آليات التشكيل بالصمت في : ” صمت الرمل ” …… خالد البلتاجي

آليات التشكيل بالصمت في : ” صمت الرمل ”

———

خالد البلتاجي (*)

(1)

إن المتن الحكائي عبارة عن مادة خام طيعة في يد السارد ، وقابلة لأن تصاغ بما لا حصر له ، ولا عدد من الأشكال التعبيرية وفقاً لرغبته وتمشياً والإستراتيجية المتبناه من قبله نحو المسرود له : الأمر الذي دفع كثيراً من المنظرين لأن يولوا هذه المسألة كبير عنايتهم واهتمامهم محاولين الإحاطة بها من جميع جوانبها سواء من حيث السارد بالشخصيات أو العلاقة التي يقيمها بمتنه الحكائي ، أو بمخاطبه أي إن العلاقة بين المتن والمبني أو بين القصة والخطاب محل أشكال ودراسة .

ولقد عاني كتاب الرواية وعلي نحو الخصوص بعد نكسة الخامس من يونيه عام 1967 م من التفتت ، إذ أدت تلك الهزيمة إلي نوع من التشتيت والتشويش وتداخل خطوط الرؤية لديهم ، جعلتهم يتبنون صيغاً سردية تتوازي في تداخلها وتشابكها مع تعقد خارطة الواقعين : المحلي والقومي ، ولذا نتج في الكتابات الإبداعية أعمالاً إنمازت بالتشنج والتوتر في الوقائع المروية من قبل سارد كان – هو الآخر – واقعاً تحت تأثير ضغوط فكرية لم يكن منتظراً سوي إبداع أشكال كابوسية وقد لزم هذا التفتت من قبل المبدع أن يتعامل القارئ – هو الآخر – بشئ من التراكم ، وأصبحنا بين ثالوث وعي مفتت لدي المبدع ونص مفتت أو متراكم ، وقاري يتعامل مع النص بشئ من التراكم ووعي ذهني حاضر .

(2)

النهاية في البداية / مبدأ الإحالة :

لا يستطيع استيعاب ما حدث .. حاول الربط بين ما حدث بالأمس وما حدث أول ما جاء إلي هذه المدينة (ص5) ، في صباح اليوم التالي لم يذهب إلي العمل ، ظل ممداً ويقظاً لم ينل القسط اللازم من النوم .. (ص194) .

————

(*) كاتب مصري .

هكذا تبدأ / تنتهي رواية : ” صمت الرمل : للكاتب المصري : محمد عبدالسلام العمري ويحاول في هذه السطور القليلة أن يشير إلي جملة عناصر البنية السردية : أحداثاً وأزمنة وأمكنة وشخصيات وضمير السرد .. إلخ فالأحداث تتراكم ويحاول السارد تفسير ما حدث كما يحاول الربط بين ما حدث له ، وما حدث أول ما جاء إلي هذه المدينة وليلة أمس ، وبالتحديد تكون ليس أمس حينئذ – هي الزمن الخارجي أو الزمن الإطار ، وكأن الرواية جميعها كانت رهن هذه الليلة .

أي أن الرواية تسير وفق مبدأ الإحالة والتعليق ، حيث لا يخبرنا بما حدث له بالأمس إلا مع نهاية الرواية بعد ثلاثة عشر مشهداً ، وتمتد هذه المشاهد فيما يقرب من المائتي صفحة أو بالكاد .

أي تسير الرواية وفق حركة دائرية تتعانق البداية بالنهاية مكونة دائرة كبري وثمة دوائر أخري كثيرة تتولد مع كل مشهد من هذه المشاهد الثلاثة عشر .

هكذا نجد تراكمية الأحداث / الأزمن / الأمكنة مع المطلع الأول للرواية ، الأمر الذي يجعلنا نتذوق براعة الاستهلال ، إذ استطاع الكاتب أن يضعنا في قلب الأحداث ويقدمها لنا دفعة واحدة ، وإذا كانت هذه هي القصة / المدن فلقد نبقي – إذن – البحث في كيفية تشكيل الخطاب بتعبير ” تودروف” .

وتتداعي أحداث الرواية – هذا إذا كان ثمة أحداث من الأصل بالمفهوم التقليدي للحدث – وعبر بنية الصمت وآلياته يطرح الكاتب كثيراً من تقنياته البنائية المختلفة ولعل أهمها : الحلم / التداعي / التناص / المونتاج العقلي / الوصف .. إلخ

ومن الجدير بالذكر ، هنا أن يصبح الصمت إحدي آليات السرد ومكوناً أساسياً من مكوناته في تشكيل هذه الرواية ، فمادة “الصمت ” وردت في النص الروائي أكثر من ثلاث وأربعين مرة فضلاً عن  ” صمت الرمل ” عنوان الراوية .

وكما هو واضح : أن صمت الرمل ، نحوياً إنما يقع مبتدأ ، ومضافاً إليه ، أي : لا يكون جملة مفيدة ، فهو مبتدأ في حاجة إلي خبر ، ولعل قصد الكاتب أن يشير إلي أن ما حدث ليلة أمس ( أي جملة أحداث الرواية ) هو ذاته الخبر ، وربما قصد الكاتب أن يلفت نظر القارئ إلي أن هذا الصمت هو ذاته الخبر ، وحينئذ يجب أن تقرأ الرواية هكذا : ” هذا صمت الرمل ” .. ويظل اسم الإشارة : (هذا) الواقع مبتدأ إشارة /إحالة إلي مجهول لا يتضح إلا بقراءة النص ذاته .

والنتيجة تصبح واحدة ففي كلا الأمرين يحيلنا الكاتب إلي النص ..

( 3- 1 )

أما عن الصمت ذاته – بوصفه أحدج مكونات السرد وآلياته الأساسية كونه واقعاً مبتدأ لخبر محذوف أو خبر لمبتدأ محذوف – فقد ورد في النص السردي أكثر من ثلاث وأربعين مرة علي نحو ما أشير إليه – وهذه المرات المتعددة لا يمكننا أن نقول أنها وردت اعتباطياَ من كاتب يعرف كيف يملك أدواته الفنية جيداً ، وباستقراء النص السردي والمواضع التي وردت فيها كلمة الصمت ، ويصمت ، وصمتوا .. إلخ

– نجد أن هذا الصمت قد شمل جل آليات السرد من أحداث وشخصيات وأمكنة وأزمنة أو كلها ..

فالصمت – في ذاته – حدث ، وإن كان حدثاً بالسلب ، لكنه سيتحول إلي حدث إيجابي في نهاية الأمر علي نحو ما سنري .

أما عن صمت الشخصيات فلم يقتصر علي شخصية بذاتها وإنما شمل جميع شخصيات الرواية بشكل فردي أو جمعي … مثال قوله : “صمت الدكتور كلكتاوى ـ صمت قليلاً (الضمير هنا يعود على عصمت الفار) ، صمت ولم يستطع أن يتحمل (عبد الحميد راجع)، صمته جذب الانتباه إلية (د. رشدى)، ثم صمتت،(نورا)، وكذلك عمرو الشرنوبىـ كان صمته مختلفاً فورد لنا مرة صمت العاجز عن فعل أى شىء من نوعه ؛ ففى الليلة التى هاجمت الشرطة منزله ومكتبه وعلى الرغم من هذا الهجوم لم يكن أمام عمرو غير الصمت التام . كما نجد صمت الساخر والمستهزى ؛ حينما دخل مكتبة أحد مستضيفية ووجدها (المكتبة)صورة هى الأخرى من صور تعميق العزلة الإنسانية وحلية تستكمل حلية الحضارة . وأمام هذه المشاهد وغيرها لم يكن أمام “عمرو” غير كونه يغلى بصمته” أو بالأحرى يغلى بعجزه ورضوخه لما حدث وما زال يحدث . وتنتهى الرواية على لسان عمرو “بالصمت” ؛ إذ يشير إلى ذلك قائلاً: ” فصمت رغم كل هذه المشاهدات وهذه الأحداث” .

كما نجد الصمت الجمعى لأكثر من فرد فيقول : “إنهما صامتان واجمان” . وأيضاً نجد قوله : “يا الله يالهؤلاء الناس هادئون هكذا صامتون، مهذبون، يتحدثون بصمت يوافقون بصمت” وكأن الصمت ـ هنا ـ تسرب وتغلغل إلى هواجس الشخصيات ؛ فسائر الشخصيات تعرضت للحظات صمت أى أنها عرت بالصمت.

3ـ2

كما نجد الصمت /المكان أو سيطرة الصمت على فضاء الرواية أو أمكننتها ، وتصبح الرواية مفعمة أجواؤها بالصمت الدال ؛ ففى البداية نجد قوله: “ساد الصمت ، مشغولاً بالتفكير ، يناقش الرأى من عدة أوجه” وكأن السيادة هنا صارت للصمت وكأنه البطل ، فضلاً عن سيطرته المكانية. . وكذلك نجد قولة : “فيما كانت الطائرة تخفق بهم فى بحار الصمت متجهة إلى ديستراكو . . (ص61) ، وعندما يتحدث عن الزوجة التى ربما كان يتمنى أن يتزوجها (أخت أمانى) فيشير إلى هذه الزيجة التى لم تحدث فيقول: حتى يفخر بها فى صمت الصحراء ” . . ثم يسيطر الصمت على أجواء الرواية ؛ فيقول “بدأ الصمت مخيماً ” ، ثم يأتى الصمت من الآلة ليسيطر أو يفرض على الأجواء فيقول : أعلن ميكروفون الإذاعة الخارجية “إلتزام الصمت” ، فهو يتوجه إلى الجماعات بأسرها ـ على حد سواء ـ أهل المكان أو الدخلاء عليه .

3ـ2

أيضاً نجد الزمن الصامت ، أو سيطرة الصمت على أزمنة الرواية . هذا إذا أخذنا فى الاعتبار أن ثمة أزمنة متداخلة فى الرواية ؛ فمثلما يوجد فيها الزمن المرجع / الزمن الإطار الذى يحكم القصة من البداية حتى النهاية ؛ نجد أيضاً من الخطاب . أى : الأزمنة الداخلة تلك التى تتزايد وتتعدد وتتداعى حسبما يرى الراوى أمكنة جديدة أو شخوصاً أو أحلاماً تتداعي حسب المونتاج العقلى أو الحلم . .إلخ .

أما نماذج الصمت الزمنى فنجدها فى ثنايا قوله :صمت قليلاً ” ، “وكان صمت الانتظار ثقيلاً وطويلاً ” ، صمت الرجل برهة ” ، ” وفى هدوء صمت الليل” .

هكذا سيطر الصمت على زمن الرواية والأزمنة الأخرى المتداعية.

كما يسيطر الصمت على سائر المخلوقات الأخرى غير الإنسان فى الرواية ؛ فيقول الراوى عن الكلاب ؛ ” لا تفتأ تصمت حتى تواصل من جديد” . ويجسد الصمت تجسيداً مخيفاً كى يضيف إلى فزعه وخوفه فزعاً وخوفاً جديدين ، فيقول : “وبدا الصمت فحيحاً” .

4-  آليات الصمت وتشكل بنية

الرواية : 4-1 الحلم

رأى القدماء أن الحلم صورة ترد عليهم من عالم ما فوق الطبيعة ، ورسائل إلهية فوق مستوى البشر، إلى أن جاء “أرسطو” بتفكيره العلمى فكان أول من أرسى وجهة النظر النفسية فى دراسة الأحلام وأنها ليست رسائل إلهية . بل هى نشاط نفسى يصدر عن النائم بحسب الظروف التى يكون عليها فى نومه .

بيمنا يرى بعض العلماء أن الحلم ما هو إلا استئناف على نحو ما لحياة اليقظة ، وإذا تأملنا أحلامنا وجدنا استمرارا من نوع ما لما يجرى فى حياتنا التى تشغل تفكيرنا .

وهكذا فإن الأحلام ما هى إلا استمرار لسرمدية حياة اليقظة . واستطاع السارد فى رواية “صمت الرمل ” عبر المادة الحلمية التى وردت حوالى ثلاث مرات فى النص السردى أن يقدم لنا الرؤية الروائية مرة ثانية ولكن من وعي الكاتب أو من خلال اللاوعى ؛ فإذا كان الحلم الحقيقى يمثل اللاوعى . فالحلم العقلى أو المونتاج العقلى يمثل وعى الكاتب ؛ فهو يقظ وفى أسمى درجات وعيه ونشاط الذهنى .

ولايمكننا فصل الحلم عن المونتاج فكلاهما يكتمل فما جاءنا فى الوعى يعمقه الحل أو العكس بشكل أفقى فى الوعى يأتى فى الحلم بشكل رأسى وهكذا .

ومثال ذلك :

الحلم الأول :

نجد فى بداية الرواية تساؤل عمرو الشرنوبى : لماذا حدث كل هذا ؟ ولأنه يحيلنا إلى مجهول ولا يتضح لنا ما حدث إلا من السطور الأخيرة من فشل وهزيمة واستسلام ورضوخ يأتى لنا الحلم الأول استشرافياً ؛ حيث يحمل ما سوف يحدث عبر هذا الحلم/ اللاوعى يقول فيه: (ص11) ” أخذته سنة من النوم ، رأى فى إغفاءته حلماً ، غيمة ودخاناً وضباباً يحيط به، كلما انتقل من مكان إلى آخر وجدها فوقه ،تتبعه أينما رحل ، يراها فى حالة صراع وجلبة وصلصلة كأن مادتها الحديد والاحتكاك ،كأنها الجنازير تلتف حول معصمه وساقيه ورقبته وعقله، كلما ذهب إلى مكان وجدها تحوطه مبتعدة عنه أحياناً ، تتعقبه أحياناً كثيرة، بحاول التوارى والهروب دون جدوى ، يجدها متريصة ، أصبح رجلاً مسناً متزوجاً وله أولاد ، أبيض فواده ، وخط المشبب شعره ، أصبح شيخاً لا زالت تتعقبه ، عاش حيناً من الدهر زاد كثيراً عما توقعه لنفسه فى محاولة الفكاك ، لا حظ أن التعب لم ينل منه ، وكلما رآها زاده هذا قوة وتجداً ” .

هكذا نجد الحلم يدور فى حركة دائرية عبر الأفعال المضارعة التى تتصدر كل جملة من جمل هذا الحلم تماماً كدائرة الطوق الذى يلتف حول معصميه ، وساقيه ، ورقبته ، وعقله .

ففى المادة الحلمية ذاتها نرى الدائرة المحكمة عبر المادة اللغوية أو الأشكال الكابوسية / جنازير تلتف ، لكن يبقى الأمل ، ففى نهاية الحلم على نحو ما رأينا أنها لم تنل منهبل زادته هذه القيمة قوة وتجدداً .

ثم يأتى لنا الحلم الثانى الذى ينقل لنا الراوى فيه ما وصلت إليه هذه المدينة التى يعيش فيها من تخلف وجمود ولم يكن ازدهارها سوى ازدهار شكلى أجوف أيضاً يأتى لنا حلماً استشراقياً يعمق على المستوى الواقعى بعد ذلك ، وربما ينصهر الحلم بالواقع فى السطور التالية مباشرة للمادة الحلمية ؛ ففى الحلم نجد قوله :

أخذ سنة من النوم ، فلم ير فى أحلامه إلا طوفانات إثر أخرى ، كتباً منحدرة تجرفها السيول ، رأى المغول ونهر دجلة مليئاً بالكتب وهارون الرشيد والمأمون ينقذان ماتبقى ، أخذ على عاتقه مساعدتهما يعمل بهمة وإخلاص شديدين ، العرق يتصبب منه أحس أن طاقته وهنت ونفدت فاستيقظ راضياً عن ما قام به ” (ص42)

فإذا كان الحلم يفرض علينا أو يرجعنا إلى واقعة هجوم المغول على بغداد وغيرها من العواصم العربية والإسلامية وإحراقهم لأهم المكتبات العربية وأعظمها ـ فعلى المستوى الواقعى نجد زيارة السارد/ عمرو الشرنوبى لأحد مستضيفه فى هذه المدينة ويجد كتباً كثيرة ومكتبة ضخمة لكنها على الرغم من هذه الضخامة والجمال لا تزيد الإنسان إلا عمقاً فى غربته وعزلته فكلها كتب تتحدث عن الموت وتمجد الشيطان والقبر وعذابه . .إلخ .

أيضاً ينصهر المستوى الواقعى /الواعى/مع المستوى الحلمى اللاوعى فى الحلم الثالث (ص76، 77).

فعمرو الشرنوبى يتقابل فى الواقع مع سناء، ويحدث بينهما ما يحدث من تعبير عن الحب والمشاعر الفياضة إلا أنه يراها /واعياً ، حزينة تتألم فيقول : ” ثمة انقباضة قلب ، أسى وحزن وشجن ، قلق يجتاح هذه الإنسانة البالغة الرقة ، بدا أنها ترتعش . .إلخ” .

يأتى الحلم ليعمق هذا الحزن ويفسره ،(ص77) :”جاءته فى الحلم صامتة وحزينة ، استيقظ ملفوفاً بطبقة رملية كثيفة وناعمة ، لها سمك وحجم ، ترتفع فى أماكن عن أخرى تئز الرياح فى الخارج ، ألواح الزجاج تصطك مع حلوق الشبابيك ، تسرى القشعريرة فى جسده ، سحابات الجير المترب تحجب أشعة الشمس ، تجعل السماء قريبة ، تتساقط الأمطار جيرية ناعمة ، حاول أن ينأى عن غائلة الريح والمد”.

ثم يعود بنا إلى المستوى الواقعى ليؤكد ما حدث فى الحلم ؛ ويصبح حينئذ الحلم استشرافاً لما سيحدث ففى الصباح : يذهب عمرو إلى سناء كى يذهبا ليشتريا لوازم الزواج يجدها قد تم ترحيلها إلى مدينة جارثيا .. وكانت الخطوة الأولى لترحيلها كلية إلى القاهرة . .

4-2 المونتاج العقلي

إذا كان الحلم هو تغييب للعقل ، واستخدام لتيار اللاوعى، أو توظيف له ، أو استخدام للوعى الباطن فهنا فى المونتاج العقلى يكون توظيفاً للوعى والذهن فى أنشط حالاته وصفاته .. ففى المونتاج العقلى الأول عندما هبط عمرو إلى مدينة جارثيا وفى ثنايا تجواله فيها : “بدت المدينة لحظة خروجه من الفندق ثقيلة وكثيفة ضبابيتها مركزة تنحدر المياه فى شوارعها والسيول ..” .

هذا على المستوى الواقعى ، يأتى المستوى اللاوقعي فى المونتاج قائلاً : ” وبدا أن الأمطار تهطل دماً ، والسماء ترسل كرات نارية ، سمع الأمطار تغنى نغماً للأزمنة البعيدة المنسية، رجع مسرعاً ، نظر من خلال الزجاج إلى السيول الجارفة التى لم يتعود عليها . . . ”  (ص41).

وكذلك بعد اقتحام الشرطة منزل عمرو الشرنوبى : ” بدا له آلاف الثعابين البدائية الطائرة السامة ، ذات الأجنحة ، التى لم تتطور بعد حسب قانون الطبيعة ، رابطة فى كل ركن وفى كل منزل وفى كل شارع (ص193).

وهكذا يرى الثعابين الرابطة فى كل منزل ، كل ركن ، كل شارع ، أى شمولها للمكان تماماً يتفق مع الحلم الذى رآه مع أول صفحات الرواية (ص11) والذى رأى فيه الغيمة والضباب والجنازير وكلها كما هو ملاحظ تدور فى حركة دائرية ، فضلاً عن دائراية اللغة عبر الأفعال المضارعة .

4-3 التداعي

إذا كانت الطريقة التحليلية يمكن أن تقدم عرضاً جزئياً مزيفاً أو مصطنعاً لتيار الوعى ـ فإن الطريقة الحوارية الفردية الصامتة مصطنعة تماماً كما هى مزيفة، وأن الحاجة فى تسجيل انسياب الوعى بواسطة الكلمات والعبارات تصنطر الكاتب لرسم هذا الأنسياب على شكل خط أفقى مستمر شبيه بالخط اللحنى . ويشير “بول ويست ” إلى أن من أولى خصائص الوعى أن تتداعى الأفكار والصور المتداخلة حيناً وتناسب بفطنة وذكاء حيناً آخر، فكرة بفكرة ، أو صورة بأخرى ، ولكن تتجلى براعة الكاتب فى خلق تداع مترابط على حد سواء كان هذا الترابط بين النص المتداعى والمتداعى ، وبينه وبين النص الروائى كلية حتى لا يكون خلقاً مشوهاً .

ومن الجدير بالذكر أن نقرر أن فكرة التداعى إنما هى فكرة قديمة قدم الإنسان نفسه؛ فما من حدث يحدث لنا إلا ويستدعى ثمة أحداثا أخرى كثيرة ، وما من حديث إلا ويقودنا إلى أحاديث أخرى تنتهى إلى تساؤلنا : ما بالنا وهذا الحديث ، وما الدواعى التى قادتنا إلى مثل هذا الموضوع . الأمر الذى يتضح فى إشارة ” بول ويست” إذ يقول :

” إن فكرة التداعى إنما هى قديمة قدم الإنسانية والباحث عن الحقيقة ـ بحثا أعمى وحده ـ هو من يروم أن يعرف متى استخدم هذا التداعى كأسلوب أدبي لأول مرة.

وتزخر رواية ” صمت الرمل ” بالكثير من الصور المتداعية عبر تحول السارد في الشوارع ، أو المكتبات  ، أو الشركة أو عند أحد الأصدقاء . فعلي سبيل المثال، نجد إشارته في ( ص 55 ) في ثنايا جلوس الراوي في غرفة الطبيب ” النوبتجي : جاء شاي وأخذ يتصفح إحدي المجلات المصورة ولم يجد فيها شيئاً ذا بال ، الأمر الذي استدعي لدي ذهن الراوي افتقاده لمجلة روزاليوسف ، والأهالي والأهرام وبدأ يتحدث عن انتفاضة 18 ، 19 يناير .

وكذلك نجد في ثنايا تجوال الراوي ويحثه عن كتب مناسبة يقرأها لم يجد إلا كتباً تمجد الموت في ثنايا تجوال الراوي ويحثه عن كتب مناسبة يقرأها لم يجد إلا كتباً تمجد الموت وتعظمه . تتداعي هذه الكتب فكرة الموت ومنه (الموت) إلي إيديولوجية الشخصية المصرية منذ السبعينيات ، أو بتعبير آخر تلك الفكرة التي أصبحت مسيطرة علي الشخصية المصرية السبعينيات فهي شخصية لا مبالية ، وقدرية وانكالبة ..(ص40) .

وأيضاً نجد التداعي عبر الذاكرة ، ففي مهاجمة الشرطة لمنزله في البلدة الأخري يحطمون صورة عزيزة عليه تلك الصورة لن يستطيع أن يعيدها إلي سيرتها الأولي خذ الراوي يتذكر يوم التقاطاها ويعود بالقارئ إلي مدينة إيتاي البارودي ،وأمه وأخته وأبيه، والنقاط هذه الصوة 192 ..

هكذا تزخر رواية : صمت الرمل ” بالعديد من التداعيات التي ترجع قارئ الرواية إلي إحداث ذاتية وثمة أحداث أخري جماعية كقضية التعذيب داخل السجون للإخوان المسلمين في ثنايا حكم ناصر / السادات .. علي النحو الذي رأيناه في شخصيتي عبدالحميد راجح والدكتور / رشدي .. ( ص87 ) .

كما يحيلنا الكاتب إلي قصة : الهجانة ليوسف إدريس وبها يستدعي بمبدأ
الصمت/ الإحالة إلي ما حدث في القصة القصيرة للكاتب وما حدث للمجتمع أو للقرية المصرية حينما أرادت يوماً أن تدافع عن الكرامة المصرية وحقها الضائع . ص 144.

وهكذا كانت النصوص المستدعاة في أغلبها نصوصاً مسكوتاً عنها أي : اكتفي المؤلف بذكر عنوان العمل ويحيل القارئ إلي العمل المحال إليه .

4-5 الوصـف

ثمة فرق كبير بين النص الوصفي السردي ، والنص السردي الوصفي الأمر الذي لاحظه ” جيرار جينيت ” حيث يشير إلي ذلك قائلاً : ” الد\ار بيضاء ، وسقفها سبوري ، ونوافذها زرقاء ” .

” اقترب الرجل من المائدة ، وتناول سكيناً ففي النص الأول وصف سردي بينما النص الثاني سردي وصفي وينهي ، “جينيت ” دراسته بقوله : ” ما أيسر أن نصف دون أن نسرد ولكن ما أعسر أن نحكي دون أن نصف ” إذن الرصف ضد السرد ، إذن يعمل الأولي علي إيقاف الثاني ولكي يسير الثاني لابد من قتل الأول أو وقفه .

بينما يذهب ” تودروف ” إلي أن الوصف قد يؤدي إلي التمطيط والتمييع في الخطاب الروائي فالسرد أكثر حيوية والوصف أكثر تأملية .

ويتساءل تودروف لماذا نعد الوصف والسرد متناقضين ؟ ألا يمكنهما أن يكون متضافرين في تدعيم الحدث الروائي ؟

“إن المسافر عبر سيارته بقدر سرعته ووصوله نحو الهدف بقدر متعته بجمال الطبيعة ورواية ” صمت الرمل ” استطاعت أن تسير بسرعة للوصول ولكنها أيضاً أكثر من محطات الوقوف والاستراحات الممتدة كي تتمتع بمتعة الرحلة ذاتها ، فالمتعة ربما كانت في أحيان كثيرة هدفاً في ذاتها ، الأمر الذي يلاحظه قارئ الرواية في الأغلب الأعم من صفحات الرواية .

ونكتفي بذكر أرقام الصفحات : وصف المكان حتي يتحول إلي مكان أسطوري : ص 20 ، 21 ، 36  ، 94  ، 137 .. إلخ

4- 6  الصـــور ..

كما تتسم أثر الرواية الجديدة وعلي نحو الخصوص أحد كتابها البارزين ميشال بوتور في ثنايا تعليقه علي الصور المعلقة أو التي نقابله ، ففي تجوال الراوي لمدينة بوط يعلق الراوي علي صورة نخلة والحدائق المختلفة التي أقامتها البلدية .. ص33

ثم يشير إلي الصور التي تحرقها البلدية وتمنعها دار الفتوي ص 66 . ولعل أهم الصور الدالة في رسمه الكاريكاتيري الذي كان مثار حديث الناس وتم القبض علي الرسام ومصادرة الصحيفة لمدة أسبوع وهذه الصورة أو الرسم هي :

يمثل بقرة ترعي في ” هان ” وتحلب لبنها في ديستراكو وتلقي روثها في ” رون ” ويمكننا القول بأن ثمة بلاد اترعي وأخري تجني .. وهكذا كذلك الرسم أو الصورة التي ذكرت في ص 69 التي يقول فيها : ” بدت فاتنة بكابها أعلي الرأس وتقاطيع وجهها المصري ، ورشاقتها في بنطالها وبلوزتها ، تقف مستندة إلي جوار عمود أيوني في بهو كلية الفنون الجميلة بالزمالك يعرف هذا المكان جيداً .

ففي هذه الصورة استطاع الراوي أن يصف لنا سناء إحدي شخصيات الراوية دونما أن يتعمد الراوي إلي وصف الشخصية ، وإنما هو يتجه إلي الصورة لا إلي الشخصية .

وكذلك عبر الصورة استطعنا أن نعرف جزءاً كبيراً مجهولاً من حياة الشخصية الرئيسية عمرو الشرنوبي وإحالته إلي الماضي حينما ذكر لنا الصورة التي داهمتها قوة الشرطة فعندما ، أمسك بالصورة أحالنا إلي الماضي علي نحو ما أشير إلي ذلك عند ذكرنا للتداعي ، ص 192 .

هكذا عمد محمد عبدالسلام العمري إلي اللوحات علي طريقة ميشال بوتور ، وإلي الوصف علي طريقة آلان روب جريبه ، وهما من نصار الرواية الجديدة في فرنسا كما عمد إلي استخدام المسكوت عنه في ثنايا ذكره للنصوص المتناصة مع النص الروائي وهكذا تحدث بصراحة عن المسكوت عنه (170) وأيضاً بتعبير الراوية تكلم كثيراً صامتاً ، لذا كانت رواية صمت الرمل هي رواية التشكيل بالصمت .