العالم …. بحجم فراشة يعرب السالم

العالم …. بحجم فراشة

يعرب السالم

إننى أحتضر …. فاحذروا محبتي

… عاد … وما أن فتح النافذة … حتى انسكب الضوء مفترشاً على أرضية الغرفة مبدداً وحشة المكان مستبيحاً الظلام ورحيق الذكريات المنسية مثل نصل حاد … محيلاً المنحوتات الرخامية وقطع الأثاث القديمة والفراشات المجففة إلى قطع متناثرة براقة من الذهب

اخترق الضوء دون استئذان الغرفة الخالية إلا من … صورة متربة على الحائط … فراشات رخامية صغيرة صنعت بدقة متناهية …. دفتر مذكرات مهترئ الحوافي …. بعض القطع القديمة من الأثاث المصنوع من السعف الأصفر وأغصان التوت اليابسة … طاولة خشبية صقيلة تحول وجهها الأملس إلى مرآة لامعة مستديرة وضع عليها تقرير طبي قديم ممزق من نهايته يؤكد جنون صاحب المكان عكاز حائل اللون من خشب الساج البورمي مكسور من وسطه اتكأ على الجدار المحاذي للنافذة الخشبية المفتوحة … غلاف ممزق لكتاب عتيق اعتلته صورة فراشة كبيرة ذهبية كتب تحتها مباشرة وبخط كوفي جميل أصل الفراشات.

لم تحتمل مساماته الشرقية البقاء فى بلاد الصقيع ولم يثلج صدره وقوفه الطويل امام برج بيزا المائل لأن منارة الحدباء لم تفارق أحلامه ابداً مثلما لم ينس لعبه فى الداربين الضيقة لمحلة السرجخانة وبيعه للجرائد على الأرصفة أيام الصيف القائظ وجلوسه الملائكي مع ثلة من أروع أصدقائه فى (المقهى الذهبى) وهم يرتشفون الشاى الساخن على معدة خاوية لم تعتد الشبع يوماً كما لم ينس أن يدلل جوعه المزمن وهو يأكل السباغيتي بالملعقة عمداً ويثير ضح الكارسونات العرب فى بلادهم لم تطفئ رغباته الشيطانية نساء روما لأنه يشتاق دائماً إلى امرأة ترتدي الخمار الأسود هذا الحنين المخضب بنزق المحاولة الأولي مع بنت الجيران والفاشلة دوماً لم ينس الأقدام السمراء النحيلة والمصبوغة بالطين وقد ادمنت الجرى المحموم وراء التوابيت التى لا يعلمون من أين تجيء ولم تفارقه صورة ذلك المجنون الذى اقترب منه بهدوء مضطرد فى يوم سفره الأخير وأهداه فراشة ملونة وقال له بصوت باكي وحزين مهما تغربت فإنك ستعود يا بني ستعود لأن الأرض لا تنسي أبناءها ما زال يتذكر كل شيء لذا عاد

تقدم ببطء مسهب نحو الأريكة الحزينة لفقد صاحبها الوحيد جلس دون أن يمسح عنها تكلسات التراب واحسها من تحته تتأوه تفحص المكان المهجور ملياً نظر بشرود إلى الصور المتربة الجالسة قبالته على حائط الجص لا شيء يحميها من عبث المتطفلين سوى مخاط العناكب المتناسل فى زواياها تسارعت دقات قلبه لا شيء يدل على الحياة سوى حركة الغبار المتطاير الذى احتضن أحشاء الغرفة بتآلف لدود أمسك بدفتر المذكرات القديم ونفخ عنه التراب اهتزت الستارة الحائلة مشاكسة وحشة السكون القاتل ومنذرة بحدوث أمر مريب وما أن فتح الصفحة ألولى حتى تناهت إلى سمعه أصوات غريبة تشبه الوشوشات أو الهمس أو رفيف أجنحة كان الصوت ياتيه من مكان عتيق ومهجور التفت حوله واحس بأن هناك شيئاً ما يراقبه لم يهتم واستمر واستمر فى تقليبه المرتجف للأوراق الصفراء المتيبسة عله يجد ما يدله على ذلك المجون الجميل صائد الفراشات ارتعشت أنامله وهى تلمس ورقة ملونة ظهرت فجاة بين ألوراق المتهرئة لم تكن ورقة عادية بل كانت فراشة وردية مجففة بحجم الورقة ما أن لمسها حتى سقطت بهدوء على الأرض انتفض من جلسته حينها دبت هزة خفيفة مصاحبة لصوت عذب وغريب غمر المكان شعر برهبة ذكرته أساطير المعابد الغابرة التقط الفراشة المذهلة وهو يرتعش لم تصدق عيناه وجود فراشة بهذا الحجم والشكل واللون كان كل شيء يدل على أن الزمن توقف إلا نبضات قلبه.

هبت نسمة هواء صيفية أيقظت حواسه من سباتها الأزلي وسبغت الغرفة برائحة كان قد ألفها من قبل لكنه لا يتذكرها الآن كان قلبه يضج بفراغ مشروخ وخال إلا من حب موبوء بموسيقي المزامير التى أحبها دائماً ارتعش بقلق مستفز وهو يرمق الفراشات المؤطرة والمجففة من حوله وهى تستعيد ألوانها الحقيقية كأنه مس أصاب الأشياء من حوله فبث فيها الروح تعالى صوت المزامير وشعر انه وسط أوركسترا عظيمة تعزف لحن الأرض فترقص الحياة بألم تحركت الطاولة ثم ألأريكة وند من الفراشات الرخامية الصغيرة ضياء لامع لم يتوقعه ودون ش عور منه وقف بجانب النافذة الخشبية العتيقة والتى اضطبغت بالوان قوس قزح حاملاً الفراشة الوردية وهو يتلمس حرارتها تدب بين يديه طافت الموسيقي فى هواء المكان مثل شلال  هادر حركت جناحيها وطارت فى الفضاء مخلفة وراءها دهشة فى عينيه ودموعها مضيئة ضج المكان بألوان براقة زاهية واخذت الفراشات تنسل من بين زجاج الصور التى أسرته منذ زمن طويل تاركة على الزجاج وميضاً حاداً يقطر كحبات اللؤلؤ فى عينيه فراشات لم يشاهد مثلها فى حياته حتى الفراشات الرخامية المضيئة تحولت إلى فراشات حقيقية مشعة وجميلة وطارت تحف ببريق المكان وهو ينظر بدهشة آسرة إلى عالم مريب سحري ومموسق لا يصدق ما يحدث جامداً فى مكانه تحرك عكاز الساج المكسور وتحول إلى غصن توت أخضر بدأت الصور تتراءي أمامه مثل شريط سينمائي قديم عافته دور العرض وهو ينظر إلى سرب من الفراشات الراقصة حوله بشكل دائري والمحلقة باتجاه النافذة لتذوب فى البريق وهى تتبع الفراشة الوردية نحو قرص الشمس الهارب إلى حضن المساء تذكر كل شيء المجنون الوحيد الذى بارك له نجاحه فى الغربة ببطاقة بريدية مرسوماً عليها شجرة توت كبيرة وخضراء وفى أسفل الزاوية اليسرى توقيع مرتجف بلون اخضر تبرز من خلاله عبارة المجنون صائد الفراشات كيف عرف عنوانه هناك تذكر الشجرة والساقية التى تحتضنها تذكر تذكر كل شيء وعينيه بعين الشمس لا تمرق ولا تحيد غص حلقة بطعم ذاك المساء البعيد قرب ساقية شجرة التوت والحجارة الملساء الكبيرة وهى تطل بقامتها القاسية على أبناء القرية مثل أب عجوز لم يخدش الزمن كبرياءه وهم يلعبون حفاة حولها كانت غصة مسكونة  بالشوق والدم كحب كبير يشتاق إلى ضمه ويفني فى جذوره وجذوته قال فى سريرته لن يذبل هذا الحب عادت أصوات المزامير واحسها تسري فى داخله مرة أخرى لكنها هذه المرة كانت أشبه بموسيقي صوفية غمرته بنشوة أخاذة وذكرته بالحزن بالحزن المرصوص فى داخله وأسي الليل على رائحة حكايات المواقد وحنينه المحموم للأيام الغابرة أقفل النافذة فاستسلم المكان لعباءة الليل.

مع ارتعاشات الفجر الأولي كانت شجرة التوت الخضراء الهائلة تنثر كدمات ظلها فى كل الاتجاهات رابضة فى مكانها الأزلي كما توقعها وقد أحنت الرياح ظهرها مثل نادل عجوز انحني مرحباً بالزوار الجدد تلتف حولها ساقية بلون الماس وقد لاحت فى الأفق البعيد حجارة ملساء كبيرة صدت خيوط الفجر فتحولت إلى جمرة من ذهب تقدم نحوها تاركاً لخطواته المتعبة مهمة اكتشاف الطريق الطيني كعادته دوماً استمر فى النظر إلى شجرة التوت وهى تقترب منه متفحصاً ما حولها من بساتين وتلال بينما ابر السمي الحارقة والمنغرزة فى سمت رأسه تؤكد له انه فى بداية شهر حزيران استمر فى المشي نحو رحم ظل التوت المنسدل على الأرض حتى داست خطواته البطيئة ذيل ظلها أدار رأسه فى جميع الاتجاهات وجال ببصره فى أبعاد الفسحة المترامية أمامه باحثاً عنه مرت اللحظات بطيئة جداً ومثقلة برغبة اللقاء فجأة جاءه صوت لم يكن غريباً على مسامعه كان مثل الصفير الأغنية وربما المهمات تابع مصدر الصوت وشاهد من بعيد خضرة ساحرة تتحرك فيها خيالات ملونة يبرز منها رجل  بكتفين نحيلتين ويدين عاريتين تلوحان بحركات دائرية كانهما تريدان التحليق فى الفضاء استمر ؤفى متابعة الشعر الأبيض الطويل المنسدل بكذائل عديدة تخرج منه صرخة ملتاعة وهى تركض خلف الفراشات الملونة المضيئة التى غزت القرية مثل إعصار ودود كان يركض يميناً وشمالاً يقف فتحيطه الفراشات ثم يركض من جديد كان لونه وردياً وكانت الفراشات هى التى تتبعه بل كانت تخرج من صدره ومن كفيه وتحط على  شعره المنساب فى أكف الهواء كان كمن يهش الأحزان بمرح طفولي صاف حافياً لا شيء يثنيه عن ابجدية الطين والتراب لقد شاهده أخيراً إنه هو الأب الذى لم يعرفه أحد الأب صائد الفراشات انتباته رغبة عارمة فى البكاء الكلمات تذوب وتذبل فى فمه تماسك قليلاً كان المشهد مثل خرافة لم يرويها أحد انبهر أمام جلال اللحظة وصرخ بصوت يجهش أبى أبى لم يصدق ما يراه نظراته الذاهلة جعلته يرى بأم عينيه حبات العرق المتفصدة من جبين والده وهى تتحول إلى فراشات ملونة أشبه بعالم سحرى لا وجود له إلا فى كتب السحر إلا انه حقيقي وأمامه الآن ودون شعور منه أخذ يركض فى البساتين وراءه يتبع الفراشات وتراءي له المشهد هذه المرة ساحراً أخاذاً ورائعاً

توقف قبالته نظر إليه كان شوقه مثل حزن برئ ينهش الأزمنة وأحس فى تلك اللحظة بالزمن يتمطي وان قلبه مسكون بالرياح كانت المسافة بين عينيهما مبتلة شاسعة وعصية ومضيئة تخبئ أعواماً طويلة من الاشتياق والحسرة والألم تنهدا معاً تلعثم أمام رتباة السؤال ابثقت حبات عرق ناعمة من جبينه مصاحبة لرعشة باردة انتابته خفق فلبه بحرارة وبشدة وهو يشاهد أباه ألول مرة فى حياته رجل غادره خريفه زري الملامح هزيل الجسم خافق القلب له وجه شمعي بارد ذو عينين نرجسيتين نقيتين بارزتين وساكنتين أشبه بزجاج يلمع وضع الابن يده بندم على رأسه وتذكر زيف العبارة التى قرأها فى إحدى كتب الملاحم والبطولات إنه لا وجود للعمالقة إلا فى قصص السندباد البحري وها هو يقف امام عجوز  عملاق بوجعه ومحبته وقد أضناه الصراع الموتور مع الفراشات كان شوقه عارماً امتلأت عيناهما بدموع شفيفة حزناً على محبة لاهبة فرقها الزمن تقدم الاثنان معاً وشعرا بالندم ونحيبه وطاة اللحظة المهيمنة بأريجها المخضب بحنين موبوء كانا قد دفناه فى القلب معاً عينان ملأتا العالم من حوله بالفرح والدموع والفراشات بزغتا من وراء الشعر الرمادى الكث كشعاعين دافقين من نور سمائي مبهر تضرج وجهاهما بحمرة قدسية امتدت الأنامل الناعمة الضعيفة والمرتعشة مخرجة من راحتيها الفراشات الملونة انسلت كلماته ممزوجة برائحة التوت البري والأرض ولدى ولدى احتضنتا الجسد الهزيل وهما تضغطان بقوة على هذه اللحظة فى جنون راعش امتزجت مرارة الذكري بعبق وحرارة اللقاء واطلقا العنان للحب المحفور فى شرايينهما تشنج الجسدان فى نوبة من البكاء وحلقا معاً برفقة الفراشات وأحسا أن العالم جميل جداً وصغيرا جداً وبحجم فراشة.