نظرية الإيقاع عند المسعدي في ضوء الأسلوبية المعاصرة الدكتور / محمد عبدالمطلب

نظرية الإيقاع عند المسعدي
في ضوء الأسلوبية المعاصرة
الدكتور / محمد عبدالمطلب
الحق أننا لا نمتلك نظرية لها ثباتها الذي يندمج بثقافتنا وتاريخنا يخص النثر عموماً ، والسجع علي وجه الخصوص فقليلة هي الدراسات التي تبحر في محيط النثر العربي ، لأن ( الشعر ) قداستحوذ علي معظمها استقطب جهد الدارسين الأكاديميين ، وغير الأكاديميين ، وقليلة هي الدراسات التي تتوجه إلي منطقة النثر لكشف ظواهره الإيقاعية ،وهي ظواهر شهدت كثافتها في مقامات الهمذاني ثم الحريري ، وفي إطار هذه القلة تأتي دراسة المفكر الكبير الأستاذ / محمود المسعدي عن الإيقع في السجع العربي .
والحق – أيضاً – أن هذه الدراسة تمثل حداثة بالنسبة للحظة الحضور التي نعايشها فما بالنا إذا كانت الدراسة قد كتبت سنة 1939 ، قبل أن تستفيض المناهج اللغوية بما تحويه من أسلوبيات في التعامل مع النص الأدبي في الواقع العربي سواء في ذلك التعامل الصوتي أو المعجمي أو الدلالي .
وواضح أن المستوي الصوتي كان منطلق المسعدي في دراسته لمقامات الهمذاني بالفحص الدقيق العميق لكشف خواصها الإيقاعية وربطها بالمكونات الصياغية علي نحو تحليلي ينزل إلي أصغر جزئية في تكوين الدال ، ونعني بذلك الحرف المفرد وما ينتابه من حركات ثم يصعد إلي الدال عندما يكون منفرداً وعندما يدخل في السياق التركيبي ، وصولاً إلي القطعة الكاملة ، وهذا النزول ثم الصعود محكوم بمنهج استقرائي يتابع مجمل ما تركه العرب من سجع المقامات بهدف الوصول إلي إدراك قواعد وأصول وطرق إنتاج هذا البناء الفني ، وقد مثل هذا الاستقراء الخط الأفقي في الدراسة متلازماً مع خط رأس يوظف المنهج التحليلي المزدوج من حيث النزول إلي أصغر جزئية والصعود إلي التكوين المكتمل وعلي نحو آخر يمكن القول : إنه منهج يجمع بين التحليل والتركيب علي صعيد واحد .
إن هذه المتابعة الاستقرائية وصلت بالباحث الكبير إلي الإمساك بمرحلة النضج في سجع المقامات وهي المرحلة التي احتلها بديع الزمان الهمذاني بجدارة، حيث وصل هذا الفن علي يديه إلي درجة الاكتمال وتحققت له خواصه الفارقة واللافت في هذا الأمر ، أن الهمذاني كان نقطة البدأ ونقطة الاكتمال معاً فهو أول من كتب المقامات ،وأعطاها هذا الاسم ،ووصل بها إلي الاكتمال والنضج ، ويجب ألا يفهم من النضج هذا اكتمال العناصر الفنية التي يمكن أن توثق صلة المقامة بالقصة ، وإنما نعني بالنضج نضج البناء اللغوي في إطار السجع ، إذ أن تجاوز هذا البناء يمكن أن يعطي للحريري ميز التفرق في البناء القصصي فشخصية (أبوزيد السروجي) بطل مقاماته موظفة – في كثير من الأحيان – لكشف جوانب نفسية تتفوق بها علي شخصية ( أبو الفتح الاسكندري ) بطل مقامات الهمذاني ، أما عند الاحتكام إلي البناء الصياغي في ذاته ، فإن التميز يكون للهمذاني الذي أدخل مقاماته في نظام كلامي منضبط جمالياً ، من حيث الموازنة بين الصياغة وناتجها الدلالي ، بينما تعالي الحريري علي هذه الموازنة تعاليا يكاد يهمل إنتاج الدلال لحساب الشكل الخارجي للصياغة ، وهو ما يتنافي مع النظرية الأسلوبية التي تتعامل مع النص الأدبي علي أنه مركب يلتحم فيه الشكل بالمضمون وكل ما يحتويه الشكل من عناصر صوتية تعود تتألف لتضغط علي الدال لاستيلاد المدلول في يسر وسهولة ، ثم تضغط علي التركيب لاستيلاد دلالته ، وصولاً إلي النص في أدبيته الصحيحة .
وبما أن كل ملفوظ له خواصه الأسلوبية المائز ، فإن الدراسة المنهجية يجب أن توجه عنايتها إلي هذه الخواص علي المستوي الكمي والمستوي الكيفي وإجراء التجارب عليها لكشف العلاق وتحديدها بين الكم والكيف وإذا صح أن لكل ملفوظ خواصه ، فإن الملفوظ الإبداعي أكثر عارق في هذه الخواص ، وهي عراق تستدعي أدوات التحليل والتركيب – كما سبق أن ذكرنا – كمي تستدعي عمليتي الثبات والتحرك ، ونعني بذلك الثبات عند النص المدروس لاستيعابه جزئياً وكلياً ، ثم التحرك إلي النصوص الموازي لكشف العلاقة بينهما .
وتحديد أوجه المفارقة والمماثلة ، وبما أن النص الموازي للسجع ينتمي غالباً إلي جنس قولي آخر هو ( الشعر ) فإن دراسة الأستاذ المسعدي قد استدعته ببعده الإيقاعي للإفادة من الجهد الدراسي المصاحب له ، وبخاصة في رصده الإيقاع الشعري وتحديد عناصره ، ثم حمل هذا كله إلي منطقة ( سجع المقامات ) عند الهمذاني لطرح سؤال جوهري عن السجع وهل هو جنس من الكلام الإبداعي المائز عن غيره من أبني النثر والشعر ؟
إن توجه العالم الكبير محمود السعدي إلي منطقة تراثية ليخصها بالدراسة يتوافق مع التوجهات الأسلوبية المعاصرة التي تهتم بظواهر الإبداع دون قيود زمانية أو مكانية، كما تهتم بالمبدعين في جماعيتهم أو فرديتهم ، لكن الملاحظ هنا أن الدراسة قد مالت إلي الاجتزاء وهو ما يتوافق مع الدرس الأسلوبي أيضاً لأن هذا الدرس قد يتسع اتساعاً يميل إلي التنظير لكن التخصيص يتجه – غالباً – إلي الإجراءات التطبيقية ومتابعة الموقف الكلامي المتاح بتحليلات تنبع من الصوت والكلم والتركيب وكلما ضاقت الدائر ظهر الإجتزاء ليفرض نفسه من حيث تتبع نتاج فرد واحد وإخضاع لغته لأنواع من التحليلات التي تعتمد – غالباً – علي معايير موضوعي بوصفها أدوات للتحليل .
وتصل الدائرة في محدوديتها إلي أن تتسلط الدراسة علي بعض إنتاج الأديب وتقدمه كنموذج للتحليل الأسلوبي وتترك الباب مفتوحاً لمحاولة استكمال إنتاج هذا الأديب بالمنهج التحليلي نفسه .
إذن كان اجتزاء المسعدي لبعض إنتاج الهمذاني موافقاً للتوجهات الأسلوبي وبخاصة أن هذا الأجتزاء قد تسلط علي نوع من اللغة الأدبية التي تمثل التنوع الفردي باعتماده علي عمليني الاختيار والتركيب بكل قيودها الأدبية لأنهما في اللغة المألوفة لا يكاد أن يحتاجان إلي مثل هذه القيود ، لأن هذه اللغة تتمتع بقدر كبير من التلقائية لأن مجالها التبادل الفردي علي نحو دائم غير متميز .
وليس معني هذا أننا نقيم حاجزاً صلباً بين هذين المستويين لأن اللغة الأدبية تستمد وجودها الفعلي من لغة التخاطب ، فتقيم منها أبنية وتراكيب جديدة في الصوت والكلمة والجملة ثم تصعد إلي القطعة الكاملة وبمعني آخر نقول : إن اللغة الأدبية هي التي تحدد الإمكانات التعبيرية الجمالية التي توجد بشكل اعتباطي في لغة الخطاب المألوف .
والهمذاني بوصفه مبدعاً قد ابتكر شكلاً أدبياً معيناً (1) ، ولاشك أن الابتكار قد ارتبط بمرحلة نضج المبدع التي تسمح له بتوظيف كفاءته في إنتاج تكوينات كلامية تتكئ علي الصوتية إتكاء مطلقاً وتحليل هذه التكوينات يعتمد علي تحسس هذه الصوتية في اللغة عموماً ، واللغة الأدبية علي وجه الخصوص ثم ربطها بالإيقاع الدلالي الملازم لها .
إن شبكة العلاقات في النص الأدبي يتتمثل في مستويين – الأول : المستوي العميق الذي يستند إلي مثالية اللغة ، والثاني : المستوي السطحي الذي يتعامل مع الظواهر التنفيذية وبين المستويين تلازم حتمي ، وتكون مهمة الدارس أن يتعامل مع المستويين ويرصد العلاقة الجدلية بينهما ، وقد يكون لأحدهما الغلبة في شد انتباه المتلقي عموماً والدارس خصوصاً ، فيتجه إليه أولاً ، كما فعل المسعدي مع مقامات الهمذاني حيث قام بمتابعة وصفية دقيقة لمجموعة من هذه المقامات ، حيث لاحظ عليها غلبة الوظيفة الأدبية علي الوظائف الإشارية ، دون أن تقضي عليها تماماً علي معني أن الوظيفة الأدبية قد قامت بما يشبه ( التغطية ) للوظيفة الإشارية ، بحيث تكون الوظيفة الأولي هي الضاغطة علي المتلقي ثم تأتي الثانية تابعة لها .
وربما كانت أكثر ظواهر الضغط مركزة علي عملية التكرار المنتظمة التي أكسبت نثر الهمذاني وحدته ، وبخاصة أن هذا التكرار قد تجسد في أبعاد زمنية متساوية أو متناسبة – سوف نزيدها تفصيلاً – وهذه الأبعاد الزمنية قد ولدت إيقاعاً صوتياً معيناً كان ركيزة ( نظرية الإيقاع ) كما طرحها المسعدي ، وهو طرح يقترب كثيراً من طرح ( تودروف ) عن اللغة الشعرية – وأنها – في الحد الأقصي – تتجه نحو الكلمة الصواتية ، ومع الاعتراف بالقيمة الأساسية الخاصة للأصوات في الشعر ، فإن الأصوات تصبح موضوع انتباه لكشف قيمتها المستقلة (2) .
وقد تمثل المسعدي هذه الصوتية في إطار ( هيكلية هندسية ) تتألف وفقها العناصر المادية في هيئة متماسكة تتعلق أجزاؤها ببعض والبعض بالكل ، وتنتظم حسب نسب ومقادير ومواضع وأعداد وأوصال وفواصل مضبوطة (3) .
وبالطبع لا يمكن متابعة هذه الصوتية الإيقاعية إلا حالة انفصال الخطاب عن كل ما عداه وتوجهه إلي ذاته وإلي نظامه الداخلي والخارجي وهذه خصيصة الخطابات الانفعالية والشعرية علي حد سواء ، لأنها خطابات نسقية بطبعها ، تسعي – جاهدة – إلي مزج الصوتية الإيقاعية بالدلالية ، ولهذا يؤكد المسدي علي أن الإنسان في قدرته أن يروض إحساسه الموسيقي ترويضاً ينتهي به إلي إدراك النشوة الفنية بقطعة موسيقية غنائية في لغة لا يفهم دلالتها البتة، لكنه لا يتصور إنساناً يصفق نشوة ، أو يصيح انفعالاً لقصيدة أو رواية تلقي عليه في لغة لا يفهمها ، والسبب في ذلك واضح ، لأن الحدث الأدبي مزدوج في غايته إزدواجه في بنيته فهو حدث تكون الحواس فيه محط رحال النشوة الغنية ، ومنافذ الإدراك في الوقت نفسه (4) .
إن الركيزة الأساسية في دراسة الباحث الكبير محمود المسعدي هي
( الإيقاع في النثر وصلته بالإيقاع في الشعر ) ، وهو ما يقودنا – بالضرورة إلي التفرقة النوعية التي طرحها الباقلاني قديماً ، فعنده أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلي :
أعاريض الشعر علي اختلاف أنواعه .
أنواع الكلام الموزون غير المقفي .
أصناف الكلام المعدل المسجوع .
معدل موزون غير مسجع .
ما يرسل إرسالاً (5) .
ويهمنا من قسمة الباقلاني النوع الثالث (المسجوع) ، حيث وضح الحدود الفارقة له عندما شرط فيه اتفاق وزن الأسجاع : ” والسجع إذا تفاوتت أوزانه وختلفت طرقه كان قبيحاً من الكلام وللسجع منهج مرتب محفوظ وطريق مضبوط ” (6) .
وبهذا التمايزيصبح ( السجع) نوعاً من جنس الكلام الأدبي ، وهو تمايز يخلص للبناء الشكلي ، أو للخواص البنائية التي اصبح بها الشكل شكلاً علي حد قول الشكلين الذين أعطوا الجانب اللغوي والموسيقي أهمية بالغة من حيث توظيف الإيقاع والوحدات الصوتية والتركيبية وقد ساعد علي ذلك البحث الفيلولوجي واتصاله بقضايا علم اللغة ، حيث تتنوع إحصاءات الأشكال الصوتية وعدد الأصوات المترددة ، وعدد مرات التردد ، والنظام الذي بمقتضاه يمكن متابعه الأصوات في فئاتها المتكررة ، ومركز الأصوات في الوحدات الإيقاعية ثم دور القافي بوصفها نموذجاً من نماذج التردد الصوتي .
لاشك أن هذا الفكر اللغوي – او شيئاً قريباً منه – كان في وعي المسعدي عندما اقترب من سجع المقامات بوصفها اثراً أدبياً صياغة مقصودة لذاتها ، حسب مقولات الأسلوبية التي تري “أن لغة الأدب تتميز عن لغة الخطاب النفعي بمعطي جوهري ، لأنه مرتبط بأصل نشأة الحدث اللساني في كلتا الحالتين فبينما ينشأ الكلام العادي عن مجموعة إنعكاسات متكسبة بالمران والملكة ، نري الخطاب الأدبي صوغاً للغة عن وعي وإدراك إذ ليست اللغة فيه مجرد قنا عبور الدلالات وإنما هي غاية تستوقفنا لذاتها (7) .
لقد تتبع المسعدي العناصر المكونة لبنية السجع مفككاً هذه العناصر إلي وحداتها الأولية راصداً ما يحدث بينها من تفاعل أو انفصال وما ينتابها من تحولات المفارقة والمماثلة ، بوصفها  ظواهر تعرض للكلام فتؤكد قابيلتها للفهم والتذوق علي النحو الذي طرحه البلاغيون العرب القدامي ، أو عدم هذه القابلية ذلك أنه قد شاع بين الدارسين أن السجع مجرد اتفاق التراكيب في الحرف الأخير، وهو شيوع مصدره الأخذ المتعجل لبني البديع عموماً ، وبنية السجع خصوصاً ، إذ أن إغفال ظاهرة (الوزن) تكاد تبعد السجع عن إطاره المفهومي لتدخله دوائر صياغية أخري كالنثر الفني المرسل أو النثر المرسل غير الفني .
والإلتزام المنهجي هو الذي نظم حركة المسعدي في تناوله لبنية السجع ، من حيث الصعود إلي الدائرة الأوسع دائرة (الكلام) باعتباه (المركب المفيد بالوضع) – حسب مقولة القدامي – الذي لا يستقيم ولا تحصل فائدته إلا بتركيبه حسب قواعد النحو والصرف ، وإذا كان الكلام – عموماً – له نحوه وصرفه ، فإن هناك نوعاً من هذا الكلام له نحوه وصرفه الخاص (العروض) وهو الذي نسميه شعراً ومن هذا الاتساع المعرفي يخلص المسعدي إلي ثلاثية نوعية هي :
الكلام المركب في النثر .
الكلام المركب في الشعر .
الكلام المركب في السجع .
وتخلص الدراسة إلي النوع الثالث لتعتمد له تحديداً معرفياً مستمداً من الموروث البلاغي بأنه ( النثر المقفي ) وهو اعتماد يسعي إلي وضع السجع في منطقة إيقاعية قريبة من الشعر ، لأن جل التحديدات البلاغية تقول بأن السجع هو ( تماثل الحروف في مقاطع الفصول ) (8) ، أو هو تواطوء الفاصلتين من النثر علي حرف واحد ” (9) ، والمقصود بالفاصلة ( الكلمة التي في آخر الفقرة من النثر ) ويلاحظ أن أكثر القدماء إلحاحاً علي ربط السجع بالقافية هو الباقلاني ، بل أنه حرص علي ربط السجع ( بالأزدواج )مستهدفاً قطعة عن( الفواصل القرآنية) وقد اعتمد المسعدي هذا الربط مستهدفاً إدخال السجع منطقة الإيقاع من أوسع أبوابها حتي يتماس مع إيقاع الشعر علي الرغم من إقراره بأن الخليل لم يكن كلامه كافياً في الكشف تماماً عن إيقاع الشعر وسره الدقيق (10) .
إن هذا التأسيس النظري كان أداة المسعدي في رصد تحول الكلام المرسل العادي إلي كلام موقع ليحتل ( منزلة بين المنزلتين ) ، المنزلة الأولي : الكلام المرسل والثانية : الكلام الموزون المقفي وهنا كان من الضروي اتخاذ الأدوات المناسبة لتحديد مقومات الإيقاع وأسراره ومدي ائتلافه أو تقاربه مع الاوزان العروضية ، وفي رأي المسعدي أن أهم هذه المقومات : ( القافية والأزدواج ) (11) ، لكنه يعطي للإزدواج أهمية تفوق القافية ، لأنه لا يمكن تصور قافية بدون (زوج) علي الأقل ، بينما الإزدواج وارد دون قافية ، وهذا الرأي الذي قدمه أتاح له أن يعدل من المفهوم التراثي للسجع بأنه ( النثر المقفي ) إلي ( النثر المزدوج المقفي ) (12) ، وهو تعديل مقصود به جعل الإزدواج مكوناً أساسياً للسجع ولنا أن نتساءل عن المقصود ( بالإزدواج ) ، هل المقصود به ( ثنائية التركيب ) ؟ إن كان هذا فلا يحتاج الأمر إلي التأكيد علي اعتبار الإزدواج قسيماً للقافية في تعريف السجع ، لأن القافية لن تتحقق أصلاً إلا بوجود أكثر من جملة أو فقرة ، أما إذا كان المقصود بالإزدواج ، التوازن الإيقاعي بين الفقرتين أو الفقرات فأن المسألة تحتاج قدراً من التأمل لأن التوازن قد يكون صرفياً ، وقد يكون عروضياً وأعتقد أن مثل هذه الأسئلة كانت شاغل المسعدي في دراسته الرائد عن( الإيقاع في السجع العربي ) – وتواضعاً – وسمها بـ ( محاولة ) تحليل وتحديد .
والذي لا أشك فيه أن هذه المحاولة قد استندت علي تأسيسات تراثية ، كالذي ذكره الباقلاني من قول أهل اللغة إن السجع ” هو موالاة الكلام علي وزن وحد ” (13) ، وإذا تفاوتت أوزانه واختلفت طرقه ، كان قيبحاً من الكلام (14) كما استندت علي تأسيسات لساني حداثية من حيث الاستناد إلي إجراءات موضوعية للتعامل مع بنية لغوية بعينها هي (السجع) حالة انتقال الكلام من ألفته إلي غير المألوف ليتخلص من بعض مهامه التوصيلية ، ويسترجع ذاته ولم يكن التأسيس مجرد مطاردة لنماذج موروثة بدائية مقررة سلفاً وسابقة علي تجربة القراءة لأن هذه ليست بحال تطبيقاً للشاعرية وإنما هي مسخرة لها كمايقول الغذامي (15) .
اعتماداً علي هذا المنظور الأسلوبي في مقاربة النص داخلياً وخارجياً ، يتقدم المسعدي إلي (سجع المقامات) عند الهمذاني كاشفاً الخواص الخارجية مبتدئاً ( بالإيقاع العددي ) تأسيساً علي مدرك لغوي عن الكلام بوصفه جملة أصوات مؤلفة في شكل ألفاظ ، بما أن الأصوات التي تتركب منها الكلمات قابلة للعد والإحصاء فلا غرو أن تبدأ المقاربة برصد سلاسل الأصوات المكون للكلمات في فقرات السجع (16) .
والمنهجية الصارمة في دراسة المسعدي فرضت عليه أن يبدأ كل مقاربة بتحديد منطقة العمل تحديداً معرفياً فارقاً ، ومنطقة العمل هنا هي ( المعدود ) الصوتي ، ووحدة المعدود هي أبسط وحدة نطقية ( المقطع ) ، وهي وحدة لم يتعامل معها اللغويون والنحاة العرب ، وإنما الذين اقتربوا منهافعلاً هم العروضيون في حديثهم عن ( الاوتاد والأسباب والفواصل ) .
وتخلص المقاربة إلي أنواع المقاطع في العربية وعددها لتنتهي إلي التركيز علي ثلاث أنواع :
المقطع القصير:وهو المكون من حرف + حركة قصيرة مثل : بَ بُ ب.
المقطع الطويل : وهو المكون من حرف وحركة مد ، مثل :ما – مو – مي .
المقطع الطويل المنغلق : وهو المكون من ثلاثة أصوات ، حرف وحركة وحرف ساكن مثل : لم وهذه المقاطع كانت أداة التابعة الإحصائية لجمع السجع ، مع الاعتداد بالمنهج الاجتزائي الذي تسلط علي عشر مقامات للهمذاني بوصفها منطقة الإجراء الإحصائي للمكونات المقطعية علي معني أن ( الاستقراء ) الناقص كان رابط الدراسة بالمدروس مع صلاحية المدروس للقياس عليه ، لأن القليل يدل علي الكثير إذا كانت المقاربة بصدد مؤلف بعينه له بصمته التعبيرية التي لا تتخلف إلا في القليل ، هذه البصمة هي التي تؤكد تنامي الخواص وامتدادها من الجزء المدروس إلي غير المدروس ، لأن بنية السجع تكمن فيها بصمته التي تعمل علي تماسكها وتمنعها من التبدد حالة انتقالها من نص إلي آخر وهو ما يعني امتلاك النص أو النصوص لقاعدة للتنظيم الذاتي – كما يقول بياجيه (17) واستكناه هذا التنظيم الذاتي قاد المسعدي إلي عدة مستخلصات أفرزها الإجراء التطبيقي هي :
أولاً : غياب الفقرات المكون من مقطع أو اثنين ، وهذا أمر طبيعي لا يحتاج إلي تفسير ، لأنه لا يتصور أن يتكون من مقطع أو مقطعين جملة ، أو جزء جملة قائماً بذاته .
ثانياً: عدم طول الفقرات تجاوباً مع القدرة علي التنفس وربما كان هذا الاعتدال في الطول من اسرار سلاسة السجع حيث يتماثل مع طول البيت الشعري .
ثالثاً : يترتب علي المستخلص الثاني أن يكون القانون الفيزيولوجي الصارم للتنفس هو ضابط السجع .
رابعاً : ميل الهمذاني في سجعه إلي الإزدواج الذي يكون الجزء الاول فيه أطول من الثاني ، وهو ما يتوافق – أيضاً – مع قانون التنفس الفيزيولوجي .
والمستخلص الأخير يمثل مخالفة صريحة مع الموروث البلاغي ، إذ أن البلاغيين العرب مجمعون علي أن أحسن السجع ما تساوت فيه القرينتان ، ثم يليه ما طالت فيه القرينة الثانية (18) ، ويبررون ذلك تبريراً نفسياً ، لأن قصر القرينة الثانية – كثيراً – عن الأولي يقبح ، لأن السجع قد استوفي أمده في الأولي ، فاعتبر ذلك الأمد في الطول هو المطلوب في الأخري ، فإذا جاءت قصيرة صار السمع كمن يريد الإنتهاء إلي غاية ثم يعثر دونها ، لأنه فوجئ بغير ما ترقب .
ولاشك أن المخالفة بين ما قال به المسعدي وما قال به البلاغيون يعود إلي منطلقين مختلفين ذلك أن المسعدي ربط مقولته الفيزيولوجية بالمبدع ذاته ، وبخاصة في حال الشفاهة التي تحتاج إلي تنظيم للتنفس يتحكم في طول السجعات، بحيث يتوازن الامران ، بينما اتجه البلاغيون إلي استحضار المتلقي وحالة التوقع التي تسيطر عليه ، وما يصيبها من تحقق أو خيبة ، وإذا كانت خيبة التوقع مع أخص خصائص الصياغة الشعرية التي تعتمد علي تعددالمنبهات والمفاجأت فإن هذه المفاجأت غير مستحب عند البلاغيين القدامي – غالباً – وربما كان هذا وراء رصدهم لبعض البني التي تعتمد موافقة التوقع لإشباع المتلقي نفسياً مثل بنية( الإرصاد ) و(رد الإعجاز علي الصدور ) و ( التصريح ) ، حتي أصبح من تمام العشرية عندهم أن يتوقع المتلقي القافية قبل اكتمال البيت الشعري ، فمقولتهم عن طول الفقرة الثانية من السجع تتوافق مع تفكيرهم البلاغي علي وجه العموم ، الذي يعتمد حضور علاقة جدلية بين المبدع الناطق والمتكلم الصامت ، بينما تقوم هذه العلاقة – عند المسعدي – بين المبدع الناطق والمتلقي الناطق أيضاً .
وعلي كل فالخلاف هنا قريب لأن الطول أو القصر بين السجعات ، سواء عند المسعدي أو البلاغيين ، يجب أن يكون محدوداً فضلاً عن أن المسعدي يدخل في منطقة السجع ما سماه (بالقاسم المشترك ) ويعنب به ذلك الجزء النثري الذي يسبق السجعة ويلتحم بها ، والحق أنه لم ينتبه لهذه الظاهرة التعبيرية من القدامي إلا ابن أبي الإصبع ، حيث جعل السجع علي ضربين : ضُرب تأتي الجمل المسجعة مجملة مدمجة في الجمل المهملة ، وضرب تأتي فيه الجمل المسجعة منفردة (19) ، فالجمل المهملة هي القاسم المشترك عند المسعدي ، وحذف هذا القاسم من قياس السجعات يعود بها – غالباً للتساوي أو الاقتراب منه ، وهذا الاقتراب كان شاغل المسعدي في تحديده لإيقاعية السجع ، لأن التساوي المطلق يدخل بينة السجع في الرتابة والملل ، بينما كانت المخالفة في سجع الهمذاني سراً من أسرار تنوعه ، أو بمعني آخر إنها أظهرت ما يمكن تسميته ( الاعتدال في اللاتوازن ) (20) ” وهي ظاهرة أسلوبية لم تتوفر في سجع الحريري – مثلاً لأنه أغرق في التوازي الكامل في الأعداد والأوزان ، ولم يوظف – كثيراً – القاسم المشترك كما فعل الهمذاني .
إن مقاربة بنية السجع – علي مستوي الإطار الخارجي ، يحتاج – بلاشك – إلي قاعدة إضافية عن طبيعة الإيقاع عندما يتعلق بنهاية الفقرات لتكريس هذه الخاصية حتي حالة تغير البنية دلالياً ونحوياً ليمنعها من التلاشي أو التشتت ، ونعتقد أن هذه القاعدة تستمد وجودها من بعض المنطلقات الأسلوبية المعاصرة فيما سمي (بمحاور الاستبدال ) التي تحتكم إلي جداول قابلة للتبادل دون أن تنفصل عن العملية الإدراكية ، ومن ثم يمكن القول إن روي ( الهمزة ) مثلاً يقع في محاور الاستبدال مع مجموع الحروف الهجائية ، ثم تتسع الدائرة ليدخل الروي في إطار (القافية) ليكون الاستبدال في منطقة الدوال بمكوناتها الحرفية التي عرض لها العروضيون – كما سنوضح بعد ذلك .
إن مثل هذا التأسيس النظري يمكننا من التعامل مع القافية كنظام مفرد له إمكانية الحلول في الشعر أو في النثر ، لكنها في الشعر تحتاج إلي انتظام وتردد مستمر ، وليس هذا بضروري في النثر ، ثم يتحول عدم الضرورة إلي ضرورة عندما يدخل النثر منطقة السجع ، لكن الضرورة هنا مخالفة لما هي عليه في الشعر ، أو النقل بمعني آخر : إن نظام القافية في الشعر ، نظام مغلق بينما هو منفتح في السجع لكن هذا الانفتاح لا يلغي النظام الذاتي لقافية السجع علي نحو من الأنحاء .
لاشك أن مثل هذا الإدراك كان وراء تناول المسعدي ( للقافية ) بوصفها الخاصية الخارجية الثانية ، وبوصفها أبرز خاصية خارجية لايقاع (الجرس) ، وكما هي طريقته المنهجية ، فإنه يحدد منطقة عمله معرفياً فالقافية عنده العنصر الإيقاعي الذي وظيفته أن يكون معلماً وعلامة علي ما يحدث في سيلان الكلام من منقطعات زمانية تجزئه إلي أجزاء أعدادها وكمياتها الصوتية خاضعة لأحكام الإيقاع العددي (21) .
وهذا التحديد المعغرفي يمهد للإجراء التطبيقي  لمجموع إمكانات القافية الاحتمالية ، وماذا صنعه الهمذاني بهذه الإمكانات الإيقاعية بمفهومها الشعري ، وإنما يحتمل عنصراً واحداً منها هو الحرف الأخير فحسب ، ولو وظفنا المصطلح العروضي لقلنا إنه يحتمل (الروي) فحسب .
ويلاحظ المسعدي أن الهمذاني قد ألف بين قوافيه تأليفاً بسيطاً ، فجعلها ثنائية تتابع مثني ، مثني وقلما تتكرر في أكثر من فقرتين ، وقد وثق هذه الظاهرة بالأحصاء الذي تابع فيه أربعمائة زوج ثنائي لا يقابلها إلا أعداد محدودة من الثلاثية و الرباعية حتي الثمانية ، ومن الواضح أن القدرة الفنية لا تتجلي إلا في القوافي الفردية أي ذات الثلاثة والخمسة والسبعة أجزاء ، أما الزوجية فإنها يمكن أن تتحل إلي سلسلة من الثنائيات (22) .
وأهمية هذه المتابعة أنها كشفت عن عدم اقتصار وظيفتها علي الإيقاعية في مجموع الثنائيات مما جعل المسعدي يؤكد في دراسته علي التحام العملية الإيقاعية بإنتاج الدلالة ، علي معني حتمية وجود علاقة دلالية تربط بين الفقرات المسجوعة، فإذا كانت القافية وسيلة إحكام العلاقة الصوتية بين الفقرات ، فإن الدلالة تزيد هذه العلاقة إحكاماً .
فإذا كان المشروع البنيوي للسجع عند المسعدي – يعتمد ركائز أساسية فإن الركيزة الاولي في هذا المشروع هي ( الإيقاع العددي ) علي نحو ما عرضناه، والركيزة الثانية هي (القافية) أما الركيزة الثالث فهي ( إنتاج الدلالة ) ، وهذه الركائز تجعلنا نسلم بأن الهمذاني كان يستخدم اللغة بطريقة تميزها عن سواها مما هو في جنسها ، أو يقترب من هذا الجنس وتقوم الدوال هنا بتحمل مهمة مزدوجة تجمع بين الصوتية والدلالية علي صعيد واحد ، لأن الموروث البلاغي ركز كثيراً علي الوظيفة الصوتية للسجع ، أما الوظيفة المزدوجة عند المسعدي فإن طبيعتها التنامي لتتجاوز منطقة الإفراد إلي منطقة التركيب وهنا يجب أن تنبه إلي أن عملية (الاستبدال) قد تم تعديلها ، حيث أصبحت منوطة بالمركبات بعد أن كانت قاصرة علي المفردات ، لأن الاختيار لم يحافظ علي بعده الرأسي مع البدائل الممكنة ، بل أنه تحرك إلي البعد الأفقي ليستدعي الإمكانات التركيبية الممكنة ، وهو ما سوف نطرحه في محوره الخاص به ، لكن المهم أن نشير هنا إلي أن هذا التعديل يتوافق مع وعي المسعدي بالتحام الإيقاع بالمعني .
وهذا الالتحام تصل فاعليته إلي أنه متي تعددت الأجزاء التي يشملها الرابط الدلالي تكررت القافية نفسها ، وتكونت سلاسل من الفقرات في مثل قول الهمذاني: ” طلبته فوجدته ( بعيد المرام ، لا يصطاد بالسهام ، ولا يقسم بالأزلام ، ولا يري في المنام ولا يضبط باللجام ، ولا يورث عن الأعمام ولا يستعار من الكلام ) ، فتوسلت إليه ( بافتراش المدر ، واستناد الحجر ورد الضجر ، وركوب الخطر،وإدمان السهر . واصطحاب السفر ، وكثرة النظر ، وإعمال الفكر(23) ” .
ولا ينفي هذا وجود بعض النماذج التي خرجت عن هذه القاعدة حيث تنقطع العلاقات الدلالية بين الفقرات المسجوعة ، لكن هذا استثناء في مقامات الهمذاني .
إن المتابعة – التي قام بها المسعدي – للعلاقة بين الإيقاع والدلالة ، يترتب عليها نتيجة بالغة الا÷مية ، لأنها تعدل من رؤية القدماء لوظيفة القافية ، حيث اعتبروها مركز الثقل في بناء السجع لكن متابعة المسعدي تثبت أن القافية عنصر من عناصر بناء السجع لكن غيابها يدخل البنية في شكل بديعي أسماه القدماء (الإزدواج) شريطة أن يتوفر في الفقرات تناظر ظاهر في المعني والإيقاع والبناء النحوي (24) .
والمنهج التحليلي الذي التزمه المسعدي أتاح له أن يتابع (القافية) في اصغر مكوناتها ، ومن ثم لاحظ وجود ثلاثة أنواع لها :
القافية البسيطة ، وهي التي تعتمد علي التوافق في حرف واحد .
القافية ذات العنصرين الحرفيين ، وهي الغالبة في سجع الهمذاني .
القوافي المركبة من ثلاثة عناصر حرفية فأكثر مثل : ” وطئت أرض المروضة ، لأداء المفروضة ” (25) .
وإذا كان المتوقع أو المألوف أن تكون قوافي النوع الثالث أكثر قبولاً لإيغالها في الإيقاع الحرفي ، فإن المسعدي لا يوافق علي ذلك كنتيجة نهائية ، لأنه لاحظ بعض الظواهر الإضافية التي شاعت في سجع الهمذاني وأهمها ، أن ألفاظ القافية تتجاوب بالجرس نفسه ، سواء أكان الجرس جرس الحرف الواحد أو الحرفين أو الثلاثة أو حركة المد نفسها ، وهو ما يسمح بإدخال قافية السجع في الحدود المعرفية لقافية الشعر ، وهو بذلك يحاول أن يجبر النقص الذي لاحظه عند البلاغيين من عدم عنايتهم بالتدقيق التحليلي لبناء القافية في السجع ، قدرعناية العروضيين بالقافية الشعرية .
وفي رأينا أن البلاغيين قد صنعوا ذلك عن وعي وقصد لإيمانهم بالفرق الحاسم بين الشعر والنثر عموماً حتي ولو انتسب النثر إلي منطقة السجع فهناك مفارقة دائمة بينهما علي المستوي الصوتي والصرفي والتركيبي والخروج علي هذه المستويات دخول إلي دائرة (الضرورة الشعرية ) .
ولاشك أن أوضح ملامح التمايز بين الجنسين تتمثل في (الإيقاع) ، فإيقاع الشعر يغلب عليه الانتظام أو يجمع بين النسق والخروج علي النسق ، أما إيقاع النثر – إن صح أن له إيقاعاً – فلا نسق فيه ولا انتظام ، والحديث هنا عن الإيقاع بالمعني الصوتي ، إلا إذا اقترب من الشعر وهو في هذه الحالة لم يعد نثراً خالصاً بل الأجدر به أن يسمي (شعراً منثوراً ) أو قصيداً نثرياً )(26) .
لكن المسعدي يكسر هذا الحاجز الصلب ويري وحدة بناء القافية في الشعر والسجع في أغلب الأحوال ، بل يري أن قافية السجع قد تكون أكثر إيغالاً في الإيقاعية ، وذلك عندما تتوافق القوافي في وزن لفظها وجرس حرفها ، حيث يتضاءل دور حرف (الروي) ، لأن المتلقي لا يركز انتباهه علي جرس حرف القافية وحده ، بل يركزه – علي نحو أشد – علي تكرار نسق إيقاعي أوسع ، هو وزن لفظ القافية كلياً (27) .
إن ذلك يعني – ما سبق أن لاحظناه عن اتساع دائرة الاختيار لتتسلط علي المركبات – قد عاد هنا إلي الانكماش ليتسلط علي حرف بعينه ، أو عدة حروف خارجة عن نطاق الدلالة ، وهو ما يستدعي حضور بنية بديعية إضافية إلي رحاب السجع هي بنية (الجناس) ، وسوف نعرض لها فيما بعد ، لكن المهم أن نلاحظ أن هذا الاتساع والانكماش يؤكد ميل الهمذاني إلي الالتزام – غالباً – بقواعد بناء القافية الشعرية ، ثم زاد عليها التزامات أخري ، مثل التوافق الوزني ، وهو ما يعني امتزاج مفعول الجرس بمفعول الوزن ، مع حضور توافق نبري يكثف البعد الإيقاعي وربما لهذا رأي المسعدي أن دور القافية في السجع أقوي ظهوراً  من الشعر لأنها تنفرد بهذه الخواص السابقة بينما البيت الشعري كله داخل في البيئة الإيقاعية (28) .
معني ذلك أن المسعدي يقوم بإجراء أسلوبي من الطراز الأول ، لأن دراسة أي ظاهرة أو خاصة أسلوبية لا يجب أن تحتكم إلي أطر معرفية سابقة التجهيز ، وإنما تنطلق من إجراءات تجريبية قد تنحصر في النص المدروس ، وقد تستدعي نصوصاً من دائرته وهو ما حققه عندما عقد المقارنة بين إيقاع القافية في السجع وإيقاعها في الشعر ، في اللغة المدروسة نفسها ، وإن عزرها كثيراً بإجراء علي لغات مخالفة للغة المدروسة .
ووصل من كل ذلك إلي أن إيقاع السجع نابع من داخله وليس محكوماً بمقولات أو مفاهيم سابقة .
واضح أن مقاربة البناء الخارجي للسجع قد اتكأت علي إجراءتا تجريبية خلصت إلي مقولات ، لأن رأينا الذي نؤمن به أن كلّ نص يفرض تقاليده حال التعامل معه تحليلياً ، وقد استمر هذا التعامل التحليلي مع البناء الداخلي لفقرات السجع ، من حيث طرق الإيقاع .
فالسجع ضرب من ضروب الكلام – كما سبق أن ذكره الباقلاني – وله تقاليده الموسومة به ، وأهمها – عند المسعدي – الترجيح الصوتي (29) ، وهذا الترجيح ليس أمراً بسيطاً بل وهو متشعب ذو عناصر عدة متداخلة .
لقد تحرك المسعدي في هذه المنطقة من مقولة تراثية لابن الأثير حدد فيها أبعاد ظاهرة تعبيرية هي (الموازنة) تكون فيها ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن نحو قوله تعالي ” وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم ” ( الصافات : 117-118 ) فبين السجع والموازنة علاقة عموم وخصوص ، فكل سجع موازنة وليس كل موازنة سجعاً(30) ، وقد أكد المسعدي كون السجع من الموازنة ، ثم وسع دائرة الموازنة ، لتشمل أي كلمة من الفقرة الأولي ، وأي كلمة من الفقرة الثانية من الزوج المسجوع ، ثم عدل من مفهوم الوزن ليكون الوزن الإيقاعي لا الوزن الصرفي ، وهو يقصد بالوزن الإيقاعي شيئاً آخر غير الوزن العروضي والصرفي ، وإنما هو صيغة الكلمة ذاتها من حيث ترتيب المقاطع الطويلة والقصيرة علي نحو معين ، فيكون لكل من ( كئوسها وعقالها ) مستقلتين وزن واحد هو : ( 7-7- ) ، برغم تمايزهما في الوزن الصرفي ، فلاأولي (فعول) والثانية (فعال) ويخلص من ذلك إلي أن الموازنة هي: اتفاق كلمتين في عدد المقاطع ونوعها وترتيبها (31) ، بينما الوزن المقصود عند ابن الأثير هو الوزن الصرفي ، حيث يعلق علي بعض النماذج القرآنية التي تحققت فيها الموازنة بقوله : ” وهذه الآيات كلها علي وزن واحد فإن : شديد وقريب ، وبعيد وعزيز ، ونصيب وأليم , وكبير كل ذلك علي وزن فعيل ، وأن اختلفت حروف المقاطع التي هي فواصلها ” (32) .
وإذا كان المسعدي قد وحد بين السجع9 والموازنة ، فإن معظم البلاغيين قد فصلوا بينهما حتي أن ابن الاثير قد تناول الموازنة في فصل مستقل عن السجع وتبعه شراح التلخيص ، يقول ابن يعقوب المغربي : ” الموازنة هي أن تتفق الفاصلتان في الوزن ولاتتفقان في القافية ” (33) .
ومفهوم القافية – عند البلاغيين – يقصد به الحرف الأخير في الفقرة لا القافية الشعرية ، فإا انتشرت ظاهرة الوزن في الفقرة كلها فإن البنية تدخل منطقة (الترصيع) نحو قوله(صلي الله عليه وسلم)”اللهم اقبل توبتي واغسل حوبتي “(34) أما إذا حدثت مخالفة لبعض العناصر في الوزن ، فإن البنية تدخل منطقة المماثلة التي عرفها ابن أبي الإصباع بأنها ” تماثل ألفاظ الكلام كلها أو بعضها في الزنة دون التقفية ” (35) .
وأعتقد أن كل هذا الموروث البلاغي كان خلفية المسعدي في تقسيم الموازنة إلي ثلاثة أشكال :
الاتفاق الكامل الذي يشمل الفقرة كلها في مثل قول الهمذاني : ” خالق المصباح ومديره وفالق الإصباح ومنيره ” . والطبيعة البنائية لهذا الشكل تدخل به – تلقائياً – منطقة الشعر ، وهذا الشكل هو الذي أطلق عليه البلاغيون مصطلح (المماثلة) .
حالة الاتفاق الكامل في بعض الفقرة فقط وتختص هذه الظاهرة بالأزواج ذات القاسم المشترك في مثل : ” مات ( ولم تظهر أسرار دفائنه ، ولم تفتح أغلاق خزائنه ، وقد سبق أن ذكرنا أن ابن أبي الأصبع قد تنبه إلي ظاهرة القاسم المشترك دون أن يطلق عليها هذه التسمية .
حالة التوازن الجزئي أو المختل ، وهو ما يحدث فيه التوازن بين بعض عناصر الزواج وهذا الشكل هو الغالب في سجع مقامات الهمذاني .  وأهمية هذه الأشكال كلها أنها ليست خالصة للإيقاعية ، بل إنها تتضمن – أيضاً – التوازي الدلالي ، ومن هنا كانت الموازنة ذات أثر بالغ الاهمية في بناء الإيقاع السجعي الذي يقتضي أن تتحدد جميع الكلمات المشتركة في بناء السجعة في عدد المقاطع ، ومدي الحركة وأجراس هذه الحركة ، ومواقع نبرها والذي يمكن التسامح فيه هو عنصر ( جرس الحروف ) لاختلاف الكلمات باختلاف الأصول الاشتقاقية ، ويلاحظ المسعدي أن الأوزان الصرفية تمثل قوالب إيقاعية جاهزة طيعة الاستعمال ، من شأنها أن تيسر عملية إنشاء الإيقاع في الكلام ، وتلك مزية تتفوق بها العربية علي غيرها ، لأن هذه القوالب أنظمة صوتية قابلة للقيس أي صالحة لأن يبني علي قياسها ما لا يحصي من الألفاظ المشتقة (36).
لكن ليس معني هذا أن الناثر مثل الشاعر يجد أمامه قوالب جاهزة يصب يها ألفاظه ، لأن الشاعر يجد قوالبه في بحور العروض ويكفيه أن يصب فيها ألفاظه ، ليخرج كلامه موقعاً مهماً كانت أوزان تلك الألفاظ في حد ذاتها ، والحق أن هذه القوالب ترجع إلي مجموع مقاطع الكلمات حسب تفعيلات البحر لا إي تماثل الكلمات في الوزن كما هو الأمر في سجع الهمذاني ، ويلاحظ أن (الموازنة) قد تتدخل بناء الإيقاع الشعري تحت مصطلح (الترصيع) الذي يعمل علي تكثيف الإيقاع الشعري عندما تتوازي الأبنية العروضية مع الأبنية الصياغية كما نلاحظ عند شاعر كالمتنبي في قوله  :
وأني / وفيت / وأني / أبيت
وأني / عتوت / علي من / عتا
فعولن / فعولن / فعولن / فعولن
فعولن /فعولن / فعولن / فعل (37).
فإذا كانت (الموازنة) تأتي كعنصر إضافي في الشعر ، فإنها تأتي بوصفها عنصراً مركزياً في السجع ، وهنا يجب أن نلاحظ كيف أن المسعدي عمق دائرة
( الاختيار ) بحيث تتسلط علي الدوال معجمياً وحرفياً ، ووزناه فإذا كانت الكلمات بأوزانها في حكم اللبنات الصونية الجاهزة ، فإن الكاتب يختار منها ما يحقق له الترجيح الدوري ، لكن هذا الاختيار إذا أدي مهمته بحرية مطلقة في الفقرة الأولي فإنه يكاد ينحصر في الفقرة الثانية .
لأن الأولي تصبح المتحكمة في عملية الاختيار المتسلطة علي الفقرة الثانية ومن المهم أن نعي أن محور الاستبدال مشحون بقائمة من الاحتمالات ومن خلالها نوجه اختيارنا – بوعي أو بدون وعي – إلي هذه القائمة لإنتاج دفقة تعبيرية مكتملة طبقاً لقانوني العلاقة والتعارض وحين تتحد العناصر المختارة في تنظيماتها وهنا تكتمل الحركة الجديلة بين الخط الرأسي والخط الأفقي ، ثم تتدخل عملية التكامل لتوازن بين وحدات ملفوظة ووحدات أخري ملفوظة بالقوة طبقاً لقانون الموازنة ، الذي يستدعي بالضرورة – الموازنة الدلالية والنحوية لاشك أن المسعدي كان علي وعي كامل بطبيعة هذه العمليات المعقدة وعلي أساسها تناول العلاقات بين التوازن والإيقاع العددي ، فإذ كان التوازن قد حدد مساره برصد المفردات في علاقتها بغيرها من المفردات ، فإن هذا حضور للخط الأفقي علي المستوي الكمي ، وقد سبق للمسعدي أن حدد مفهوم الوزن ( بأنه البنية الصوتية للكلمة مجسمة في نوع المقاطع الطويلة والقصيرة وعددها وترتيبها ، ولا يتحول هذا الوزن إلي توازن إلا إذا تدخل الخط الأفقي علي حد توازن المفردات المكونة لفقرتين أو أكثر عددياً (38) ، وبما أن حالات التوازن تأتي علي اشكال متعددة فإن العلاقات بينها وبين الإيقاع العددي تأتي علي صور متنوعة ، فإذا كان التوازن كاملاً وتاماً فإنه يترتب عليه تساوي الفقرات عددياً ، لكن ليس من الضروري أن يكون التساوي العددي مصاحباً للتوازن الكامل إذ يحتمل أن تتوافق أعداد الكلمات لكن تتخالف أوزانها ، بل ربما انحصر في بعض المقاطع أو في القافية وحدها وهنا يكون التساوي العددي مجرد صدفة لا تؤثر في إنتاج الإيقاع وهي صدفة لا تنتج إلا بنية سجعية هزيلة الإيقاع ، لأن الصوتية انحصرت في منطقة القافية وحدها نلاحظ ذلك في مثل قول الهمذاني :
ويروي لنا من شعره   ما     يمتزج   بأجزاء     النفس        رقة 13 مقطعاً
–    -777   —-      -7          —
يغمض    عن    أوهام       الكهنة      دقة     13 مقطعا
-77       –       —      7777   —      39
إذن قوام السجع – عند المسعدي – ما يتكون من فقرات تامة يجمع بينهما الاتفاق في العدد والقافية ، والوزن واتساق المعني والتركيب النحوي أنها حركة منهجية محسوبة لتتبع أبنية السجع ورصد خواصها الإيقاعية ، بحيث يتحقق التراكم لمجموعة الخواص خلال موازنة بين الإدراك النظري والإجراء التطبيق إبتداء من التحديد المعرفي الذي يمثل جنس الكلام نزولاً إلي (النوع) ، أو ما يمكن أن نسميه ( الأقسام الفرعية ) التي يمكن أن تنضوي تحت هذا التحديد الكلي ، وهي أقسام تعتمد العلاقة بين الوزن والإيقاع العددي الذي تأتي علي ثلاثة أشكال:
الأزواج المتفقة اتفاقاً كاملاً وهي التي تضاهي نسق البيت الشعري بمصراعيه
الأزواج التي فيها فقرتان متساويتان أولاهما مسبوقة بقاسم مشترك ويكون هذا العنصر مصدر التفاوت العددي .
الأزواج غير المتساوية الأجزاء ، وغير المبدءوة بقاسم مشترك .
وهذه الأقسام التي طرحها المسعدي تدخل ضمن احتمالات الخط الأفقي التي يسلط عليها المبدع طاقته الإختيارية وفق احتياجاته التعبيرية الموسومة بالإيقاعية وهو ما صنعه الهمذاني في مقاماته .
إن اكتناه المسعدي لظواهر الإيقاع في بنية السجع قد أوقفه علي نظام غضافي تمثل في مجموعة العلاقات الحرفية بأجراسها المتباينة ، وهذه الأجراس هي المائزة للحروف بحسب اختلاف المخارج واختلاف المقاطع لكنه يلاحظ أن (الجرس) يتجاوز كل ذلك إلي ما يسميه (الصدي) الذي يكون للحروف وحركاتها لا باختلاف مخارجها ومقاطعها ، بل باختلاف تموجات الصوت عند النطق وما يطرأ عليه من شدة وصلابة ، ولين ، وجهر ، وهمس ، وفخامة ، ورخاوة ، وغيرها للجرس بهذا المفهوم دور بالغ في إنتاج الإيقاع .
ولا شك أن المتابعة الوصفية من العروضيين لبنية القافية قد أكدت وعيهم بكونهم وحدة إيقاعية معقدة التركيب ، قوامها أجراس حروفها وحركاتها ، كما كان للبلاغيين وعيهم بدور هذا الجرس عندما تناولوا الحرف الاخير في السجع وكان هذا الوعي أكثر وضوحاً في تناولهم لبنية بديعية هي (الجناس) تقوم علي تشابه حروف كلمتين مع اختلاف معناهما وأكد المسعدي وعي الهمذاني بهذه الإمكانية اللغوية وإفادته منها في توظيف (الجناس) لتكثيف الظاهرة الإيقاعية ، دون أن يلزمه منطقة مكانية بعينها فيأتي داخل الفقرات أحياناً ، وفي منطقة القافيةأحياناً أخري وإذا كان البلاغيون قد شققوا من الجناس أقساماً كثيرة ، فإن الهمذاني لم يستهوه من هذه الأقسام إلا (الجناس المضارع ) أو غير التام وقليلاً ما كان يوظف الجناس التام الذي تتفق فيه الكلمتان في الحروف وترتيبها وحركاتها ، كما أنه خص منطقة القافية بمعظم جناساته لأن الغواية الإيقاعية فيها تكون كبيرة.
ويلاحظ المسعدي أن بنية الجناس لا تؤ دي دورها بوصفها عاملاً من عوامل الإيقاع إلا عند خضوعها لقانون (الوزن) حيث يكون الأثر الصوتي مزدوجاً لأنه من الضروري أن يرتبط إيقاع الجرس بالتردد المنتظم في مثل قول الهمذاني :
” نصبح إن شاروت فصيح إن حاورت ” فإتفاق الوزن – من ناحية – يرتب الحروف المتجانسة في الرتبة نفسها في كلتا الفقرتين فيحدث دورية وانتظام في الجرس وهو – من ناحية أخري – يوقع النبرة علي المقاطع نفسها من الكلمات المتناظرة فيكسب أجراسها قوة ، فالجناس – إذن – يوسع منطقة الإيقاع حرفياً وحركياً .
وربما كان أخطر ما اضافه المسعدي في هذا المحور ، من دراسته ، ما أسماه (الجناس الحركي ) ، وهو أمر لم يلتفت له البلاغيون صحيح أنهم لاحظوا دور الحركة في بناء الجناس التام لكنهم لم يتوجهوا إليها في ذاتها .كما اتجه إليها المسعدي ورصدها عند الهمذاني في مثل قوله :
” وجرير ( إذا نسب أشجي وإذا سلب أردي وإذا مدح أسني ” (40) .
ويرجع المسعدي ذلك إلي خاصية أساسية في النظام الصوتي للعربية فعدد الحركات وأنواعها ونظامها أضعف مكانة بالنسبة لعدد الحروف وأنواعها وجرسها، ومن ثم لم تلفتهم مثل هذه الظاهرة الصوتية التي تتوافق فيها الحركات دون توافق الحروف .
ويري أن ضعف الجانب الموسيقي الغنائي في اللغة العربية راجع إلي فقر أجراسها الحركية مما يضطر الملحنين والمغنين إلي مد الحركات وإن كانت قصيرة في كثير من الأحيان لإحداث التنغيم المطلوب ، وإلي الميل بها إلي الإمالة والتفخيم والإشمام لتنويع طبيعتها الإيقاعية .
وما قاله المسعدي قد لاحظه ابن جني قديماً عندما قال إن الشاعر إذا احتاج أحياناً إلي إقامة الوزن مطل الحركة وأنشأ عنها حرفاً من جنسها في مثل قول الشاعر :
تنفي يداها الحصي في كل هاجرة
نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
وقول ابن هرمة :
وأنت من الغوائل حين ترمي
ومن ذم الرجال بمنتزاح
وقوله :
وأنني حيث ما يسري الهوي بصري
من حيث ما سلكوا أدنو فأنظر (41)
أي : الدراهم ، والصيارف وبمنتزج ، وفأنظر ولا يتجاوز تدخل البلاغيين في ظاهرة (الجرس) الذي تحدثه الحركات مجرد رصد ظاهرة (الخفة والثقل) دون نظر إلي التردد الدوري الذي يمكن أن يقع بين الدوال ، حيث عقد ابن الأثير بحثاً (لخفة الحركات) وجعل من أوصاف الكلمة أن تكون مبنية من حركات خفيفة ، ليخف النطق بها ، ولهذا إذا توالي حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة فإذا توالي منها حركتان في كلمة واحدة استثقلت ولهذا استثقلت الضمة علي الواو والكسرة علي الياء لأن الضمة من جنس الواو والكسرة من جنس الياء فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان (42) .
ويتابع العلوي ابن الأثير في الكلام عن الحركات حيث يري أن هناك مستويات في الخفة والثقل بالنسبة لتوالي الحركات ، فإذا حصل سكون في الوسط بين المتحركات ، كان أعدل ما يكون وأرق وإن توالي ثلاث فتحات فهو أخف من حصول الضم في وسطه (43) .
إن المسعدي برصد إيقاع الجرس يستكمل حدود بنيبة السجع بوصفها مجموعة من العلاقات الصوتية التي تقوم علي التوافق وعلي المتلقي لكي يدرك هذا التوافق أن يحسن الإنصات وهو يتابع مجموع هذه العلاقات علي معني أن متلقي السجع ليس مجرد مستقبل معني وإنما مستقبل إنماط وهو ما يسميه ( كوللر Culler  )
( المعني الفارغ ) الذي يكون قابلاً للأمتلاء بمعان يتيحها المحتوي الدلالي والمعجمي للنص (44) .
إن وعي المسعدي بلغته وعمقها الصوتي وطبيعتها الكمية هو الذي أداه إلي رصد ( علاقة الموازنة بإيقاع المدي فما هو الإيقاع أولاً ؟ ( هو ما نشعر به من الانتظام في رجع الأزمنة الموسومة ) وهذه تنشأ – عموماً – عن أصوات تتمايز بمداها وارتفاعها أو شدتها وهذا التحديد الذي قدمه المسعدي يوافق المنجز الألسني الذي يعرف الإيقاع بأنه الإعادة المنتظمة داخل السلسلة المنطوقة لإحساسات سمعية متماثلة تكونها مختلف العناصر النغمية . (45)
والخطورة الكامنة في هذه المنطقة من الدراسة هي أن استخلاص قوانين ثابتة للإيقاع قد يتحول إلي آلية بحكم العادة ، إذ خلالها نري الظواهر كأنها أشياء معلبة وضعت علي نسق ترددي خاص ، ولتلافي هذه الآلية يؤكد المسعدي علي أهمية (تداول) المقاطع القصيرة والطويلة علي أساس أن الأولي تمثل مواقع  ضعف النطق ، والثانية مواقع قوته ( فالتداول ) هنا ينافي الآلية التي نلحظها في العروض الشعري ، حيث يحل الثبات محل التداول ، ولعل هذا الثبات كان أساس اكتفاء العرب بعدد محدود من البحور ، بالرغم من أن التفعيلات الثمانية يمكن أن يتولد عنها بحور غير محدودة
وإذا كانت البحور الشعرية قد تثبت علي ظواهر تكرارية هي الثلاثية والرباعية الصافية والمركبة فإن النثر لا يثبت علي شئ من ذلك ، لأن باب المقاطع مفتوح للساجع بلا حدود إلا حدود التردد الدوري ، حيث تأتي الفقرة التالية من السجع مرتبطة في عدد مقاطعها ومداها بنسق الفقرة الأولي ، أو بفارق مقطع أو مقطعين فقط أما المقاطع القصيرة والطويلة ، فإنها تتوالي في العروض بدقة كاملة ، وقد رصد المسعدي هذه المقاطع فلاحظ أن المقاطع الطويلة تأتي في بحور الخليل منفردة إحدي وعشرين مرة ، ومثني خمساً وعشرين مرة ، وثلاثياً سبع عشرة مرة ورباعية أربع مرات من جملة سبعة وستين مقطعاً ، وذلك بالنسبة للبحور النظرية أما البحور التي تدخل عليها الزحافات والعلل فإن الإحصاء يختلف .
فإذا أنتقلنا للسجع وحاولنا استخلاص قانون ثابت يتحكم في توزيع المقاطع علي نسق  الشعر ، تبين – قطعاً – أنه لا وجود لقانون من هذا القبيل (46) ، بل أن المقاطع في سجع المقامات تتوزع بصفة عفوية ، فتنفرد أو تتوالي مثني وثلاث ورباع وخماس وأكثر دون قيدوهنا يتدخل النبر ليحكم العلاقة الترددية .
ومن الواضح أن اللغويين العرب لم يتعرضوا للنبر ويرجع ذلك إلي أن العربية ليس للنبر فيها وظيفة تمييزية تترتب علي اختلاف المعني ، وإن وجدت . فإنها لا تكون مستمرة من قبل ما لاحظة ابن سينا من ارتباط النبر بالغرض وأحوال المتكلم (47) .
وبالرغم من أن الإيقاع العربي كمي ونبري ، فإن الغالب عليه الناحية الكمية وهو ما يفسر لنا اتفاق بيتين في الغيقاع برغم اختلافهما في الألفاظ ، وذلك بسبب غلبة النبرة العروضية ، فقوام الإيقاع الشعري الكم المتمثل في انتظام المقاطع ، والنبر المتغير الموقع حسب التفعيلات .
إن مقاومة المغايرة بين الإيقاع الشعري والإيقاع السجعي ، يمكن تمثلها من رصد المقاطع في تركيبة سجعية ، حيث يتكشف منها عدم انتظام التردد المقطعي، ففي قول الهمذاني :
” وإن نسيتموه فهو ذاكركم
نجد المقاطع : 7 – 7 – 7- 7777 – 77
وإن كرهتموه فهو زائركم ”
7 – 7 – 7 – 7 – 7777 – 77
وهذه السلسلة تأتي دون قاعدة تؤكد التناظر الترددي اللازم لإنشاء الإيقاع، وإنما الأساس المنطقي الذي يقوم علي المادة الصوتية ، هو التقطيع حسب حدود الكلمات علي النحو التالي :
وإن     نسيتموه         فهو         ذاكراكم
7-     7-7-7         777         – 77 –
وإن     كرهتموه         فهو         زائركم
7 –     7-7-7-         7777        -77-
وهنا يتأكد أن ( الموازنة) هي العنصر الفاعل في الإيقاع ومن ثم فإن الهمذاني لم يلزم نفسه بإيقاع والمدي آلياً فجاء سجعه متنوعاً وسلساء بعيداً عن الجمود والرتابة ، وسذاجة النثر المرسل الخالي من كل إيقاع ، فضلاً عن مليه إلي المقاطع المتشابهة ، علي عكس العشر الذي يساوي بين المقطع المفتوح والمغلق ، وقد ساعده علي كل ذلك حضور الأوزان الصرفية بين يديه .
إن مجموع توجهات المسعدي – منهجياً – للمقارنة بين نوعين من الإيقاع الإيقاع الشعري والإيقاع النثري كانت موثقة بجملة إحصاءات دقيقة عن المدي بين المقطع الطويل المغلق والمنفتح ووظيفة كل منهما في الشعر وفي النثر وقد خلص إلي :
قلة المقاطع القصيرة بالنسبة للطويلة في الشعر والنثر معاً ثم ارتفاع نسبة تردد القصيرة في النثر عن الشعر ، لأنه غير إيقاعي بطبعه ، أو علي الأقل لا يصل إلي إيقاعية الشعر .
تفوق المقاطع المفتوحة علي المغلقة في النفس الغنائي والوجداني ، أو أي نسق إيقاعي إنشادي موسيقي .
غلبة المقاطع الطويلة المغلقة يولد أسلوباً إنشادياً مصبوغاً بقوة الإيقاع وشدته .
ويلاحظ المسعدي أن سجع المقامات لا ينتسب لهذين القسمين الأخيرين لأنه يخلو من معاني الشدة والعنف أو خلجات العاطفة والوجدان فأكثر المقامات تدور حول وصف الشخوص أو حكاية الأحداث أو المدح ، أو الذم ، أو التهمن وتوزيعها وأهميتها العددية يرجع للصدفة (48)  .
وقد استكمل المسعدي إحصاءاته بإجراء تحليل علي النثر الإخباري والنثر الفني فلاحظ أن اللغة الإخبارية تتساوي فيها المقاطع القصيرة والطويلة .
والواقع أن المتابع يقف في حيرة – أحياناً – أمام بعض هذه الإحصاءات عن تردد المقاطع في الشعر والنثر ، لأن هناك دراسات أخري تناولت هذا التردد،وخلصت إلي نتائج مغايرة فالدكتور علي يونس قام بإحصاء لأنواع المقاطع في نماذج نثرية قديمة وحديث ، تشمل نصوصاً قديمة لابن المقفع والمبرد والجاحظ وابن قتيبة ونصوصاً من العصر الحديث للمنفلوطي والعقاد والمازني وتوفيق الحكيم وخلص إلي أن نثر العربية يرجح كف المقاطع الطويلة علي القصيرة ترجيحاً بيناً (49) ، وهو ما يتنافي مع ما استخلصه المسعدي من غلبة المقاطع القصيرة في النثر (50) .
وأعتقد أننا لو تابعنا هذا الإجراء الإحصائي فربما نصل إلي مستخلصات قد تتوافق مع المسعدي- أحياناَ – ومع يونس أحياناً أخري لكننا نميل إلي الأخذ بإحصاءات المسعدي ونتائجه لأنها مبررة تبريراً داخلياً لا يحتكم إلا للإيقاع ، حيث يري أن ارتفاع نسب المقاطع القصيرة بصفة عامة – في النثر عن الشعر ، يرجع إلي أن النثر مهما يكن حظه من الإيقاع لا يبلغ درجة التنظيم الإيقاعي الذي لبيت الشعر بحكم قيام العروض علي أنساق من النظم الإيقاعي اختارتها العرب من بين كل ما تقبله العربية من سلاسل كمية لا تحصي وعددها أجودها إيقاعاً وأحكمها صنعة فلا غرابة أن تكون نسبة المادة الساكنة أو الجامدة أقل في الشعر وأهم في النثر .
لكن المؤكد أن كلا من الباحثين قد التزم بما يحتمه الدرس الأسلوبي من عناية بالوصف التوقيتي الذي يأخذ في اعتباره الإنتاج الأدبي في مستوييه الشعري والنثري وفي زمنيه القديم والحديث ، وكلاهما قام برصد العناصر الثابتة بوصفها أبنية إيقاعية قابلة للتحليل والكشف عن وظائفها ، لكن هذا الالتزام قد قاد الباحثين إلي نتائج متغيرة وهو ما يحتم أن تكون هناك دراسة مستقلة لطبيعة تردد المقاطع في الشعر وللنثر عموماً ، ثم متابعة هذه الدراسة وربطها بمرحلة زمنية مختلفة وبخاصة بعد أن اهتز الإيقاع الشعري ، وتغيرت طبيعته في الحركة الشعرية الأخيرة ، من مثل التنويع بين التفاعيل أحياناً ،وبترها أحياناً واستخدام تفاعيل غير مألوفة أحياناً ثالثة .
إن النظر في مجمل ما قدمه المسعدي يؤكد وعيه بإن إنتاج الكلام لا يقصد به مجرد تحريك الأوتار الصوتية لأحداث إيقاعات منتظمة أو غير منتظمة وإنما الكلام له مهام أساسية ، يأتي في مقدمتها عملية التوصيل التي تربط بين طرفين أساسيين هما :المتكلم والمتلقي ، سواء أكان المتكلم منتجاً لكلام إبداعي أم لكلام إخباري صحيح أن المنجز الأسلوبي الأخير يري أن اللغة مستهدف في ذاته ، لكن هذان إن صح مع الخطاب الشعري ، فإنه لا يصح مع الخطاب الروائي والمسرحي ، وحتي عندما تصبح الخاصية الإيقاعية مستهدفاً في ذاته كما في السجع ، فإن المستهدف التوصيلي يفرض نفسه ، ومن ثم لابد أن يكون في الوعي –دائماً – النظام التركيبي للكلام ، ووظائفه الإشارية التي تتحول إلي نوع  من الوظائف الرامزة ولهذا كان يقول أولمان : ” الكلام معبر وموصل ومؤثر “(51) ، ولاشك أن هذا الوعي كان وراء حركة المسعدي في دراسة البناء النحوي للسجع عند الهمذاني ورصد أساليب التنظيم الإيقاعي والتراكيب النحوية تتمتع بقدر كبير من حرية الحركة بل أن التراكيب نفسها تتمتع بهذا القدر من الحرية ، فليس هناك قيد علي هذه الحرية ، إلا قيد إنتاج الدلالة التي تتبع من العمق الذهني وانعكاسه في صياغة منطوقة أو مكتوبة .
لكن الملاحظ أن بعض التراكيب تتنازل عن هذه الحرية بحيث يتحكم تركيب فيما يليه بعقد علاقة تماثل تركيبه ، وهذا ما لاحظه المسعدي في بعض أبنية السجع عند الهمذاني التي تستهدف زيادة كفاءتها الإيقاعية ، في مثل قوله : ” وإن نسيتموه فهو ذاكركم وأن نمتم عنه فهو ثائركم ، وإن كرهتموه فهو زائركم”(52).
وبما أن هذا النمط التركيبي يحتاج إلي جهد هندسي يزيد علي إنتاج الكلام سواء أكان الكلام إخبارياً أم إبداعياً ، فإن الهمذاني لم يجعل له الغلبة في مقامات آثر عليه بناء ثانياً لا يعتمد علي التماثل المطلق حيث لا تتكرر التراكيب نفسها في مجموع السلسلة من أولها بل فيما بعدمبدئها ،وتلك هي الجمل ذات القاسم المشترك في مثل :
” وجعل / ينظر فتقتلنا ألحاظه
وينطق فتفتننا ألفاظه ”
غير أن المقامات تتعامل مع نظم ثالث تتداخل فيه الجمل المثلية التراكيب تداخلاً يجعل منها شبكة معقدة فيها أشكال مختلفة من تجاوب التراكيب وتتخللها جمل من النثر المرسل أحاناً (53) .
وهذا التنوع الثلاثي للأبنية السجعية يكشف عن خاصية تعود إلي المبدع والنص علي سواء وهي البعد عن التكلف الذي يتسلط علي الصياغة فيجعل المعني تابعاً للفظ وهو تسلط حذر منه بن الأثير قديماً ، عندما قال : ” فإذا صفي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد فإن وراء ذلك مطلوباً آخر ، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعاً للمعني ، لا أن يكون المعني فيه تابعاً للفظ فإنه يجئ عند ذلك كظاهرة مموه ، علي باطن مشوه ” (54)
لقد لاحظ المسعدي خلو سجع الهمذاني من هذه الخاصية المرفوضة كما لاحظ أن كل واحدة من الفقرات المسجوعة تشتمل علي معني غير الذي عليه أختها ، علي معني أن ترديد التراكيب النحوية ى يترتب عليه إعاد التعبير عن المعني نفسه الذي هو التطويل بعينه ، كما يقول أبن الاثير أيضاً (55) والحق أن مقولة متابعة اللفظ للمعني ، أو المعني للفظ لم تعد تتوافق مع الاتجاهات اللسانية الحديثة التي تربط بين اللفظ والمعني ربطاً محكماً ، حتي ولو كان هذا الربط اعتباطياً كما يقول سوسير وقبله عبد القاهر الجرجاني الذي جعل بين اللفظ والمعني تلازماً حتمياً لأن العملية الفكري واحدة ، من حيث أن الألفاظ أوعية للمعاني ، وإذا وجب لمعني أن يكون أولاً في النفس ، وجب للفظ الدال عليه أن يكون أولاً مثله في النطق فإما ان يتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلي فكر تستأنفه لأن تجي بالألفاظ علي نسقها فباطل من الظن (56) وبرغم مقولة المسعدي عن أن سجع الهمذاني يخلو – غالباً من التكلف ، فقد لاحظ وجود بعض فقرات قليلة حكمت فيها ضرورة القافية علي الجملة بتحويل المفردات تقديماً وتأخيراً دون أن يستلزم المعني هذا التحويل في مثل قوله :
” دخل كهل قد غير في وجهه الفقر ، وانتزف ماءه الدهر ، وأمال قناته السقم، وقلم أظافره العدم ” (57) .
وإذا كان عبدالقاهر ،وبعده الأسلوبيون المحدثون يرون ارتباط الحرك الذهنية الداخلية بالمستوي الصياغي الخارجي فإن ما قدمه الهمذاني – إذن – لا يعد تكلفاً لحساب القافية ، بل يمكن القول إن هذا التحريك الأفقي للدوال كان نوعاً من التجاوب مع الحركة الذهني ، لأن هذه الحركة لا تتقيد برتب الوظائف النحوي وإنما تتقيد بأداء الوظيفة ذاتها فحركة الذهن لم تتعلق برتب الفاعل في تقدمه علي المفعول وإنما تعلقت (بالمفعولية) بوصفها المطلوب الأساسي ، علي معني أنها تحولت- علي المستوي الدلالي- من كونها (فضل) إلي أن أخذت حكم (العمدة) فتقدمت لتحتل منطقته ليتم التوافق بين حركة الذهن والناتج الصياغي ، وبهذا نتخلص من سمة التكلف ويستقيم المنهج الوصفي الذي يتابع الظواهر التعبيرية وفاعليتها في السياق دون حاجة إلي الحكم بالقيمة ، وهو أمر لم تعد تلتزم به المناهج الأسلوبية الحديثة .
ومن الضروري أن نضج في اعتبارنا – ونحن بصدد تحليل أي نص – أن هناك عقب لغوية تواجه المنتج اللغوي ولا شك أن الرتب المحفوظة وغير المحفوظة تمثل أكبر العقبات حيث يحدث – غالباً – صدام بين المعني المطلوب ،وتلك الرتب النحوية بل بينه وبين مجموع النظام النحوي الذي يتحدي الشعراء علي وجه الخصوص ، وقد تغلبوا عليه فيما سمي ( بالضرورات الشعرية ) .
وعلي كل فقد أقر المسعدي بأن الهمذاني قد أحسن التصرف في تسلسل جمله ، واعتمادها علي قواعد النحو ووظف أدوات (الربط والوصل ) وأشكال التعليق المختلفة بمهارة كبيرة مما يعني إفادة الهمذاني من نظام ائتلاف مكونات الجملة ثم مكونات ائتلاف الجمل ، وهذا الائتلاف – كما يري الدرس اللغوي الحديث – يجري وفق ظاهرتين تركيبيتين هما : الارتباط والربط حيث حضور علاقة نحوية سياقية وثيقة بين معنيين دون واسطة لفظية ، وحيث حضور علاقة نحوية سياقية بين معنيين باستعمال واسطة تتمثل في أدوات الربط المختلف تعمل علي عقد هذه العلاقة (58) ، فالهمذاني حاول – بمقدرته الفنية – أن يوفق بين مفاصل التركيب كما يفرضه النحو ، ومفاصل الإيقاع ، وبذلك حقق لسجعه أكبر قدر من الانسجام وهذه المقدرة هيأت له أن يستعيد البني النحوية في سلاسل الجمل في توافق مع قانون التوازن السجعي دون أي آلي ، وهو ما يعني – علي وجه العموم – أن البناء النحوي كان موظفاً لإنتاج المعني والإيقاع علي صعيد واحد (59) .
لقد انتهي الجهد الذي قدمه المفكر الكبير محمود المسعدي إلي تأسيس إطار نظري ملازم لإجراء تطبيقي وهذا التأسيس يستمد ركائزه من الموروث اللغوي والبلاغي العربي ،مع الإفادة الواعية بالمنجز الأسلوبي الغربي ، حيث قدم في دراسته عن الإيقاع في السجع العربي ضفيرة لانكاد نفصل فيها بين القديم والحديث ، فهي ضفيرة خاصة بالمسعدي وحده ، غير مسبوقة في تاريخ الإيقاعية العربية .
لقد كان التأسيس النظري ملازماً للإجراء التطبيقي في منطقة بعينها ، هي منطقة السجع عند الهمذاني في مقاماته ، مع توسيع الدراسة لتتناول الإيقاع الشعري ، وأوجه الموافقة والمخالفة بين نظامي الإيقاع فيهما .
وفي كل ذلك لم يلتزم المسعدي بما وجده بين يديه من تنظيرات عربية أو غربي ، بل كان التزامه بما بين يديه من نموذج إبداعي ، وهو ما أدي إلي تعديل في هذا أو ذاك حسب الاحتياجات التحليلية والإحصائية إيماناً منه بأن النص يفرض تقاليده التي تصلح للتعامل معه .
علي هذا الأساس تم توسيع دائرة (السجع) ليشمل (الإزدواج) و( الموازنة) و
(المماثلة) بوصفها مكونات مشاركة في إنتاج الإيقاع في السجع كما تم تعديل مفهوم توافق السجعات في (الحرف الأخير ) ليستوعب مفهوم (القافية) ، وهو ما أدي إلي إضافة بني بديعية أخري هي (الجناس) لتشارك في إنتاج هذا الإيقاع .
وكل ذلك مرتبط بمجموعة من الشروط التي يؤدي غيابها إلي خلل واضح في الإيقاع السجعي فلابد من مراعاة التعادل العددي في الفقرات والتعادل الكمي والمقطعي وكل ذلك محكوم بالترديد والإعادة بتكرار الصيغ حفاظاً علي الموازنة والتماثل ، فضلاً عن الموقع المكاني الذي يحافظ علي الانسجام الشكلي ، ثم يأتي البناء النحوي ليؤدي دوره في إنتاج الإيقاعية متعاوناً مع مجموعة الظواهر السابقة وبأداء هذه الظواهر مهمتها وفق الشروط المستخلصة من التطبيق يتحقق للبناء السجعي اكتماله ومثاليته الفنية .
وفي رأينا أن هذا الجهد يمكن أن يمثل نظرية مكتملة لدراسة الإيقاع في النثر الإبداعي عموماً حيث اكتمل لهذا الجهد التأسيس النظري المقترن بالإجراء التطبيقي وتقديم المقدمات واستخلاص النتائج في منهجية واضحة وصارمة .
وهذه المنهجية كانت أداة النظرية في التعامل مع مجموعة من المصطلحات التي يمكن للقارئ أن يستوعبها خلال حدودها المعرفية من ناحية وخلال سياق ترددها من ناحية أخري حتي تكون قريبة من إدراكه سواء أكان قارئاً عادياً أم قارئاً مثالياً .
ولم تسقط هذه المصطلحات في هوة التعميم الذي يشتت فاعليتها ، أو التخصيص الشديد الذي يغلق هذه الفاعلية أو يقضي عليها وهذا السقوط يقع غالباً نتيجة لاعتماد الدارس – أحياناً – علي نظريات سابقة يدخل بها ويرغمها علي تقبل مسلمات هذه النظرية ، ويكون الناتج – دائماً مضللاً .
لكن توظيف المصطلحات وفق شروط الصحة المنهجية كان فعالاً في استنطاق السجع للبوح بمجموع خواصه المائزة والقراءة الواعية هي التي تسعي وارء الخفي والظاهر ، وتحديد شروط إنتاجهما كمياً وكيفياً مع الإفادة – في كل ذلك – بالعلوم المجاورة كما فعل المسعدي في إفادته البالغ من علوم البلاغة والعروض واللسانيات ، حيث أدار معها حواراً  حول تقاليدها التي تصلح للحلول في منطقة السجع وأخيراً فإن أهمية نظرية المسعدي في الإيقاع تتأتي من صلاحيتها للتعامل مع مناطق إبداعية أخري لأن أي نظرية تنحصر فاعليتها في منطقة واحدة تكون نظري فقيرة ، أما ما قدمه المسعدي فإن الإفادة منه سوف تكون بالغة في تناول نصوص أدبية استفاضت في الواقع الأدبي العربي ، ونعني بذلك ( قصيدة النثر ) التي ركز الرافضون لها علي خلوها من أهم خصيصة شعرية ، وهي الإيقاع فمن خلال نظرية المسعدي يمكن دراسة هذا النوع الادبي لكشف إيقاعيته أن كان لها وجود وربما اقتضي الأمر تعديل بعض أدوات التحليل ، أو إضافة أدوات جديدة يفرضها النص ذاته ، لتكتسب النظري شرعية متجددة
المــراجع
ليس من المهم الدخول في جدل حول أول من كتب المقامات لأن الإجماع يكاد ينعقد علي ان الهمذاني هو مبتكرها .
انظر : نقد النقد – تودروف- ترجمة د. سامي سويدان – دار الشئون الثقافية ببغداد سنة 1986 : 26 .
انظر : الإيقاع في السجع العربي – محمود المسعدي – مؤسسات عبدالكريم بن عبدالله تونس 1996 : 6 .
الأسلوبية والأسلوب – د. عبدالسلام المسدي – الدار العربية للكتاب سنة 1982 : 121 .
إعجاز القرآن – الباقلاني – تحقيق السيد أحمد صقر – دار المعارف بمصر سن 1964 : 35 .
السابق : 59 .
الأسلوبية والأسلوب 115 .
سر الفصاحة – ابن سنان الخفاجي – تصحيح عبد المتعال الصعيدي – صبيح بمصر سنة 169 : 164 .
عروس الأفراح بهاء الدين السبكي – ضمن شروح التلخيص – عيسي الحلبي سنة 1937 : 4/ 445 .
الإيقاع في السجع العربي : 8 .
السابق : 12 .
السابق : 12 .
إعجاز القرآن : 57 .
السابق : 59 .
انظر : الخطيئةة والتكفير – د . عبدالله الغدامي – النادي الادبي الثقافي – جده سنة 1985 : 130 .
الإيقاع في السجع العربي : 17 .
نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر – ديفيد بشبندر – ترجمة عبدالمقصود عبدالكريم – الهيئ المصرية العامة للكتاب سنة 1996م  : 62 .
الصناعتين : أبوهلال العسكري – تحقيق د.مفيد قميحة – دار الكتب العلمية بيروت سنة 1984 : 288 والمثل السائر 1 / 333 ومواهب الفتاح – ابن يعقوب المغربي ضمن شروح التلخيص : 449.4 .
بديع القرآن – ابن أبي الإصبع – تحقيق :حنفي شرف – مكتبة نهضة مصر سنة 1957 : 108 .
الإيقاع في السجع العربي : 37  .
السابق : 45 .
السابق : 47 .
السابق : 48 .
السابق : 50 .
السابق : 51 .
نظرة جديدة في موسيقي الشعر العربي د. علي يونس – الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1993  : 84 .
الإيقاع في السجع العربي : 57 .
السابق : 61 .
السابق : 67 .
المثل السائر : 1 / 377 ، 378 .
الإيقاع في السجع العربي : 69 .
المثل السائر : 1/ 379 .
مواهب الفتاح : 4 / 456 .
حسن التوسل –الحلبي – أمين هندية بمصر سنة 1315 هـ : 71.
بديع القرآن – تحقيق حفني شرف – نهضة مصر سنة 1957 :107 .
الإيقاع في السجع العربي : 78 ، 79 .
السابق : 84 .
السابق : 90 .
السابق : 91.
السابق : 106.
الخصائص – ابن جني – تحقيق محمد علي النجار – عالم الكتب بيروت سنة 1983  : 2 / 315 ، 316 .
المثل السائر : 1/ 268 .
الطراز – العلوي – المقتطف بمصر سنة 1914 / 110 ، 1 .
انظر : نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر : 60 .
أثر اللسانيات في النقد العربي الحديث – توفيق الزيدي – الدار العربية للكتاب سنة 1984 : 63 .
الإيقاع في السجع العربي 121 .
السابق : 162 .
السابق : 159 .
نظرية جديدة في موسيقي الشعر العربي : 84 – 88
الإيقاع في السجع العربي 149 .
دور الكلمة في اللغة – أولمان – ترجمة د/ كمال بشر – مكتبة الشباب سنة 1992 : 21 .
الإيقاع في السجع العربي : 169 .
السابق : 170 .
المثل السائر : 1 / 176 .
الإيقاع في السجع العربي 171 .
دلائل الإعجاز – عبدالقاهر الجرجاني – قراءة محمود شاكر – الخانجي – القاهرة سنة 1984 : 52 .
الإيقاع في السجع العربي : 171 .
انظر : نظام الارتباط والربط في تركيب الجمل العربية – د. مصطفي حميدة – لونجمان سنة 1997 : 1 .
الإيقاع في السجع العربي : 171 .