إبادة جماعيّة ………..……………… داود حمد الفريح

إبادة جماعيّة
داود حمد الفريح
قاص من سوريا
الشهر تموز …
أبي الذي اعتاد أن يجلسَ أمام عتبة الباب ، لفت انتباهه هذا الصباح أعداد غفيرة من النمل تخرج من مساكنها ، وتنتشر متفرقة في أنحاء شتّى . فما كان منه إلا أنْ نادى :
– احضروا لي مبيد الحشرات .
فسارعتُ إلى البحث عن المبيد في صندوق خشبي أُلقيت فيه جِرار قديمة ، قوارير بلاستيكية … وأشياء مختلفة ..
أمسك أبي العلبة التي وُضِعَ داخلها المسحوق وهي بالأصل علبة حليب أطفال فارغة .
غمسَ الملعقة في العلبة وشرع يرشُّ المبيد فوق النمل و حول مساكنه . بينما أعلنتْ جموعُ النمل – التي أحسّت بالخطر – الفرارَ إلى جهات متفرقة ، والتي كان منها قريباً من جحره انسلَّ إلى الداخل مسرعاً ، والتي أصابها المبيد راحت تدور في مكانها إلى أن فقدت الحركة تماماً .
وراح الوالد يتأمّل المشهد بشيءٍ من النصر والسادية .
حين خرجتُ لفت انتباهي العدد الهائل من النمل المقتول ، وهي ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها النمل ” للإبادة ” ، فكلما شعر والديَّ بوجود حشرات أو نمل يتكاثر في البيت أو حوله ، أحضرا علبة حليب الأطفال تلك وبدأا يرشان في دروب النمل وحول أبواب الدُّور ، ويُتبعان ذلك بكلمات استغراب وتساؤل:
-من أين يأتي كل هذا النمل .؟.؟
الصندوق الخشبي القديم الذي رُكِنَ في زاوية الحوش هو بالأصل ” خزانة الثياب ” التي أحضرتها أمي في عرسها منذ ما يزيد على ثلاثين سنة . ومع مرور الأيام تعطل قُفله ثم طار غطاؤه الخشبي ، فظلَّ مكشوفاً تُرمَى فيه الثياب القديمة والأشياء المهملة حتى جاء ذلك اليوم الذي ولدتْ فيه قطتُنا جِراءها الثلاث .
ولم تلبث أن حملتِ القطة صغارها بأسنانها وراحت تبحث حائرة فزعة لهم عن مكان آخر هاربة من الصندوق الذي بدأت تنبعث منه رائحة كريهة جرّاء موت أحد الجِراء وتحلل جثته التي امتلأت بالدّود .
بعد أن تمّ غسل الصندوق رُمِيَ هنالك في زاوية تحت الشمس اللاهبة وكأنه يُعاقب على جُرمٍ ارتكبه ، وراحت تُلقى فيه الجرار و العلب المعدنية والقوارير البلاستيكية وأشياء مهملة متفرقة … ولا أدري من الذي اختاره مكاناً ليوضع فيه مسحوق مبيد الحشرات ؟!
وخرج النمل من مكان آخر داخل الحوش ، فسارع أبي طالباً مني :
-أنْ اِذهبْ  ورُشَّ عليه من المبيد .
أمسكتُ العلبة بيد ، والملعقة بيد ، جلستُ أتأملُ النمل وهو يذهب ويجيء بحركة دؤوبة ، عجولة يحمل الحَبَّ والقشّ ويلجَ إلى الداخل وقد بدا في حالة مستنفَرة وكأنه في سباق مع الزمن ، فأخذ يُعِدّ العُدَّة للاختباء والسّبات الطويل ..
تساءلتُ في نفسي عن سبب خروج النمل في هذا الوقت بكثرة وبفترات متقاربة .
هل حقاً يتنبأ النمل بكارثة قريبة .؟
وصَعُبَ عليَّ أن أكون سبباً في قتل هذه الكائنات البريئة التي لا ذنب لها .. وما أدرانا لعل هذا المكان هو مكانها منذ عشرات السنين ونحن الذين جئنا وبنينا دورنا فوقها وصرنا نعاقبها كلما خرجت وانتشرت فوق الأرض وسرى في نفسي شعور الإعجاب بالنمل والشفقة عليه ، فعزمتُ على ألاّ أرشه وأتركه وشأنه .
بينما نهضتُ للانصراف ، إذْ أجفلني صوتٌ صارخٌ من خلفي :
-ألم ترشّه إلى الآن .. ماذا تنتظر .؟
قلت لأبي :
-يا أبي حرام أن نقتله .. فلندعه وشأنه ..
حاولتُ أن أُفهِم أبي أنَّ خروج النمل في هذا الوقت وبهذا الشكل يُنبئ بكارثة قريبة .
فردّ ساخطاً :
-كارثة تقلعك أنت وأُمك …
-إن الحيوانات تتنبأ بالزلازل والبراكين قبل وقوعها …
-دعك من هذا الهراء …
-يا أبتِ دعه … فربما كان خروجه علامة على قدوم طوفان أو هزة قريبة .. أو …
-(ساخراً ) وهل سيقول النمل بأن موعد الكارثة غداً .. فاهربوا .؟!
– لا يا أبي .. إذا تكرر خروج النمل بهذه الطريقة فيجب علينا أن نهجر هذا المكان في أقرب وقت ممكن …
-نهجر المكان .؟ وأين سنذهب يا ولد .؟!
وبينما أحاول أن أقنعه بعدم رشّه بالمبيد ، أمسك العلبة من يدي وظننتُ أنه فهم ما أقصد و أشفق على
النمل ، لكنه أدخل الملعقة في المسحوق وأخرجها ممتلئة وبدأ يرشُّ جموع النمل بعصبية وتوتر .
ولم يمضِ سوى يومين حتى بدأ الأفق يمور بغبار كثيف على شكل عملاق يحث الخطا نحو المدينة …
حينها أدرك أبي فداحة الموقف ، فتملّكته حالة من الذعر والضيق .. فراح ينظر إليَّ بشيء من الندم الصامت وإلى آثار مساكن النمل الخالية بشيء من الخوف والتحسّر .
أما الصندوق الخشبي فأخذ يصدر صريراً بفعل الريح الهوجاء التي أحكمت قبضتها على المكان …
بينما السماء تذر غباراً ممزوجاً برائحة غريبة أشبه برائحة مواد كيميائية قاتلة .

إبادة جماعيّة
داود حمد الفريحقاص من سوريا

الشهر تموز …أبي الذي اعتاد أن يجلسَ أمام عتبة الباب ، لفت انتباهه هذا الصباح أعداد غفيرة من النمل تخرج من مساكنها ، وتنتشر متفرقة في أنحاء شتّى . فما كان منه إلا أنْ نادى :- احضروا لي مبيد الحشرات .فسارعتُ إلى البحث عن المبيد في صندوق خشبي أُلقيت فيه جِرار قديمة ، قوارير بلاستيكية … وأشياء مختلفة ..أمسك أبي العلبة التي وُضِعَ داخلها المسحوق وهي بالأصل علبة حليب أطفال فارغة .غمسَ الملعقة في العلبة وشرع يرشُّ المبيد فوق النمل و حول مساكنه . بينما أعلنتْ جموعُ النمل – التي أحسّت بالخطر – الفرارَ إلى جهات متفرقة ، والتي كان منها قريباً من جحره انسلَّ إلى الداخل مسرعاً ، والتي أصابها المبيد راحت تدور في مكانها إلى أن فقدت الحركة تماماً .وراح الوالد يتأمّل المشهد بشيءٍ من النصر والسادية .حين خرجتُ لفت انتباهي العدد الهائل من النمل المقتول ، وهي ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها النمل ” للإبادة ” ، فكلما شعر والديَّ بوجود حشرات أو نمل يتكاثر في البيت أو حوله ، أحضرا علبة حليب الأطفال تلك وبدأا يرشان في دروب النمل وحول أبواب الدُّور ، ويُتبعان ذلك بكلمات استغراب وتساؤل:  -من أين يأتي كل هذا النمل .؟.؟ الصندوق الخشبي القديم الذي رُكِنَ في زاوية الحوش هو بالأصل ” خزانة الثياب ” التي أحضرتها أمي في عرسها منذ ما يزيد على ثلاثين سنة . ومع مرور الأيام تعطل قُفله ثم طار غطاؤه الخشبي ، فظلَّ مكشوفاً تُرمَى فيه الثياب القديمة والأشياء المهملة حتى جاء ذلك اليوم الذي ولدتْ فيه قطتُنا جِراءها الثلاث .ولم تلبث أن حملتِ القطة صغارها بأسنانها وراحت تبحث حائرة فزعة لهم عن مكان آخر هاربة من الصندوق الذي بدأت تنبعث منه رائحة كريهة جرّاء موت أحد الجِراء وتحلل جثته التي امتلأت بالدّود .بعد أن تمّ غسل الصندوق رُمِيَ هنالك في زاوية تحت الشمس اللاهبة وكأنه يُعاقب على جُرمٍ ارتكبه ، وراحت تُلقى فيه الجرار و العلب المعدنية والقوارير البلاستيكية وأشياء مهملة متفرقة … ولا أدري من الذي اختاره مكاناً ليوضع فيه مسحوق مبيد الحشرات ؟! وخرج النمل من مكان آخر داخل الحوش ، فسارع أبي طالباً مني : -أنْ اِذهبْ  ورُشَّ عليه من المبيد .أمسكتُ العلبة بيد ، والملعقة بيد ، جلستُ أتأملُ النمل وهو يذهب ويجيء بحركة دؤوبة ، عجولة يحمل الحَبَّ والقشّ ويلجَ إلى الداخل وقد بدا في حالة مستنفَرة وكأنه في سباق مع الزمن ، فأخذ يُعِدّ العُدَّة للاختباء والسّبات الطويل ..تساءلتُ في نفسي عن سبب خروج النمل في هذا الوقت بكثرة وبفترات متقاربة .هل حقاً يتنبأ النمل بكارثة قريبة .؟ وصَعُبَ عليَّ أن أكون سبباً في قتل هذه الكائنات البريئة التي لا ذنب لها .. وما أدرانا لعل هذا المكان هو مكانها منذ عشرات السنين ونحن الذين جئنا وبنينا دورنا فوقها وصرنا نعاقبها كلما خرجت وانتشرت فوق الأرض وسرى في نفسي شعور الإعجاب بالنمل والشفقة عليه ، فعزمتُ على ألاّ أرشه وأتركه وشأنه .بينما نهضتُ للانصراف ، إذْ أجفلني صوتٌ صارخٌ من خلفي :  -ألم ترشّه إلى الآن .. ماذا تنتظر .؟قلت لأبي : -يا أبي حرام أن نقتله .. فلندعه وشأنه .. حاولتُ أن أُفهِم أبي أنَّ خروج النمل في هذا الوقت وبهذا الشكل يُنبئ بكارثة قريبة .فردّ ساخطاً : -كارثة تقلعك أنت وأُمك …  -إن الحيوانات تتنبأ بالزلازل والبراكين قبل وقوعها …  -دعك من هذا الهراء …  -يا أبتِ دعه … فربما كان خروجه علامة على قدوم طوفان أو هزة قريبة .. أو …  -(ساخراً ) وهل سيقول النمل بأن موعد الكارثة غداً .. فاهربوا .؟!  – لا يا أبي .. إذا تكرر خروج النمل بهذه الطريقة فيجب علينا أن نهجر هذا المكان في أقرب وقت ممكن …  -نهجر المكان .؟ وأين سنذهب يا ولد .؟! وبينما أحاول أن أقنعه بعدم رشّه بالمبيد ، أمسك العلبة من يدي وظننتُ أنه فهم ما أقصد و أشفق على النمل ، لكنه أدخل الملعقة في المسحوق وأخرجها ممتلئة وبدأ يرشُّ جموع النمل بعصبية وتوتر .ولم يمضِ سوى يومين حتى بدأ الأفق يمور بغبار كثيف على شكل عملاق يحث الخطا نحو المدينة … حينها أدرك أبي فداحة الموقف ، فتملّكته حالة من الذعر والضيق .. فراح ينظر إليَّ بشيء من الندم الصامت وإلى آثار مساكن النمل الخالية بشيء من الخوف والتحسّر .أما الصندوق الخشبي فأخذ يصدر صريراً بفعل الريح الهوجاء التي أحكمت قبضتها على المكان …بينما السماء تذر غباراً ممزوجاً برائحة غريبة أشبه برائحة مواد كيميائية قاتلة .