المكان بين الواقع والفن عمارة يعقوبيان نموذجاً – ا.د . زينب فرغلي

– المكان بين الواقع والفن:

لا يعد المكان في العمل الفني ” مكاناً كالذي نعيش فيه أو نخترقه يومياً، ولكنه يتشكل كعنصر من بين العناصر المكونة للحدث الروائي، وسواء أجاء في صورة مشهد وصفي أو مجرد إطار للأحداث، فإن مهمته الأساسية هي التنظيم الدرامي للأحداث) ([1]).

والمبدع حينما يحاول نقل المكان من مفهومه الفيزيائي إلى العمل الفني، فإنما ينقله مستخدماً أسلوب الانزياح أو الانحراف باللغة عن دلالتها المألوفة،        وينقلنا المكان من العادي والمألوف بمحسوساته المختلفة إلى عالم من التخيل، ننتقل عبره إلى العالم الثاني من خلال لغة متمثلة في الأصوات، والصور، وجميع العلامات اللغوية. وفى ضوء علاقة المكان باللغة يقول ” بنيامين وورف”(-) أن الناس لا يعيشون فقط فى نطاق الأشياء التي تحيط بهم وفى نطاق عالم الحياة الاجتماعية؛ بل يعيشون فقط في نطاق الأشياء التي تحيط بهم وفي نطاق عالم الحياة الاجتماعية، بل يعيشون في نطاق عالم لغة الأم. إننا نبني العالم الذي يحيط بنا وفق ” عالم اللغة”، وكل لغة تتضمن بالإضافة إلى مفرداتها وجهات نظر وأحكام مسبقة ضد وجهات نظر أخرى”([2]).

فمن خلال هذه العلاقة التي تحدث عنها ” كندرانوف”(-) يتشكل المكان بواسطة الأداء اللغوي، إذ أن كل لغة لها مجموعة من التصورات، تتجسد بواسطتها لتشكل رؤيتنا للعالم والأشياء.

إن البنية المكانية تتحول إلى نسق لغوي – مثلما أوضحت الباحثة سابقاً – وتتحول إلى بنية ذهنية لأنها – كما ترى الدكتورة ” سيزا قاسم” تمثل عملية تجسيد لبعض الأفكار الذهنية.

وليس معنى هذا أن ينفصل المكان الفني عن المكان الواقعي تمام الانفصال وإنما يحدث تبادل للعلاقة مع المكان بوصفه تجربة وجودية، وهذا ما أكده “ميخائيل باختين” (-) بقوله “إن العمل والعالم المصور فيه يدخلان العالم الفعلي ويغنيانه، والعالم الفعلي يدخل العمل والعالم المصور فيه أثناء عملية الخلق كما في سيرورة حياته، اللاحقة في التجدد الدائم للعمل وفي الإدراك الخلاَّق من قبل السامع القارئ المشاهد لهذا العمل إن عملية التبادل هذه زمكانية بالطبع، فهي تتم قبل كل شيء في عالم اجتماعي متطور تاريخياً ولكن دون انفصال أيضاً عن المكان التاريخي المتغير) ([3]).

فباختين يؤكد وجود عالمين، عالم فعلي، وعالم مصور، وعلى الفنان الحاذق أن يمزج بين هذين العالمين، فالعالم المصور يغني العالم الفعلي ، والعالم الفعلي يغني العمل والعالم المصور، فهي عملية تبادلية يغني كل منهما الآخر.

فالمكان في العالم الخارجي يختلف عن المكان في العمل الفني، حتى وإن اتفق معه في الاسم أو الوصف، فهو متخيل لفظي صنعته اللغة ورسمه خيال المؤلف واستقبله خيال القارئ؛ ليضفي عليه بعض سماته الشخصية، وقد يتقابل المكان في العمل الفني مع بيت الطفولة لدى المتلقي مما يستدعي لدى هذا المتلقي مرحلة الطفولة وما أحاط بها من ذكريات، وتبدأ الذاكرة في استدعاء ما كان بينه وبين هذا المكان، تلك التي أسماها غاستون باشلار (أحلام اليقظة) أو ( تعليق القراءة)، والتي يقصد بها أن يقوم القارئ بتعليق  قراءة العمل الأدبي حتى الانتهاء من عملية الاسترجاع أو التذكر، ثم يعود مرة أخرى لمواصلة قراءة العمل بعد الانتهاء من هذا الاسترجاع. فـ ” القارئ الذي يقرأ الحجرة يضع الكتاب جانباً ليسترجع مكاناً ينتسب إلى ماضيه … حيث إن قيم الألفة تمتلك جاذبية تجعل القارئ يتوقف عن قراءة حجرتك”([4]).

ويعد المكان في العمل الفني تشكيلاً إبداعياً من الدرجة الأولى يتم حسب رؤية المبدع، أما المتلقي/ القارئ فقد لا يعنيه كثيراً أن يرى في العمل الأدبي مكاناً بعينه معروفاً لديه، بقدر ما يعنيه  ما يثيره هذا المكان في أعماقه.

[2]

– أنواع المكـان:

يقسم “غالب هلسا” الأماكن إلى ثلاثة أنواع:

1)   المكان المجازي: ساحة وقوع الأحداث.

2)   المكان الهندسي: هو الذي يصوره العمل الفني ونعيش مسافاته وأبعاده.

3) المكان بوصفه تجربة: تحمل معاناة الشخصيات وأفكارها ورؤيتها للمكان وجذب خيال المتلقي فيستحضره بوصفه مكاناً خاصاً متميزاً. ([5])

إن التحليل الفني لا يعني بالوصف الفيزيائي للمكان، لأنه لا يقوم بفتح فضاء النص الأدبي، وإنما ينفتح فضاء النص من خلال النوع الثالث الذي تحدث عنه الكاتب، فالمكان في العمل الفني يمثل معاناة الشخصيات، ومن خلال هذه المعانة تنبثق رؤيتها للمكان.

ولكي يخرج الكاتب من محدودية المكان إلى فضاء النص عليه أن يستعين بكل التقنيات الفنية من تسمية المكان، ووصف أجزائه، وامتداد أبعاده، وتنوع دلالاته وعلاقته بالشخصيات المحيطة به، وبيان اختلاف منظورها إليه. فمن خلال هذه التقنيات الفنية ينتقل الكاتب أو المبدع من محدودية المكان إلى فضاء النص .

فهل يعد وصف المكان من هذا المنظور مجدياً في العمل الفني؟ أم أنه مجرد عملية لإطالة السرد؟

وإذا كان النقاد يتفقون على أهمية الوصف في النص السردي، فإن (الوصف يقوم على مبدأين متناقضين، هما الاستقصاء والانتقاء، وقد قامت الخلافات بين الكتاب على أيهما أكثر واقعية، وأيهما أكثر تعبيراً أما “بلزاك” فقد كان من أنصار الاستقصاء ولم يترك تفصيلاً من تفاصيل المشهد إلا ذكره، ويرى “ستندال” أن الوصف القائم على التفاصيل يحد خيال القارئ ويقتله، فكان يفضل الخطوط العريضة) ([6]).

فالروائيون أنفسهم يختلفون حول مدى أهمية الوصف في العمل الفني، فبينما يرى بلزاك ضرورة استخدام الوصف بمبرر أنه يثري العمل الأدبي من خلال رصد التفاصيل، فإن “ستندال” يرى أن الوصف يحد من خيال القارئ، ومن ثم فهو لا يميل إلى استخدامه.

وتخلص الباحثة إلى أن وصف المكان – في العمل الروائي-  ليس غاية في حد ذاته؛ وإنما هو وسيلة يتخذها الكاتب للوصول إلى فضاء النص، وللتخلص من محدودية المكان، إلى رحابة الفضاء النصي بما له من علاقات متداخلة بكل من الشخصيات والأحداث في تلاحمهما وتفاعلهما.

[3]

المكان/ الفضاء:

تناول النقاد العلاقة بين المكان والفضاء في النص السردي، ومدى تداخلهما. وأولى مراحل التعرف على حدود هذه العلاقة تتمثل في طرح تعريف الفضاء، الذي يراه “حسن بحراوي” (شبكه من العلاقات والرؤيات ووجهات النظر التي تتضامن مع بعضها لتشييد الفضاء الروائي الذي تجري فيه الأحداث) ([7]).

أما عند “سعيد يقطين” فإنه (يشير إلى ما هو أبعد وأعمق من التحديد الجغرافي وإن كان أساسياً، لأنه يسمح بالبحث في فضاءات تتعدى المحدود والمجسد لمعانقة التخييلي والذهني، ومختلف الصور التي تتسع مقولة الفضاء).([8])

فمن خلال هذين الطرحين ترى الباحثة أن المكان يمثل جانباً جزئياً، أما الفضاء فهو يمثل الجانب الكلي الذي يحتوي– بالضرورة- في داخله على المكان. ويؤكد ذلك هيدجر في حديثه عن علاقة المكان بالفضاء”إن الجسر مكان .وهو كشئ يصنع فضاء ، تندمج فيه السماء والأرض ..إن الفضاءات التي نقطعها يوميا(مهياة) بواسطة الأمكنة التي يتأسس وجودها على أشياء هي من قبيل العمارات”([9]) فالفضاءات تصنع بواسطة الأمكنة وتعالقها مع الرؤى والشخصيات والأزمنة…إلخ

[4]

–  الفضاء النصي/ والفضاء الروائي:

الفضاء النص textual space هو(فضاء مكاني ، لأنه لا يتشكل إلا عبر المساحة، مساحة الكتاب وأبعاده، غير أنه مكان محدود ولا علاقة له بالمكان الذي يتحرك فيه الأبطال، فهو مكان تتحرك فيه – على الأصح – عين القارئ، هو إذن بكل بساطة فضاء الكتابة الروائية باعتبارها طباعة) ([10]).

إن الفضاء الروائي شمولي، إنه يشير إلى (المسرح الروائي بكامله والمكان يمكن أن يكون فقط متعلقاً بمجال جزئي من مجالات الفضاء الروائي.

الفضاء الروائي: من الممكن أن نمثله بهذا الرسم:

فمن خلال تداخل هذه العناصر وتعالقها تظهر بنية الفضاء الروائي  “فالمكان لا يعيش منعزلاً عن باقي عناصر السرد وإنما يدخل في علاقات متعددة مع المكونات الحكائية للسرد كالشخصيات والأحداث والرؤيات السردية، وعدم النظر إليه ضمن هذه العلاقات والصلات يجعل من العسير فهم الدور النصي الذي ينهض به الفضاء داخل السرد”([11]).

فالبنية الروائية تنطوي من خلال حيز اللغة على إمكانية تفاعل قوى النص وهي الزمن والشخصيات ووجهات النظر.

فلا يمكن تمثل الروائي دون تمثل الحركة الدائر فيه.

[5]

– تجليات المكان الروائي:

تعود قيمة المكان وأهميته في الكتابات الأدبية عموماً والكتابات الروائية على وجه الخصوص، إلى كون المكان حاوياً لبنية الرواية؛ فهو ينسج علاقات نصية مع الشخصيات والأحداث والزمن حتى يتحول عن كونه مكاناً تدور فيه الأحداث وتلتحم به الشخصيات إلى فضاء حاوٍ لكل مكوناتها.

وقد يختار الكاتب مسمىً معيناً للمكان ثم يجعله عنواناً لروايته كما فعل “نجيب محفوظ” (1911-2006) في كثير من رواياته مثل “خان الخليلي”(1945) و “زقاق المدق” (1947) و”ميرامار” (1965) و”ثرثرة فوق النيل” (1966) وغيرها. ربما لإيهام المتلقي بواقعية الأحداث، وهذا ما فعله الروائي “علاء الأسواني” في روايته “عمارة يعقوبيان”([12])؛ حيث اتخذ من اسم العمارة عنواناً لروايته، واستقرار الأحداث في مكان محدد يجعل من هذا المكان بؤرة رئيسة لالتقاء الأحداث، ويصبح المكان هو البطل الأساس لهذا العمل الأدبي، يحرك الشخصيات ويشكل الأحداث، ويلعب دوراً محورياً في تطور أحداث الرواية ومصائر أبطالها.

[6]

أ- عمارة يعقوبيان:

انطلاقاً من عتبات النص وهو العنوان:(عمارة يعقوبيان)، يواجه القارئ سطوة مكانية منذ الغلاف الخارجي للرواية، حيث يعد العنوان تساؤلاً محاطاً بالغموض في انتظار الإجابة عنه من داخل العمل الروائي، والقارئ يلج إلى عالم الخطاب من خلال فك شفرة العنوان وتحليلها؛ ليصل إلى دلالات الخطاب. ويحيل العنوان القارئ إلى مكان محدد وثابت وهو: (عمارة يعقوبيان)، وتأتي الإضافة هنا للتخصيص وكأن هذه العمارة تختلف عن باقي العمارات الأخرى.

لقد رسم الكاتب خريطة المكان بالكلمات، فتوقف عند معالمه الأساسية، حيث إنه “في عام 1934م فكر المليونير هاجوب يعقوبيان عميد الجالية الأرمينية في مصر آنذاك، في إنشاء عمارة سكنية تحمل اسمه فتخير لها أهم موقع في شارع سليمان باشا، وتعاقد لبنائها مع مكتب هندسي إيطالي شهير وضع لهما تصميماً جميلاً: عشرة أدوار شاهقة من الطراز الأوروبي الكلاسيكي الضخم: الشرفات مزدانة بتماثيل لوجوه إغريقية منحوتة على الحجر، والأعمدة والدرجات والممرات كلها بالرخام الطبيعي، والمصعد ماركة شندلر على أحدث طراز. استمرت أعمال البناء عامين كاملين خرجت بعدهما تحفة معمارية جاوزت كل توقع، لدرجة جعلت صاحبها يطلب من المهندس الإيطالي أن ينقش على بابها من الداخل اسم (يعقوبيان) بحروف لاتينية كبيرة تضاء ليلاً بالنيون وكأنه يخلد اسمه ويؤكد ملكيته للمبنى البديع، وقد سكن في عمارة يعقوبيان صفوة المجتمع في تلك الأيام: وزراء وباشوات من كبار الإقطاعيين، ورجال صناعة أجانب، واثنان من مليونيرات اليهود (أحدهما من عائلة موصيرى المعروفة) ص40.

فهذه الحقبة التي أرخ لها الكاتب مثلت مرحلةً مميزة في تاريخ المجتمع المصري، إذ ضمت طوائف متعددة، لعب فيها الأجانب أدواراً مميزةً في النسيج الاجتماعي المصري،وشكلوا بنية اجتماعية وأرستقراطية امتلكت العمارات والبارات والمحلات والسيارات الفارهة.

لقد عُنيَ الكاتب بوصف العمارة: خارجياً وداخلياً؛ ليبرهن على أرستقراطية تلك الطبقة. فإذا “كانت نقطة انطلاق الروائي في التقاليد الواقعية هي الواقعية، فإن نقطة الوصول ليست هي العودة إلى عالم الواقع، إنها خلق عالم مستقل، له خصائصه الفنية التي تميزه عن عيره”([13]).

فعندما استعان الكاتب بوصف المكان أو باسم العمارة، فإنه لم يكن يسعى إلى تصوير المكان الخارجي/ الواقعي، وإنما كان يسعى إلى تصوير المكان الروائي/الفني، وأي مطابقة بين المكان الواقعي والمكان الروائي هي مطابقة غير صحيحة، فاستعانة الكاتب بالتسمية أو الوصف ما هي إلا لإثارة خيال المتلقي وتحفيزه على التصور عن طريق استحضار الواقع ووصفه.

كما أن دلالة المكان في الرواية تختلف عنها  في الواقع- حتى وإن كان المكان يحمل الاسم نفسه- لأن الكاتب يتعرض للمكان من خلال وجهة نظر الشخصيات الناظرة إليه.

فالكاتب حين يتخير اسماً حقيقياً للمكان؛ فإنما يكون ذلك من باب إيهام المتلقي بواقعية الأحداث وصدقها، ولكن يظل المكان الروائي – في النهاية- مكاناً متخيلاً؛ يبدعه الكاتب ويعيد تشكيل معالمه وفق رؤيته الخاصة.

ويسهب السارد في وصف معالم العمارة بقوله:”انقسم أسفل العمارة بالتساوي بين جراج متسع له أبواب متعددة من الخلف حيث تبيت سيارات السكان (ومعظمها من طرازات فخمة مثل الرولز رويس والبويك والشيفروليه)، وفي الواجهة محل كبير على ثلاث نواحٍ خصصه يعقوبيان كمعرض للمنتجات الفضية من إنتاج مصانعه، وظل هذا المعرض يعمل بنجاح على مدى أربعة عقود … وفوق سطح العمارة الفسيح خصصت حجرتان بمنافعهما لإقامة البواب وأسرته، وفي الناحية الأخرى من السطح تم بناء خمسين غرفة صغيرة بعدد سقف العمارة، لا تتجاوز مساحة الغرفة مترين، جدرانها وأبوابها جميعاً من الحديد الصلب وتغلق بأقفال تسلم مفاتيحها لأصحاب الشقق- وكانت للغرف الحديدية أغراض متعددة آنذاك مثل تخزين المواد الغذائية، ومبيت الكلاب (إذا كانت كبيرة الحجم أو شرسة)، وأيضاً غسيل الثياب الذي كانت تقوم به آنذاك غسالات متخصصات (قبل انتشار الغسالة الكهربائية) يغسلن في الغرفة وينشرن الغسيل على الحبال الطويلة الممتدة بعرض السطح … لم تستعمل الغرف الحديدية قط في مبيت الخدم) ص40، 41.

لقد أفرط الكاتب في وصف العمارة بتفاصيل قد تبدو صغيرة وغير مهمة- غير أن هذا الإفراط في الوصف لم يأت من قبيل الزخرفة أو الزينة؛ بقدر ما كان محاولة “لتجسيد مشهد من العالم الخارجي في لوحة مصنوعة من الكلمات، والكاتب عندما يصف لا يصف واقعاً مجرداً، ولكنه واقع مشكل تشكيلاً فنياً، وإن الوصف في الرواية هو وصف لوحة مرسومة، أكثر منه وصف واقع موضوعي([14]).

لقد ارتبط هذا الوصف بحقبة تاريخية سبقت ثورة 1952م، وباتت عمارة يعقوبيان لا تمثل موقعاً جغرافياً أو إطاراً للأحداث، بقدر ما أصبحت مكاناً له سيادة مطلقة في إنتاج الشخوص والأحداث، ويسهم في خلق علاقات إنسانية تحمل أبعاداً فنية وفلسفية وإيديولوجية.

فقبل الثورة أنتجت زكي باشا المعبر عن الشخصية الأرستقراطية التي مثلت شريحة من شرائح المجتمع المصري في حقبة اتسمت بهيمنة الطابع الأرستقراطي.

وبعد الثورة “هاجر اليهود والأجانب خارج مصر وكانت كل شقة تخلو بهجرة أصحابها يستولي عليها أحد ضباط القوات المسلحة أصحاب النفوذ في ذلك العهد. حتى جاءت الستينيات فصارت نصف العمارة يسكنها ضباط من رتب مختلفة من أول ملازمين ونقباء حديثي الزواج وصولاً إلى اللواءات الذين كانوا ينتقلون بأسرهم الكبيرة إلى العمارة، بل إن اللواء الدكروري (مدير مكتب الرئيس محمد نجيب في وقت ما) استطاع أن يحصل على شقتين كبيرتين متجاورتين في الدور العاشر؛ خصص واحدةً لسكنه وأسرته والأخرى كمكتب خاص يلتقي فيه بأصحاب الحاجات … وقد بدأت زوجات الضباط في استعمال الغرف الحديد بطريقة مختلفة، فصارت لأول مرة أماكن مبيت للسفرجية والطباخين والشغالات … وبعضها لتربية الدواجن ص42.

ربما لا يخرج المشهد المكاني بالنسبة للقارئ عن كونه توصيفاً مصوراً للمكان، ولكن الأمر ليس كذلك؛ فالكاتب يقود قارئه إلى هذا التشكيل المكاني المتكرر للعمارة لأنه يرصد من خلال هذا التشكيل التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري، فكل وصف يمثل مرحلة في تاريخ المجتمع المصري سواء كان قبل ثورة 1952م، أو بعدها، ومثل هذا النوع من السرد والوصف المسهب لمكان ذي طبيعة خاصة يمنح الرواية ثراء فنياً وفكرياً يثرى خبرة القارئ ويجعله أكثر معرفة بالمكان والعالم المحيط به، فيتفاعل معه: معايشة وتخيلاً، كما أن الكاتب لا يتعامل مع المكان بحدوده الجغرافية فحسب، وإنما يتعامل معه كحيز إنساني يشكل أنماطاً للعلاقات الإنسانية.

إنه لا يعنى بوصف المكان فقط ولكن بوصف الحالات الإنسانية داخله، فعمارة يعقوبيان هي مجرد مسمى بالنسبة لمساح الأراضي أو الجغرافيين، ولكنها – بالنسبة للمؤلف- هي نماذج إنسانية وحالات مليئة بالإسقاطات والإيحاءات.

والمتأمل في السرد المختص بوصف العمارة قبل عام 1952م يجده مختلفاً عنه بعد عام 1952م، ولا يقتصر الأمر على الملامح البنائية الخارجية للعمارة، بل يمتد إلى رصد تقسيماتها الداخلية وإعادة استخدام بعض منشآتها في صور جديدة تختلف عن سابقاتها، ويسري هذا الأمر على الجراج، والشقق، وبالأخص السطح الذي تم تقسيمه إلى خمسين غرفة حديدية منفصلة، وكما يخلق المكان الشخصية، فإن الشخصية قد تعيد صياغة المكان، بما يتناسب مع طبيعة التحول الاجتماعي والسياسي الذي أعقب الثورة، وترتب عليه وفود شخصيات ذات صبغة اجتماعية خاصة تصاعدت مع الثورة، وبذلك أسهمت هذه التغيرات الجديدة في إعادة صياغة المكان،  حيث سكنها أعضاء الحكومة، المنتمين إلى أفكار الحزب الواحد، وتحولت سلطة أصحاب النفوذ في المجتمع المصري من يد “الأجانب” إلى يد (ضباط القوات المسلحة)، وأثر هذا التغيير على سكان السطح. ويمكن إيضاح هذه الفكرة بالرسم التالي:

العلاقة بين شقق العمارة والجراج والسطح علاقة تكاملية كما أن طبقة أصحاب النفوذ من خارج المجتمع المصري.

العلاقة بين شقق العمارة والجراج والسطح علاقة خدم يعيشون تحت أقدام سادتهم. وتحولت طبقة النفوذ إلى داخل المجتمع المصري.

لقد تغيرت طبقة النفوذ في المجتمع المصري من طبقة خارج المجتمع المصري (الأجانب) إلى طبقة داخل المجتمع المصري (ضباط الثورة). وتغير معهم التوزيع السكاني للعمارة فقد سكن الضباط الشقق الفارهة، وسكن الفقراء غرف الكلاب فوق سطح العمارة.

وهذا المدلول الذي يشير إليه الكاتب هو مدلول خطير، فقد عامل الأجانب الخدم – وهم يمثلون الطبقة الفقيرة في المجتمع المصري- معاملة آدمية وأسكنوهم الشقق معهم أو خصصوا لهم مسكناً مناسباً، أما في فترة (ما بعد الثورة) فقد تحولت طبقة النفوذ من طبقة خارج المجتمع إلى طبقة داخل المجتمع (ضباط الثورة)؛ فقد أسكنوا الخدم غرفاً كانت تستخدم لمبيت الكلاب أو للغسيل.

وهنا إشارة إلى أهداف الثورة التي أتت من أجل رفع المعاناة عن الطبقة الكادحة؛ فإذا بهذه الطبقة تزداد حالتها سوءاً. وليؤكد أن ما حدث كان بعلم السلطة في تلك الفترة، حتى أن مدير مكتب الرئيس أخذ شقتين في العمارة نفسها.

ويعيد الكاتب رصد المشهد المكاني للعمارة في مرحلة السبعينيات مرة أخرى فيقول:” ثم جاء الانفتاح في السبعينيات وبدأ الأثرياء في الخروج من وسط البلد إلى المهندسين ومدينة نصر، وباع بعضهم شققهم في عمارة يعقوبيان وخصصها البعض الآخر كمكاتب وعيادات لأبنائهم حديثي التخرج، أو قاموا بتأجيرها مفروشة للسياح العرب … وكانت النتيجة أن انقطعت الصلة شيئاً فشيئاً بين الغرف الحديدية وشقق العمارة وتنازل السفرجية والخدم القدامى مقابل المال عن غرفهم الحديدية لسكان فقراء جدد قادمين من الأرياف أو يعملون في مكان ما في وسط البلد ويحتاجون إلى مسكن قريب ورخيص) ص43.

إن الكاتب من خلال إحالاته التاريخية لمراحل (الخمسينيات- الستينيات- السبعينيات) يشير إلى علاقة تلازمية بين الزمان والمكان، فلا يمكن إدراك حركة الزمن إلا من خلال المكان وتحولاته، ويمضي الكاتب في وصف العمارة وفق النسق التقليدي للزمن: (ماض- حاضر- مستقبل) إذ يمثل هذا التدرج الزمني تاريخ العمارة الذي يتداخل مع تاريخ ساكنيها، وحين يكشف الكاتب عن الفترة الزمنية فإنه يكون بمثابة تصريح منه بمصاحبة الحركة المكانية للحركة الزمانية، وتعبر فترة السبعينيات التي يشير إليها المقطع الروائي السابق عن مرحلة جديدة في حياة المجتمع المصري، عبرت عنها التحولات التي طرأت على عمارة يعقوبيان، والتي يمكن تصويرها في إطار الشكل التالي:

عندما تفشت ظاهرة الانفتاح الاقتصادي في المجتمع المصري أدى ذلك إلى اتساع الهوة بين قلة غنية وكثرة فقيرة، كما أدى إلى انهيار الطبقة الوسطى واختفائها؛ وتحولت طبقات المجتمع إلى أثرياء يسكنون (المهندسين- ومدينة نصر) أو معدمين يسكنون (العشوائيات، والسطوح). وانتهت الصلة التي كانت تربط بين شقق العمارة والجراج والسطح، إذ أصبح السطح عالماً والشقق عالماً آخر. وعدنا مرة أخرى إلى المجتمع ذي التميز الطبقي حيث الغنى الفاحش في مقابل الفقر المدقع.

وقد أدت هذه العزلة بين أجزاء العمارة إلى عزلة أخرى فُرِضَتْ على طبقات الشعب، عزلةٍ سياسية واجتماعية واقتصادية؛ كشفت لنا ظهور طبقة جديدة في المجتمع المصري بعد الانفتاح وهي طبقة المهمشين، انتمي إليها معظم أبطال الرواية “وانتهى الأمر بنشأة مجتمع جديد فوق السطح مستقل تماماً عن بقية العمارة، استأجر بعض القادمين غرفتين متجاورتين وصنعوا منها سكناً صغيراً بمنافعه- دورة مياه وحمام- بينما تعاون البعض الآخر- الأكثر فقراً- ليصنعوا حماماً مشتركاً لكل ثلاث أو أربع غرف، وصار مجتمع السطح لا يختلف عن أي مجتمع شعبي آخر في مصر) ص43.

فعمارة يعقوبيان تتجاوز كونها بنيةً سكنية، وتتحول إلى متحدث رسمي وشاهد عيان على التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري، جاعلةً من ساكنيها أبطالاً يعبرون من خلال علاقاتهم بالمكان عن أزمة هذه الشخصيات.


[7]

ب- وسط البلد:

يتحول وسط البلد إلى بؤرة الأحداث عند الكاتب، حيث تقع عمارة يعقوبيان في واحد من أهم شوارعه، ولقد “ظلت وسط البلد لمائة عام على الأقل- المركز التجاري والاجتماعي للقاهرة؛ حيث تقع أكبر البنوك والشركات الأجنبية والمحال التجارية وعيادات ومكاتب مشاهير الأطباء والمحامين ودور السينما والمطاعم الفاخرة ولقد شيدت النخبة القديمة في مصر وسط البلد لتكون الحي الأوروبي للقاهرة، حتى أنك في كل العواصم الأوروبية ستجد شوارع تشبهها … نفس الطراز المعماري والمسحة التاريخية العريقة، وظلت وسط البلد حتى مطلع الستينات محتفظة بطابعها الأوروبي الخالص” ص64.

والكاتب في إطار الوصف يركز على تقاطعات كثيرة بين الزمان والمكان، متتبعاً أسلوب الوصف في عمارة يعقوبيان حيث بدأ بوصف العمارة في مرحلة ما قبل الثورة ليشير إلى الحقبة التاريخية التي كانت السيادة فيها للطبقة الأرستقراطية التي كانت لها طقوسها الخاصة وسماتها المميزة التي انعكست ملامحها على الشكل العام للمدينة، حتى إن المشي في وسط البلد كان يحتاج إلى طقوس معينة تختص بالمظهر والأناقة، “والمخضرمون لاشك يذكرون تلك الأناقة … فلم يكن من اللائق أبداً أن يتجول أبناء البلد بجلابيبهم في وسط البلد، ويستحيل قبولهم بهيئتهم الشعبية تلك في مطاعم مثل جروبي والأمريكيين والأونيون أو حتى سينما مترو وسان جيمس وراديو وغيرها من الأماكن التي كان ارتيادها يقتضي ارتداء البدل الكاملة للرجال وفساتين السهرة للنساء، وكانت المحلات جميعاً تغلق أبوابها يوم الأحد وفي الأعياد المسيحية الكاثوليكية مثل الكريسماس ورأس السنة، كانت وسط البلد تزدان عن آخرها وكأنها في عاصمة غربية، فتتألق الواجهات الزجاجية بتهاني العيد المكتوبة بالفرنسية والإنجليزية وأشجار السابان والدمى التي تمثل بابا نويل، وتزدحم المطاعم والبارات بالأجانب والأرستقراطيين الذين يحتفلون بالشراب والغناء والرقص” ص64، 65.

أنه يُحِيل وسط البلد إلى مرحلة زمنية محددة كان للنفوذ الأجنبي فيها  السطوة والهيمنة على المكان، ومن الملاحظ أن الكاتب يكرر الوصف نفسه مميزاً تلك الفترة بالأرستقراطية مشيراً إلى سطوة النفوذ الأجنبي من خلال إسهابه في وصف العمارة، مبتدئاً من وصف الجزئيات حتى يصل إلى الكليات، فقد وصف العمارة ثم الشارع الذي تطل عليه، ثم وسط البلد الذي تقع فيه. وهذا التدرج في الوصف يعمد إلى تصوير الواقع  من خلال التقاط جزئيات نثيرة منه، تاركاً مخيلة المتلقي تقوم بجمعها وإعادة ترتيب جزئياتها ومحاولة تلمس معالم المكان الروائي بأبعاده المختلفة.

ولأن عملية الوصف لا تعنى في جوهرها  بنقل الأشكال والألوان؛ بقدر ما تعنى بتهيئة مخيلة المتلقي ليقوم بإعادة ترتيب هذه الأشكال والألوان حسب تلقيه وفي إطار ربطها بالشخصيات التي تتفاعل معها.

فمن خلال عنصر الوصف ينقل لنا الكاتب ثقافة مجتمع متحضر حوى كل الطبقات، وتعامل معها بل وتفاعل معها أيضاً.

ثم ينتقل الكاتب من خلال هذا الوصف إلى فضاء ثقافي آخر يعبر من خلاله عن فترة تمايز للشخصية المصرية التي أثر فيها المكان بأبعاده الكلية وحفر فيها خصائصه وملامحه.

فالبيت ينم عن صاحبه. والمكان يدل على ساكنيه، فإذا كانت هذه صفات المكان فهي أيضاً صفات ساكنيه.

وإذا عدنا إلى استكمال المشهد المكاني الذي بدأه الكاتب نجده ينتقل من وصف وسط البلد إلى وصف البارات الموجودة في تلك المنطقة يقول: “وحفلت وسط البلد دائماً بالبارات الصغيرة حيث يستطيع الناس في أوقات الراحة والعطلات أن يتناولوا بضع كئوس وأطباق شهية من المزة بسعر معقول، وكانت بعض البارات في الثلاثينيات والأربعينيات تقدم مع الشراب عروضاً صغيرة مسلية لعازف يوناني أو إيطالي أو فرقة من راقصات أجنبيات يهوديات، وحتى نهاية الستينيات كان في شارع سليمان باشا وحده ما يقرب من عشرة بارات صغيرة” ص65.

نشعر من الوصف المسهب لتلك الحفية التاريخية أن الكاتب يتلذذ بذكرها كحال المحب في الشعر الجاهلي حينما يكرر اسم محبوبته وكأنه يلقى علينا اللوم ويتباكى على حال البلد فحينما كانت في يد الأجانب كانت تتسم بهذه الصفات التي تنم عن التناسق والاتساق والخصوصية التي ينعم بها الأشخاص في تلك الحقبة، ثم ينتقل الوصف إلى مرحلة أخرى يقول: “ثم جاءت السبعينيات فبدأت وسط البلد تفقد أهميتها شيئاً فشيئاً، وانتقل قلب القاهرة إلى حيث تعيش النخبة الجديدة في المهندسين ومدينة نصر، واجتاحت المجتمع المصري موجة كاسحة من التدين؛ فلم يعد من المقبول اجتماعياً أن تشرب الخمر، واستجابت الحكومات المصرية المتعاقبة إلى الضغط الديني (ولعلها زايدت سياسياً على التيار الإسلامي المعارض لها) فقصرت بيع الخمور على الفنادق والمطاعم الكبرى، وامتنعت عن إصدار تراخيص لبارات جديدة” ص65.

يشير الكاتب هنا إلى فترة السبعينيات وتفشي ظاهرة الانفتاح الاقتصادي التي كانت سبباً في زلزلة كيان المجتمع المصري، واتساع الهوة بين قلة غنية وكثرة فقيرة وما رافق ذلك من انحدار القيم والمفاهيم وانتشار الرشوة والفساد.

بدأت تبحث هاتان الطبقتان عن مخرج لهما، فكانت الفنادق الكبرى والمطاعم التي أشار إليها الكاتب أماكن لترفيه الطبقة الغنية، ولم تجد الطبقة الفقيرة مكاناً لها فلجأت إلى الله ليرفع عنها هذا البلاء؛ فانضم بعض أفراد تلك الطبقة إلى جماعات المد الديني الموجودة في تلك الفترة، وتغيرت ثقافة المجتمع التي كانت سائدة من الخمسينات والستينات. لتساندها التغيرات السياسية والاقتصادية، والاجتماعية.

ويكمل لنا المشهد المكاني لوسط البلد في فترة الثمانينيات يقول: “وهكذا بحلول الثمانينيات، لم يتبق في وسط البلد كلها سوى بضعة بارات صغيرة متناثرة استطاع أصحابها الصمود في وجه المد الديني والاضطهاد الحكومي، وتم ذلك بطريقتين: التخفي والرشوة… فلم يعد أي بار في وسط البلد يعلن عن وجوده، بل صارت كلمة بار في اللافتات تستبدل بكلمة مطعم أو كافي شوب، وتعمد أصحاب البارات ومستودعات الخمور أن يطلوا زجاج محلاتهم بلون داكن لا يظهر ما يجرى بالداخل أو يضعوا في واجهاتها مناديل ورقية أو أية بضاعة لا تنم عن نشاطهم الحقيقي” ص66.

لقد أكتفي الكاتب أثناء وصف عمارة يعقوبيان بقترة السبعينات وظهور طبقة المهمشين ليتخذ منهم أبطالاً لروايته فهذه الطبقة هي السائدة في العمل الروائي إلى جانب طبقات أخرى.

أما وصف وسط البلد فقد امتدا حتى الثمانينيات ليعلن من خلاله عن ظهور ثقافة جديدة في الشارع المصري. ثقافة التدين في مقابل ثقافة الانحلال. وقد جسد المد الديني ثقافة التدين، وجسدت البارات ثقافة الانحلال.

يقول: “لزيادة الدخل اتجه بعضهم إلى تسهيل الدعارة عن طريق استعمال الساقطات في تقديم الخمور” ص66.

ويقول: “لم تعد البارات الصغيرة المتبقية في وسط البلد أماكن رخيصة ونظيفة للترفيه، كما كانت في السابق، بل صارت أوكاراً سيئة الإضاءة والتهوية يرتادها زبائن من الرعاع والمشبوهين في أغلب الأحيان…. مع وجود استثناءات نادرة لهذه القاعدة مثل بار مكسيم في الممر ما بين شارعي قصر النيل وسليمان باشا وبار شينو الذي يقع تحت عمارة يعقوبيان/ ص67.

لقد اختفي المظهر الحضاري من وسط البلد ليطل علينا منظر أخر قبيح، جسده من خلال وصف البارات وزوارها في مرحلة الثمانينيات. ففي فترة الخمسينيات والستينيات كان روادها من أصحاب المال والنفوذ أما في الثمانينيات فقد أصبح روادها من المشبوهين والرعاع. وكما قلنا سابقاً فالمكان ينم عن ساكنيه، فلم تعد هذه البارات رخيصة ونظيفة للترفيه بل أصبحت قذرة وقد تسبب في بعض الوفيات من سوء استخدامها.

فهذا الوصف وسيلة لخلق فضاء روائياً، ولا يتحقق الفضاء الروائي إلا حينما يصبح المكان حاوياً للشخصيات ومتفاعلاً معها، أن العلاقة بين الأمكنة المتعددة هي التي تخلق هذا الفضاء مثل علاقة العمارة بشارع سليمان باشا، وعلاقة الشارع وسط البلد بالبارات الموجودة فيه هذه العلاقات المتداخلة هي التي تنتج لنا فضاء روائياً.

يحمل الكثير من الدلالات والإحالات، وبذلك يكون المكان في الرواية عنصراً فاعلاً مثل عناصرها فيكون سبباً في تطورها وفي علاقة الشخصيات بعضها ببعض.

[8]

ج- البارات:

لقد كان للبارات بوصفها مكاناً دور في تشكيل بعض شخصيات الرواية، كما استخدمها الكاتب في بعض الأحيان تمهيداً لظهور شخصية من شخصياته تنتمي إلى هذا المكان، ومن البارات التي تم وصفها في الرواية بار (كايرو) وبار (شينو) وبار (مكسيم) فقد استخدم هذه البارات كمقدمات لظهور بعض الشخصيات وربطها بشخصيات أخرى في الرواية فقد كان وصف بار (كايرو) سبباً لظهور شخصية (رباب) عشيقة (زكي بك الدسوقي).

يقول: “…. مكان قذر ضيق سيئ الإضاءة والتهوية….. يكاد يختنق من الزحام ودخان السجائر الكثيف، ويوشك على الصمم من الصوت العالي لجهاز التسجيل الذي لا يتوقف لحظة عن بث الأغاني المنحطة البذيئة، ناهيك عن المشاحنات المقذعة والتشاجر بالأيدي بين رواد المحل، وهم خليط من الحرفيين والمشبوهين وشذاذ الآفاق، وكئوس البراندي الرديء الحارق للمعدة الذي يضطر إلى تجرعه كل ليلة، والمغالطات الفاحشة في فواتير الحساب التي يغض النظر عنها بل ويترك أيضاً بقشيشاً كبيراً للمحل وبقشيشاً آخر أكبر يدسه في فتحة صدر فستان رباب” ص39.

ورباب إحدى عشيقات “زكي بك” وهي تنتمي إلى هذا المكان القذر فشخصيتها جزء من هذا المكان، يصطحبها زكي إلى شقته فتُسْكِرهُ وتسرق أشياء ثمينة من الشقة.

لقد لجأ الكاتب إلى وصف البار ليشعرنا بمدى العناء الذي يكابده “زكي بيك” في اصطياد عشيقاته. ويكشف لنا من خلال هذا الوصف جزء من شخصية (زكي بيك). التي تميل إلى الانحلال رغم انتماءه إلى الطبقة الارستقراطية التي انقرضت منذ الستينات ولكن ظل يكابد من أجل البقاء.

بار (شينو) Cheznous كلمة فرنسية معناها “في بيتنا”، ينخفض المكان عن مستوى الشارع ببضع درجات، الإضاءة خافتة ظليلة حتى أثناء النهار بفضل الستائر السميكة، والبار الكبيرة إلى اليسار والموائد المتراصة على شكل “بنشات” من الخشب الطبيعي المطلي بلون غامق، الفوانيس العتيقة على طراز فيينا والأعمال الفنية المنحوتة من الخشب والبرونز المعلقة إلى الحائط والكتابة اللاتينية على المفارش الورقية وأكواب البيرة الضخمة، كل ذلك يعطى البار شكل البب Pub الإنجليزي” ص67.

وفي الصيف “ما إن تدلف إلى بار شينو تاركاً وراءك شارع سليمان باشا بضوضائه وحره وزحامه وتجلس لتحتسي الجعة المثلجة وسط السكون والتكييف القوى والإضاءة الخافتة المريحة… حتى تشعر بالخصوصية أكثر ما يميز بار شينو الذي اشتهر أساساً كمكان للقاء الشواذ جنسياً” ص67.

إن البنية المكانية على المستوى الفيزيائي المحسوس ليست هي ما يشغل الروائي ولكنه قد ينقل لنا من خلال هذه البنية المكانية دلالات تفيد في فهم النص الروائي، فقد أشار الكاتب في المقطع الروائي السابق إلى وصف بار (شينو) بأنه (ينخفض عن الشارع بضع درجات) ربما تكون هذه الإشارة المكانية – إن صح التعبير- هي إشارة يعبر من خلالها على الحقبة الزمنية التي ينتمي إليها هذا البار، بمظهره الأرستقراطي الذي يريح الأعصاب، ينتقل إليه هرباً من ضجيج الحياة اليومية، فوصف البار هنا يختلف عن وصف بار (كايرو) الذي يتسم بالقذارة والقبح، ولكن الوضع في بار (شينو) مختلف، فهو مكان نظيف وهادئ قد اتخذه الكاتب تمهيداً لظهور شخصية “حاتم رشيد”.

والبار الثالث هو بار (مكسيم) “الحوائط المطلية باللون الأبيض الشاهق علقت عليها لوحات أصلية لفنانين كبار، والإضاءة هادئة تنبعث من مصابيح جانبيه أنيقة والمناضد المغطاة بمفارش بيضاء ناصعة، اصطفت عليها الأطباق والفوط المطوية والملاعق والسكاكين وكئوس زجاجية من كافة الأحجام على الطريقة الفرنسية، المدخل إلى الحمام محجوب عن النظر بساتر (بارافان) أزرق كبير، وفي أقصي المكان بار صغير أنيق وإلى يساره بيانو قديم…. كل شيء في مكسيم يحمل طابع الماضي الأنيق مثل سيارات الرولز رويس العتيقة وقفازات السيدات الطويلة البيضاء وقبعاتهن المزدانة بالريش وأجهزة الجرامافون ذات البوق والإبر الذهبية والصور القديمة الأبيض والأسود ذات الإطارات الخشبية الداكنة” ص150.

فقد شكل (بار كايرو) و (بار شينو) في الرواية مثالاً لأماكن مشبوه رغم أناقة “بار شينو” فقد كانت مكاناً للقاء الشواذ، أما بالنسبة (لبار مكسيم) فالأمر مختلف فقد وصفه الكاتب وصفاً يدلل من خلاله على أرستقراطية هذا المكان، وإنه ظل محتفظاً بتلك السمة، حتى أن رواد هذا المكان من الطبقة الأرستقراطية نفسها وربما هذا هو السبب الذي من أجله لم يتغير وضع (بار مكسيم) عن الخمسينات لقد احتفظ المكان بطباع رواده، فمن يلجأ إليه إنما يلجأ إلى مكان الذكريات الجميلة، فهو يمثل حنياً إلى حقبة زمنية فاتت وفات معها كثير من تلك الخصال. فالمكان هنا (بار مكسيم) ليس الحيز الجغرافي الذي نحيا فيه، بل هو المكان الذي يورثنا عاداته وتقاليده، لذلك اتخذ هذا المكان تمهيداً أيضاً لظهور (كريستين) المرأة اليونانية التي تعشق مصر فمن أرستقراطيتها استمد المكان أرستقراطيته ومن جمالها استمد المكان جماله- لذلك أصبح بار مكسيم جزءاً من شخصية (كرستين).


(1) حسن بحراوي:  بنية الشكل الروائي -المركز الثقافي العربي – بيروت /الدار البيضاء – 1990م- ص:؟

(2) أ – كندراتوف:الأصوات والإشارات ، ترجمة : شوقي جلال –القاهرة – الهيئة العامة للكتاب – الطبعة الأولى – 1972م ، ص 66.

(1) ميخائيل باختين: أشكال الزمان والمكان في الرواية – ترجمة يوسف علاق – دمشق – منشورات وزارة الثقافة – الطبعة الأولى 1990م، ص 335.

(1) غاستون باشلار: جماليات المكان، ص43.

(2) غالب هلسا: المكان في الرواية العربية – دار ابن هانئ – دمشق 1989م ص 8-9.

(1) الدكتورة سيزا قاسم: بناء الرواية – دار التنوير – بيروت 1985م، ص 88.

(1) الدكتور حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي ، ص 32.

(2) الدكتور سعيد يقطين:  قال الراوي، ص 240.

(1) M. Heidegger, Essais etconferences, op-cit- p.184.

(2) حميد الحميداني: بنية النص السردي – المركز الثقافي العربي – بيروت / الدار البيضاء- ط 1، 1991م، ص 62.

(1) الدكتور حسن البحراوي: بنية الشكل الروائي ، ص 26.

(2) علاء الأسواني: عمارة يعقوبيان-  دار الشروق، ط1،القاهرة 2008م.

[13])) بناء الرواية: سيزا قاسم ص75.

[14])) الدكتورة سيزا قاسم: بناء الرواية، ص110.