نجيب محفوظ وكيف تعامل معها روائيا وكيف افلح فى تحقيق منجز ابداعى كبير كشف اسراره باحث جؤوب واكاديمى جليل وقف عند بئر الابداع واصطفى منه ماء زلالا تتقطر منه المعرفة والزاد الاصيل والتفرد العميق .