سؤال القصة القصيرة (جدًّا) عبد الرحمن مجيد الربيعي

سؤال القصة القصيرة (جدًّا) عبد الرحمن مجيد الربيعي

منذ أن بدأنا بقراءة الأدب -والسردي منه بشكل خاص- كنّا أمام روايات وقصص قصيرة طويلة. وكنا -أيضًا- امام قصة قصيرة جدًا.

كانت هذه الوفرة السردية متأتية من الاشتغال الجاد، ولم يشترط أحد على كاتب ماذا يكتب، ولم يخضع ما يكتبه للمفاضلة بين الرواية -مثلاً- وبين القصة القصيرة؛ بل تخضع لما يحمله من إضافة رافقت هموم البواكير وتواصلت مع الجادين من ساردي العربية.

لفت نظري في السنوات الأخيرة الإقبال على كتابة القصة القصيرة جدًا، وقد قرأت أن عددًا من الكتاب الشباب في العراق أصدروا مجلة عنوانها (القصة القصيرة جدًا) ولم أتأكد إن كانت ورقية أم الكترونية

ويبدو لي أن هذا النوع من الانحياز لجنس أدبي انعكاس للحالة العشائرية والقُطرية بل والشللية الضيقة -إن أردنا الدقة- فهل تحتاج القصة القصيرة جدًا لمثل هذا النوع من المجلات؟ لماذا لا تكون مجلة للقصة بالمعنى الأوسع لتستوعب كل ما يُكتب في فن القصة؟

في بداية الستينات عني بعض زملائنا بكتابة القصة القصيرة جدًا، وعند استرجع التجربة العراقية أذكر الأصدقاء: إبراهيم أحمد والمرحوم د. خالد حبيب الراوي لأنهما اهتما بهما. وكانت وسيلتهما، لكن إبراهيم أحمد سيكتب لاحقًا عددًا من الروايات وبينهما روايته الجميلة ((أطفال CNN)) التي جمعت بين التوثيق والفانتازيا حول قصة قصف العراق عام 1991 ثم حصاره.

ونشر د. الراوي ثلاث مجموعات تنتمي معظم قصصها إلى القصة القصيرة جدًا تم جمعها بعد وفاته في مجلد واحد من قبل ولده الطبيب.

كان هذا نفسهما وقتذاك. وكانا قد دفعا فيها. ومع هذا كتب قصاصون آخرون تجارب متجاورة في القصة القصيرة جدًا، أمثال: أحمد خلف عبدالستار ناصر حسب الله يحي. وكاتب هذه السطور… وآخرين.

لم يقرر أحد مسبقًا أية قصة يريد أن يكتب بل إن موضوعات القصص هي التي قادتهم لهذا.

ونظرًا لكون معظم المصطلحات الأدبية هي مصطلحات مراوغة ولم يجر الثبات عند تحديد مكين لها، فإن هذه المراوغة جعلت بع ض القصاصين يسمون القصة القصيرة جدًا بأسماء أخرى كلها تشير إلى القصر والسرعة مثل: (القصة البرقية) أو (القصة اللحظة) أو (الومضة) أو (اللمحة)… الخ.

ونجد أن هذه المراوغة حاضرة حتى في نصوص سردية أخرى مثل (القصة الفصيرة الطويلة) وهي أثيرة لدى بعض الكتاب الذين أصبح في رصيدهم عدد كبير منها، لكن من الواضح جدًا أن ما يكتبه القاص في مرحلة معينة يجري جمعه بين دفتي كتاب يضم القصة القصيرة الطويلة والقصة القصيرة جدًا… وأستطيع أن أورد أمثلة على ذلك.

وقد تسنى لي أخيرًا أن أقرأ مختارات للكاتب الإيطالي الشهير دينو بونزاتي وفي هذه المختارات تتجاوز قصص من صفحة واحدة أو من صفحة ونصف الصفحة أمثال: الثأر، وثائق للإتلاف، الملهي الليلي وقصص من تسع عشرة صفحة أمثال: المذكرة.

إذ إن من الواضح جدًا للمعني بالقصة قراءة أو كتابة أن ما يضمنه الكتاب يندرج كله تحت عنوان واحد هو (القصة القصيرة) سواء كانت (جدًا) أ و (طويلة).

لكن بعض الكتاب الكبار وضمن اشتغالهم المختبري قد ينجزون مجموعة كاملة تشكل كتابًا تنتمي كلها إلى (القصة القصيرة جدًا) وقد أعلن صديقنا الكاتب السوري الكبير عادل أبو شنب في قائمة منشوراته الملحقة بروايته الجديدة (ذكر السلحفاة) أنه يعد للنشر مجموعة بعنوان (المتفرج) كلها قصص قصيرة جدًا.

ومن الكتاب المغاربة الذين استوقفتني تجاربهم في هذا المجال أذكر: عبد الحميد الغرباوي وجموعته (اكواريوم) حتى أنه لم يكتف بكتابتها بل وضع نصوصًا على غاية من القصر في هذه المجموعة تحت عنوان طريف و (نكاية بالقصة القصيرة جدا.

أما زميله القاص المختبري أنيس الرافعي فقد استبدل مصطلح (قصة قصيرة جدًا) باشتقاق من اللغة الفرنسية، وسمى قصص مجموعته الأخيرة (قصصًا مينيمية) هكذا.

ونجد أن نماذج كثيرة من الشعر العربي الحديث والقديم هي بشكل وآخر كتبت بروحية القصة القصيرة جدًا. وقد توقفت أخيرًا عند قصيدة بعنوان (جودي) للشاعر العراقي المغترب د. عبد اللطيف أطميش.

وهي حكاية مغني شعبي معروف اسمه جودي، صفاته، صوته ثم غيابه، قرأتها كما أقرأ قصة رغم أنها قصيرة موزونة.

لا أحد يشترط على الكاتب ماذا يكتب؛ وليس لأي كاتب امتياز على آخر لأنه كتب بهذا الشكل أو ذاك. فالمطلوب في المحصلة الأخيرة من أي عمل أدنى هو مقدار ما يحققه من إضافة واختلاف كما سبق وذكرنا.

وأخيرًا أحيل قارئ هذه الزاوية إلى (قصص قصيرة جدًا) من الأدب الإسباني المعاصر لكاتب اسمه انطونيو رييه رويس ترجمها الأديب المغربي عبد اللطيف البازي ونشرتها مجلة (دبي الثقافية) في عددها لشهر تموز (جويلية) 2009 لأنها آخر ما وقع بين يدي من قصص قصيرة جدًا.

في تونس وقبل سنوات عندما كنت أعد للطبعة الأولى من كتابي: (ظلال تونسية) الذي أردت أن أجعله أوسع انطولوجيا للقصة القصيرة بتونس استوقفتني عند القاص الصديق حسن نصر قصصه التي من الممكن إلحاق كلمة (جدًا) بها لذا اخترت له ثلاثًا منها لتظهر في هذه الأنطولوجيا التي انتظر وصول نسخ من طبعتها اللبنانية إلى تونس.

كما استوقفتني أخيرًا نماذج لقصاص تونسي جاد هو صالح الدمس، فيها روحية هذا القاص المعروف بسخريته الجارحة.

وربما هناك أمثلة أخرى فاتني التوقف عندها.