أسفار هنرى ماتيس إلى الفن الإسلامى ……. اسعد عرابى

أسفار هنرى ماتيس إلى الفن الإسلامى

سجاجيد علاء الدين ومنمنماته ترضع تيارات الفن المعاصر

———-

اسعد عرابى  *

بعد أربع سنوات من معرض ” دولاكروال فى المغرب هاهو “معهد العالم العربى ” ينتزع نفس النجاح فى معرض توأمى تحت عنوان ” مغربيات ماتيس ” والذى سيستمر حتى نهاية الشهرالأول من بداية الألفية الثالثة ، يحيط إذن إبراهيم علوى (مسؤول متحف الفن العربى المعاصر) اللثام عن مساحة هذه الإضاءات البرزخية التى شارك فيها تراث المغرب فى صناعة تيارات تاريخ الفن المعاصر ، والتى جعلت من الشرق والغرب قراناً ولقاحاً وحواراً ، وتحالفاً ثقافياًعضوياًعميقاً فى جذوره وتراكمات تأثيراته ، وبما يتناقض مع سيطرة روح الجحود (حتى لاتقول العنصرية) والأحادية الثقافية التى تعثر بها مؤرخو الفن ، تكشف أمثال هذه المعارض بالنتيجة ، ضرورة مراجعة تاريخ الفن المعاصر الغربى بأفق شمولى محايد ، وبمعزل عن شتى أنواع العصبيات (من فعل ورد فعل ) .

وإذا كان المعرض قد حقق بعده الإيجابى بما يطمح إليه منظموه ،(وقد تعرضت له بحماس فىأكثر من مناسبة إعلامية )، فقد أحببت فى هذه الدراسة أن أجمع الخواطر الهادئة التى تقترب عدستها أكثر من جوهر الظاهرة وما يمكن أن تثيره من جدل وأحببت أن أسبر مع القارئ الأطروحة المحاورة فى عمقها الذى يتجاوز مباركة الإعلام والنقد ، فقد سمحت لقلمى وذهنى أن يطلق بعض المساءلات والاشكالات التى تتحول دوما فى هالة المعارض الناجحة إلى نوع من المحرمات مهما كانت أرضيتها متحالفة مع الموضوع الدراسة لاتتطاول بأى نقد أوانتقاد للمعرض (فتقنيته بالغة الكمال ) ولكنها سياحة من التداعى الضرورى الذى يرتبط بالمنهج المعرفى الذى يلزمنا دوما بامتحان قناعاتنا حتى لاتتحول إلى عقائد لاتقبل أطروحاتها أى نقد أو تحليل . من هذه السئلة ثلاثة .

1- هل يحتكر المغرب تأثيره على ماتيس لاشك بأن تحقيق أطروحة المعرض تقنياً كانت نوعا من الإعجاز فقد جمعت اللوحات المتعلقة باثبات الموضوع من أفاق متباعدة من متاحف الولايات المتحدة ( المتروبولبتان فى نيويورك ومتحف الفن المعاصر فى واشنطن وسواهما ) وحتى متاحف روسيا ( متحف بوشكين فى موسكو ، ومتحف الإرميتاج فى بطرسبرغ وسواهما) مروراً بمتاحف فرنسه وأنكلتره وسويسره والفاتيكان ، بل إن محور المعرض كان قد ابتدأ به معرض “ماتيس فى المغرب ” والكاتالوك المرفق الذى تم تجهيزه فى الولايات المتحدة عام 1990 .

ولكن وقع عنوان المعرض وسابقه فى محذور تقسيم مالايقبل القسمة فى منطق الجبر ..

ليس فقط لأنها المرة الثانية التى يتخصص فيها العنوان بالمغرب تحديداً ، بل إن المحورالراهن ، وأكثر من السابق يجتزئ حقيقة التأثير ، إن العودة إلى العمق التاريخى البعيد فى هذا التأثير المتبادل يتجاوز أى حرج ، يرجع أبعدها حتى فترة الحروب الصليبية ، فدير القديس سان جوس فى فرنسة يحفظ حتى اليوم الكف6، الشهير الذى حمله المحارب إتين دوبلوا من بلاد الشام فى القرن العاشر الميلادى .

وهنرى ماتيس نفسه لايكابر ولايراوغ فى إطلاق الشياء بأسمائها العلمية المتفق عليها، والتى تنسب تراث السجاجيد والسيراميك ، والمنمات (رسوم المخطوطات) التى ازدهرت وتنوعت طرزها فى الأمصار والأقاليم الإسلامية المتباعدة ما بين الصينى والأندلسى فدعوها ببساطة وتواضع ودون عقد ” الفن الإسلامى ” وليس العربى . ولا البربرى ، ولا المغربى ذلك أنه يعتمد فى صناعاته على أسس جمالية متوحدة رغم تنوعها الهائل بإمكاننا أن نقيس بها جمالياً ما أنتج خلال قرون متتالية ، ونميزه عن الفن البوذى أو الطاوى أو الكولومبى أو السندى والهندى أو الرافد والدلمونى ألخ … يسميه ماتيس أحياناً شرقى وسرعان ما ضبط المصطلح مع الأيام وتعرف على اسمه الاستشراقى الشائع : الفن الإسلامى وإذا كان من التعسف مطالبة آلية العرض باتساع المحور المذكور فقد كان من الأدق الإلتزام – على الأقل – فى النصوص العلمية بهذه الحقيقة .

وقد صادف أن شاركت منذ أيايم فى المؤتمر العالمى الأول حول السجاد الإسلامى (تونس) وتعرضت لتاثيره الثقافى على التيارات المعاصرة ، واضطررت أثناءها أن أشرح من جديد أن المصطلح العلمى : ” السجاد الإسلامى” لا علاقة له بأى خارطة سياسية لأنه خارطة جمالية بحتة ، رسمها تطور الطرز وتوحدها عبد العصور : إبتداء من حوالى القرن الثالث الهجرى وحتى اليوم ، بدليل أن العديد من الدراسات التى شاركت فى المؤتمر عالجت بعض ماتيس نفسه عن تأثيره فى البداية أى منذ حوالى 1906 بطريقة معالجة الفراغ فى رسوم المخطوطات “الصوفية” التى اذدهرت فى القرن السادس عشر فىغيران على غرار مدرسة بهزاد (هيرات) وسواها ، ولم يكن يحتكر هذه الدهشة والإعجاب ، فقد تزامن من أثاره فسيفساء استانبول من اهتمام لدى الفنان بول سينياك، وخصاءص تجزئة الون الانطباعى ، ثم إن الرجعة إلى 1905 تبدى أن نشاط “جماعة الوحشيين” (اللذين كان على رأسهم ماتيس) والذين تحولوا من ألوان النور الطبيعى الذى يفصل العين عن الموضوع إلى ألوان وقوس قزح .

فعبرت اللوحة بالتالى إلى التعبيرية الروحية اللونية ، وأخذ أغلب هؤلاء يتبعون منابع الشمس وخرائطها الجغرافية، لقد سبق الفنان جوجان ماتيس فى العبور من “الأربسك” الإسلامى قبل أن يطيب له المقام فى جزر المحيط الهادى (مثل تاهيتى) ولن يكون من المصادفة أن زميله أندريه ديران كان يتردد مثله على الأندلس والمغرب وفى نفس الفترة تسجل مذكرات ماتيس تذمره من طقس باريس قائلا:: كيف يمكن أن أكون مصوراً فى ضباب ورمادية باريس ؟ . وكان قد سبقه الفنان جوجان إلى نفس الملاحظة، وفان جوخ كذلك . ولحق كل هؤلاء بحرائق الشمس خارج باريس .

يوحى المعرض وكأن ماتيس يحتكر إرتشافه لرحيق المغرب الفنى ، رغم أن كتاب المعرض نفسه يتعرض إلى عدد من الرسامين المستشرقين الذين كانوا يواكبون فترة إقامته هذه ، وهو ما يجعلنا بالمقارنة نجده متسسباً بدرجة ما إلى الحساسية الاستشراقية الجديدة ، بل إن بعض أعماله المبكرة على غرار لوحتى “الرقص”و”الموسيقى” الموجودتين فى متحف شوشكين تشير إلى نظرة لاتخلو من سوء الفهم إتجاه تشريح الفراغ فى المنمنماتالإسلامية عموماً ولايخلو المعرض نفسه من لوحات تعتمد على الإكسسوارات الفولكلورية المرتبكة ، وبالنتيجة فإن تطور أسلوبه واكب عمق فهمه المتدرج لقواعد الفن الإسلامى المعقدة، وتنوعات تقاليده ما بين رسوم العهد التيمورى أو المغولى أو العثمانى أو ما ارتبط منه بالزيليبح الأندلسى – المغربى ، أو أنواع السجاد والبسط من زربية وكليم وقطيف وخمرى وأنواع الحياكة .

ثم علينا أن ننتبه إلى أن أغلب لوحات ماتيس( مثل المستشرقين) أنجزت فى باريس ماعدا القليل من الرسوم واللوحات السريعة أو المتسرعة التى رسمت فى الأندلس أو الجزائر أو المغرب ، وذلك على غرار كراسات دولاكروا ودفاتره التى كانت تمثل زاده الذاكراتى فى محترفة الباريسى .

وقد يكون من المفيد فى هذا المقام استدراك بعض معارض الفن الإسلامى التى فات ذكرها نصوص المعرض ، وخاصة معرض هالسبرغ عام 1891 ثم وبعد عام فى برلين وذلك قبل أن تتقاطر المعارض ابتداء من المعرض العالمى الباريسى فى 1900 والذى خصص جناحاً كبيراً للصناعات الإسلامية ثم معرض 1903 فى مدرسة الفنون الزخرفية ثم معرض برلين 1910 الشهير الذى اشتمل على مايقرب من ثلاثة آلاف وخمسة مائة سجادة إسلامية . تؤكد منشورات المعرض على هذا الأخير ، الذى شهق فيه ماتيس بملاحظته المعروفة ، بأن ” الفن الإسلامى هو الوحيد بين الحضارات الذى اعتمد فى التعبير الثقافى على اللون والعلاقات اللونية “.

وارتباط ماتيس بشكل القنطرة الأندلسية أسبق من سفرة إلى طنجة بل إن بعض رسومه المتأخرة التى تعتمد على القص (فى تصاميم كنيسة فانس) كان يسترجع مع الجرس شكل قوس محراب قرطبة .. وغذا كان تأثير المغرب ظاهراً إبتداء من زيارته لطنجه عام 1912 والزيارات القريبة التى اعقبت هذا التاريخ فإن هذا التأثير ليس أكيداً فى المراحل التالية (كالجوارى التى كان يعتمد فى رسمها على نماذج نسائية حية فى باريس) أو خاصة فى مراحل “القص” التى سيطرت على أعماله الأخيرة قبل وفاته ف بداية الخمسينات .

إن فن ماتيس واتساع حدود تأثره بالفن الإسلامى تتجاوز خريطة المغرب . بدليل أن أى معرض من المعارض التى تاثر بها لم يكن يحمل اسم المغرب وإنما الصناعة الإسلامية .

ثم أن ارتباطه بالحياكة قد يكون أعرق من تعرفه على الفن الإسلامى بدليل أنه كان يؤكد فى أكثر من مناسبة أن لقاءه مع الفن الإسلامى فى هذه المعارض وفى الأندلس  رسخ لديه توجهه الزخرفى فى بناء الفراغ بل أنه يؤكد بعد خبرته الطويلة أن تعريقات وأرابسك ورقش السجاد الإسلامى يجعل من الفراغ أكبر مما هو عليه بسبب بعدها “النصبى” والذى دعى “بالمناليست”فيما بعد وقد حاول أن يشير رمزياً إلى فصاحة اللون وذلك بقطع اللسان واكلمة متلاعباً على تقطيع اسمه بالفرانسية : Matisse  بحيث  أصبح matisse  أى “حياكتى” يلعب الفنان فازاريللى بعد نصف قرن نفس اللعبة فيقطع مصطلح التشكيل Plasticite  ليصبح تشكيل المدينة ” Plasti – Cite   ” محافظاً فى هذا الالباس على اللفظ ، وبما أن فازاريللى يعتبر مكملاً لمسيرة ماتيس فى استثماره لمناخات الرقش الهندسى ، فقد عمم إستلهامات ماتيس الزخرفية – الهندسية على مناخات المدينة الصناعية المعاصرة .

وبالإجمالى ، فقد تناغمت خصائص الفن الإسلامى مع صبوات ماتيس فى جعل التصوير حالة غبطوية طوباوية فردوسية يروح حبورها عن النفس مثل موسيقى ” الباروك” فكان يصرح دوماً بأنه يحب أن يجعل من لوحته محطة راحة حيادية أمام المتفرج المثقل بمتاعب العصر اليومية كان يدعو إذن إلى تصوير غير درامى ويكره شتى أنواع الأطلاية الاستشراقية أو التراجيدية الرومانسية لذلك فإن التعبيرية التالية استقت من ماتيس والوحشية قوة اللون وليس الوضع البسكولوجى المأزوم الذ ستتخصص به “التعبيرية الألمانية” .

فإذا ماعدنا إلى فلسفة الفن الإسلامى وجدناها تلبى هذا التوجه الجمالى الذوقى أو العرفانى والذى يقود غبطة البصر إلى مواجيد البصيرة وبهجة العين الحسية إلى دعة وسكينة القلب ، لقد ارتشف ماتيس من تواصل لقاحات الكينونة الحية مع الكينونة الفردوسية (النباتية) أى أنه حاول أن يجمع تراث المنمنمات التشخيصى مع تراث السجاد والسيراميك التجريدى . وتحقق بذلك بحثه الحثيث عن فن منزه عن “التشبيه” بوعاء الواقع( المناهض للتكعيبية) وبلغ بالتالى طهارة “الفن الحلال ” الذى لاينافس الخلق والخالق فى صناعته الابداعية ، وهكذا انتقلت أهم قيم الفن الإسلامى إلى عقائده التشكيلية فأصبح الفراغ مطهراً من خط الأفق والمناظير والترشيح والظلال والكتل، ويختزل العالم إلى ورقة أو قماشة ذات بعدين ، تتحرك فيه الأشكال الحلزونية إلى الإعلى والأسفل ، وليس إلى الأمام والخلق كما هو وعاء الواقع واللوحة الكلاسيكية أو الاستشراقية الوصفية .

وقد يكون المعرض تخصص فى اسفار ماتيس إلى المغرب تفريقاً منه عن اسفاره إلى معارض لندن وبرلين وغرناطة وقرطبة واشبيلية والجزائر وبأنه ومنذ رحلته إلى طنجة بدأ يثابر على ارتداء الزى المغربى حتى أنه رسم نفسه معتمراً القفطان المعروف الذى تغطى عمامته الرأس .

وهنا يملك منظمو المعرض الحق فى اجتزاء أسفاتر ماتيس فى الفن الإسلامى ، بما يمكن أن ندعوه بالمحطة المغربية ، وقبلها الأندلسية الخ .. خاصة وأن اختياره عام 1912 لمرفأ طنجه لم يكن صدقة فهو البرزخ الرمزى المتوسط بين الشرق والغرب بين جنوب البحر الأبيض المتوسط وشماله ، وكان قد غنطلق منه الرحالة الشهير إبن بطوطه ، وماهو ماتيس يحط رحاله مع زوجته فى فندق بحرى متأبطاً ألة الكمان مع علبة الألوان ولكنه يفاجأ بغزارة الأمطار فى واحة غناء من النخيل البحرى والعمارة الأندلسية الزاهية ،كانت هذه الحال تتناقض مع ركام الصور الاستشراقية التى حملها خياله المسبق مع حقائب السفر ، حول تصحر شمال إفريقية والعالم العربى والإسلامى عموماً ونقلت ودهشته هذه خصوبة الخضرة وشبقها النباتى فى لوحات هذه الفترة ، محاولاً قدر إستطاعته إقتناص ألوان خصوبة الطبيعة الفردوسية التى يعرفها فى السجاجيد ، ثم إنعكاساتها على الحياة اليومية ، والطرز والزخارف والأزياء والعمارة ، وخاصة فى عوالم المقاهى الشعبية الوادعة ، أما موضوعات الحريم والجوارى والنسوة اللواتى يخطرن فى مناخ زخرفى غسلامى ابعد من حدود المغرب ، فقد كان موضوعهم الإستشراقى مجرد ذريعة للوصول إلى حدائق وجنان هذه المناخات الفردوسية ، كان يصور من ذكراته فى باريس ، معتمداً على النماذج النسائية الحية ولكن هذه الذاكرة كانت مشبعة بما رآه وسمعه فى معارض الفن افسلامى وربوع الأندلس والجزائر والمغرب ، كانت حواسه البصرية – السمعية متخمة با]قاعات وأهازيج وأناشيد وترنيمات وتكسرات الأرابسك وحلزونياته ونجمياته وتوقيعاته التى تمغنط هندساتها الروح والحس .

كان ينصت إلى الفن الإسلامى “بما فيه أثناء زيارته للمغرب” بعينه يسترق السمع إلى سلالم الأزرق ، ومدرجات الأصفر الهندى المقابلة للأخضر اليابس كان يبصر قرار وجواب سلم الألوان ودرجاتها التى ترفع عقيرتها بالغناء وفق نظام لحنى أفقى عرفت به خصائص المقام والموشح فى ذخائر “السماعى” لعله بداية التحول من الموضوع الاستشراقى إلى أبرز خصائص الفن الإسلامى وهو التراشح والتواصل بين طرب السماع وحسن البصر ،ليستمر هذا الاكتشاف بعد عقود مع الفنان بول كليه وسواه فى عصر التوليف افبداعى .

لقد أهمل المعرض ونصوصه هذا الاكتشاف المركزى الذى يتجاوز السفر الجسدى إلى المعراج الذوقى كما سنرى .

1-   الحدود المفتوحة بين أصول الرقش والنواظم الموسيقية اللحنية ؟

أنجز ماتيس فى بحر عامى 917 و 1918 عددآ مناللوحات التى تمثل آلة المكان فى غرفة داخلية تطل على باحة مغربية لا إن واحدة منها اقتحمت من لوحة طنجة الاستهلاكية التى رسم فيها نخلته الشهيرة , ولعله مما يقير العجب إهمال المعرض لهذه النماذج التى تمثل مفتاحآ يسهّل كشف تمفصل تجربة ماتيس مع حساسية الفن المغربى أو الإسلامى عمومآ .

كان ماتيس موسيقيآ , وعازفآ محترفآ على الكمال يصطحب آلته أينما كان مثلها مثل أدوات الرسم والتصوير , وقد تعّرف على موسيقيّى المقاهى الشعبية فى طنجه وسواها من خلال انجذابهم لطريقته فى العزف , وإذا كنا لا نعرف إلا القليل عن مستوى احترافه فإن ما يكشف تعلقه بالنظام الشرقى فى الموسيقى هو عشقه لبيلا بارتوك , الموسيقار الهنغارى العالمى الذى حطّم النباء الهرمى فى الموسيقى الكلاسيكية , بسب تأثره بنظام الموسيقى الإسلامية : الأفقيّة أو اللحنية والتى عرفت بها مقامات وأدوار التخت الشرقى , وسماعى التقاسيم والإنشاد والموشح وسواهم وكان مسؤولآ عن قسم الاستماع فى مؤتمر القاهرة الشهير حول الموسيقى العربية عام 1932 لعل هذا ما يكشف أسباب تفصيله لموضوع الموسيقى والرقص منذ استهلالاته الأولى , وما دعاه المعرض بالجاريات ما هن إلا راقصات شرقيات , وسنجد علاقة غامضة بين شكل قوس الكمان والأقواس الأندلسية ” مثل جامع قرطبة ” وقد جعل من شكل آلة العود أساسآ محوريآ فى بعض لوحاته ” من المقصوصات الورقية ” , وسنعثر على تكوين غامض فى إنشائه لرسوم كنيسة فانس فى أواخر حياته حيث أن شكل العذراء يشبه آلة الفيولونسيل , أما انها فيشكل قوسآ لهذه الآلة .

ومهما يكن من أمر فإذا كان تأثير ماتيس فى البداية بالفن الإسلامى ” أو المغربى كما يدعى المعرض” لا يخلو من التسطّح الاستشراقى , فإنه لم يبلغ درجته العالية من الوجدانية والرهافة الروحية إلا عندما اكتشف التراشيح بين الفنون البصرية والسمعية الإسلامية , وكان يدعوها ” بالضرورة الداخلية الروحية”.

كان يؤمن بأن القدرة على التواصل مع نواظم الكون تملى عليه أحكام خطوطه وألوانه لقد توصّل فى هذه الدرجة من الكشف إلى أحد أهم خصائص الفن الإسلامى , وهو التواشيح والتنافذ بين الحواس ومبدعاتها , وهو قادة بالتدريج إلى البحث عن نوطه بصرية متقشفة من خلال قص اللون مباشرة ولصقه على اللوحة , وهى الإنطلاقة التى ستقود فزاريللى وسواه إلى ” الفن البصرى ” وبرامجه التولفية مع الرفيف الموسيقى كما وأنها ستؤثر فى الستينات على التجريد الأميركى ” نيومان وسواه ” .

لعله من الجدير بالذكر أنى كنت قد انجزت دراسة منهجية معمقة حول التراشح لدى بول كلى الذى يمارس مثله الموسيقى والتصوير وينتهل من نماذج الفن الإسلامى هذا التوليف ([1]) .

2-   ما هو مدى تأثير الفن الإسلامى على تجربة ماتيس ؟

يحلو لبعض النقاد ومؤرخى الفن العربى أحيانآ – وبنوع من العصبية المراهقة – الارتكان المطلق إلى اغراء فكرة تأثير قيم الفن العربى أو الإسلامى على كبار الفنانين ابتداء من دولاكروا وانتهاء بالفن البصرى مرورآ بماتيس وكليه وسواهم لدرجة أن أحد النقاد المرموقين فتش عن أصل اسم بيكاسو فتوصّل إلى أنه أبوالقاسم إن الخوض فى مثل هذه القشرية التى تعرّب الفنّ الغربى جملة وتفصيلآ لا تقل تعسفآ ” حتى لا نقول عنصرية ” عن النقاد الغربيين الذين يستبعدون جملة وتفصيلآ مثل هذا التأثير , ويحاولون شطب الاسماء ذات الأصول العربية من ةتاريخ الفن المعاصر , تقود هذه العصبيات إلى جدل بيزنطى عقيم حول مطلقية الممتلكات الثقافية وخلط الخرائط الذوقية ” الفنية” بالخرائط  الإيدولوجية إن أهمية الفن الإسملامى تؤكد شموليته كتراث إنسانى مفتوح , مثله مثل بقية الذخائر البصرية فى الحضارات الأخرى وسواء شئنا أم أبينا فإن حوض المتوسط كان أداة توحيد ذوقية خلال قرون طويلة رغم تباعد الحضارات التى احتلت شواطئه . دعونا نتأمل اليوم علاقة القرابة بين ألوان مراكبه التى تجوب عبابه من الشرق إلى الغرب وبالعكس لقد ثبتت اليوم حقيقة لا تقبل الجدل , وهى أن مرافئه تجتمع حول تقاليد مشتركة فنية منها احتكارها لعادة إعادة رتق واستخدام وترقيع نتف وشظايا الألبسة المستهلكة بعد اهترائها وغير ذلك كثير .

إن إعتبار الفن المعاصر انعكاسآ آليآ لتقاليد الفن الإسلامى لايقل غلوآ عن تجاوز شراكته فى قلب مفاهيم الفراغ وتوقيع أشكاله وموسيقية اللون , لنتحيل الفرق بين ماتيس (كفنان غربى) والفنان المغربى الذى يرث صناعته أبا عن جد , فإذا كان ماتيس قد جمع منذ البداية عددآ من ذخائر بلاطات السيراميك الإسلامى , فإن تأثيرها على فنه لايمكن أن يعادل تأثير من يحبو فى طفولته على أديم أرضها ويعيش جدرانها وإذا كان عمق فن ماتيس قد جنّبه الصفة السياحية , فإن فنه يقوم على السفر فى الآخر , فقد انطق منذ البداية من منهج سيزان المادى – والمناقض جذريآ لكل مقاييس الفن الإسلامى , يشتمل المعرض مثلآ على تجربة ذات أهمية خاصة تكشف كيف حّول تفاحات سيزان (فى واحدة من اللوحات التى يمتلكها إلى منحنيات من الرقش النباتى , وبالنتيجة فإن مخالفة ماتيس لسيزان لاتعنى قطع حبل السرة مع رحم الفن الغربى وتراكماته التى قادته إلى لوحة سيزان واستعادتها قادته إلى شراء لوحة سيزان واستعادتها بشكل صريح ف العديد من تكويناته .

لعله من الضرورى فى مثل هذه الحالات تصور إمتلاك أى فنان لجهاز توليفى معقد لا يخضع إلى قوانين الكيمياء , جهاز أقرب إلى رحم لقاح وحوار حضارى يتحرك مثل الناقوس بين تراكمات الآنا وإضاءات الآخر , وهنا تكمن فكرة فى الجغرافيه البصرية الإسلامية وحرائق شموسها , ولكن هذه الحرائق لاتخفى صقيع باريس .

دعونا فى النهاية نتأمل مادة التأثّر والتأثر , إذا كان الفن المعاصر الذى ينتمى إلى تجربته ماتيس يفرق بين اللوحة النخبوبة (أو فن الحامل الثقافى) , والصناعات الإستهلاكية أو النفعية , فإنّه من الواجب تفريق ذخائر التراث البصرى الإسلامى بين هاتين الدرجتين (رغم اختلاطهما فيه) ولكنه من الموثوق أن مساحة الفن الإسلامى النخبوى تعانق رسم المخطوطات (المنمنمات ) والصناعات الذوقية مثل أنماط زيلليبح قصر الحمراء وبعض أنماط السجاجيد , خاصة التى كانت تخضع إلى رقابة النقابات الروحية فى تجويد صناعاتها . نخرج فى هذا الميزان المتعادل نسبيآ (بين مادتى التأثير والتأثر) من صورة الاستباحة الاستشراقية لفولكلور العالم الثالث . والنظر إلى الآخر بمقياس التصحّر الثقافى , فى هذا الميزان المتراجع فى كفتيه نعثر على معنى التوليف المتوازن , وبأن الطريقة التى تأثر بها ماتيس بالفن الإسلامى لاتتجاوز الدرجات التوليفية التى أثّر بها ماتيس بدوره على فنانين عرب مرموقين من مثال أمين الباشا (لبنان ) والياس زيات (سورية ) وآنجى أفلاطون (مصر) وغيرهم .


[1] -Paul Klee et l’apport de la musique de Pnocha – Oniett .” A.ARABI – ANCRAGE 1990 N : 1- P .53 – 57