حوار مع مكسيم شيفيتتشينكو ………… د. أشرف الصباغ

حوار مع مكسيم شيفيتتشينكو

د. أشرف الصباغ

وسائل الإعلام فى روسيا مشكلة ضخمة وعويصة أثناء مشاهدة التليفزيون أو قراءة الصحف تشعر أنك فى دولة اخرى من الممكن أن تكون أية دولة على الكرة الأرضية ما عدا روسيا بصراحة شديدة فوسائل الإعلام فى روسيا ما بعد السوفيتية اتخذت مساراً عنصرياً واسع النطاق –  على مستوى العرق والدين واللون ففى الوقت الذى نجدها تكرس لمصطلحات عنصرية ضد القوقاز والعرب والملونين بشكل عام نراها تشن حملات عنيفة إذا من كاتب أو سياسي أو حتى إنسان عادي اليهود وبالذات اليهود وليس أى أحد آخر وفى الوقت الذى تطالب فيه وسائل الإعلام فى روسيا بحرية الكلمة نجدها تطالب بسن القوانين ضد أى إنسان يتجرا ويفتح فمه بكلمة عن الهولوكوست أو اوهام العهد القديم ومع ذلك تجد هناك أصواتاً نغرد خارج السرب أصوات مثقفين وكتاب وصحفيين أولئك الذين يبحثون عن الاخر المقصود بكتاباتهم والمقموع مثلهم مكسيكم ليوناردوفيتش شيفيتشينكو أحد جيل الشباب من الإعلاميين الروس يرأس الملحق الديني الذى يصدر مرتين شهرياً لأشهر صحيفة روسية نيزافيسيمايا جازيتا مكسيم لديه لديه حرية الحركة وبالتالي عندما ذهب إلى كوسوفو ورأى مستنقعات الدم هناك عاد ليكتب سلسلة ضخمة من المقالات التى أعلن فيها الحقيقة المؤلمة كيف كان الصرب يقتلون الألبان بدماء باردة وقلوب من حجر وعندما وعندما هبت انتفاضة الأقصى سافر مكسيم على الفور إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ليعود بسلسلة جديدة عن دماء الأطفال والحجارة التى تواجه واحدة من أقسي الآلات العسكرية قمعاً وبشاعة وانحطاطاً يبتسم مكسيم شيفيتشينكو بين السخرية والتحدى: يتحدثون عن حرية الكلمة ويتهمون الناس بما يسمي بمعاداة السامية وعندما تكتب الحقيقة مجرد ما رأيته فقط بدون رتوش أو مبالغات تقوم القيامة وتجد نفسك معادياً للسامية وإرهابياً ومهدداً بالقتل على يد اللوبي الصهيوني ذلك الشيء البشع الذى لا تراه ولكنك تشعر بتأثيره أينما حللت

هذا هو تعليق شيفيتشينكو بعد ان وصلته رسائل التهديد والهجوم عن طريق البريد والانترنت لأنه تجرأ ونشر مجموعة من الموضوعات عن أحداث الإرهاب الإسرائيلي وقتل النساء والأطفال فى الأراضي الفلسطينية المحتلة ناهيك طبعاً عن المقاطعة الشديدة وانفضاض الأصدقاء عنه واتهامهم إياه بالتغريد خارج السرب سرب الإعلام فى روسيا.

–      مكسيم كيف ترى الحملة الدعائية الموجهة إلى العرب والتصميم على ربط العرب والإسلام بالإرهاب ما هو المنشأ الحقيقي لهذه الحملة والأسباب؟

–      إن منشأ أى كذب يكمن بالدرجة الأولي فى الجهل هذا هو أول سبب فى أية آراء مزيفة وفى أى حملات تضليلية أعتقد ن مواطنينا هنا يعرفون بالسمع فقط يعرفون أموراً عامة ولا يلاحظون فى ذات الوقت أن الكثيرين من مواطنينا فى روسيا يعتنقون الدين ألإسلامي ولا يتذكرون أيضاً أن هناك علاقات تاريخية بين روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي من بعدها بالعالم العربي والإسلامي ولا تزال هذه العلاقات موجودة أو على الأقل يجب أن تظل موجودة ووطيدة أما السبب الاخر العام هو السياسة الإسرائيلية ورجال الأعمال الإسرائيليون أنا لا أقصد هنا الدخول فى القضايا القومية ولكنني اقصد تحديداً أولئك الذين يملكون جنسية إسرائيلية من مواطني روسيا الاتحادية فهناك العديد من اليهود يعيشون فى هدوء كمواطنين صالحين فى روسيا وهناك الكثير من المستشرقين بعتنقون الديانة اليهودية ولعبوا دوراً هاماً فى مجال الاستشراق وتطوير العلاقات بين روسيا والعرب ولكن الضعف الذى أصاب روسيا داخلياً وخارجياً جعلها تقع تحت وطأة السياسة الاسرائيلية كما أن الدعائيين الاسرائيليين يلعبون دوراً ملحوظاً فى وسائل ألإعلام الروسية وفى الاقتصاد والأموال والمعلومات أيضاً.

على سبيل المثال عندما جاء نتنياهو إلى موسكو صدرت جميع وسائل أفعلام مرددة أحاديثه وشعاراته وادعاءاته وعندما جاء محمود عباس أبو مازن بعده بيومين فقط قامت صحيفة أو اثنتان بنشر خبر متواضع جداً فى  زاوية مهملة وكفى بذلك اعتقد أن إسرائيل تفتح جبهة جديدة ومؤثرة  ضد العرب هنا فى روسيا وهذه مشكلة فى غاية التعقيد والصعوبة وطبعاً يدهشني كثيراً عندما تصرح روسيا عن محاولاتها فى تطبيع الوضع فى الشرق الأوسط وفى ذات الوقت تطلق من مطاراتها 7 أقمار صناعية إسرائيلية

–      هناك تناقضات شديدة وتضارب بين تصريحات الحكومة الروسية وبين توجهات وسائل ألإعلام فى روسيا هذه المشكلة فى الواقع تؤثر ليس فقط على الدول التى تملك علاقات مع روسيا بل أيضاً على المواطن الروسي البسيط حيث أن طواغيت المال اليهود يسيطرون تقريباً على جميع وسائل الإعلام فى روسيا

–      طواغيت المال ليسوا جميعاً من اليهود فهناك جزء اسرائيلي وجزء يهودي روسي اسرائيلي وهناك روس يعملون بأموال اسرائيلية مثل تلك المشكلة التى يجب أن تظهر حتماً فى ظل الطريقة  المتبعة حالياً فى روسيا لبناء ما يسمي بالمجتمع المفتوح وبالطبع فهذه الطريقة مبنية أساساً وفقط على عمليات مالية اقتصادية غير خاضعة لإشراف الحكومة الروسية وليست لها أية رقابة عليها وخاصة الجزء المرصود للإعلام

–      إن الحملة الموجهة ضد العرب  والإسلام موجودة وجارية ليس لأن رجال الصحافة لديهم موقف معادي للعرب والمسلمين ولكن لأن أصحاب المال ببساطة يشترون الصحفيين ونظراً لأن رجال المال والأعمال فى هذا المجال فى ارتباط مباشر باسرائيل وسياستها فمن الطبيعي أن يحدث مثل هذا الأمر وخاصة إذا كانت هناك رؤوس أموال ضخمة لدول أجنبية تلعب دون رقيب أو حسيب

–      هناك سبب آخر هام وجوهري وهو أن لا يوجد فى روسيا ما بعد السوفيتية ميكانيزم سياسي عقائدى يمكنه أن يعمل داخل وسائل الإعلام فى روسيا الجديدة

–      يقال أن فلاديمير بوتن يحاول الأن بشكل أو بآخر توجيه وسائل ألإعلام لخدمة المجتمع والدولة وإخضاعها بالدرجة الولى إلى مصالحها وإلى الرأى العام ككل وجعلها غير خاضعة فقط لمصالح رجال الأعمال وطواغيت المال بل ويقال ايضاً أن بوتين يواجه مصاعب كثيرة فى محاولاته لابعاد وسائل الإعلام فى روسيا عن ممارسة أدوار تخدم مصالح دول أجنبية تعمل على تمويل هذه الوسائل افعلامية

–      إننى أؤكد هنا أنه لا يوجد أى فرق بين مواطني اسرائيل  أو سويسرا مثلاً فى روسيا فلو فعل مواطنو سويسرا الموجودون فى روسيا ما يفعله مواطنوا اسرائيل لكان من الضروري اتخاذ اجراءات مناسبة ضدهم وبالتالي  يجب أن يخضع المواطنون الإسرائيليون للقانون الروسي ويراعون مصالح الدولة التى يعيشون فيها ولكن القضية أن المنطقة التى توجد بها دولة مثل سئويسرا  ليست فيها حروب أو نزاعات حادة.

أما منطقة الشرق الأوسط فتمتلك أهمية عالمية وعلى درجة كبيرة من الخصوصية والنزاع فيها ي متلك تأثيراً  خطيراً على جميع دول العالم من حيث أسعار النفط والطاقة والجوانب الأخرى الخاصة بالسياسة الدولية هنا يمكننى أن أشير إلى أن وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية تتعامل مع العرب بشكل أفضل وأكثر احتراماً وطبعاً بشكل نشبي مما تفعله تلك الوسائل فى روسيا ذلك لأن روسيا ليس  بها رأى عام أما الدول الأوروبية وأمريكا فالرأى العام فيها واع وبها حالة من الاتزان الاجتماعي نحو القضايا الخارجية الأمر الآخر هو ان هذه الحملة تجرى نتيجة لأمية رجال السياسة الروس وعدم مصداقيتهم فعلى سبيل المثال عندما بدأت الحرب الشيشانية الثانية توجهت وسائل الإعلام بما فيها نيزافيسيمايا جازيتا إلى رجال السياسة الإسرائيليين بشكل عام وإلى العسكريين الإسرائيليين ورجال الموساد على وجه الخصوص لتأخذ منهم المقابلات والأحادث والتصريحات الصحفية ومن ثم ركزوا على مقترحات العسكريين الاسرائيليين ورجال الاستخبارات بأنهم على استعداد لمساعدة موسكو فى حربها  ضد ما يطلقون عليه  التطرف الاسلامي وهذا الكلام يقوله طبعاً أناس يحاربون العرب والإسلام طوال نصف قرن اننى لا أريد اتهام العسكريين الروس  بالخياثنة أو بأنهم مشترون من ق بل اللوبى الاسرائيلي والصهيوني ولكنهم فعلاً يجهلون الأمور السياسية البديهية كما ان غياب القدرة على التحليل السياسي الواسع والعميق للسياسة الدولية يدفعهم الآن للتعاون مع القوي التى توجه الأمور الآن فى العالم وطبعاً ففي الوقت الحالي تعتبر اسرائيل من الدول المتفوقة على روسيا فى مجالات كثيرة  والتعاون مع دولة أكثر قوة يؤدى بشكل أو بأخر إلى التبعية

–      ظل الاتحاد السوفييتى منذ بداية حكم  خرشوف وحتى انهياره فى بداية الثمانينيات يتخذ موقفاً عادلاً من القضايا العربية وأهمية  حلها وفقاً للقوانين الدولية وقرارات ألمم المتحدة خاصة  بعد اعتداء  اسرائيل على الدول العربية عام 1967 فى تلك الفترة كانت أوروبا الغربية وأمريكا تقف ضد العرب بشكل واضح وفجأة بدأت المواقف تتناقض حيث أخذت مواقف أمريكا وأوروبا تتجه نحو ضرورة حل النزاع العربي الاسرائيلي وفقاً للشريعة الدولية بينما نلاحظ أن روسيا بدأت تتخذ موقفاً غير واضح ولكنه أكثر وضوحاً فى وسائل الإعلام فهل هناك قوى ما ترغب فى اصطدام  روسيا بالعالم العربي والاسلامى؟ وهل هناك قوى من مصلحتها ان تصبح روسيا منطقة عازلة بين الغرب والشرق بأن تصبح على الدوام فى خلاف دائم مع العالم العربي ؟ وهل هناك احد فى روسيا يرى بأن السياسة الروسية بذلك السلوك تضر بالمصالح القومية الروسية؟  إن سياسة اصطدام روسيا بالعالم العربي والإسلامي سياسة بريطانية  قديمة  يدرسها الطلاب فى معاهد القانون الدولي والسياسي والاقتصادي وهى سياسة سارية إلى يومنا هذا  تلك السياسءة ورثتها الدول التى احتلت مواقع الامبراطورية البريطانية بعد تفسخها وأنا أقصد بالذات الولايات المتحدة المريكية وبريطانيا الحالية والعديد من دول أوربا وعموماً فنحن نعرف من التاريخ ان بريطانيا  هى التى دفعت تركيا إلى الاصطدام بالعالم الاسلامي والنزاع اليوم بين روسيا والعالم الإسلامي العربي سوف يفيد بالدرجة الأولى الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول اوروبا الغربية إن السبب الأول والرئيسي هنا  هو الاقتصاد فروسيا كواحدة من أكبر الدول النفطية فى العالم من حيث الاستخراج والتصدير والاحتياطي عندما تتعاون مع دول العالم العربي وخاصة المصدرة للنفط ستظهر بذلك قوة عالمية ضخمة ومؤثرة  يمكنها أن تأخذ  فى يدها اكثر من 80% من النفط العالمي. هنا تكثف أمريكا وإسرائيل جهودها لعدم حدوث  مثل هذا الالتقاء وتسعيان إلى عدم حدوث ولو حتى اى احتمال  يهدد مشاريعهما للسيطرة على العالم.

الجزء الأخر هو أن اسرائيل تحاول ان تحل مشاكلها فى الشرق الأوسط بادخال روسيا كحليف لها على المستوى الاقتصادى والعسكري والاعلامي وهى تفعل المستحيل من أجل إخراج روسيا من تحالفاتها الدولية وخاصة مع العالم العربى والإسلامي

إنني لا أستطيع انكار وجود تيارات سياسية فى روسيا تدرك جيداً حقيقة السياسات الأمريكية الإسرائيلية. فعلى سبيل المثال كان يفجيني بوريماكوف أثناء توليه منصب وزير خارجية روسيا يتحدث يومياً عن اهمية وضرورة التعاون مع العالم العربي والإسلامي كحليف تاريخي وجدوى هذا التحالف للمصالح القومية الروسية وكان يؤكد دوماً على أن روسيا يجب أن تدرك جيداً أن العالم العربى والاسلامي ليس  ما يصورونه فى وسائل الإعلام وأن هناك فرقاً كبيراً بين هذا العالم وبين مجموعات متطرفة  يوجد مثلها فى كل دول العالم وفى جميع الأديان.

هناك أشياء تبدو متناقضة ولكن يمكن فهمها فى اطار النظرة الواسعة للسياسة الدولية فهنا فى روسيا نعرف أنه يوجد  لوبى عسكري صناعي مرتبط باللوبى النفطي وعندما يصرح وزير الخارجية الروسي عن إمكانية إقامة  علاقات دبلوماسية مع نظام طالبان فى أفغانستان نجد أن وزير الدفاع والعسكريين الروس قد التقوا على الفور مع المعارضة الأفغانية  ثم تظهر  حملة إعلامية تتحدث عن احتمال حرب أفغانية ثانية وضرب قواعد طالبان فى أفغانستان التى تشكل خطراً على حدود روسيا إذن من الذى فى مصلحته الإبقاء على الوضع المتوتر فى هذه المنطقة؟! إن أفغانستان مدمرة تماماً, فاية خطورة يمكن أن تأتي من جانبها على الحدود الروسية؟! لماذا يحدث ويكون من مصلحة اللوبي العسكري الصناعي الروسي الدخول فى مثل تلك المهاترات وهو يعرف جيداً أن أفغانستان التى تدور بها الحروب الأهلية طوال 25 عاماً لا تستطيع تصدير أية  ثورة إسلامية أيديولوجية إلى دول الإتحاد السوفيتي السابق وخاصة روسيا؟! إننى لا أريد التحدث هنا عن المشاكل الكثيرة بين أفغانستان وطاجيكستان مثلاً من حيث الصراع العرقي والتوجهات السياسية والفكرية ولا أريد التحدث عن دور الهند فى مثل هذا الصراع ولكن ما يمكن قوله هو أن السياسة الخارجية الروسية غير مستقلة وهناك من لا يسمح للخارجية الروسية أن تمارس دوراً يهتم بمصالح روسيا القومية

فى وسائل الإعلام الروسية مساحة واسعة للبرامج الإسرائيلية أو عن إسرائيل واليهود بشكل والتاريخ والسياسة والاقتصاد والتصنيع فى الوقت الذى  نري عدم وجود أية برامج عربية او عن العرب وإذا وجدت فهى تافهة أو دعائية سطحية تكرس لمفاهيم متخلفة ورجعية عن العالم العربي والإسلامي.

اسمح لى أن أقاطعك الخارطة الإعلامية  الروسية لا تتضمن ليس فقط برامج إعلامية وثقافية وتاريخية عن العرب ولكن أيضاً عن المسلمين فى روسيا الاتحادية هناك مليون أذربيجاني يعيشون على الأراضي الروسية وليس لهم أو عنهم برنامج واحد وإذا افترضنا أن أذربيجان دولة إسلامية من الدول المستقلة إذن فأين البرامج الخاصة بالتتار والشيشان والداغستان والأنجوشيين؟!! عدد المسلمين الروس يصل إلى 25 مليون نسمة ولكن مساحتهم على الخارطة الإعلامية فى روسيا لا تتعدي جزء من عشرة مما تحتله إسرائيل والإعلام الصهيوني

ما زلت أكرر من له مصلحة يهمه كثيراً أن تتحقق واليهود يقومون بنضال مستميت فى هذا الاتجاه ويرصدون أموالاً طائلة لنشر الثقافة اليهودية والصهيونية فى كل مكان وحتى الآن لا ادري لماذا لا يقوم العرب بعمل شبكات انترنت باللغة الروسية؟ ولماذا لا يؤسسون وكالات أنباء بالروسية؟ أو انتاج سلاسل من البرامج الثقافية والتاريخية عن ثقافتهم وتاريخهم القديم والحديث والمعاصر إنني أعرف أن كل ذلك يتطلب أموالاً طائلة ولكنه جزء هام من الوجود المعاصر على خارطة العالم خاصة إذا كانت لديك قضية ما.

عرفت أنك كنت فى العديد من مواقع الأحداث التى يوجد بها مسلمون كأطراف فى  صراعات فما رؤيتك لمثل تلك الصراعات وما رأيك فى الحملات الإعلامية التى توجه  ضد المسلمين بشكل عام وضد العرب على وجه الخصوص وبالذات فى الصراع العربي الصهيوني وأحداث انتفاضة الأقصي الجارية وانت تعرف جيداً أن الإعلام يصف العرب بالإرهاب وبأن الأمهات الفلسطينيات قاسيات القلوب يدفعن أولادهن إلى الموت؟

إنني بشكل خاص كنت فى مواقع الأحداث أى فى النقاط الساخنة التى تدور فيها صراعات ومعار ك وأنا ما زلت مؤمناً تماماً بأن المسلمين بشكل عام والعرب على وجه الخصوص لا يستغلون قواهم وإمكانياتهم بشكل كامل وفعال فهم من ناحية مختلفون مع بعضهم البعض ومن ناحية اخرى يواجهون عدواً واحداً ومصيراً واحداً أنا لا أفهم مثل هذا التناقض ونحن نعرف جميعاً أن إسرائيل لن تسمح بتوحد العرب أو المسلمين لأن وجودها متوقف على هذا الأمر

أما بخصوص مواقع الأحداث الساخنة والحملات الإعلامية الكاذبة والمضللة يمكنني أن أتحدث بايجاز  لأن العالم كله يعرف مدى الزيف والتضليل فى هذه الحملات أنا نفسي كنت صبياً ويمكنني أن أتصور مشاعر أي صبي فلسطيني إلى مواجهة الألة العسكرية للإحتلال الإسرائيلي بالعكس يجب ايقاف هؤلاء الصبيان لأنهم يحاربون بالحجارة وباجسادهم واحدة من أقسي الآلات العسكرية واخسها فى التاريخ البشري وفى  ذلك الوقت من الخطأ تماماً إعاقة هؤلاء الصبيان عن الدفاع عن حقوقهم وارضهم واستقلالهم ومطالبة العدو المحتل بأبسط الحقوق.

أولئك الأطفال يحملون ذاكرة وطنهم وينقلونها إلى الآتين من بعدهم إنهم رجال بمعني الكلمة فهم يعيشون فى الملاجئ والخيام وأراضي وطنهم تحت أقدام عدو محتل كيف يمكن تصور ذلك؟!! إن ألإعلام الغربي المتصهين والصهيوني أيضاً لا يري ذلك ولا يريد ان يراه أنا نفسي كنت هناك ورأيت كل شيء على أرض الواقع الفلسطينيون يعانون من الإبادة والتطهير العرقي وهذا ما يجب أن يعرفه العالم كله.

أنا نفسي فى حالة دهشة كيف يمكن ان ي حدث ويصبح أطفال شعب بالكامل فى حال تشرد وفى نفس الوقت يرون كل يوم المستوطنون الإسرائيليين المدججين بالسلاح على الشاطئ الغربي لنهر الأردن فحول رام الله على سبيل المثال توجد أربع مستوطنات مليئة بالدبابات والمدافع الرشاشة فماذا يمكن ان يحدث عندما تكبر ألجيال الفلسطينية وتعرف أن بيوتها التى كانت فلا حيفا او تل أبيب أو عسقلان هدمت فى يوم ما وبنيت على أنقاضها وعلى جثث سكانها الفلسطينيين بيوت جديدة للأعداء عندما يكبر الطفل الفلسطيني ويرى عدوه يأكل برتقالة كيف يمكن أن يتصرف طالما سيظل الاسرائيليين على الأراضى الفلسطينية لن يكون هناك اى سلام وسيظل العداء إلى أبد ألأبدين ومهما حاول المدرسين فى المدارس أن يلقنوا الطفل الفلسطيني من عبارات وجمل عن السلام والحب فالواقع أقوى  بكثير من تلك الشعارات الهشة غير المبنية على الحقيقة الطفل الفلسطيني يرى كل يوم دماء أهله وأصدقاءه يرى العدو يمشى  متعجرفاً على أ{ضه فماذا يمكن أن يحدث ولماذا يحاول البعض مجافاة الحقيقة واتهام الضحية بالعدوان والإرهاب والعنف إن الطفل الفلسطينيى يرى السيد المتعجرف الذى يصف نفسه بشعب الله المختار  يمشي متبختراً على أرض  ليست له ويأكل فاكهة  ليست  له ويدنس المقدسات التى ليست له ماذا  يمكن أن  يفعل هذا الطفل ولماذا يدير الإعلام الغربي والمتصهين وجهه إلى الناحية الأخرى وكأنه  لا يري

بهذا الخصوص بالذات نلاحظ أن وسائل افعلام الغربية والإسرائليلية تستخدم مجموعة من المصطلحات فى حملتها الإعلامية تختلف تماماً عن  مثيلتها فى وسائل الإعلام فى روسيا فالخطاب القاسي الشرس والأصولي الداعي إلى الحرب الموجهة من قبل وسائل الإعلام الروسية يبدو وكأنه موجه إلى جمهور لا يفهم اى شيء بينما الإعلام الإسرائيلي لا يمكنه أحياناً التوجه بمثل هذا الخطاب بل ويحاول الساسة الإسرائيليون ورجال الإعلام وكافة المسئولين أن يكونوا أكثر رصانة واتزاناً فى خطابهم لنهم يدركون أن الأوضاع قابلة للتفجير فى أى لحظة ومن جراء أى خطوة غير محسوبة وأعتقد انك تتابع ما ينشره حاخان روسيا ألكبر من مقالات موتورة وأصولية على صفحات جريدتكم نيزافيسيما جزيتا تدعو إلى الحرب وتساند الاتجاهات العدوانية فى إسرائيل عموماً هناك فرق كبير بين الكاتب الذى يرسل موضوعه إلى  صحيفة ما وبين الصحفي الذى يعمل كإعلامي فى وسيلة إعلام أى شخص يمكنه ان يرسل موضوعه إلى أى صحيفة وفى نفس الوقت لا يمثل الموضوع وجهة نظر الصحيفة يمكنك أن ترسل موضوعاً كرد على هذا الشخص أو ذاك ويمكنك أن تكتب موضوعاً آخر واليهود نشطاء فى هذا المجال ولا يأتين اى  ردود من العرب أو حتى  موضوعات على الرغم من اختلافى معك وان المور ليست بهذه الحرية المطلقة والمثالية جداً إلا أنني أتحدث هنا ليس عن حرية الكلمة والرد والنشر وإنما اتحدث تحديداً عن أصولية الخطاب الذى يمثل موجه تزييف وتضليل وإرهاب فكري ونفسي إنني أوافقك فى أن الخطاب فى إسرائيل يكون أحياناً أكثر اتزاناً من الخطاب فى وسائل الإعلام الروسية بل وأحياناً تستشهد وسائل الإعلام الإسرائيلية بجمل وعبارات لياسر عرفات وتحاول الظهور  بمظهر ديمقراطي على عكس ما يحدث فى وسائل الإعلام الروسية  ومع ذلك فانا ما زلت مصراً على أن الأصولية تنبع من إسرائيل ومن هنا فلن تحل القضية الفلسطينية بدون حل مشكلة المستوطنات وعودة اللاجئين إلى أراضيهم وحتى إذا تم لقضية القدس بشكل أو بآخر فلن يكون هناك أى سلام وملايين الفلسطينيين يعيشون خارج أراضيهم إن المستوطنين الإسرائيليين يمثلون أكثر الوجوه اليهودية الصهيونية الأصولية هؤلاء المستوطنون يناصرون الحرب ويقفون ضد السلام والإنسان الذى يريد العيش فى ظروف الحرب ويرفض السلام هو إنسان أصولي بمعني الكلمة ويمثل أشد حالات الإرهاب والتطرف وبهذا الخصوص يمكنني أن اجمل كلامي فى نقاط  ثلاث:

أولاً: هناك من يمول الحملات الإعلامية الصهيونية وإسرائيل تفعل ذلك بنشاط كبير وبالتالي فاللوبى الصهيوني ووسائل إعلامه فى روسيا تعمل بلا شك من اجل تحقيق أهدافها ومصالحها.

ثانياًُ: أين الدول العربية واين التأثير العربي فعلى قدر معرفتي الروس يذهبون غلى الدول العربية من أجل التجارة وليس من اجل مشروعات  ثقافية أو إعلامية أو صناعية وبالتالي فليس هناك ذلك القضاء الذى ي مكن أن يؤثر العرب من خلاله.

ثالثاً: لقد حاولنا  هنا فى موسكو إنشاء نادي للصحفيين الروس يشارك فيه الصحفيون العرب المتواجدون هنا وبالفعل أجرينا عدة تجارب هامة وطرحنا مجموعة من النقاشات أحدها عن القضية الفلسطينية و لكن للأسف لم نجد أى دعم بينما اللوبي الصهيوني يعمل بدأب شديد هل أفهم من  ذلك ان لديك ملاحظات ما على السياسة الإعلامية العربية فى روسيا وهل هناك مواقف ما تعرضت لها من خلال عملك مع الجهات العالمية العربية هنا نعم اصطدمت بمواقف كثيرة والمسألة ليست فى الاتصال بهذا أو ذاك ولكن بشكل عام فالعلاقات الإعلامية بالسفارات العربية فى روسيا ليست على مستوى جيد فنحن اللذين  نعمل فى مجال القضايا الإسلامية نعرف جيداً انه لم تتأسس حتى الآن أى وكالة إعلامية باللغة الروسية بشان القضايا ألإسلامية ونحن ندرس هذه القضايا عن طريق المصادر الإنجليزية والفرنسية وعندما نتصل بالسفارات يستقبلوننا بشكل جيد ويدعوننا إلى الاستقبالات الرسمية حيث يطعموننا جيداً وحيث كل شيء طيب ولذيذ ولكن عندما تصل الأمور إلى العلاقة العملية للحصول على تصريحات أو معلومات أو إجابة على استفسارات تصير الأمور أكثر صعوبة وتعقيد حتى الآن لا يوجد نادى او تجمع للصحفيين العرب فى روس يا وإذا كان الدبلوماسي مقيد الحركة نسبياً ويعمل فقط فى مجال اختصاصه فالصحفى اكثر حرية فى الحركة خاصة وأن الصحفيين العرب هنا يعرفون اللغة الروسية بشكل جيد وبالتالي من الممكن التعامل معهم وإقامة الفعاليات المشتركة والندوات ومن الضروري إقامة الفعاليات والتوجه غلى جميع شرائح المجتمع الروسي بمختلف قومياته ودياناته وليس فقط إلى المستعربين والمتخصصين الذين يعملون فى حجرات التدريس أو ي كتبون كتباً لا توزع إلا على طلابهم لقد لاحظت أن العرب يتوجهون بالدرجة الأولى إلى أسماء محددة ومعروفة وموجودة فى كل استقبال ومناسبة من المستعربين الذين يعرفون اللغة العربية على الرغم من أن هذا عملهم وبدونه لن ي حصلوا على أرزاقهم هنا  نجد أن البعض من هؤلاء مجبر على قول ما يعجب الطرف العربي ويرضيه ولا يهمه إذا كان ذلك حقيقة ام  لا ولكن القضية هنا فى ألإعلام الروسي والصحافة والعاملين فى المجالات الإعلامية لأنهم ي ملكون حرية اكثر وغمكانية أكبر على الحركة بين جميع شرائح المجتمع الروسي ومن ثم التأثير عليه

هل يمكن ان نتحدث عن كتابك الذى سيصدر قريباً هو كتاب صغير لا يتجاوز المائة ثصفحة جمعت فيه الموضوعات والمقابلات التى أجريتها خلال وجودي فى الأراضي الفلسطينية المحتلة أثناء انتفاضة القدس لقد كنت أول صحفي روسي يدخل إلى الأراضي المحتلة ويصل مواقع الحداث فى بداية أكتوبر 2000 الكتاب الذى يتكون من 6 أجزاء بعنوان فلسطين فى النار وهو على نمط التسميات الكلاسيكية مثل إسبانيا فى النار عند هيمنجواي والمكسيك فى النار عند المخرج الروسي المعروف سيرجى ايزيتشتاين وعندما نشرت بعض موضوعاته فى نيزافيسميا جازيتا أصيب الرأي العام الإسرائيلي بهستيريا وأرسل إلى رجال الإعلام والمثقفون والقراء العاديون رسائل مليئة بالسباب والشتائم والتهديدات عبر الإنترنت والبريد واطلقوا على صفات غريبة مثل فاشي ومعادي للسامية وتلك الأشياء يستخدمونها عندما يتحدث أحد عن الحقيقة إنني ببساطة لم أكتب إلا ما رأيته بعيني بدون مبالغة أو تجن لقد وصفت كيف يطلق الجنود الإسرائيليون النار ببرودة على الأطفال الصغار فى رحلتي هذه  لاحظت شيئاً هاماً وخطيراً ويجب ذكره من اجل التاريخ فقط حتى لا يتم وصف الفلسطينيين بما يسمونه بمعاداة السامية إن الفلسطينيين يكرهون الإسرائيليين ليس كيهود وإنما تحديداً كإسرائيليين يحتلون أرضهم ويقتلون أطفالهم وهذا الأمر فى غاية الأهمية والخطورة

لقد رأيت بعيني أنه لا يوجد عداء للفلسطينيين تجاه اليهود فالمراسلون الصحفيون الغربيون كلهم من اليهود وهم يتحركون بحرية تامة وأمان بين الفلسطينيين اى انه لا يوجد أى عداء لليهود كيهود وإنما كإسرائيليين وصهاينة وطبعاً نحن نعرف لماذا يكره الإسرائيليون الفلسطينيين فهم يكرهونهم باعتبارهم أمة من الدرجة الثانية مثل باقي الأمم وأنهم فقط شعب الله المختار الذى يحتل المرتبة الأولى ويحتل أى شيء واى مكان وأية دولة

ألا تخشي أن ي حدث معك مثلما حدث مع روبير فوريسون وروجيه جارودي؟

إن فوريسون وجارودي مسا قضية الكذب الصهيوني وأساطير ما يسمي بالهولوكوست وهذا ما جعل الرأي العام الفرنسي بدافع من اللولبي الصهيوني العالمي يقف ضدهما إنني لم امس هذه الحكاوي بقدر ما وصفت قسوة الآلة العسكرية الإسرائيلية الموجهة  ضد الأطفال والنساء وكبار السن فى الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وللعلم فقد نشرنا فى حينه مقالاً ضخماً عن قضية جارودي وهو ما أثار اللولبي الصهيوني فى روسيا وعرضنا لمشاكل كثيرة واكتشفنا طبعاً أن روسيا حتى الآن غير جاهزة لإثارة قضايا مشابهة لما أثاره فوريسون وجارودي.