أنتقال النظريات السردية………………………… د/ سعيد يقطين

أنتقال النظريات السردية

( المشكلات والعوائق )

تقديم :

تنتقل الأفكار واللغات والقيم من مجال إلي آخر ومن فضاء إلي غيره تماماً كما ينتقل الأشخاص ، وتنتقل الأشياء لغايات ومقاصد محددة ، تتغير وسائل الانتقال وغاياته بتغير الأحوال وتطور الأزمنة لكن الانتقال يظل قائماً دائماً لحاجات يثبتها واقع أن العالم الشاسع الذي نتحرك فيه يفرض علينا بصورة أو بأخري أن نقتحمه بشتي الوسائل وباختراع مختلف الوسائط ونحن بذلك نهدف إلي التعرف علي ما يجري فيه وعلي ما يتحقق خارج العالم الخاص الذي ننتمي إليه لنستطيع العيش وفق ما يفرضه واقع التحولات التي تطرأ عليه .

تطورت في العصر الحديث وسائل الانتقال بصورة جذرية وصار بالإمكان  التعرف علي ما يجري في العالم وتحقيق فعل الانتقال بأقصي السرعة التي لم يكن من الممكن التفكير فيها إلي عهد قريب جداً وغداً من السهل علي  أي مكان أن ينتقل وقتما شاء من مكان إلي آخر بل أن ينتقل وهو لا يبرح مكانه في مختلف اتجاهات العالم ولما كان انتقال الأفكار والنظريات يعم بواسطة الكتاب أو من خلال الترجمة أو تحمل أشخاص متاعب السفر والهجرة إلي مواطن تلك الأفكار أو النظريات للتعرف عليها هناك ونقلها إلي الثقافة التي ينتمون إليها ( مثل ما فعله أو الريحان البيروني ( 440 هـ ) قديماً مع الثقافة الهندية .

فإن العصر الحديث أوجد وسائط عديدة وجديدة للتواصل وانتقال الأفكار وتبادلها بين الأمم والشعوب والأفراد بصورة لم تتحق في أي عصر من العصور الغابرة .

نود في هذه الدراسة الوقوف عند النظريات السردية الغربية ونبحث في كيفية انتقالها إلي الوعي النقدي العربي والدور الذي لعبته في تطوير الممارسة النقدية العربية والتساؤل عن المشكلات والعوائق التي تحول دون استثمار هذا الانتقال بصورة تضمن تحقيق الغايات والمقاصد الكامنة وراء هذا الفعل وضروراته .

النقل والانتقال :

– نريد في البداية أن نميز بين النقل والانتقال لصلتهما معاً بالموضوع الذي نبحث فيه وسيسمح لنا هذا التمييز بالنظر إلي طبيعة كل منهما وما يحتويه من دلالات تمكننا من تطوير النظر إلي كل منهما بصورة إيجابية .

إنهما معاًَ من جذر واحد : ن ق ل . وبدون التوقف عند الاختلاف الصرفي والدلالي المعجمي للمصدرين لغوياً نؤكد أن الانتقال بما يتضمنه من صيغة تقوم علي الافتعال ينهض علي أساس ضرورة عامة وطبيعة كلية ومتعالية الفعل ذاته إنه فعل إنساني عام يكفي تحقق وسائل إنجازه وشروطه البسيطة ليغدو قابلاً للتنفيذ .

أما النقل فهو ضرورة خاصة لا تكفي الرغبة العامة أو تحقق أحد شروطه ليصبح واقعاً لابد في النقل من وجوب الوعي به والإحساس بالحاجة إليه لدي فئة أو جماعة محددة ،وعندما يتدخل هذا الوعي يصبح نقل ما عند الآخر يرتهن إلي وجوب تحقيق غايات ومقاصد خاصة لدي من يمارس عملية النقل هذه أو يدعو إليها .

– تكمن وراء عملية الانتقال قيود مادية صرفة وما أن يتم تجاوزها حتي تصبح عملية الانتقال ممكنة وواردة وبصدد عملية النقل ، توجدحواجز “ثقافية” أو “إرادية” يصعب تجاوزها حتي وإن توافرت أحياناً الشروط المادية لتحقيقها إن عملية الانتقال تتم عادة عند توافر اتفاقات بين البلدان لتبادل الأشخاص والأشياء وضمن هذا يمكن أن ندخل الكتاب باعتباره يمثل أو يحمل أفكاراً أو نظريات أو قيماً ..

لكنع ملية النقل لا تتحقق فقط بتوافر أسباب الانتقال إذ لابد – والحالة هذه-من اقتناع من يمارس عملية النقل بأهمية ما ينقل من نظرية أو تجاهات فكرية أو غيرها وفي حال النقل هنا يبرز عامل الوعي بأهمية النقل بصفته ينم عن اختيار ودوره في تطوير ما يشتغل به أو يري أن لا مناص من الاستفادة منه أو تحويله إلي فضائه الثقافي .

يمكن أن تتداخل عملية النقل والانتقال في بعض الأحيان ويصبحان متواشجين ومتكاملين إذ لولا تحقق الانتقال لما أمكن أن يكون النقل لأن الأول يتيح إمكان حضور الشئ ويسمح الثاني بتحويل  بعض ما ينتقل إلي موضوع للنقل فإذا كان بلد ما لا يتيح فرصة لانتقال أو دخول الكتاب الأجنبي تحت أي ذريعة كانت فمن غير المعقول تصور أن يتم النقل في غياب أي تواصل مع ما يحتمل أن يكون مجال الانتقال .

وفي وضع آخر يمكن أن يبدأ النقل من خلال أشخاص أتيحت لهم فرصة العيش والتعرف علي الآخر وعلي ثقافته في عين المكان فيتشبعون بالأفكار ويقومون بحملها إلي بلدانهم ونقلها والترويج لها والدفاع عنها .

ويجدون من ينتصر لهم ، ويقتنع بجدوي ما نقلوا ، فيحدث بعد ذلك الانتقال وفي تاريخ علاقتنا الحديثة مع الغرب ، يمكن تبين الوجهين معاً لأنتقال النظريات والأفكار بعد أن ينقلها من قبل  اشخاص تشبعوا بها وساهموا في انتقالها مثل ما نجد مع النظريات النقدية في مطلع القرن (طه حسين ) أو مع تيارات مثل الوجودية والماركسية في مرحلة والبنيوية . التكوينية والنبيوية بمختلف ما ينضوي تحتها من اتجاهات في مرحلة أخري .

نريد بهذا التمييز أن نشخص الفرق بين العمليتين لتتاح لنا قراءة دقيقة لما ستتوقف عنده من خلال إحداهما فالانتقال مبدأ عام ، وهو قائم بذاته بناء علي ما تقتضيه مصلحة التواصل بين الناس والأمم ، فانتقال التكنولوجيا وكل ما يتولد عنها من إنجازات وفي مختلف المجالات التي تهم الناس لا يمكنها إلا أن تتم وفق شروط خاصة بين مصدرها ومستوردها ، أما النقل فهو خاص لأنه يقوم علي اختيار الناقل ومتي نجح النقل تحقق الانتقال  ، وصار ما ينقل موضوعاً عاماً للتواصل والتبادل ولهذا نجد النقل يتصل بصورة ما بالأفكار والقيم والنظريات .

النظرية : التشكل والتطور :

سنتخذ من نظريات السرد مجالاً للبحث لنعاين حركة تشكلها وانتقالها خارج الفضاءات التي تكونت فيها ووصولها إلي العالم العربي في ضوء المفهومين اللذين حاولنا الحديث عنهما أعلاه وقبل ذلك لابد من الإشارة إلي أنه يجدر بنا التوقف قليلاً عند الشروط والمميزات التي تتوفر عليها أي نظرية بهدف ملامسة مدي تطابقها مع الوضع الذي يمكن أن توجد فيه في حال انتقالها وما يمكن أن ينجم عن ذلك من تغيرات وتبدلات في أوضاع نقلها .

تنتظم أي نظرية كيفما كان نوعها في نطاق العناصرالتالية :

2- السياق : لا يمكن أن توجد أي نظرية خارج سياق عام يحدد الشروط الملائمة لتشكلها ويعطيها إمكان التطور بناء علي توافر .

3- الانتظام الذاتي : من بين أهم المستلزمات المناسبة ، نجد الانتظام الذاتي ، والمراد : البعد النسقي الذي يحدد لها مجموعة من القواعد والمبادئ التي تتأطر في نطاقها مجسدة بذلك خصوصيتها والإشكالات المركزية التي تنطلق منها وتسعي إلي تدقيقها ووضع حدودها ورسم معالم آفاقها .

4- التفاعل والدينامية  :والمقصود بذلك أن السياق الذي تنتظيم في نطاقه وانتظامها الذاتي يجعلانها تدخل في علاقات تشابه واختلاف مع علوم أو نظريات أخري أو علاقات حوار أو صراع مع النظريات القريبة أو البعيدة منها في السياق نفسه ووفق آليات الانتظام الذاتي نفسها ويسمح لها هذا بتحقيق التفاعل مع غيرها بشتي الصور الممكنة ووفق منظور دينامي يتيح لها إمكانات التطور أو المساهمة في بلورة نظريات جديدة متفرعة أو تمد نظريات أخري باحتمالات جديدة ومنفتحة.

5- تشكل النظريات السردية : نود الوقوف هنا علي نظريتين للسرد ظهرتا معا في سياق واحد ولكن لكل منهما محدداتها الخاصة وحدودها المميزة هاتان النظريتان هما : السرديات ( Narratologie ) والسيميوطيقا الحكائم
(
Semiotique narrative )  ظهرت النظريتان معاً في المرحلة البنيوي
( الستينيات ) واللسانية تحتل مكانة طليعية في مضمار البحث .

والتحليل لذلك سنجدهما معاً تتشكلان في نطاق الهاجس العلمي ويسعي كل منهما تبعاً لذلك في أن يتقدم باعتباره علماً خاصاً بالسرد أو الحكي تمييزاً لهما عن مختلف الاتجاهات النقدية في تحليل الرواية أو القصة السابقة بوالأخص البنيوية التكوينية والتحليل النفسي أو الاتجاهات المادية أو الوجودية .

إن هاتين النظريتين تشكلتا في سياق التحولات التي عرفتها الثقافة الغربية ، وخصوصاً في فرنسا خلال حقبة الستينيات التي حققت فيها اللسانيات خطوة مهمة في مجال تطورها منذ الثورة التي دشنت مع أعمال دو سوسير في بداية القرن إن العنوان العام لهذه الحقبة هو ما تم تحت اسم الدنيوية .

داخل سياق البنيوية حاولت السرديات والسيميوطيقا الحكائية أن تخلق كل منهما لنفسها انتظاماتها الخاصة ، وتضبط مبادئها ومقاصدها المتميزة بناء علي الخلفي التي تستند إليها كل منهما هكذا نجد السرديات وهي تتأسس علي قاعدة بلاغية وجمالية تعمل جاهدة علي الكشف علي أدبية السرد ، في حين ذهبت السيميوطيقا الحكائية ،وهي تنطلق من المنطق والرياضيات والعلوم الإنسانية إلي تركيز اهتماماتها علي المعني وضبط آليات اشتغاله ومواطن تحققه .

وإذا كان السياق يحدد نقط الالتقاء بين هذين السرديين من خلال تركيزهما كل بحسب انتظامه الذاتي علي الموضوع المحلل في ذاته بعيداً عن أي عوامل خارجية عنه فإن التطور الذي حققه كل منهما في صيروته جعلهما قابلين للتفاعل بينهما وبين مختلف العلوم الأخري المجاورة والبعيدة ويبدو ذلك جلياً من خلال محاولة السرديات الاستفادة منذ أواسط الثمانينات من نظريات التلفي ونظريات أو لسانيات النص والتعامل مع علوم مثل السوسيولوجيا وعلم النفس . وتحقق الشئ نفسه مع السيميوطيقا الحكائية سواء من خلال استلهامهاوتفاعلها مع علوم إنسانية أخري غير الأنثروبولوجيا التي استفادت منها خلال فترة تشكلها أو خلال توسيع مجال اهتمامها ، بانتقالها إلي البحث في الصورة والحركة سواها من أنواع العلامات غير اللفظية وما يزال كل منهما مرشحاً للتفاعل مع التطورات والمستجدات في مضمار ما يتحقق علي صعيد الثورة العلمية التي تلعب المعلوميات ووسائط الاتصال المتعددة دورها الرائد .

فكيف أمكن لنظريات السرد هأته أن تتشكل وتتطور وتنفتح علي آفاق أرحب في مجال الدرس الأدبي ؟

لا يمكن الجواب عن هذا السؤال بالصورة الملائمة إلا بوضعه في نطاق المفهومين اللذين جعلناهما مدار هذا البحث إن ” الانتقال ” أتاح لها إمكانات مهمة للاعتناء والتبلور ، كما أن النقل سمح لها إلي حد ما أن تخلق وضعاً جديداُ في مواطن خارج مجالها الثقافي وتتوفر علي مقومات للتطوير إذا ما تم تجاوز العوائق والممشكلات التي تحول دون ذلك .

-انتقال النظريات السردية :

سنحاول الإجابة عن السؤال أعلاه من خلال  محورين يدور أولهما حول الانتقال لتحديد طبيعته وكيفية حصوله وما تولد من خلال ممارسته ودوره في تخصيب النظريات وتطوريها أما المحور الثاني فنخصصه لعملية والنقل حيث يمكن الوقوف علي دوره في تجديد النظر وتحريف مساره وما ينجم عن ذلك من مشكلات وعوائق .

الأصول : سبقت الإشارة إلي أن نظريات السرد تشكلت خلال الحقبة البنيوية في فرنسا (الستينيات ) وكان العنوان الأساس لهذه الحقبة يتمثل في الثورة التي حققتها اللسانيات بوجه عام ولقد غدا الآن من الواضح جداً أن الأب الروحي للسانيات هو فردنان دو سوسير (1915) فكيف – والحالة هذه نتحدث عن الثورة اللسانية في الستينيات بالرغم من أن الجهود الأساسية في المضمار نفسه تشكلت في بداية هذا القرن ؟

ويمكن تأكيد الشي نفسه فيما يتصل بالدرس الأدبي فالحركة البنيوية تري أن جذورها تكمن بصورة أو بأخري في حركة الشكلانيين الروس بروسيا (1916)  وفي مضمار السيميوطيقا يرجع بارت أيضاً ظهورها إلي الدور الذي اضطلع به شارل ساندرس بورس (1914) فما الذي جعل الأصول تتبلور في حقبة ( بداية القرن خلال العقدين الأول والثاني ) وفي فضاء ( روسيا – سويسرا – أمريكا) لكن التشكل لا يتم إلا في باريس الستينيات ؟

هنا سيظهر لنا بجلاء كيف تنتقل النظريات والعلوم بوجه عام كلما توافرت الأسباب المناسبة لذلك قد عمل الشكلانيون الروس علي تجديد النظر إلي الأدب واللسان ودعوا إلي دراسة كل منهما دراسة علمية لكن دعوتهم ستعارض بشكل صارخ في نظام اجتماعي وثقافي له أيديولوجية جديدة ومغايرة لما يدعون إليه (النظام الاشتراكي ) لذلك سيعانون من الاضطهاد والقمع ويكون هذا الوضع مناسباً لانحباس دعوتهم وانكماشها علي نفسها وانعدام توافر الظروف الملائمة لانتقالها وتداولها لأن الدولة كانت معنية بانتقال ايديولوجيتها الاشتراكية وترويجها في الداخل والخارج وفعلاً تحقق لها ذلك في سياق سمخ لانتشارها واستعمالها .

وسوف لا يتم التعريف بأعمال الشكلانيين الروس وياختين ويروب إلا في أواخر الخمسينيات وبداية التسينيات عن طريق تجرمة أعمالهم إلي الفرنسية والإنجليزية تخصيصاً كما أن انتقال أحد أعمدة الحركة الشكلانية الروسية وهو رومان يكاسبون – خارج روسيا مكنه من الاضطلاع بدوره الرائد في حركاتتمثل الدعوة نفسها إلي تطور اللسانيات والبحث الأدبي في أوروبا أولاً ، وفي أمريكا بعد ذلك ويبدو ذلك مع كلود ليفي ستروس الأنثروبولوجي البنيوي .

إلي جانب الدور الطليعي الذي قام به ياكسبون في نقل أعمال الشكلانيين الروس وانتقالها وتطويرها برز الدور الأساسي لباريس باعتبارها عاصمة ثقافية أوروبية متميزة لقد توالت هجرات المثقفين والباحثين من أوروبا الشرقية تخصيصاً وكل منهم يحمل قضايا جديدة في البحث والتنظير ، وكل في مجال اختصاصه ووجدوا في فضاء باريس المجال الخصب لتلاقح الأفكار وتفاعلها فساهموا جميعاً في تشكيل الحركة الجديدة البنيوية ، باعتبارها رؤية جديدة للظواهر والبحث فيها ، بعيداً عن مختلف الإكراهات التي كانت تمارسها بعض النظريات وبخاصة  الاشتراكية والوجودية والتحليل النفسي بالرغم من أن العديد منهم كان بصورة أو بأخري متشبعاً بها بتحفظ أو بمنظور نقدي قابل للتطوير وفي الوقت نفسه كانت الاجتهادات اللسانية تتطور وتتبلور ببطء ولكن بعمق ( حلقات براغ كوبنهاجن يالمسليف ) .

ويكفي أن نذكر من بين العلماء والباحثين الذين هاجروا من مختلف بلدان أوروبا وبخاصة الشرقية إلي باريس ليتأكد لنا ذلك نجد من بين هؤلاء ” غريماس ( ليتوانيا ) ، كريستيفا (بلغاريا) تودوروف (بلغاريا) غولدمان (رومانيا) وعندما نضيف إلي هؤلاء الفرنسيين جيرار جنيت ، ورولان بارث وكلود ليفي ستروس يظهر لنا بوضوح الدور الذي ساهمت به هذه الكفاءات في تشكيل الحقبة الجديدة في دراسة اللسان والأدب وسنجد بعضهم يساهم في ترجمة وتقديم الأعمال الأصول مثل ما فعل تودوروف مع الشكلانيين الروس وكريستيفا مع باختين وغيريماس مع أعمال بروب .

إن هذا الوضع هو الذي ساهم في تأسيس نظرايت السرد سواء من وجهة نظر جمالية أو سيميوطيقية في فرنسا بالرغم من كون الأصول الأولي لهذه النظريات نجدها تشكلت في روسيا لكن الشروط لم تساعدها علي الانتقال إلي خارجها وبسبب توافر شروط أخري في فرنسا تم الرجوع إليها واستثمارها وتطويرها ومن فرنسا بدأت هذه النظريات تنتقل إلي مختلف البلاد الأوروبية وتجد من يساهم فيها ويسعي إلي تطويرها .

لكن الانتقال لا يتحقق دائماً بالصورة نفسها فإذا وجدت البنيوية لنفسها مكاناً في فرنسا وسويسرا وبلجيكا ونسبياً في إنجلترا فإن هذا لم يتحقق بالصورة عينها في أمريكا الشمالية وخاصة في الولايات المتحدة حيث سنجد أعمال البنيويين لا تحظي بمكانة مهمة باستثناء أعمال كلود ليفي – ستروس – أما اللسانيات والنظريات السردية فقد قوبلت بالنقد والنقض في بداية الأمر بالرغم من وجود محاولات للاستفادة منها .

يعود السبب في ذلك في رأيي إلي كون الدراسات اللسانية والأدبية في أمريكا كانت قد تبلورت بصورة ما خارج السياق الذي عرفته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ، كما أنها لم تعرف الجدالات الفكرية والسياسية التي تبلورت منذ أواخر القرن الماضي في أوروبا فمنذ الخمسينيات بدأت اللسانيات تتبلور مع الاتجاه التوليدي بزعامة نعوم تشومسكي ولقي هذا الاتجاه المناقض للبنيوية رواجاً كبيراً ولم يكن ينافسه غير الاتجاه الوظيفي وبمقتضي ذلك كان الميل أكبر نحو التفسير لا الوصف الذي كانت البنيوية تضعه في المرتبة الأولي وكان من آثار ذلك علي الدرس الأدبي الأنجلو  أمريكي بصورة عامة ظهور نزعات تنمو أكثر نحو الأهتمام بالجمالي والبلاغي في علاقة وطيدة بالتفسير والتأويل .. وحتي عندما نقلت أعمال تدوروف وبارات وسواهما إلي الإنجليزية كان التعامل معها يتم من زاوية تلح علي الأبعاد الوظيفية والأيديولوجية ، وإذا كان التعامل قد تحقق في سياق آخر فما يحدده كذلك ويعطيه هذه السمة هو أن نقل البنيوية ومختلف تجلياتها تم في حقبة تالية لظهورها وبذلك غدت البنيوية في الغرب تطرح مشروعات لتجاوزها والانفتاح علي آفاق أخري .

وبهذا يمكن تفسير الاهتمام المتزايد في إنجلترا وأمريكا ببول ريكور ويريدا
( التفككية ) وتبلور ما صار يسمي بـ ” ما بعد البنيوية ” أو ما بعد الحداثة في الأبحاث الأنجلو – أمريكية سواء في مضمار اللسانيات أو الأدب أو السرد بصفة خاصة .

الأنتقـال الطبيعي وآفاق الإنفتاح :

انتقلت نظريات السرد من روسيا وتشكلت في فرنسا خلال الحقبة البنيوية ، وتطورت خارجها فيما عرف بما بعد الحداثة ، حيث صارت نظريات السرد المختلفة تتفاعل وبدينامية مع مختلف الاتجاهات والحقول والمجالات المعرفية المتعددة فما الأسباب الكامنة وراء ظهور هذه النظريات وانتقالها من مكان إلي آخر في أوروبا وأمريكا مع ما تعرفه في مسارها هذا من تطور وانفتاح ؟

نجيب عن هذا السؤال بالانطلاق من العناصر التالية :

الاشتراك الثقافي والمعرفي :

إننا في الانتقال من موسكو إلي نيويورك مروراً ببراغ وكوبنهاجن وباريس ولندن نتحرك بصورة أو بأخري في نطاق تراث حضاري مشترك وكل المساهمين فيه هنا أو هناك يتحركون في شبكة من الاتساق المشتركة علي المستويات كافة لذلك نجد أهم سمات الانتقال تتجسد في كونها طبيعية للطابع الثقافي .

– الاشتراك اللغوي :

وبالرغم من التعدد اللغوي الذي تزخر به أوروبا وامريكا نجد أن الاشتراك اللغوي حاضر بشكل قوي ولاسيما فيما يتعلق بالجانب الذي نبحث فيه وبخاصة ما ارتباط بالبعد الاصطلاحي ، حيث يعود الجميع إلي اللغتين اليونانية واللاتينية لإيجاد المصطلحات أو نحتها ويساهم هذا الاشتراك اللغوي في جعل المشتغلين بمختلف المجالات العلمية والمعرفية بالرغم من تباين لغاتهم  يتكلمون لغة واحدة وموحدة وداخلها يبدعون ويختلفون .

– التوازن الثقافي :

إن الاشتراك الثقافي واللغوي يجعل الإنجازات المعرفية سريعة التدارك إذا ما تحقق تطور ما في مكان ما فيسهل التعامل معها وفي فترة وجيزة يتم الإغناء والتطوير ويعود السبب في ذلك إلي التقارب الحاصل علي المستوي العام فيما يتصل بأهم الإشكالات والقضايا المعرفية والفكرية .

إن كل هذه العوامل تساهم في جعل انتقال النظريات والمعارف يتحقق بالرغمو من بعض الصعوبات التي يمكن أن تعترض سبيلها بصورة تلقائية وطبيعية وهذا ما أدي إلي أننا والآن نتحدث عن نظريات السرد في أوروبا وأمريكا بالرغم من كون الأصول تحققت في فضاء والتشكل في آخر والتطوير في غيره ونحن في كل هذه الصيرورة أمام تصورات تختلف وتتكامل وينفتح بعضها علي بعض  وكل منها يساهم بناء علي استفادته من المنجزات السابقة في دفع عجلة التطور نحو الأفضل والأكثر تطوراً . وما يتحقق والآن هنا وهناك فيما يتصل بنظريات السرد خير دليل علي ذلك .


نقل النظريات السرديات :

المشكلات العوائق :

يختلف الانتقال عن النقل وإذا كان الأول تحقق بصورة طبيعية داخل  أوروبا للأسباب التي حاولنا تقديمها والتي تتجلي في اشتراك الخلفية المعرفية بوجه عام فإن النقل هو المفهوم الذي نستعمل لرصد انتقال نظريات السود إلي العالم العربي ويعود أول الأسباب إلي أن العناصر التي نلحم البينات الثقافية في الغرب مفتقدة في علاقة العالم العربي به فالاختلاف هو أهم ما يسم هذه العلاقة صحيح أننا نجد أن العلاقة مع الغرب صارت تأخذ ابعاداً أخري منذ عصر النهضة لكن اختلاف البنيات الثقافية التاريخية وعوائق التفاعل البنيوية تحول دون جعل عملية التواصل الثقافي تتحقق بالصورة الملائمة ولعل أهم ما يمكن تقديمه في هذا المضمار لإبراز أوجه التباين المعرفي نجده قابلاً للاختزال في كون النظريات التي تنتقل داخل الحقل العربي من الغرب تبقي محصورة لدي ” النخية ” ولا يتأتي لها التسرب إلي النسيج الاجتماعي العربي العام ولنأخذ هنا كبريات النظريات السياسية والفلسفية والفنية التي انتقلت إلينا من الغرب مثل الماركسية والوجودية والسوريالية لنجدها بقيت حبيسة نخبة محددة وسرعان ما يتم الانتقال منها إلي غيرها دون أن تكون التي انتقلنا منها قد حققت شيئاً مما علي صعيد البناء العام للمجتمع .

لا نريد الوقوف عند هذه النقطة لتحليل العوامل المعلقة للتفاعل مع النظريات الغربية وأسبابها الجوهرية لكن ما يمكن أن نستنتجه من خلالها أن عملية النقل ، حين يضطلع بها أشخاص فهم في الأغلبة يصطدمون ببينات اجتماعية وثقافية غير مؤهلة للتفاعل السريع مع ما يتم نقله ولا يمكن التوقف هنا فقط عدد الشروط البنيوية  الموضوعية التي تستصعب قبول الطارئ والغريب إذ لابد هنا من فقط عند الشروط البنيوية الموضوعية التي نستصعب قبول الطارئ والغريب إذ لابد هنا من التوقف كذلك علي طريقة النقل لأننا سنجد لها باعتبارها شروطاً ذاتية دخلاً كبيراً في عدم تحقق المراد من النقل .

إن نقل النظريات الغربية بوجه عام ينم لأسباب كثيرة بشكل كبير من الاختزال  والتبسيط وفي ما يمكن أن تقدمه الآن بصدد نظريات السرد دليل علي طرائق النقل الممارسة في نقل ما سبقها من نظريات  في مختلف المجالات إلي العالم العربي وسنتين أن طريقة النقل هاته تتضافر مع العوائق الموضوعية لجعل النقل لا يساهدم في الاستفادة أو تحقيق التراكم الذي ينفتح علي التطوير والإغناء .