من خطاب الأن المبد عة إلى المخيلة النقدية ……. د. خلف عبد العزيز

من خطاب الأن المبد عة إلى المخيلة النقدية

رؤية في حتمية التكوين

والصدام الخطا بين الإبداعي والنقدي

ـــــــــــــــ

د. خلف عبد العزيز(*)

لم يكن رولان بارت منصفاً إلى حد بعيد حينما تصور أن المدول significant ملكاً مشاعاً ، مضفياً بذلك روح الثبات الدال –  nifiesigوحده . ولقد أدت هذه التحولية القيمية للمدلول إلى تطور الصراع القديم بين الخطابين الإبداعى والنقدى . وبات جلياً اليوم والعالم طوى صفحات القرن العشرين أن الخطاب الأدبى (وهو خطاب وثائقى وتصورى فى آن واحد ساهم فى جلاء الكثير من الحقائق والألغاز التاريخية التى لم تتجاوز حد التضارب وعلامات الاستفهام لدى كثير من الكتابات التاريخية ذات الصبغة التبابنية) يعانى منذ مهده ضروباً من التشكيك والاتهام ، منذ أمد جد بعيد فى المخيلة النقدية التى صاحبته منذ قرون عديدة ويكفينا النظر فى خاتمة منطقية لشتى البيئات التى تمت تلقى الخطاب الأدبى فيها للتثبت من حقيقة هامة ، ألا وهى أنه ليس هناك نص أدبى يتمتع بوجدية خالصة ، فكيان قائم على حوار وجواره ووجوده الاجتماعى ولحظته التاريخية والبيئية ، هو خطاب يعيش على التغذى من النصوص الأخرى على حد تعبير أحد أبرز الميزانين النقديين فى هذا العصر 1، أو هو خطاب يستقى وجوده من انعاطفه وتبعيته للنصوص الأخرى التى تسبقه فى الزمن ، فكيانه بذلك رهن لقراءة ثانية لهذه النصوص التى يجرى حواراً معها وفقاً لتصور أحد اللغويين الغربيين المحدثين 2، أو هو خطاب استبدادى يستقى وجوده وماهيته من جراء الحوار الهش الذى يديره مع الوسط المتلقى الذى لا يمكن له أن يزامنه وفقاً لتعبير أحد من كرسوا جهد كبيراً فى ملاحقة الخطاب الأدبى 3.

هذا التلازم القديم بين الخطاب الأدبى ومتلقيه الذى يصطبغ بطابع فلسفى لم يكن ليمر دون أن يحرض الدراسات الإنسانية الأخرى وأهمها الفلسفة ، فى أن تدلو بدلوها فى هذا المعترك الاحتدامى السرمدى . فلعلنا نذكر إن سقراط ـ بعدما هاله أن ـ من بين شعراء عصره ـ لم يكن بينهم من يقوى على تأويل شعره بعدماً أخضعه لمنهجه الاستقرائى ـ قد سعى سعياً حثيثاً إلى فصل ثلاث قدرات يتمتع بها الإنسان ، بعضها عن البعض الآخر، أولهما القدرة على تلقى نص أدبى، وثانيهما القدرة على تفكيكه منطقياً، أخيراً القدرة على الحكم عليه حكماً موضعياً .

ومن بين القدرات الثلاث التى تحدث عنها سقراط ، ظلت الثالثة تحظى بشرعية ووجود بعدى من الناحية الكرونولوجية ـ chronologique من حيث علاقتها بالخطاب الأدبى المصاحبة له، ووجود فبلى لدى بعض الأوساط التى تلتحف بمعطف الثقافة فى حين أن سلطانها وبرجوازبتها الثقافية تأسستا على ما أفادته من المتلقى النقد الأدبى ، وليس من مطالعتها وعلاقتها ورؤيتها للخطاب الأدبى . أنها بالأحرى لهجة مزدوجة لهذه البرجوازية الثقافية التى لاتدين بالفضل لمن أسس عقلها الثقافى النقد الأدبى، بل تمضى وتعتمد لغه الخيانة الأيدلوجية وتدير ظهرها لمن ناصرته فى الباطن ، وتبنت أحكامه الخطاب النقدى فى الحوار التقريرى . وربما كان مؤشر مبيعات كتب النقد الأدبى بمختلف توجيهاته ومذاهيه فى أوروبا والعالم العربى يدلنا على هذا الوجود العلاقاتى المزيف بين ثلاثة أقطاب تصاحب عملية الكتابة ألا وهى الخطاب الأدبى الإبداع /الخطاب النقدى/ المستهلك الثقافى ، ففى حين تقدم أعداد هائلة ثانوية على اقتناء دراسات نقدية حول البؤساء لفيكتور هوجو، بندر رواد المكتبات الباحثون على شراء الرواية النص الأدبى المبدع.

الخطابان الإبداعي والنقدي :

حتمية التلازم والصراع

أن حتمية هذا التواجد بين العدوين الحميمين(الخطاب الأدبى / الخطاب النقدى) تظل دوماً لمثابة علاقة مزاحمة هيجيلية يحاول فيها كل فريق إزاحة واستبعاد الآخر حتى وأن كانت طريقة الإجراء هى الاعتراف بالآخر بغية إقصائه أو تهميشه فيصبح بذلك الحاضر الغالب . ذلك أن غاية الخطاب الأدبى وبعده الأيديولوجى ـ إذا تصورنا أن له غاية فى الأساس ـ تكمن فى محاولة إعادة إنتاج الواقع وفقاً لمعايير وصور شخصية بحته، أو البوح وإزاحة ما تضمره النفس المبدعة وفقاً للتحليل الفرويدى للأدب ، مقصياً بذلك دور العامل الآلى فى العملية الإبداعية وهو المتلقى أو الغريمى فالإبداع لايسعى لإصابة متلق أو جمهور مسلح لمعاير ثقافية معينة ، أى أن مسألة الإبداع ليست تصميم مؤلف لجمهرة معينة، أما الخطاب النقدى، وهو خطاب يستمد شرعيته من مزاولة نشاطه التذهيبى من التصاقه والتفافه حول الأدب، فيسعى ـ لاقيا فى سعيه كل نجاح ـ إلى تأصيل أدواته ومعطياته من خلال الخطاب الأدبى فيطاوعه ويلبسه قالبه وتوجهه أو يحاول أن يروضه مخضعاً إياه لما يمكن أن نطلق عليه التبني أو التجاوز العضوى للنص ، وهو محاولة تصغير النص وتفكيك وحداته بشكل يسمح بربطه باللحظة التاريخية أو الاجتماعية أو السياسية ، أو محاولة النيل منه بأدعاء أنه ليس خطاب الانا المبدعة ، ما هو إلا خطاب الـ ( نحن ) – أو الـ ( أندم ) أو الـ ( هم ) وهي إتحاد العناصر المؤسسة للنص الأدبي ، والتي تشارك في مركبات شتي كالطبيعة والجنس واللحظة والنصوص الأخري وغيرها كل بحصته ، فلا يصبح المبدع لذلك سوي أداة خلقتها اللحظة ودفعتها أن تكون ممثلاً لها . وفي كل من الإجراءين ( الإبداع والنقدي ) تظل العلاقة بين الخطابين علاقة تضاد وتزاحم تصب في بعض الأحيان فيما يشيه الاحتدام ، وهو احتدام تقليدي كالقول الشهير الذي يتبؤ به الخطاب الأدبي ، من أن إلي آخر متي استبد به الخطاب المنازع الخطاب النقدي ، وغداً ينال من الخطاب المنازع ما النقدي سوي إبداع محقق أو كالقول الضدي الذي يعتمده الخطاب النقدي متي ثبت له أن غريمه الخطاب الأدبي يسلب لب جمع غفير من جمهرة المثقفين ما كان للإبداع أن يوجد دون وسط مثاق ولجلاء الأمر علينا أن نقول أن الخطاب الأدبي يعاني في علاقته بالخطاب النقدي علاقة تصل إلي حد العبودية ، إذا جاز لنا استقدام هذا المصطلح من لغة الساسة واستخدامه في هذا المقام ، فإذا كانت وجودية الخطاب الأدبي رهن التصافه بوسط متلق شرعي الخطاب النقدي فإنه في ذلك التلازم الحتمي يقف موقف المتهم ، أبكم ليس له أن يدفع عنه سهام الآخر فينتهي به الأمر أن يطالعنا مذعناً في ثوب متلق عادي – كل حكم طالما أنه أصيب بداء إليكم متي قذف به في ساحة النقد وأصبح النص نصاً نهائياً ، ولهذا فتظل هذه العلاقة علاقة مزامنة مزمنة لا يستطيع أي من الفريقين الفكاك منها رغم الفارق الزمني الذي يفصل بين لحظة الإبداع والإنتاج النقدي حول الإبداع .

الشوفينية Chauvinisme  :

ولا تخلو عادة هذه النزعة النقدية من دروب الشوفينية أو التزمت القومي ، إذ أن حضارة أمة تميل عادة إلي التنقيب في الحضارات الأخري بغية اكتشاف روحها وديناميتها المؤثرة في الآخر فيقودها هذا التعنت إلي إعادة أدني مركبات التشابه بينها وبين الحضارات الأخري حضارات مستقبلية ، ولكن سادت هذه الروح في النصف الثاني من القرن العشرين علي أيدي المقارنين الفرنسيين وتابعيهم إلي حد أن فرانسوا ماريوس حيار Francois – Marius Guyard  جزأ الادب إلي آداب مرسلة وآداب مستقبلة أو آداب أوربية وغير أوروبية ، وهو إدراك ثار حوله جدل كبير في هذه الآونة ولم يتقبله نهج ما وراء المحيط ( النهج الأمريكي ) علي يد رينيه ويليك واوستن وارن ، وحتي داخل التقليد الفرنسي آنذاك علي يد رينيه ايتاميل Rene Etiemble   الذي اتخذ من المثل الفرنسي ( المقارنة ليست عقلاً ) منهجاً له وألف كتاباً يدين فيه هذا النهج العنصري . ولقد أدي هذا الأمر إلي التخلي عن الشوفينية في الوسط النقدي الفرنسي فأصبح هدف الدرسي الأدبي كما يزعم ليف شيفرل Yves chvrel  ، وهو أحد أعلام التقليد الفرنسي في الأدب المقارن وهو إطلاق الفرضيات والتقدم صوب الآخر وترك الناقد للنصوص يتحاور بعضها مع البعض الآخر بغية رصد القواسم المشتركة بينها .

وما كان لهذه الروح المتفشية التي يمارسها الخطاب النقدي حول الابداع أن تعاني الجمود بل تفشت في الدراسات النقدية الأخري التي مارست وما زالت تمارس حضوراً حول الخطاب الادبي ، كعلم الاجتماع ، وعلم الأسطورة ، وعلم النفس وعلم اللغة ، وأصبح القاسم المشترك بين هذه الدراسات جميعاً هو إحالة الإبداع إلي القضاء الاجتماعي كما يتصور الاجتماعيون وكان من أثر ذلك الموجة التي دعت في العقد السادس في القرن العشرين إلي دراسة الرواية والأدب دراسة اجتماعية بحتة وأعاودا هذا الخطاب الأدبي هي مرجعية أسطورية إلي حد أن البعض يميل إلي الاعتقاد بأن العمل الأدبي ما هو إلا تطور موروث وظل له ، وأن الحضور الأسطوري في خطاب الإبداع الأدبي يتمحور حول ثلاثة أبعاد مختلفة هي البروز والمرونة والإشعاع ، وربما كان علم النفس أقل العلوم الإنسانية جوار بالخطاب الأدبي فلقد اكتفي بالنظر إلي الأدب علي أنه حديث الأنا الآتية المعبرة عن خلجاتها دون عناء ، وأن ترسب اللاشعور يساعد كثيراً علي تشفير ألغاز مستعصية في الإبداع .

الهوامــش :

1- انظر مقدمة البروفسير جاري ماري كاريه ه Care Kan- Marie   لكتاب  Literature complete PUF Paris 1965 , P.6 .

2- Phlippe Soliers Thect d’ ensemble Paris , Seuil 1568 , p. 75 .

3- Dominque  Mageeau Prognarique dud is cours intereaire .