الأدب المقارن من منظور التأصيل ………. د. عبدالحميد إبراهيم

الأدب المقارن من منظور التأصيل
د. عبدالحميد إبراهيم
نشأ الأدب المقارن في جامعات فرنسا نشأة طبيعية داخل الأدب القومي (الفرنسي) وتطويراً للموازنات الأدبية في اللغة القومية (الفرنسية) فقد أحس علماء الأدب والبلاغة في الجامعات الفرنسية ، أن الموازنات الأدبية التي تجري داخل لغتهم القومية ، يمكن أن تتسع وأن تتم مع الظواهر المتشابهة في آدب الأمم الأوروبية المجاورة ، خاصة بعد تلك الروح التي عمت القارة الأوروبية في القرن التاسع عشر ، وجعلت كل أمة تتطلع إلي ثقافة الأمة المجاورة ، وتبحث عن عوامل التأثير والتأثر بين اللغات المختلفة .
وكانت النتيجة لهذه النشأة الطبيعية أن الأدب المقارن جاء لخدمة الأدب القومي وتطوير ظواهره الأدبية ، وامتحان اصالته ووضعه في مجال عالمي فهو في نشأته الاولي قد انبثق من فرع من فروع الادب القومي وهو فرع الموازنات الادبية التي طورها إلي المقارنات الادبية في صورتها العالمية .
ولم يكن الحال كذلك داخل اللغة العربية ، فلم يأت الأدب المقارن تطويراً للموازنات الأدبية عند الآمدي أو غيره ولا امتداداً لما يسميه البلاغيون بالسرقات الشعرية ولم يأت استجابة لحاجة عند النقاد والبلاغيين تفدعهم إلي خدمة الادب القومي وتوسيع ظواهره والبحث عنخ نظائر تعمق رؤيته وتكشف عن أصالته .
نشأ الأدب المقارن في الجامعات العربية نشأة غير طبيعية ، فقد جاء مفروضاً وجاهزاً يلبس قبعة فرنسية ويرطن بلغة أعجمية ويردد أعلاماً غير عربية وأخيراً يتعالي علي الأدب القومي ( العربي ) .
جاء الدكتور غنيمي هلال – وهو الرائد الحقيقي للأدب المقارن – من فرنسا يحمل كتابه ( الأدب المقارن ) وهو الكتاب الذي وضع الأسس الاولي للأدب المقارن في الجامعات العربية ، وأصبح منذ ذلك الحين المصدر الأول للأدب المقارن يؤلف الأساتذة علي غراره ويشيدون بغزارته ويتابعون مسائلة وينصحون طلابهم بإقتنائه.
إن كتاب الدكتور غنيمي هو أقرب إلي الترجمة منه إلي التأليف فهو ملئ بالأعلام الأجنبية ، والاستشهادات الاجنبية ، والهوامش الاجنبية ، أو بتعبير آخر : هو تجميع لآراء المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن ، وكل جهد الدكتور غنيمي يظهر في الوصل بين هذه الآراء ، خلال حرف استدراك أو اضراب أو مشاركة أو أداة وصل أو علي أحسن الفروض خلال تعليق يسير أو إشارة قصيرة إلي ظاهرة مماثة في الأدب العربي .
جاء الأدب المقارن إذن بلبس قبعة الخواجة ويتعالي علي الأدب القومي ، وأصبح هذا الفرع من الدراسات الأدبية أسمي مكانة من تاريخ الأدب ، ومن النقد الأدبي ، وأصبح من الوجاهة بمكان أن يسعي كل من هب ودب ، إلي التأليف في الأدب المقارن ،حتي لو كان هذا التأليف لا يحمل قصداً علمياً ، أو كان تلخيصاً لكتاب الدكتور غنيمي ، إذ يكفيه أن يتصدر أسمه كتاباً تحت عنوان ” الأدب المقارن” وأن يدرج في قائمة من يرطنون اللغة الأجنبية ويرددون المصطلحات الأجنبية .
وكانت النتيجة إزدراء لفكرة الموازنات الأدبية داخل اللغة العربية لأنها فكرة تتحدث عن ظاهرة داخل الأدب القومي (العربي) في مقابل فكرة الادب المقارن وهي فكرة تتحدث عن ظاهرة عالمية خارج الادب القومي مع أن الفكرتين (الموازنات والمقارنات ) ترتدان إلي جذر نقدي مشترك يتلخص في دراسة علاقة التأثير والتأثر بين الادباء ، سواء كانت هذه العلاقة داخل لغة واحدة أو بين لغات متعددة .
إن ما تهدف إليه هذه الدراسة توجيه الأنظار نحو تأصيل الأدب المقارن لينمو داخل الأدب العربي ويخدم ظواهر النقد العربي ، ويتطور بالموازنات الأدبية إلي مفهوم عالمي ، وبهذا يتخلص الأدب المقارن من تضخمه ، ويصبح قسيماً لتاريخ الأدب وللنقد الأدبي علي حد سواء .
ومن هنا لن ننطلق من كتاب الدكتور غنيمي هلال بل سننظر إليه كخطوة أولي في تاريخ الأدب المقارن ، قدمت المنهج ، ووجهت الانظار إلي أهمية مثل هذه الدراسات المقارنة واستنفرت العقول نحو دراسة عوامل التأثير والتأثر بالمفهوم العالمي الذي يتخطي حدود اللغة القومية ويعد ذلك تأتي الخطوة الثانية التي توصل لعلم الادب المقارن في البيئة العربية .
ومن أجل هذه الغاية يمكن أن تطرح تصوراً لتأسيس علم أدب مقارن في اللغة العربية يقوم علي المبادئ الآتية :
أ – البحث عن جذور الأدب المقارن داخل الأدب العربي .
ب- دراسة الأجناس الأدبية من واقع تاريخ الادب العربي .
ج- الاهتمام بتأثير الأدب العربي علي غير من آداب الشعوب الأخري .
وسنقف وقفة خاصة عند كل موضوع من هذه الموضوعات الثلاثة ، جاء الفصل الأول من كتاب الدكتور غنيمي هلال تحت عنوان ” تاريخ نشأة الأدب المقارن في أوروبا ” وقد خصصه للنقاط الآتية :
فكرة الأدب المقارن قبل القرن التاسع عشر – نظرية المحاكاة في الأدب اللاتيني وفي عصر النهضة والعصر الكلاسيكي – في القرن السابع عشر – في القرن الثامن عشر – في القرن التاسع عشر – الحركة الرومانتيكية – مبادئ الرومانتيكية ومقارنتها بمبادئ الكلاسيكية – مدام دي ستال – سانت بوف – النهضة العلمية في القرن التاسع عشر – إرنست رينان – هيبوليت تين – جاستون باري – برونيتير إكمال لنشأة الادب المقارن علي يد جوزيف تكست والباحثين المحدثين .
إن هذه النقاط تتابع جذور الأدب المقارن في التاريخ الغربي قبل عصر النهضة وبعده خلال مذاهب وحركات غريبة مثل الرومانتيكية والكلاسكية وعلي يد أعلام في الغرب مثل مدام دي ستال وسانت بوف وإرنست رينان وحتي جوزيف تكست ، وترصد هذه الجذور بالعودة إلي مصادر أوروبية وفرنسية بنوع خاص .
ونحن بصدد البحث عن جذور للأدب المقارن ممتدة في التاريخ العربي ، سنغير الفصل إلي ” تاريخ نشأة الأدب المقارن عند العرب ” وخصصه للنقاط الآتية: رحلات العرب قبل الإسلام – رحلة الشتاء ورحلة الصيف – المناذرة – الغساسنة اليهودية والنصرانية في الجزيرة العربية – القيان والمغنيات – الهجرات اليمنية – الفتوحات الإسلامية – الهجرات العربية بعد الإسلام – الصراع مع الحضارات المجاورة – التعريب – الزواج والنسب – تعريب الدواوين – كتاب الدواوين مع أصول غير عربية – الترجمة عن الونانية والفارسية والهندية والسوريانية وغير ذلك – المنافذ الحضارية خلال الأندلس وجنوب فرنسا وصقلية ومالطة وأوروبا الشرقية – رحلات ابن بطوطة وغيره – مجالس الخلفاء والوزراء والقادرة – الفلاسفة – المتصوفة السير الشعبية – العادات والتقاليد – الأعياد والمواسم – الكتب المقدسة – قصص الأنبياء – مجنون ليلي – الشعوبية – الجاحظ – ابن المقفع – الموشحات والازجال – النفوذ التركي – الحروب الصليبية – الحملة الفرنسية علي مصر – محمد علي – الاستعمار – الترجمة في العصر الحديث – البعثات الخارجية – الجامعات – الصحافة – الإعلام – جهود الدكتور غنيمي هلال – كتابه في الأدب المقارن – توجه الدراسات المقارنة بعد الدكتور غنيمي – البحث عن الجذور التراثية في الروايةوالمسرح وغيرهما – ظهور فكرة الأصالة – اقتراح دراسة الأدب المقارن من منظور الأدب العربي .
وغير ذلك من نقاط تستوحي التاريخ العربي ، وتحاول أن تؤصل للأدب المقارن داخل هذا التاريخ وتردد أعلاماً عربية وأحداثاًعربية حتي حينما نتعرض للتأثيرات الأوروبية فإن منطلقها يكون من الواقع العربي ، ولا تمس الأحداث الأوروبية إلا من خلال تأثيرها علي هذا الواقع .
إن الذي حدث عند الدكتور غنيمي ومن سار في اتجاهه أنهم اطلعوا علي بعض المؤلفات الأوروبية وقاموا بترجمتها وعرضوا وجهة نظر أصحابها ، وهذا أمر سهل يتطلب معرفة صاحبه بلغة أوروبية فحسب أما بقية الجهد فقد قام به أصحابه من المفكرين الاوروبيين وكل ما هو مطلوب من الدكتور غنيمي أو من يسير في اتجاهه هو عرض هذا الجهد أو التعليق عليه ، أو ضرب أمثلة تستوحيه وتسير علي منواله .
أما الخطوة الأخري المطلوبة والخاصة بتأصيل الأدب المقارن في البيئة العربية فهي أشد صعوبة لأن الطريق غير ممهدة لأن المطلوب من الباحث أن يتاب النقاط السابقة في المؤلفات التاريخية والجغرافية والأدبية والفلسفية والصوفية – ثم يقدم نسقاً يضاهي النسق الذي قدمه الباحثون الأوروبيون والفرنسيون واستوحاه الدكتور غنيمي ومن سار علي دربه .
استعرض الدكتور غنيمي في الباب الثاني ، ميادين البحوث في الأدب المقارن التي تدور حول المواقف الادبية والنماذج البشرية ، والاجناس الأدبية وغير ذك مما غطي به الفصول السبعة التي تشكل هذا الباب .
ويمكن لمن يريد أن يؤصل الأدب المقارن في البيئة العربية أن ينطلق من هذه الميادين وتلك الفصول ولكن يشرط له أهميته ، وهو أن تكون طريقة معالجته لهذه الفصول ،مختلفة عن الطريقة التي الجها بها الدكتور غنيمي .
فالدكتور غنيمي قد نقل معلوماته من الكتب الاوروبية والفرنسية فجاءت تخدم الأدب القومي الفرنسي أكثر مما هو تخدم الأدب القومي العربي ، الذي ضاع خلال السياق وجاء من باب الاستطراد وفي حالات كثيرة منقولاً عن مصادر أوروبية .
لنضرب مثلاً علي ذلك بما ذكره الدكتور غنيمي في فصل ” الاجناس الأدبية ” فقد استعرض الأجناس الأدبية الشائعة في العالم الغربي من مثل الملحة ، والخرافة والقصة والمسرحية وتجاهل الأجناس الشائعة في الادب العربي من مثل الشعر والخطابة وفن الحكمة .
ومن هنا جاء استعراضه مليئاً بالأعلام والأمثلة والإحالات الغربية ، وعرج علي الأدب العربي من باب الاستطراد السريع فهو مثلاً في حديثه عن الملحمة يتابع تاريخها عبر الأدب اليوناني واللاتيني وفي العصور الوسطي ، وحتي العصر الحديث ويضرب أمثلته من الألياذة ، والأوديسا ، والأنبادة والكوميديا الإلهية ، والفردوس المفقود ، ومغامرات تليماك ، ويشير إلي هوميروس وفرجيل ” دانتي،وميلتون وفينلون .
أنه يشرق ويغرب ولا يعرج إلي الأدب العربي إلا في النهاية وفي فقرة أخيرة لا تتجاوز ستة أسطر ، يذكر فيها أن الأدب العربي القديم لم يعرف فن الملاحم وكل ما عرفه العرب مما يمت إلي ذلك بصلة ، هو فن السير الشعبية وهو فن فيما يري ليس له من المكانة الأدبية ما يسمح له بأن يدرسه في هذا الكتاب ومن هنا يكتفي بهذه الإشارة ويتوقف عن دراسته .
لقد كان أسهل علي الدكتور غنيمي أن ينقل ويترجم من أن يتابع بنفسه تاريخ الأجناس الأدبية التي شاعت في الأدب العربي ، وأن يكون رؤيته الخاصة .
أما الباحث عن تأصيل الأدب المقارن في البيئة العربية فإن مهمته أصعب من ذلك بكثير إذا عليه أن يتابع بنفسه رحلة الشعر ، والخطابة والحكمة وغير ذلك من أجناس أدبية عرفها العرب ورددوها في كتبهم .
وهو في تلك المتابعة لن يرددها ما قاله النقاد ، القدامي أو المحدثون ، عن تاريخ الشعر العربي أو عن الخطابة ، أو الحكمة أو المديح أو الغزل لأن ما قالوه يندرج في تاريخ الأدب القومي ، ولكن الباحث عن تأصيل الأدب المقارن ، يتصدي لدراسة هذه الأجانس والانواع ، من منطلق علاقة التأثير والتأثر مع آداب اللغات الأخري .
لنضرب مثلاً يجسد هذه المهمة من تتبع تاريخ الشعر العربي من منظور هذه الرؤية المقارنة فالمطلوب من الباحث أن يكشف قبل كل شئ عن نظرية الشعر عند العرب كما تتمثل في عمود الشعر نظرياً وفي المعلقات كنماذج ، ثم يتحدث عن نظرية الشعر عند اليونان ، كما يمثلها كتاب “فن الشعر ” لأرسطو ثم يتابع الصراع الحضاري بين النظريتين ، ومردود هذا الصراع علي الشعر العربي ويرصد قوة الحضارة العربية في تلك الفترة والتي تمثلت مصطلحات أرسطو وحولتها عن مجراها وجعلتها أقرب إلي مصطلحات الشعر الغنائي منها إلي مصطلحات الشعر التمثيلي ثم يتابع رحلة الشعر في علاقته مع الثقافة الفارسية وأثر تلك العلاقة علي اللغة والموضوعات ، ورحلته في بلاد الأندلس والتغيير الذي طرأ علي شكل القصيدة واستجابة القصيدة العمودية لهذا التغيير ثم متابعة التغيير الذي طرأ علي شكل القصيدة في العصر الحديث بعد الاحتكاك مع الحضارة الأوروبية ورصد درجة الانحراف عن تقاليد القصيدة العربية ، والمقارنة بين موقف الحضارة العربية القديمة التي تمتلك الفكر الأغريقي وحولته إلي جزء بنيتها الفكرية ومواقفها في العصر الحديث بعد أن ذابت في الفكر الأوروبي ،وخضعت لمصطلحاتها الخاصة وغير ذلك من متابعة لكل جنس من الاجناس الأدبية الشائعة وهي متابعة لا تنقل من تاريخ الأدب العربي في صورته القومية ولا تترجم من المصادر الغربية ولكنها تؤصل للأدب المقارن ، من واقع النصوص العربية وعلاقتها بالنصوص الاجنبية بحثاً عن الأصالة واستنتاجاً من تاريخ عربي وترديداً لأعلام عربية واستشهاداً بنماذج عربية .
مالت الدراسات المقارنة في مصر والعالم العربي ، بفضل كتاب الدكتور غنيمي إلي التركيز علي تأثر العرب بغيرهم وخاصة بالكتاب الأوروبيين ، ولم تعط مثل هذا الاهتمام بالجانب الآخر ، الذي يركز علي تأثير العرب علي غيرهم من كتاب الشعوب الأخري .
وانطلقوا يبحثون عن مصدر لكل أديب عربي ، فطه حسين هو فولتير الشرق، والعقاد هو كلويردج ، والحكيم هو أفلاطون ومحمود تيمور هو ماباسان ونجيب محفوظ هو زولا وإحسان عبدالقدوس وهو لورانس وصلاح عبدالصبور هو إليوت .
وقد كانت هذه المصادر الأجنبية تطلق بنية سليمة سواء من الأدب أو من ناقده ودون أدني إحساس بأن التركيز علي المصدر إنما يحيل الكاتب إلي صدي ولدرجة أن بعضاً ممن يكتبون بدافع من أنفسهم ومن منطلق الأصالة قد تواروا في الظل لأنهم لا يجدون ” سيداً ” أجنبياً يتكئون عليه .
وقد توالي الضغط الأوروبي علي الواقع العربي وأصبحت المذاهب الأدبية التي تنشأ في أوروبا تفرض علي الواقع الأدبي في مصر والعالم العربي .
من المعروف ان المذهب الأدبي لا يفرض من فوق أو بقوة القانون والقهر ولكنه يختمر في بيئة ويتحرك بين جمهور ، ويعكس فلسفة معينة ويخضع لتأويلات النقاد والدارسين وكل هذا يعني أنه يحمل خصوصية معينة لا تتيح له أن يترعرع في تربة أخري .
ولكن الدارسين يتجالون ذلك ويتعرضون لتفسير التاريخ العربي ولتحليل الإبداع الأدبي من منطلق الكلاسيكية أو الرومانتيكية ، أو الواقعية أو الماركسية أو الوجودية وينثرون المصطلحات الوافدة ، التي نشأت في ظروف خاصة علي التاريخ العربي وظهر هذا الضغط بصورة واضحة علي أقسام اللغة الإنجليزية ، واللغة الفرنسية واللغة الألمانية ، وغير ذلك من أقسام الجامعات المصرية والعربية التي تتخصص في اللغات الأوروبية وتتحول إلي نسخة من أقسام الجامعات الإنجليزية والفرنسية وتقوم بدراسة الأدب المقارن من منظور هذه الجامعات وتركز علي الموضوعات التي تبرز تأثير الآداب الأوروبية علي الأدب العربي الحديث ، من مثل شكسبير في الأدب العربي – أليوت في الأدب العربي – تأثير تيار الشعور علي الرواية – العبثية في المسرح المصري – صورة الغرب في الرواية العربية الحديثة- بين رواية زينب وغادة الكاميليا – المصادر الفرنسية في أدب طه حسين – يخيل موليير في الأدب العربي – الرومانتيكية الغربية في الشعر العربي الحديث – بين نجيب محفوظ وتشارلز ديكنز .
إن تأصيل الأدب المقارن في الواقع العربي يتطلب قدراً مماثلاً من الاهتمام بالصورة الأخري ، التي تحاول أن تبرز تأثير الأدب العربي علي غيره من آداب الأمم الأخري ، أن الباحث بذلك يصحح الوضع ويستكمل الصورة ، ويحقق الموضوعية التي تستغرق كافة الجوانب .
ومن ناحية أخري فإن هذا الاهتمام يحقق هدفاً قومياً ويجعل الإنسان العربي يحس بأنه ممتد تاريخياً خلال أدب عريق أثر قديماً علي الحضارات المجاورة مثل حضارة الفرس والترك والحضارة القبطية وامتد بتأثيره إلي قارات إفريقيا وآسيا وعبر البحر إلي قعر الحضارات الغربية .
إن موضوعات مثل المقامات وألف ليلة وليلة وحي بن يقظان ، والمعراج والمرشحات وبخلا الجاحظ والحب العذري ، والفروسية والوقوف علي الأطلال والعروض والقافية وصورة الشرق وقصة يوسف ومجنون ليلي والادب العربي في إفريقيا ، أو في الصين أو عند الشعوب الإسلامية أو في أمريكا اللاتينية ، أو في أوروبا الشرقية أن موضوعات كهذه يمكن أن تكون منطلقاً للكشف عن تأثير الأدب العربي علي الآداب الأخري ، وأن يوظف الأدب المقارن من أجل هدف قومي .
منذ أن تشكلت الحضارة العربية الإسلامية دخلت حوار حي مع مختلف الحضارات الإنسانية ولأنها حضارة عريقة تستند علي أرضية فكرية ، وليس علي مظهر عسكري فحسب لم يفقدها ذلك الحوار خصوصيتها ، بل خرجت منه بأفق أوسع ودماء جديدة .
وقد انعكس هذا الحوار علي الأدب العربي ، فتفاعل مع الآداب الاخري وأخذ منها وأعطاها وكانت حصيلة ذلك تجدداً في الشعر وفي النثر وفي سائر الأجناس الأدبية .
إن كل هذا يعني أن فكرة التأثير والتأثر موجودة منذ أن بزغ الأدب العربي إلي الوجود وتشكل في لغة لها رؤيتها الفكرية والفنية وهي حقيقة لا تحتاج إلي بيان تدل عليها الترجمات واقوال الأدباء ، من أمثال الجاحظ وابن المقفع .
فالأدب المقارن هو حقيقة قائمة منذ القديم وكل ما أضافه العلم الحديث هو ذلك المنهج العلمي ، الذي يخضع علاقة التأثير والتأثر للبراهين العلمية والأدلة المادية .
وقد كان للدكتور غنيمي فضل التعريف بهذا المنهج في الأوساط الأدبية والجامعية في العالم العربي ، وإذا كان الدكتور غنيمي قد اعتمد في تعريفه وفي شرحه علي أمثلة أوروبية ، وعلي مصادر فرنسية فإن الخطوة التالية والمتمثلة في المشروع الذي اقترحته ، تنتظر رائداً آخر يكون له فضل تشكيل علم أدب مقارن من منظور التأصيل .