دحوار الفنون بين الشعر والرسم / قراءة في سينية البحتري……أحمد درويش

دحوار الفنون
بين الشعر والرسم والمعمار والغناء
قراءة في سينية البحتري
بقلم الدكتور أحمد درويش
أستاذ النقد الأدبي والمقارن
جامعة القاهرة
تعد سينية الشاعر العباسي الكبير أبي عبادة الوليد بن عبد الله الطائي المشهور بالبحتري (206 – 284هـ) واحدة من روائع الشعر العربي القديم ومن القصائد المقروءة في تراثه الجميل.
وهي تحفة فنية فنية جديرة بالتأمل والقراءة وإعادة القراءة مرات متعددة ومن زوايا مختلفة، فهي نموذج جيد لتيار رئيسي في شعراء القرن الثالث الهجري وفي الشعر العباسي بصفة عامة يجنح إلى ما يسمى بشعر الطبع الذي كان البحتري أبرز ممثليه في مقابل شعر الصنعة الذي كان شعر أستاذة أبي تمام أبرز معبرعنه،وكان تقابل هذين النموذجين مصدر ثراء كبير للحوار النقدي الواسع الذي دار حول طبيعة الشعر بصفة عامة، وشعر أبي تمام والبحتري بصفة خاصة، وأنتج فيما أنتج، كتاب الموازنة بين الطائيين للآمدي، وهي من ناحية ثانية إحدى قصائد الجرس الموسيقي المتميز من خلال إيقاع بحر الخفيف الغنائي، وقافية السين التي هي إحدى القوافي العصية القليلة الشيوع في الشعر، وهي إلى جانب ذلك حرف يحمل سحر الهمس الذي يقع في منطقة بين الكتمان والبوح والإخفاء والإظهار ، ويشف صوتياً عن بعض جوانب هواجس النفس، وقد كانت من هذه الزاوية موضع عناية ومعارضة شعراء بارزين في العصور اللاحقة، ومنهم أحمد شوقي في سينية الشهيرة.
لكن محور القصيدة أو مضمونها يضعها في طائفة مجموعة قليلة من القصائد التي تدور حول تأمل الفنان الشاعر في حصاد إبداع فنانين آخرين مثل الرسام أو المعماري أو المغني أو الموسيقى أو التمات، وغيرهم من أرباب الفنون الجميلة، التي تلتقي مع الشعر في دائرة الفن وتتسم العلاقة بينها وبينه برهافة خاصة تمتاز بها عن الأنماط الأخرى الشائعة في بقية معنى مبني القصائد، التي يكون فيها أحد الطرفين فقط وهو الشاعر منتمياً إلى دائرة الفن، ويكون الطرف الموصوف “ذائاً” أو “موضوعاً” لا ينتمي بالضرورة إلى هذه الدائرة، كما هو الشائع في قصائد الشعراوي.
واللافت للنظر أن القصيدة وهي تلج هذه “الدرب الخاص” اتكأت على دعامتين رئيسيتين. ينتميان إلى “الدرب العام” في المنحنى الشعري وهما دعامة “الوقوف على الأطلال، ودعامة “الرحلة” فقد كانت القصيدة العربية في تقاليدها كما رصدها ناقد مثل ابن قتيبه ترتكز على البدء بالوقوف على الأطلال، وبكاء الديار، لتتسلى في إثر ذلك بالرحلة التي تكل خلالها المعطي، ويلحق الجهد بالراحلين، ولا يخفف من ذلك كله إلا لقاء وجه المحبوب، وهو هدف القصيدة الرئيسية الذي تنطلق القصيدة في وصفه ومدحه انطلاقا من هاتين الدعامتين التقليديتين.
لكن الذي قد يلفت النظر مرة أخرى أن الشاعر هنا خالف في الترتيب المألوف يبنى الدعامتين، وهو الترتيب الذي يجعل الوقوف على أطلال ديار المحبوب، دافعاً إلى الرحلة نحو ديار الممدوح، أي يجعل الوقف على الأطلال سابقاً على الرحلة دائماً، أما هنا فقد عكس الشاعر ترتيب الدعامتين فبدأ بالرحلة وانتهى بالأطلال، ولأنه بدأ بالرحلة، فقد كان لا بد أن يسبقها مثير شعوري يتكافأ مع مثير الرحلة في قصيدة الغزل والمدح التقليدي، وإذا صح أن يقال إن المثير هناك كان يدور غالباً حول “محبة ابنة العم” التي رحلت عن الديار، وتم الوقوف على أطلالها، فإنه قد يصح أن يقال إن المثير هنا هو “جفوة ابن العم” الذي مازال يسكن الديار:
ولد رابني نبو ابن عمي
بعد لين من جانبيه وأنس
واذا ما جفيت كنت حرياً
أن أرى غير مصبح حيث أمسى
حضت رحلي الهموم
فوجهت إلى أبيض المدائن عنسى
أتسلى عن الهموم وآسي
لمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التوالي
ولقد تذكر الخطوب وتنسى
إن الرحلة هنا، لم تأخذ من الحيز أكثر مما يأخذه المعبر القصير المؤدي إلى الميدان الرئيسي، ولهذا فإن أداة الرحلة وهي الناقة لم تأخذ الوصف الذي كانت تحظى به غالباً عند طرفه بن العبد والذي تكاد تحول عبره إلى غابة بدلاً من كونها وسيلة، واكتفى الشاعر هنا بالإشارة إليها في نصف بيت “هو وجهت إلى أبيض المدائن عنسى”.
إن الشاعر يلج من هذا المعبر القصير إلى المحل الدارس” وهو التعبير الأثير عن الوقوف على الأطلال: “وآسي لمحل من آل ساسان درس” . لكننا ما نلبث أن نلمس فرقاً رئيسياً بين طريقة توظيف “المحل الدارس” هنا، وتوظيفه في قصيدة الوقوف على الطلل التقليدية، ويأتي هذا الفرق من الرغبة في توظيف هذا الرمز باعتباره رمز “إحالة إشارية” كما هو الشأن في مجمل قصائد الوقوف على الأطلال في التراث القديم، إذ تم توظيفه باعتباره “دالاً رئيسياً” يتم التأمل فيه والحوار معه لذاته، ولا يكتفي منه بوظيفة “الإحالة الإشارية” السائدة كما هو الشأن هنا.
والذي يتأمل توظيف “دال” الأطلال في مجموعة قصائد مثل المعلقات يتبين له الطبيعة الإشارية العابرة لمفرداتها. ولا يكاد يختلف مغزى مكان منها عن مغزى مكان آخر، سواء كان هذا المكان هو سقط اللوي” الذي يحدده امرؤ القيس بأنه بين “الدخول فحومل فتوضح فالمقرأة” أو كان هذا المكان هو ” برقة ثهمد” التي تلوح عند طرفة كباقي الوشم في ظاهر اليد، أو كانت الأطلال بالعلياء فالسند” كما هو الشأن عند النابغة، التي لم تنل من وصف النابغة، إلا أنها أقوت وطال عليها سالف الأمد” ومع أنه فصل بعض جوانب الإقفار فيها فإنه لم يلبث أن دعا سامعه إلى الإضراب عنها صفحا، باعتبارها لا ارتجاع لها: “فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له”، وهي إشارة يكاد يكمن فيها المفتاح الفاصل بين توظيف القدماء للطلل، وتوظيف البحتري له كما سترى.
ونتيجة الفناء والإقفار التي انتهى إليها النابغة هي التي انتهى إليها عبيد بن الأبرص في صدر معلقته بعد أن وقف أمام أطلال “ملحوب” وما جاورها عدة أبيات انتهى بعدها إلى أنها:
بدلت من أهلها وحوشا
وغيرت حالها الخطوب
أرض توارثها شعوب
فكل من حلها محروب
وربما كان عنترة بن شداد في معلقته، أكثرهم محاولة لبث الحياة، في الطلل، حين دعاه إلى أن يتكلم، وألقى عليه تحية الصباح
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
وعم صباحاً دار عبلة واسلمي
ومع ذلك فإنه لم يلبث أن ذكر أن الطلل قد تقادم عهده، واقفر بعد رحيل محبوبته:
حييت من طلل تقادم عهده
أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
لكن البحتري في المقابل، لا يهيل الفناء على طلله، وإنما يمنحه علائم الحياة ويجعله مكتسياً باللون الأبيض، لون الصباح المشرق ورمز الحياة المتجددة، ويجعله مثيراً للتسلية والاعتبار، جاذباً نحوه متأمليه ليجدوا المتعة في تأمله، وليس طارداً لهم لكي يبحثوا عن العوض في فيافي الصحراء، أو في عطاء الممدوحين:
حضرت رحلي الهموم فوجهت
إلى أبيض المدائن عنسى
أتسلى عن الحظوظ وآسي
لمحل من آل ساسان درسي
أذكرتنيهم الخطوب التوالي
ولقد تذكر الخطوب وتنسى
إن الطلل هنا موضع جذب وتأمل، وليس مجرد إشارة إيحاء وتحول ونقطة الجذب في الطلل هنا تكمن في قيمته الفنية، فهو حصاد إبداع فنان، سواء كان نحاتاً أو بناء أو رساماً، وليس مجرد بقايا ظاهرة طبيعية تداعت وماتت، ولم يبق إلا آثارها، إن ما شاهده امرؤ القيس في سقط اللوى، وما شاهده طرفة في “برقة ثهمد” أو شاهده النابغة في “العلياء” والسند، أو شاهده عنترة في “الجواء” كانت بقايا ميتة صامتة، لأشياء كانت ذات يوم حية ناطقة، شجرة كانت تظل المحتبين، ولم يبق إلا جذعها الجاف، وموقدا كانوا يستدفئون عليه، ولم يبق إلا حجارته الباردة، وبيتاً كانوا يلتقون في ستر حيطانه، وتحت سقفه الذي هوى، وتداعت بعده الحيطان، فضلاً عن حفرة كانت موضعاً لوتد تشد اليه خيمة لم بعد لها وجود. ومثل هذه المعالم حتى وهي حية، كانت تقام استجابة للضرورة المعيشية، وليس تلبية للمتعة الفنية، ولكن أطلال البحتري التي يقف أمامها، لا تنتمي إلى مجال الضرورة، وإنما إلى مجال الاختيار والمتعة الفنية، وعلى حد تعبير الشاعر نفسه:
حلل لم تكن كأطلال سعدى
في قفار من البسابس ملس
وفي هذا الإطار، فإن الطلل يبقى موضع تأمل لذاته من ناحية، وباعثاً على التأمل فيما وراءه من ناحية أخرى، شأنه في ذلك، شأن أي عمل فني آخر في الفنون القولية أو الجملية.
والفنانان اللذان تقف القصيدة هنا أمام حصاد فنيهما هما المعماري والرسام، مع الإشارة إلى فن المغني من خلال التعرض لروعة بناء القصر، وجمال لوحة معركة أنطاكية المعلقة على أحد جدرانه، ولم تجيء اللوحات الشعرية الراصدة لإبداع كل من الفنانين منفصلة تماماً فيما بينها، وإنما جاءت متداخلة تداخل مبنى الإيوان واللوحة التي يحتويها، وقد جاء معمار القصيدة في هذا المجال شديد المواءمة مع معمار العملين الفنيين اللذين ترصدهما، فكما أن معمار الإيوان سابق وملازم ولاحق لمعمار اللوحة، لأنه هو الذي يحتوبها، ويشد عينى الوافد الناظر إليه، قبل أن تقع عليها، ويستمر الإنبهار به بعد التأمل فيها، فقد جاءت الأبيات التي تصف الإيوان، سابقة على أبيات اللوحة، ولاحقة لها وكأنها تحتويها بين طياتها.
وقد جاءت ترنيمة الافتتاح في وصف القصر، متصلة بالحديث عن آل سآسآن مقصد رحلته التي يتسلى بها عن الحظوظ، وجاء رصد المكان الذي خلا منهم، لائقاً بشموخهم وقت أن كانوا يعمرونه في عيش خفيض.
وهم خافضون في ظل عال
مشرف يحسر العيون ويخسى
وقد عزف الشاعر على نغمة التقابل بين العيش الخفيض والقصر العالي، ونغمة التناغم بين “الشرف” الذي يقع من خلاله القصر على جبل مرتفع والشرف” في جانبه المعنوي الذي ينصرف إلى علو المكانة، كما تظل عبارة يحسر العيون ويخسى، قابلة للتأويل في الجانبين الحسي والمعنوي.
وتظل الصور تراوح بين المكان ومن كانوا ساكنيه ، وتخلع ما يحل بأحد الطرفين على الآخر، وفق قانون الزمن، الذي يجعل الثبات من نصيب البنيان والتغير من نصيب الإنسان، ونحن هنا مرة أخرى نكاد نرصد لحظة مضادة، لما كان يرصده الواقف على الأطلال في صورتها التقليدية في القصيدة العربية، حيث كان التغير هنالك من نصيب البنيان والصمود والمقاومة من نصيب الإنسان، فيندفع العاشق وراء المحبوبة من المكان القفر الذي خلا منها، إلى المكان العامر الذي حلا بها كما كان يقول عنترة:
وتقيم عبلة بالجواء وأهلنا
بالحزن فالصمان فالمتثلم
كيف اللقاء وقد تربع أهلها                           بعنيزتين، وأهلنا بالغيلم
وفي المقابل، تأتي صورة البحتري للقصر الذي ما زال شامخا وراسخا وأهله الذين رحلوا عنه، فكأنه أصبح مأتماً لليالي بعد أن كان عرسا لها.
نقل الدهر عهدهن عن الجدة
حتى غدون أنضاء لبس
فكأن الجرماز من عدم الأنس
وإخلافه بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي
جعلت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم
لا يشاب البيان فيهم بلبس
وسوف تشكل هذه الصور، نغمة الافتتاح في عظمة المبنى، وعظمة من حلوا به عبر الإشارة  إلى بهو الجرماز، أحد الأبهاء الرئيسية في القصر والتي كانت تتجلى فيها أبهة المكان وساكنية.
ولن تكون هذه الأبيات، هي كل ما يحظى به المعماري من الشاعر فسوف يعود إليه مرة أخرى، بعد أن يقف أمام لوحة الرسام التي يزدان بها أحد جدران القصر، والتي تعد من عجائب القوم التي تفصح عن نفسها دون شك أو ريبة، ويبين عنها هذا الصرح المعماري المحكم:
وهو ينبيك عن عجائب قوم
لا يشاب البيان فيهم بلبس
ومع أن الشاعر يدلف بعد هذا المدخل مباشرة إلى الوقوف أمام اللوحة في ثمانية أبيات تستنطق كوامن الفن فيها، فإن المدخل اللغوي للوحته المتمثل في عبارة “فإذا ما رأيت صورة إنطاكية” يشي بأن حجم البناء المعماري أكثر وضوحاً وتألقاً وجذباً للأنظار، لأن مدخل الشاعر إليه كان يكمن في البيت:
وهم خافضون  في ظل عال
مشرف يحسر العيون ويخسى
دون أن يكون في حاجة إلى تعبير “إذا” التي تدل لغوياً على أن من الممكن أن ترى أو أن يفلت ذلك الأثر من عينيك، لكن صرح الإيوان العالي، هو الذي يسعى إلى العيون قبل أن تسعى العيون إليه. إن الصورة الشعرية حول اللوحة تعكس رؤية الشاعر وقد امتزجت برؤية فنان آخر. هو الرسام، وبعد الاندماج تتحول الصورة الصامتة من ضوء خلاق يعانق العيون إلى كلمة منغمة تشربها الأذان يرد الشعر من خلال ذلك جانباً من الجميل الذي أسداه له فن الرسم على مر العصور عندما ساعده على تحويل المشاعر المتوهجة من هواجس تطوف بالنفس غامضة تبحث عن التشكل إلى صور تستقر أمام الحواس، وتستطيع أن تغالب الفناء الذي يعتري الكلمات عندما تذوب في طبقات الهواء أو تتشابه بين طبقات الورق. ويرصد الشاعر هنا الخطوط العامة للوحة الرسام في الأبيات الستة التالية:
المنايا مواثل وأنوشروان
يزجي الجيوش تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على أحمر
يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه
في خفوت منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوى بعامل رمح
ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحياء
لهم بينهم إشارة خرس
يغتلي فيهم ارتيابي حتى
تتقراهم يداي بلمس
إن عناصر الارتياع والصراع والتذبذب بين الحياة والموت تضج بها جوانب اللوحه، فالموت هناك ماثل يترقب بل إنه ليس موتاً واحداً، إنه منايا مواثل وفي مقابل هذه المنايا وهي رمز للعدم، يوجد رمز الحياة والمجد “أنوشروان”. وإذا كان الموت جمعاً فهو ليس مفرداً، إنه يزجي صفوف الجيوش التي تؤازره وهذه الجيوش، لا تمثل لحظة زمنية عابرة، إنها تمثل امتدادا حضارياً متصلاً، لأنها تقاتل تحت الدرفس علم الأمة الكبير الذي فنيت من قبل تحته صفوف من الجيوش لكي يبقى مرتفعاً خفاقاً.
وليس رصد الزهو والاختيال ومهرجان الألوان عنصرا ثانوياً لا في لوحة الرسام. ولا في ريش الطاووس المختال، ولا في حمرة فك الأسد المتعطش للدماء، ولا في ملابس الملك وهو يقود الجيوش ويتميز عن الجند بألوانه الزاهية التي يتألق فيها اللون الأخضر ، لون النضرة والنعيم ويكاد يشكل اللون الأصفر زهرات متراصة من نبات الورس اليمني ، إنها ألوان تكاد تعلن تفتح الحياة والخصوبه والنضارة بكل عنفوانها في مواجهة المنايا المواثل بكل رعبها وترويعاها.
ويكاد جوهر المعركة الصوتي يتحدي تقنيات الرسام، فإذا كانت الصورة البصرية قد ساعدته على أن يجعل اللون الأخضر والأصفر تعبيراً ناطقاً عن عنفوان الحياة، فإن اللوحة لا تستطيع أن تنقل الصوت، ولكنها تبث الغياب المكتوم لذلك الصوت، الذي كان يرج أرض المعركة، ويأتي الشاعر، لكي يمد يده إلى الرسام، وهو يكاد يعبر بأدواته، ولنتأمل كيف يحول الشاعر الصورة السمعية “رنين الجرس” إلى صورة بصرية حين يشير إلى نقيضها بأنه” إغماض الجرس” والإغماض لا يكون إلا في حركة العين منبع المرئيات، لا في صخب الأصوات، وهكذا يتعارك الرجال في اللوحة بين يدي كسرى، وقد لفهم الخفوت وأغمضت الأجراس.
وكما يعجز الرسام عن رصد الأصوات، يعجز أيضاً عن رسم الحركة، فهو يختار لحظة سكون، فيثبتها، وكل ما يستطيعه هو أن يوحي بالحركة المتخيلة قبلها أو بعدها ، والشاعر هنا يلتقط مشهدين يوحيان بالحركة المتخيلة، فالرجال في اللوحة بين مهاجم مندفع مشيح يهوى بسن رمحه على عدوه، وآخر حذر مدافع يليح بترسه، لكي يتقى السهام والسنان، وكل صورة منهما تقابل الأخرى، وتكمل معها الدائرة، إقبالا وتراجعاً، صعوداً وهبوطاً هجوماً ودفاعاً، وتنتقل عدوى الحركة، فتفلت اللوحة من صمت السكون.
إن الصورة الشعرية تعيد لصورة الرسام، عناصر الحياة، وليس مجرد الحياة فقط. ولكنها شدة الحياة: “تصف العين أنهم جد أحياء” وإذا كان هؤلاء “الأحياء” قد فقدوا الصوت أو أغمضوا أجراسه، فإن الشاعر من جديد يمد يده إلى الرسام لكي يعطيه دليلاً من عالم الرموز على إمكانية أن تستغني الحياة عن الأصوات أحياناً، أن تستعيض عنها بإشارات الخرس الصامتين وجاءت كلمة بينهم  منسجمة مع لغة اللوحة كلها، فلا تحس فيها النشاز ولا القصور.
وتأتي قمة انبهار الشاعر بفن الرسام كامنة في هذه اللمسة البسيطة العميقة، فهو قد انجذب إلى عالم اللوحة، فكاد أن ينسى به العالم المحيط به وبدأ يرتاب في أن يكون شخوص اللوحة مجرد خطوط ورسوم وألوان، لقد نفث فيها الرسام من فنة، فكاد الشاعر يظنها حية، تتحرك، وبعد أن كان من قبل يحتكم إلى عينيه، فنؤكد له أنهم جد أحياء، ويحتكم إلى أذنيه فيسمع ما وراء السكون الظاهر، ها هو يزداد شكا في الخط الفاصل بين الواقع الحي والفني المتخيل، فيحتكم إلى يده يمدها إلى اللوحة تتحسسها فتتأكد باللمس أنها أمام مشاهد مرسومة بدقة وإحكام، وليست أمام جنود يتحركون داخل اللوحة.
إنها نص شعري يسجل شهادة انبهار فني من شاعر عربي عظيم نعرف أن لقبه هو البحتري، وكنيته أبو عبادة، واسمه الوليد بن عبد الله، يقف مستنفراً حواسه الفنية، أمام لوحة رسام فارسي عظيم من عصر كسرى أنوشيروان، نسى البحتري أن يتأمل في إحدى زوايا اللوحة ليلتقط لنا توقيعه المنمنم، وينقل لنا اسمه الذي ظل معطراً بسحر الغموض، وروعة الفن.
إن الشاعر يصحو من سكرة الفن التي غمره بها الرسام، على وقع لمس أصابعه للوحة ذاتها، حين يكتشف أن أبطالها ليسوا من لحم ودم، وإنما هم من خيال وفن، ولكنه فيما يبدو، لا يريد أن يصحوا من هذه السكرة، وإنما يريد أن يظل فيها أو أن يعود إليها، ومن ثم فهو يتلمس طريقاً إلى امتداد موجة “السكر” بالفن، لكي تحمله اللوحة إلى ما وراءها من حياة الذين كانوا يتمتعون بالنظر إليها، وهم في حالات راحتهم ومتعتهم وسماعهم للأغاني، وتعاطيهم الشراب، وبحثاً عن طريق استمرار الموجة الدافعة يقول:
قد سقاني، ولم يصرد، أبو الغوث
على العسكرين شربة خلس
وعندما نتأمل دلالات الوحدات اللغوية في البيت، نستطيع أن ندرك أننا ما زلنا في امتداد نشوة الفن وسكرته، فالشراب كان على العسكرين وليس معنا من العسكرين هنا سوى اللوحة الفنية التي ترصدهما والذي سقاه هو أبو الغوث. وسواء كان هذا اسم ابنه كما تقول بعض الشروح أو لم يكن، فإن الدلالة اللغوية في إغاثة الملهوف إلى استكمال الإشباع الفني ظاهرة، والتعارض الطفيف بين عدم التصريد الذي يقتضي السخاء في العطاء، وشربة الخلس التي “تكاد تذهب في الاتجاه المقابل، كل ذلك يشجع على عدم الالتزام بحرفية المعنى وإفساح المجال لفكرة “الإنتشاء الفني” رغم استطراد البحتري في وصف ملامح الشراب:
من مدام تقولها هي نجم
أضوأ الليل أو مجاجة شمس
وتراها إذا أجدت سروراً
وارتياحاً للشارب المتحسي
أفرغت في الزجاج من كل قلب
فهي محبوبة إلى كل نفس
لقد كان الشاعر في حاجة إلى قوة الدفع الثانية هذه، ليخترق اللوحة إلى ما وراءها، ولينتقل منها إلى تصور مناخ الحياة الذي كان محيطاً، وليكسر عن نفسه حاجز العزلة الذي يقضي منه، في أفضل حالات الإعجاب أن يكون متلقياً متمتعاً بالعمل الفني، لكنه بالطبع يظل واقفاً خارجه، هذا الحاجز الذي يود الشاعر من شدة إعجابه بالفن أن يتخطاه، إنه يريد أن يقفز إلى داخل اللوحة والحياة المحيطة بها من خلال المشاركة، ولأنه لا يستطيع أن يشارك أصحاب الرماح والقسى أفعالهم، فقد كانت “قنطرة” الشراب والنشوة أكثر ملائمة له، وله أن يتصور أن أبرز بطل في اللوحة وهو كسرى أنوشروان، سيحل محله حفيده كسرى أبرويز الذي يمكن أن يكون شريكاً للشاعر في الشراب، لكن ذلك اقتضى أن تتغير لحظة اللقاء لكي تكون ملائمة للشراب، ولن يكون اللقاء وقت المعركة، حتى وإن كان قد صرح من قبل بأنه “شرب على العسكرين” ولكنه سيلقاه في مجلس الغناء الذي يبدو ملائماً للقاء الملك والشاعر. وسيكون مؤنس اللقاء هو المغني الفارسي الشهير “البلهبذ” وهو الفنان الثالث الذي يتلقى تحية الشاعر في هذه القصيدة، بعد أن تلقاها من قبله الرسام والمعماري.
وتوهمت أن كسرى أبرويز معاطي والبلهبذ أنسى
ان الشاعر هبط بجناحية في ساحة الإيوان مما دفعه مرة أخرى إلى ساحة الفنان المعماري الذي شيد هذا الصرح كأنه قوس نحت في حضن جبل أشم:
وكأن الإيوان من عجب الصنعة
جوب في جنب أرعن جلس
وينبغي أن نفهم كلمة “الصنعة” في إطارها التاريخي التي تكاد تعادل تماماً ما نطلقه اليوم على كلمة “الفن” وعنوان كتاب مثل “الصناعتين” لابي هلال العسكري وكتاب “صبح الأعشى في صناعة الإنشاء” وغيرهما لا يفهم إلا في ضوء مرادفة الصنعة للفن، وإن أضاف إلى ذلك كلمة “العجب” فقد أراد أن يعبر عن مبلغ الخروج على العادي والمألوف في صناعة المعماري الذي شاد هذا البناء المحكم، ولسوف يحاول الشاعر في لقطات تالية تفسير بعض جوانب هذا الفن المحكم، ومنها جوانب الهيبة المنبعثة من ارتفاعاته الشاهقة فهو مشمخر البناء، وهو عالي الشرفات، حتى ليبين للناظر إلى هذه الشرفات، كأنه يراها معلقة في رؤوس الجبال الشاهقة مثل جبل رضوى بالمدينة المنورة، وجبل القدس ولا يخفى ما في اختيار هاتين المدينتين من الإيحاء بالقداسة إلى جانب الشموخ:
مشمخر تعلو له شرفات
رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لابسات من البياض فما تبصر
منها إلا فلائل برس
ولعل اختيار اللون الأبيض الذي يطل من كلمة البرس التي تقترب من القطن وما شابهه وقد نسجت منه فلائل كأنها ضفائر متناثرة، لعل هذا الاختيار يضيف إلى البناء الذي يمثل الحضارة الفارسية العريقة، صفات يضفيها البياض غالباً على الأشياء التي يحل بها وهي شديدة التنوع في معجم الشعر العربي، ويصيب معظمها في قنوات الإيجاب.
وكما اندفع الشاعر أمام شدة الإعجاب بإبداع الرسام إلى ساحة الارتياب في الشخوص التي يراها في جوانب اللوحة فإذا به يتحسسها بأصابعه، اندفع هنا أمام شدة الإعجاب بإبداع المعماري فأصبح لا يدري إن كان الذين شيدوا هذا البناء العجز هم من الإنس الذين قدروا أن عظمه سكانة تلحقهم بمصاف الجن، أم أنهم من الجن وقد صبوا مهاراتهم في بناء يسكنه عظماء الإنس:
ليس يدري أصنع انس لجـــــن سكنوه ام صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم
يك بانيه في الملوك ينكس
وهنا تبدو صورالشاعر، كشأنها على امتداد المشهد المعماري في القصيدة، شديدة التنقل بين المكان وساكنيه. وسريعة نقل الإحساس من أحدهما إلى الآخر، ويبدو هذا من خلال لوحتين عالجتهما القصيدة بتقنيات فنية عالية:
أولهما: لوحة خلع المشاعر على المكان، وإلصاق كل أحاسيس الكآبة والحزن والأسى في لحظات الفراق به، وقد كان يتحلى بنقائضها في لحظات الأنس، وتبلغ لحظة التصوير قمتها حين يصور المكان وكأنه طلق عروسه أو فارق أليفه:
يتظنى من الكآبة إن يبدو
لعيني مصبح أو ممسي
مزعجا بالفراق عن انس الف
عز، أو مرهقاً بتطليق عرس
عكست حظه الليالي، وبات المشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلداً وعليه
كلكل من كلاكل الدهر مرسي
وكأنما يعزى البناء حين يقول:
لم  يعبه ان يزمن بسط
الديباج واستل من ستور الدمقس
واللوحة الأخرى: تتمثل في نفاذ الخيال إلى تصور ما كان يدور في أبهاء ذلك القصر الشامخ من مظاهر العظمة والإجلال والمهابة، ومن ألوان البهجة والمرح والتسلية، وسعة المكان الهائلة تجعله يتصور أحجام الوفود المتتابعة التي تنتظر أدوارها ليؤذن لها بالدخول إلى قاعات الاستقبال، ولكل فيها مراتب ومقام معلوم.
فكأني أرى المراتب والقوم
إذا ما بلغت آخر حسي
وكأن الوفود ضاحين حسرى
من وقوف خلف الزحام وخنس
لكن جوانب المهابة والاستقبالات الرسمية في قاعات الحكم، لا تمنع أن تكون مقاصير الراحة والتسلية لكسرى وأمرائه وحاشيته منبثة في جوانب هادئة يتسلى فيها الفتيات الجميلات على أراجيحهن فيطبعن جواً من الدعة والاسترخاء، لعله يتعادل في مناخ القصيدة مع جو التأهب والانضباط في صفوف الماثلين للسؤال أو المساءلة في القاعات المجاورة، أو في صفوف المحاربين بمعركة إنطاكية:
وكأن القبان بين المقاصير
يرجحن بين حو ولعس
وكأن اللقاء أول من أمس
ووشك الفراق أول أمس
إن عمر الواقع الذي رصدته القصيدة قصير قصر المسافة بين أمسين بسبق الأول الثاني منهما بقليل ولكنهما مضيا، أما عمر الفن الذي رصد اللحظة عبر المعماري والرسام والمغني والشاعر، فهو أشد مقاومة للفناء وأكثر جدارة بالبقاء.
العلاقة التكاملية بين الأدب الفارسي و العربي
في القرون الإسلامية الأولى
” أبن المقفع أنموذجاً “
سيد حميد رضا مهاجراني
المركز الثقافي الإيراني بالدوحة – قطر
علاقة الآداب الفارسية بالآداب العربية في القرون الإسلامية الأولى:
من المواضيع الجديرة بالاهتمام وبخاصة في تاريخ الحضارة العربية والفارسية وتاريخ تطوراتها هي الآداب وأواصرها المشتركة وكما نعلم فإن أول جسر اتصالي بين الحضارتين هو اللغة والآداب.
إن هذه العلاقة قديمة وترسخت بعد الإسلام وعبر العقيدة الإسلامية بعد انتشار الإسلام في بلاد إيران كان سبباً هاماً وعاملاً رئيسياً لترسيخ وتوطيد العلاقة حيث تأثر العلماء والأدباء الإيرانيين بالعقائد الإسلامية لا سيما القرآن والحديث الشريف واستفاد الشعراء والحكماء من بلاغة القرآن في أشعارهم وحكمهم فضلا عن سعيهم لتفسيرها بلغة الشعر من جهة أخرى، كما نلاحظ في شعر المولوي وحافظ الشيرازي حيث نرى أن للغة العربية والفارسية دور هام في تطور الحضارة الإسلامية لاسيما بعد اهتمام المترجمين في القرون الإسلامية الأولى في ميدان التفاعل الأدبي والحضاري بين اللغتين.
ومما يلفت الانتباه في هذا الأمر بوجه خاص وفرة ما نقل من الكتب عن الفارسية في تلك الحقبة وتشعب موضوعاتها وتنوع موادها وبالغ أثرها في أدب ذلك العصر وعن الجذور العميقة والتاريخية التي تشهد العلاقات الثقافية والحضارية والجهود التي بذلها العلماء الأولون من العرب والفرس على صعيد الحضارتين وتطورها عبر القرون.
إن ما يميز الآداب الفارسية عن سواها من المؤثرات الأجنبية بالنسبة للثقافة العربية أن التفاعل بينها وبين العربية كان متبادلاً لأن صلة العرب بالفرس كانت صلة مباشرة بالشعب ولغته ونظمه وأفكاره العلمية عن طريق الترجمات.
هذه الصلة الوطيدة المتفاعلة هي التي جعلت الفارسية الساسانية (الفهلوية) المؤثر الأقوى في تطوير الأدب العربي في أوائل العصر العباسي الأول.
وهي التي جعلت العربية (حين اكتملت آلتها التعبيرية واتسعت دائرتها وتشعبت فازدادت مقدرتها العلمية) تعود فتؤثر بدورها في لغة الفرس وتطورها من اللغة الفارسية الوسطى (الفهلوية الساسانية) إلى الفارسية الإسلامية (الرؤية الحديثة).
ومن الطبيعي أن التأثير الفارسي في الحياة العباسية وأدبها لم يقتصر على ميدان واحد بل امتد إلى ميادين شتى من تلك الفترة والترجمة والنقل اللذين اتسع نطاقها في العصر العباسي الأول.
كان الأدب الفارسي الذي اتصلت به اللغة العربية أول اتصال خارج الجزيرة العربية الفارسية الوسطى تميزاً لها عن الفارسية الإسلامية التي تكتب بالخط العربي.
كانت الفارسية التي احتك بها العرب في أول امرهم لغة العلم والحضارة في عصر الساسانيين وفي أنحاء امبراطورية شاسعة من العراق حتى حدود صغد وخوارزم وكانت تحتوي فنوناً مختلفة من أدب السياسة والحكم إلى الأدب التعليمي والأدب الأخلاقي وأدب الرسائل والعهود والخطب والحكم والتاريخ والسير والتراجم وغيرها من الفنون المعروفة.
وكانت اللغة في عهد أونشروان تهدف إلى نقل آداب الأمم الأخرى فترجم إليها من الهندية بعض الكتب الأدبية والطب وغيره كما ترجم إليها بعض الكتب اليونانية في المنطق والحكمة وسواهما ككتاب كليلة وودمنه وكتاب سندباد الذي ترجم اليها في القرن الثامن للميلاد بل إننا نرى الكنيسة الإيرانية قد تبنت اللغة الفارسية الفهلوية لغة دين وتبشير وتدلنا على ذلك النقوش السريانية باللغة الفهلوية موجودة في كنائس جنوب الهند يرجع تاريخها إلى سنة 430 (1)
إذا فالأدب الذي احتكت به العربية في أول أمرها في العراق كان أدباً له إرتباط في كل ميادين الحياة الثقافية ، لقد جرى هذا الإحتكاك وقت كانت العربية فيه لا تزال في بدء التطور سواء كان ذلك في حقل الإدارة والسياسة او في ميدان العلم والأدب أو في إطار الحياة الاجتماعية كانت بحاجة إلى كل ذلك لتصبح لغة مجتمع جديد له علاقة بعلوم العصر وحضارته وتستوعب أدباً كالأدب العباسي في عصر إزدهاره فكانت اللغة الفارسية هي التي زودتها في تلك المرحلة بمعظم ما كانت تحتاج إليه في فروع الإدارة و الدواوين وفي فنون الكتابة والرسائل الديوانية وفي أقسام من العلوم كالنجوم وعلم النبات وغيرها.
وكانت الكتب الفارسية أول ما ترجم إلى العربية من الآثار الخارجية في الأدب والسياسة فوضعت بمتناول حكام العرب وفي مجال الحكم والسياسة والعلوم والآداب فكانت هذه التراجم الفارسية أقدم كتب وجدت في اللغة العربية.
ولكن ماهي العوامل التي ساعدت على ان يتم النقل والتفاعل على هذه الصورة؟
هناك عوامل عديدة أهمها أن العرب لم يكونوا بعيدين عن الحياة الفارسية حتى قبل الاسلام فكانت هناك صلات تربط عرب الحيرة واليمن بالدولة الساسانية وكان في دواوين تلك الدولة كتاب عرب كعدي بن زيد و زيد بن عدي وغيرهما وكانت هناك اتصالات أخرى جعلت العرب على علاقة بتلك الحياة وخير مثال أشعار الأعشى و غيره من الشعراء الذين كانت لهم صلات ببلاط الساسانيين، ولقد ساعد على هذا التمازج كذلك عامل آخر هو أن الأدب العباسي الذي يمثل هذا التفاعل أفضل تمثيل قد تكون في بيئة الجغرافية مشبع جوها الروح الفارسية اذ إن بغداد كانت تعد من المراكز الهامة للتجارة قبل الإسلام سوق عظيمة يختلف إليها التجار في المواسم المختلفة من مختلف أنحاء المملكة وقد ظلت على حالها ذلك في العهد الإسلامي.
أما المدائن (فهي عاصمة الساسانية بقرب بغداد) قد استمرت الحياة فيها حتى ما بعد قيام بغداد إلا أن سكانها بدأوا ينزحون تدريجياً إلى العاصمة الجديدة مدينة السلام بغداد عندما أخذت هذه تنمو وتزدهر بسبب إنها صارت مقرأ للخلافة العباسية. فأخذ نجم المدائن بالافوال بعد أن غادرها سكانها  وفارقها أصحاب المهن والصناعات والحرف الى بغداد ناقلين الى جانب منهم وصناعاتهم حياتهم الاجتماعية نهجهم في العيش و خصائصهم في السوك والتفكير والتصرف 2
من هنا فإن ابن النديم يذكر قائمة ببعض الأعمال التي نقلت من الفارسية الى العربية وأبرز الأسماء وهم:
إبن المقفع.
آل نوبخت.
علي بن زياد التميمي 3
الحسن بن سهل.
أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري.
جبلة بن سالم كاتب هشام.
اسحق بن يزيد4.
محمد بن الجهم البرمكي.
هشام بن القاسم.
موسى بن عيسى الكسروي 5.
زادوية بن شاهويه الأصفهاني.
محمد بن بهرام بن مطيار الأصفهاني.
بهرام بن مردانشاه.
عمر الفرحان..
وما دمنا بصدد ابرز المترجمين فإن الأسم الأبرز هو عبدالله بن المقفع والذي يعتبر النموذج الأمثل.
أن ابن المقفع الذي وضعه ابن النديم في رأسم قائمته في كتابه الفهرست اشهر المترجمين كان اسمه قبل ان يسلم روزبة واصبح اسمه بعد اسلامه عبدالله واشتهر بالمقفع.
وقد يكون توليه عمل بعض كور دجلة أو كورة بهقباد في العراق في زمن سليمان عبد الملك (99-96) ، كما أن أبن المقفع كتب لداود بن يزيد وذلك بعدما ولى أبوه يزيد بن عمر بن هبيرة العراق من قبل الخليفة الأموي مروان بن محمد أي بعد سنة 127 وبعد مقتل داود في بدء الدولة العباسية سنة 132 دخل ابن المقفع في خدمة عيسى بن علي وأخيه سليمان في البصرة وكان كاتبا لعيسى على كرمان وأسلم على يده وبقي مواليا لهذه الأسرة طوال حياته وأصبح ولاؤه لها سببا لمقتله وذلك لتشدده في الأمان الذي كتبه عن المنصور الخليفة العباسي لعبدالله بن علي أخي عيسى بن علي هذا مما لم يرق للمنصور وذكروا ان هذا كان سببا في ان المنصور اوعز الى سفيان بن معاوية (والي البصرة الذي خلف سليمان) بقتله ولما قتله سليمان بتهمة الزندقة سكت عنه الخليفة.
كان ابن المقفع من بلغاء العربية المعروفين وكان شاعراً ايضاً ولكنه كان شاعراً مقلا وقد نقل ابو تمام اشعاره في ديوان الحماسة “هذا وذكروا ان ابن المقفع لاقى الخليل بن احمد الفراهيدي المتوفي سنة 170 بواسطة عباد بن عباد المحلبي وجالسه بضعة الأيام.
ومما ذكروا من أخباره  في الوفاء ذلك ان عبدالحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر خلفاء بني امية كان صديقا حميما لابن المقفع فالتجأ إلى بيته لما طلبه شرطة بني العباس فدخل الجند البيت وقالوا: أيكما عبد الحميد؟ وقال كل واحد منهما: أنا عبدالحميد خوفا من أن ينال صاحبه مكروه و أوشك الجند أن يقتلوا ابن المقفع لو لم يوجههم عبد الحميد إلى من يعرف علاماته فأخذوه.
نقل ابن المقفع كتبا عديدة عن الفارسية وقد اورد ابن النديم قائمة لمنقولاته تتضمن ثمانية كتب هي:
كتاب خداي نامه في السير
كتاب آيين نامه في الآيين.
كتاب كليلة ودمنة
كتاب مزدك
كتاب التاج في سيرة أنوشروان
كتاب الأدب الكبير
كتاب الأدب الصغير
كتاب اليتيمة في الرسائل
وهناك كتب أخرى نقلها ابن المقفع منها الذي ذكره المسعودي في كتابه مروج الذهب.
وذكر ابن ابي اصيبعة في كتابه طبقات الأطباء ان ابن المقفع ترجم الى العربية من كتب ارسطا طاليس كتاب قاطيغورياس (المقولات العشر) وكتاب باري ارميناس (العبارة) و كتاب انا لوطيقا (التحليل) كما انه نقل ايضا كتاب المدخل الى كتب المنطق المعروف بايسا غوجي من تأليف فرفوريوس الصوري وعده القاضي صاعد الأندلسي وابن النديم في جملة من اختصروا كتابي قاطيغورياس وباري ارميناس لأريسطو في طبقة الكندي واسحق بن حنين واحمد بن طيب والأرجح ان ابن المقفع اختصر هذين الكتابين وغيرهما مما نسب عليه ترجمته عن اليونانية عن ترجماتها الفارسية لاننا لا نعهد من ابن المقفع ان يكون قد عرف لغة اخرى غير الفارسية والعربية ولم يذكر له ذلك احد ممن ترجم له او تعرض لذكره وهذا ما يؤيده قول ابن النديم في الفهرست؟
وبناء على ما ذكره المسعودي في مروج الذهب نقلا عن محمد بن علي عبدي الخراساني نقل ابن المقفع الى العربية بعض كتب ماني وابن ديصان ومرقيون ايضاً.
فقد كانوا احيانا يأخذون رسالة او كتابا او مجموعة من تلك الكتب الفارسية ويضيفون اليها مطالب ومقتبسات من كتب اخرى ليصنعوا من الكل كتابا جديدا يحمل صيغة جديدة واسما مغايرا كما فعل ابن مسكوية في تأليف كتابه “أدب العرب والفرس” إذ جعله على اساس كتاب فارسي ساساني باسم “جاودان خرد” أي “الحكمة الخالدة” ثم اضاف اليها مطالب اخرى فارسية وغير فارسية منسوبة الى الهند والروم والعرب مما يناسب موضوع الكتاب منفصلا بعضها عن الآخر ثم جمع هذا كله في مجموعة جديدة أطلق عليها اسم “أدب العرب والفرس” ويرجح ان يكون من هذا القبيل الكتاب الذي ذكره ابن النديم لعلي بن النصراني في الآداب والأمثال على مذاهب الفرس والروم والعرب ايضاً.
وقد يكون هذا النهج في الجمع بين الفارسية والعربية بصورة أقرب الى الربح بأن ياخذ المؤلف احد الكتب الفارسية كقاعدة لمؤلف جديد يضيف اليه معلومات اخرى مماثلة من هنا وهناك ولكن لا بصورة اقسام مستقلة بل بصورة تأليف واحد متماسك الأجزاء متزن العبارات ونظير ذلك في الكتب الأدبية “كتاب التاج في اخلاق الملوك” المنسوب الى الجاحظ. فكان التاريخ العربي الإسلامي هو المرحلة الطبيعية هذا الامر الذي لاحظه المستشرق الشهير “كيتاني” في تاريخ تجارب الأمم لابن مسكوية وهذا ما نلاحظه ايضاً في الدينوري واليعقوبي والمسعودي وسواهم.
وهناك مرحلة أخرى في الإقتباس او صورة اخرى من صورة يصعب معها ضبطه واكتشافه دون تعمق وتدقيق ودون ذكر لمصدرها بل انهم يغيرونها ويبدلون من معالمها ليجعلوها ملائمة للبئة العربية الإسلامية وأكثر قربا لمفاهيم قراءها فتبعد تلك المنقولات عن اصلها الفارسي وتكتسي بطابع اسلامي صرف.
ومن ذلك ما أورده كثير من المؤلفين من الرويات والأقوال المنسوبة الى ملك من ملوك الفرس او حكيم من حكمائها مع تغيير اسم الملك او الحكيم ومثله حكاية وردت عن انوشروان حين تقاضي لديه رجلان اشترى احدهما ارضا من الآخر فوجد فيها كنزا وكيفية الحكمة في الأمر وهي حكاية معروفة في كتب الأدب اوردها الامام محمد الغزالي في كتابه نصيحة الملوك الذي الفه بالفارسية للسطان سنجر منسوبة الى انوشروان.
وكذلك وردت منسوبة اليه في كتاب “عقد العلي” أيضاً. ثم نرى القصة نفسها في تاريخ ابن عساكر (الذي الف بعد كتاب الغزالي) منسوبة الى ذي القرنين و “بعض المدائن” و نظير ذلك ايضاً تبديل اسم الملك والحكيم بكلمة “بعض الملوك” أو “بعض الحكماء ” مما يكثر في كتب الأدب والتاريخ ومما يؤثر في تعمية اصولها ومصادرها.
وقد زاد في إخفاء هذه العناصر إن أصولها الفارسية ضاعت على مر الزمان وتغيرت الظروف والأحوال بأسباب مختلفة ذات اثر هام كاستبدال الخط العربي والدين الاسلامي واقبال المثقفين والأدباء والمؤلفين من الإيرانيين على اعتماد العربية لغة دراسة ومطالعة طيلة القرنين الأولين مما جعلهم غير مكترثين بحفظها فلم تعد هناك حاجة لنسخها وروايتها والمحافظة عليها بالطرق التي كانت متداولة في تلك العصور لحفظ الكتب واستمرارها واكثر من ذلك ان الحماس للعقيدة الإسلامية دفع بعضهم إلى ابادتها واتلافها قصداً.
يروي المؤلف الفارسي دولت شاه سمر قندي في كتابه “تذكرة الشعراء” حكاية يقول:
“حكي إن الأمير عبدالله بن طاهر امير خراسان في ايام الخلفاء العباسيين” “كان ذات يوم جالساً في ديوان نيشابور إذ جاء شخص وأتحفه بكتاب” “وضعه بين يديه فسأله عن الكتاب وقال: هو قصة ” وامق وعذراء” وهي قصة لطيفة الفها الحكماء لكسرى انوشروان فقال الامير: نحن قوم نقرأ القرآن ولا نريد شيئاً غير القرآن والحديث النبوي ولا شأن لنا بهذا الكتاب فأنه من تأليف المجوس وهو عندنا مردود فأمر ان يطرح الكتاب في الماء وأمر ايضاً ان يحرق كل كتاب من تصانيف “العجم والمجوس يعثر من حدود ولايته”.
هذه العوامل كلها جعلت من العسير الاهتداء الى هذه العناصر الفارسية لمن يدرس الأدب العربي وهذا هو سبب في عدم تقدير قيمتها التاريخية ومدى تأثيرها في الأدب العربي وعلى ان روابط الأدب العربي بالأدب الفارسي وتفاعله معه موضوع لا يزال بحاجة الى مزيد من الدرس والتمحيص بل والى تبديل الأساليب التي قام عليها بحث هذا الموضوع حتى الآن وبدلاً من ابداء الآراء والنظريات العامة القائمة على الذوق الشخصي وعلى العواطف احياناً.
علينا أن نعمد إلى دراسات موضوعية دراسة قائمة على أسس علمية قويمة وان نستفيد من المناهج الحقيقية التي مارسها العلماء في دراسة آداب عالمية اخرى وان نستفيد أيضا من الدراسات التاريخية والحضارية لعصور ما قبل الإسلام في هذه المنطقة الفارسية العربية.
ولا شك في أن أول خطوة يجب أن نخطوها في مثل هذا الأمر ان نوضح المعالم و الطرق الرئيسية التي كانت تربط بين اللغتين مباشرة أي طرق الترجمة والنقل وذلك بالبحث عما يمكن العثور عليه من المتون المنقولة عن الفارسية والمبعثرة في بطون المصادر العربية وخاصة في أمهات كتب القرنين الثالث والرابع لندرس موضوعاتها وأنواعها وما تدور حوله من المطالب والأغراض اولا وكيفية تفاعلها مع الأدب العربي.
ثانيا: هناك قضايا شائكة تعتري الباحث في هذا الميدان لا سيما بعد ما رأينا من تأثير العوامل التي يجب ان نجتازها في هذا المضمار ذلك أن العلاقة بين الآداب العربية والفارسية علاقة تكاملية منذ أن انتشر الإسلام في بلاد فارس.
الهوامش
1 . راجع كتاب “نقش بارسي بر احجا رهند. علي أصغر حكمت – ص 9و10 –
طهران- ايران 1306
2- التقريب والأصول ص 61 دارصاد – بيروت – 1985
3- انه ترجم كتاب زيج شهريار.
4- إنه ترجم كتاب خد اينامه أو سيرة ملوك الفرص.
5- في مطبوعة فلوكل “الكردي” وهو خطأ.
38ـ انظر أمل دنقل : المصدر السابق ، أوراق الغرفة (8) ، ص387 .

دحوار الفنونبين الشعر والرسم والمعمار والغناءقراءة في سينية البحتريبقلم الدكتور أحمد درويشأستاذ النقد الأدبي والمقارن جامعة القاهرة تعد سينية الشاعر العباسي الكبير أبي عبادة الوليد بن عبد الله الطائي المشهور بالبحتري (206 – 284هـ) واحدة من روائع الشعر العربي القديم ومن القصائد المقروءة في تراثه الجميل.وهي تحفة فنية فنية جديرة بالتأمل والقراءة وإعادة القراءة مرات متعددة ومن زوايا مختلفة، فهي نموذج جيد لتيار رئيسي في شعراء القرن الثالث الهجري وفي الشعر العباسي بصفة عامة يجنح إلى ما يسمى بشعر الطبع الذي كان البحتري أبرز ممثليه في مقابل شعر الصنعة الذي كان شعر أستاذة أبي تمام أبرز معبرعنه،وكان تقابل هذين النموذجين مصدر ثراء كبير للحوار النقدي الواسع الذي دار حول طبيعة الشعر بصفة عامة، وشعر أبي تمام والبحتري بصفة خاصة، وأنتج فيما أنتج، كتاب الموازنة بين الطائيين للآمدي، وهي من ناحية ثانية إحدى قصائد الجرس الموسيقي المتميز من خلال إيقاع بحر الخفيف الغنائي، وقافية السين التي هي إحدى القوافي العصية القليلة الشيوع في الشعر، وهي إلى جانب ذلك حرف يحمل سحر الهمس الذي يقع في منطقة بين الكتمان والبوح والإخفاء والإظهار ، ويشف صوتياً عن بعض جوانب هواجس النفس، وقد كانت من هذه الزاوية موضع عناية ومعارضة شعراء بارزين في العصور اللاحقة، ومنهم أحمد شوقي في سينية الشهيرة.لكن محور القصيدة أو مضمونها يضعها في طائفة مجموعة قليلة من القصائد التي تدور حول تأمل الفنان الشاعر في حصاد إبداع فنانين آخرين مثل الرسام أو المعماري أو المغني أو الموسيقى أو التمات، وغيرهم من أرباب الفنون الجميلة، التي تلتقي مع الشعر في دائرة الفن وتتسم العلاقة بينها وبينه برهافة خاصة تمتاز بها عن الأنماط الأخرى الشائعة في بقية معنى مبني القصائد، التي يكون فيها أحد الطرفين فقط وهو الشاعر منتمياً إلى دائرة الفن، ويكون الطرف الموصوف “ذائاً” أو “موضوعاً” لا ينتمي بالضرورة إلى هذه الدائرة، كما هو الشائع في قصائد الشعراوي.واللافت للنظر أن القصيدة وهي تلج هذه “الدرب الخاص” اتكأت على دعامتين رئيسيتين. ينتميان إلى “الدرب العام” في المنحنى الشعري وهما دعامة “الوقوف على الأطلال، ودعامة “الرحلة” فقد كانت القصيدة العربية في تقاليدها كما رصدها ناقد مثل ابن قتيبه ترتكز على البدء بالوقوف على الأطلال، وبكاء الديار، لتتسلى في إثر ذلك بالرحلة التي تكل خلالها المعطي، ويلحق الجهد بالراحلين، ولا يخفف من ذلك كله إلا لقاء وجه المحبوب، وهو هدف القصيدة الرئيسية الذي تنطلق القصيدة في وصفه ومدحه انطلاقا من هاتين الدعامتين التقليديتين. لكن الذي قد يلفت النظر مرة أخرى أن الشاعر هنا خالف في الترتيب المألوف يبنى الدعامتين، وهو الترتيب الذي يجعل الوقوف على أطلال ديار المحبوب، دافعاً إلى الرحلة نحو ديار الممدوح، أي يجعل الوقف على الأطلال سابقاً على الرحلة دائماً، أما هنا فقد عكس الشاعر ترتيب الدعامتين فبدأ بالرحلة وانتهى بالأطلال، ولأنه بدأ بالرحلة، فقد كان لا بد أن يسبقها مثير شعوري يتكافأ مع مثير الرحلة في قصيدة الغزل والمدح التقليدي، وإذا صح أن يقال إن المثير هناك كان يدور غالباً حول “محبة ابنة العم” التي رحلت عن الديار، وتم الوقوف على أطلالها، فإنه قد يصح أن يقال إن المثير هنا هو “جفوة ابن العم” الذي مازال يسكن الديار: ولد رابني نبو ابن عمي بعد لين من جانبيه وأنس   واذا ما جفيت كنت حرياً أن أرى غير مصبح حيث أمسى   حضت رحلي الهموم فوجهت إلى أبيض المدائن عنسى   أتسلى عن الهموم وآسي لمحل من آل ساسان درس   ذكرتنيهم الخطوب التوالي ولقد تذكر الخطوب وتنسى  إن الرحلة هنا، لم تأخذ من الحيز أكثر مما يأخذه المعبر القصير المؤدي إلى الميدان الرئيسي، ولهذا فإن أداة الرحلة وهي الناقة لم تأخذ الوصف الذي كانت تحظى به غالباً عند طرفه بن العبد والذي تكاد تحول عبره إلى غابة بدلاً من كونها وسيلة، واكتفى الشاعر هنا بالإشارة إليها في نصف بيت “هو وجهت إلى أبيض المدائن عنسى”.إن الشاعر يلج من هذا المعبر القصير إلى المحل الدارس” وهو التعبير الأثير عن الوقوف على الأطلال: “وآسي لمحل من آل ساسان درس” . لكننا ما نلبث أن نلمس فرقاً رئيسياً بين طريقة توظيف “المحل الدارس” هنا، وتوظيفه في قصيدة الوقوف على الطلل التقليدية، ويأتي هذا الفرق من الرغبة في توظيف هذا الرمز باعتباره رمز “إحالة إشارية” كما هو الشأن في مجمل قصائد الوقوف على الأطلال في التراث القديم، إذ تم توظيفه باعتباره “دالاً رئيسياً” يتم التأمل فيه والحوار معه لذاته، ولا يكتفي منه بوظيفة “الإحالة الإشارية” السائدة كما هو الشأن هنا.والذي يتأمل توظيف “دال” الأطلال في مجموعة قصائد مثل المعلقات يتبين له الطبيعة الإشارية العابرة لمفرداتها. ولا يكاد يختلف مغزى مكان منها عن مغزى مكان آخر، سواء كان هذا المكان هو سقط اللوي” الذي يحدده امرؤ القيس بأنه بين “الدخول فحومل فتوضح فالمقرأة” أو كان هذا المكان هو ” برقة ثهمد” التي تلوح عند طرفة كباقي الوشم في ظاهر اليد، أو كانت الأطلال بالعلياء فالسند” كما هو الشأن عند النابغة، التي لم تنل من وصف النابغة، إلا أنها أقوت وطال عليها سالف الأمد” ومع أنه فصل بعض جوانب الإقفار فيها فإنه لم يلبث أن دعا سامعه إلى الإضراب عنها صفحا، باعتبارها لا ارتجاع لها: “فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له”، وهي إشارة يكاد يكمن فيها المفتاح الفاصل بين توظيف القدماء للطلل، وتوظيف البحتري له كما سترى.ونتيجة الفناء والإقفار التي انتهى إليها النابغة هي التي انتهى إليها عبيد بن الأبرص في صدر معلقته بعد أن وقف أمام أطلال “ملحوب” وما جاورها عدة أبيات انتهى بعدها إلى أنها: بدلت من أهلها وحوشا وغيرت حالها الخطوب   أرض توارثها شعوب فكل من حلها محروب  وربما كان عنترة بن شداد في معلقته، أكثرهم محاولة لبث الحياة، في الطلل، حين دعاه إلى أن يتكلم، وألقى عليه تحية الصباح  يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعم صباحاً دار عبلة واسلمي  ومع ذلك فإنه لم يلبث أن ذكر أن الطلل قد تقادم عهده، واقفر بعد رحيل محبوبته: حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم  لكن البحتري في المقابل، لا يهيل الفناء على طلله، وإنما يمنحه علائم الحياة ويجعله مكتسياً باللون الأبيض، لون الصباح المشرق ورمز الحياة المتجددة، ويجعله مثيراً للتسلية والاعتبار، جاذباً نحوه متأمليه ليجدوا المتعة في تأمله، وليس طارداً لهم لكي يبحثوا عن العوض في فيافي الصحراء، أو في عطاء الممدوحين: حضرت رحلي الهموم فوجهت إلى أبيض المدائن عنسى   أتسلى عن الحظوظ وآسي لمحل من آل ساسان درسي   أذكرتنيهم الخطوب التوالي ولقد تذكر الخطوب وتنسى  إن الطلل هنا موضع جذب وتأمل، وليس مجرد إشارة إيحاء وتحول ونقطة الجذب في الطلل هنا تكمن في قيمته الفنية، فهو حصاد إبداع فنان، سواء كان نحاتاً أو بناء أو رساماً، وليس مجرد بقايا ظاهرة طبيعية تداعت وماتت، ولم يبق إلا آثارها، إن ما شاهده امرؤ القيس في سقط اللوى، وما شاهده طرفة في “برقة ثهمد” أو شاهده النابغة في “العلياء” والسند، أو شاهده عنترة في “الجواء” كانت بقايا ميتة صامتة، لأشياء كانت ذات يوم حية ناطقة، شجرة كانت تظل المحتبين، ولم يبق إلا جذعها الجاف، وموقدا كانوا يستدفئون عليه، ولم يبق إلا حجارته الباردة، وبيتاً كانوا يلتقون في ستر حيطانه، وتحت سقفه الذي هوى، وتداعت بعده الحيطان، فضلاً عن حفرة كانت موضعاً لوتد تشد اليه خيمة لم بعد لها وجود. ومثل هذه المعالم حتى وهي حية، كانت تقام استجابة للضرورة المعيشية، وليس تلبية للمتعة الفنية، ولكن أطلال البحتري التي يقف أمامها، لا تنتمي إلى مجال الضرورة، وإنما إلى مجال الاختيار والمتعة الفنية، وعلى حد تعبير الشاعر نفسه: حلل لم تكن كأطلال سعدى في قفار من البسابس ملس  وفي هذا الإطار، فإن الطلل يبقى موضع تأمل لذاته من ناحية، وباعثاً على التأمل فيما وراءه من ناحية أخرى، شأنه في ذلك، شأن أي عمل فني آخر في الفنون القولية أو الجملية.والفنانان اللذان تقف القصيدة هنا أمام حصاد فنيهما هما المعماري والرسام، مع الإشارة إلى فن المغني من خلال التعرض لروعة بناء القصر، وجمال لوحة معركة أنطاكية المعلقة على أحد جدرانه، ولم تجيء اللوحات الشعرية الراصدة لإبداع كل من الفنانين منفصلة تماماً فيما بينها، وإنما جاءت متداخلة تداخل مبنى الإيوان واللوحة التي يحتويها، وقد جاء معمار القصيدة في هذا المجال شديد المواءمة مع معمار العملين الفنيين اللذين ترصدهما، فكما أن معمار الإيوان سابق وملازم ولاحق لمعمار اللوحة، لأنه هو الذي يحتوبها، ويشد عينى الوافد الناظر إليه، قبل أن تقع عليها، ويستمر الإنبهار به بعد التأمل فيها، فقد جاءت الأبيات التي تصف الإيوان، سابقة على أبيات اللوحة، ولاحقة لها وكأنها تحتويها بين طياتها.وقد جاءت ترنيمة الافتتاح في وصف القصر، متصلة بالحديث عن آل سآسآن مقصد رحلته التي يتسلى بها عن الحظوظ، وجاء رصد المكان الذي خلا منهم، لائقاً بشموخهم وقت أن كانوا يعمرونه في عيش خفيض. وهم خافضون في ظل عال مشرف يحسر العيون ويخسى  وقد عزف الشاعر على نغمة التقابل بين العيش الخفيض والقصر العالي، ونغمة التناغم بين “الشرف” الذي يقع من خلاله القصر على جبل مرتفع والشرف” في جانبه المعنوي الذي ينصرف إلى علو المكانة، كما تظل عبارة يحسر العيون ويخسى، قابلة للتأويل في الجانبين الحسي والمعنوي.وتظل الصور تراوح بين المكان ومن كانوا ساكنيه ، وتخلع ما يحل بأحد الطرفين على الآخر، وفق قانون الزمن، الذي يجعل الثبات من نصيب البنيان والتغير من نصيب الإنسان، ونحن هنا مرة أخرى نكاد نرصد لحظة مضادة، لما كان يرصده الواقف على الأطلال في صورتها التقليدية في القصيدة العربية، حيث كان التغير هنالك من نصيب البنيان والصمود والمقاومة من نصيب الإنسان، فيندفع العاشق وراء المحبوبة من المكان القفر الذي خلا منها، إلى المكان العامر الذي حلا بها كما كان يقول عنترة: وتقيم عبلة بالجواء وأهلنا بالحزن فالصمان فالمتثلم  كيف اللقاء وقد تربع أهلها                           بعنيزتين، وأهلنا بالغيلموفي المقابل، تأتي صورة البحتري للقصر الذي ما زال شامخا وراسخا وأهله الذين رحلوا عنه، فكأنه أصبح مأتماً لليالي بعد أن كان عرسا لها. نقل الدهر عهدهن عن الجدة حتى غدون أنضاء لبس   فكأن الجرماز من عدم الأنس وإخلافه بنية رمس   لو تراه علمت أن الليالي جعلت فيه مأتماً بعد عرس   وهو ينبيك عن عجائب قوم لا يشاب البيان فيهم بلبس  وسوف تشكل هذه الصور، نغمة الافتتاح في عظمة المبنى، وعظمة من حلوا به عبر الإشارة  إلى بهو الجرماز، أحد الأبهاء الرئيسية في القصر والتي كانت تتجلى فيها أبهة المكان وساكنية.ولن تكون هذه الأبيات، هي كل ما يحظى به المعماري من الشاعر فسوف يعود إليه مرة أخرى، بعد أن يقف أمام لوحة الرسام التي يزدان بها أحد جدران القصر، والتي تعد من عجائب القوم التي تفصح عن نفسها دون شك أو ريبة، ويبين عنها هذا الصرح المعماري المحكم: وهو ينبيك عن عجائب قوم لا يشاب البيان فيهم بلبس  ومع أن الشاعر يدلف بعد هذا المدخل مباشرة إلى الوقوف أمام اللوحة في ثمانية أبيات تستنطق كوامن الفن فيها، فإن المدخل اللغوي للوحته المتمثل في عبارة “فإذا ما رأيت صورة إنطاكية” يشي بأن حجم البناء المعماري أكثر وضوحاً وتألقاً وجذباً للأنظار، لأن مدخل الشاعر إليه كان يكمن في البيت: وهم خافضون  في ظل عال مشرف يحسر العيون ويخسى  دون أن يكون في حاجة إلى تعبير “إذا” التي تدل لغوياً على أن من الممكن أن ترى أو أن يفلت ذلك الأثر من عينيك، لكن صرح الإيوان العالي، هو الذي يسعى إلى العيون قبل أن تسعى العيون إليه. إن الصورة الشعرية حول اللوحة تعكس رؤية الشاعر وقد امتزجت برؤية فنان آخر. هو الرسام، وبعد الاندماج تتحول الصورة الصامتة من ضوء خلاق يعانق العيون إلى كلمة منغمة تشربها الأذان يرد الشعر من خلال ذلك جانباً من الجميل الذي أسداه له فن الرسم على مر العصور عندما ساعده على تحويل المشاعر المتوهجة من هواجس تطوف بالنفس غامضة تبحث عن التشكل إلى صور تستقر أمام الحواس، وتستطيع أن تغالب الفناء الذي يعتري الكلمات عندما تذوب في طبقات الهواء أو تتشابه بين طبقات الورق. ويرصد الشاعر هنا الخطوط العامة للوحة الرسام في الأبيات الستة التالية: المنايا مواثل وأنوشروان يزجي الجيوش تحت الدرفس   في اخضرار من اللباس على أحمر يختال في صبيغة ورس   وعراك الرجال بين يديه في خفوت منهم وإغماض جرس   من مشيح يهوى بعامل رمح ومليح من السنان بترس   تصف العين أنهم جد أحياء لهم بينهم إشارة خرس   يغتلي فيهم ارتيابي حتى تتقراهم يداي بلمس  إن عناصر الارتياع والصراع والتذبذب بين الحياة والموت تضج بها جوانب اللوحه، فالموت هناك ماثل يترقب بل إنه ليس موتاً واحداً، إنه منايا مواثل وفي مقابل هذه المنايا وهي رمز للعدم، يوجد رمز الحياة والمجد “أنوشروان”. وإذا كان الموت جمعاً فهو ليس مفرداً، إنه يزجي صفوف الجيوش التي تؤازره وهذه الجيوش، لا تمثل لحظة زمنية عابرة، إنها تمثل امتدادا حضارياً متصلاً، لأنها تقاتل تحت الدرفس علم الأمة الكبير الذي فنيت من قبل تحته صفوف من الجيوش لكي يبقى مرتفعاً خفاقاً.وليس رصد الزهو والاختيال ومهرجان الألوان عنصرا ثانوياً لا في لوحة الرسام. ولا في ريش الطاووس المختال، ولا في حمرة فك الأسد المتعطش للدماء، ولا في ملابس الملك وهو يقود الجيوش ويتميز عن الجند بألوانه الزاهية التي يتألق فيها اللون الأخضر ، لون النضرة والنعيم ويكاد يشكل اللون الأصفر زهرات متراصة من نبات الورس اليمني ، إنها ألوان تكاد تعلن تفتح الحياة والخصوبه والنضارة بكل عنفوانها في مواجهة المنايا المواثل بكل رعبها وترويعاها.ويكاد جوهر المعركة الصوتي يتحدي تقنيات الرسام، فإذا كانت الصورة البصرية قد ساعدته على أن يجعل اللون الأخضر والأصفر تعبيراً ناطقاً عن عنفوان الحياة، فإن اللوحة لا تستطيع أن تنقل الصوت، ولكنها تبث الغياب المكتوم لذلك الصوت، الذي كان يرج أرض المعركة، ويأتي الشاعر، لكي يمد يده إلى الرسام، وهو يكاد يعبر بأدواته، ولنتأمل كيف يحول الشاعر الصورة السمعية “رنين الجرس” إلى صورة بصرية حين يشير إلى نقيضها بأنه” إغماض الجرس” والإغماض لا يكون إلا في حركة العين منبع المرئيات، لا في صخب الأصوات، وهكذا يتعارك الرجال في اللوحة بين يدي كسرى، وقد لفهم الخفوت وأغمضت الأجراس.وكما يعجز الرسام عن رصد الأصوات، يعجز أيضاً عن رسم الحركة، فهو يختار لحظة سكون، فيثبتها، وكل ما يستطيعه هو أن يوحي بالحركة المتخيلة قبلها أو بعدها ، والشاعر هنا يلتقط مشهدين يوحيان بالحركة المتخيلة، فالرجال في اللوحة بين مهاجم مندفع مشيح يهوى بسن رمحه على عدوه، وآخر حذر مدافع يليح بترسه، لكي يتقى السهام والسنان، وكل صورة منهما تقابل الأخرى، وتكمل معها الدائرة، إقبالا وتراجعاً، صعوداً وهبوطاً هجوماً ودفاعاً، وتنتقل عدوى الحركة، فتفلت اللوحة من صمت السكون.إن الصورة الشعرية تعيد لصورة الرسام، عناصر الحياة، وليس مجرد الحياة فقط. ولكنها شدة الحياة: “تصف العين أنهم جد أحياء” وإذا كان هؤلاء “الأحياء” قد فقدوا الصوت أو أغمضوا أجراسه، فإن الشاعر من جديد يمد يده إلى الرسام لكي يعطيه دليلاً من عالم الرموز على إمكانية أن تستغني الحياة عن الأصوات أحياناً، أن تستعيض عنها بإشارات الخرس الصامتين وجاءت كلمة بينهم  منسجمة مع لغة اللوحة كلها، فلا تحس فيها النشاز ولا القصور.وتأتي قمة انبهار الشاعر بفن الرسام كامنة في هذه اللمسة البسيطة العميقة، فهو قد انجذب إلى عالم اللوحة، فكاد أن ينسى به العالم المحيط به وبدأ يرتاب في أن يكون شخوص اللوحة مجرد خطوط ورسوم وألوان، لقد نفث فيها الرسام من فنة، فكاد الشاعر يظنها حية، تتحرك، وبعد أن كان من قبل يحتكم إلى عينيه، فنؤكد له أنهم جد أحياء، ويحتكم إلى أذنيه فيسمع ما وراء السكون الظاهر، ها هو يزداد شكا في الخط الفاصل بين الواقع الحي والفني المتخيل، فيحتكم إلى يده يمدها إلى اللوحة تتحسسها فتتأكد باللمس أنها أمام مشاهد مرسومة بدقة وإحكام، وليست أمام جنود يتحركون داخل اللوحة.إنها نص شعري يسجل شهادة انبهار فني من شاعر عربي عظيم نعرف أن لقبه هو البحتري، وكنيته أبو عبادة، واسمه الوليد بن عبد الله، يقف مستنفراً حواسه الفنية، أمام لوحة رسام فارسي عظيم من عصر كسرى أنوشيروان، نسى البحتري أن يتأمل في إحدى زوايا اللوحة ليلتقط لنا توقيعه المنمنم، وينقل لنا اسمه الذي ظل معطراً بسحر الغموض، وروعة الفن.إن الشاعر يصحو من سكرة الفن التي غمره بها الرسام، على وقع لمس أصابعه للوحة ذاتها، حين يكتشف أن أبطالها ليسوا من لحم ودم، وإنما هم من خيال وفن، ولكنه فيما يبدو، لا يريد أن يصحوا من هذه السكرة، وإنما يريد أن يظل فيها أو أن يعود إليها، ومن ثم فهو يتلمس طريقاً إلى امتداد موجة “السكر” بالفن، لكي تحمله اللوحة إلى ما وراءها من حياة الذين كانوا يتمتعون بالنظر إليها، وهم في حالات راحتهم ومتعتهم وسماعهم للأغاني، وتعاطيهم الشراب، وبحثاً عن طريق استمرار الموجة الدافعة يقول: قد سقاني، ولم يصرد، أبو الغوث على العسكرين شربة خلس   وعندما نتأمل دلالات الوحدات اللغوية في البيت، نستطيع أن ندرك أننا ما زلنا في امتداد نشوة الفن وسكرته، فالشراب كان على العسكرين وليس معنا من العسكرين هنا سوى اللوحة الفنية التي ترصدهما والذي سقاه هو أبو الغوث. وسواء كان هذا اسم ابنه كما تقول بعض الشروح أو لم يكن، فإن الدلالة اللغوية في إغاثة الملهوف إلى استكمال الإشباع الفني ظاهرة، والتعارض الطفيف بين عدم التصريد الذي يقتضي السخاء في العطاء، وشربة الخلس التي “تكاد تذهب في الاتجاه المقابل، كل ذلك يشجع على عدم الالتزام بحرفية المعنى وإفساح المجال لفكرة “الإنتشاء الفني” رغم استطراد البحتري في وصف ملامح الشراب: من مدام تقولها هي نجم أضوأ الليل أو مجاجة شمس   وتراها إذا أجدت سروراً وارتياحاً للشارب المتحسي   أفرغت في الزجاج من كل قلب فهي محبوبة إلى كل نفس  لقد كان الشاعر في حاجة إلى قوة الدفع الثانية هذه، ليخترق اللوحة إلى ما وراءها، ولينتقل منها إلى تصور مناخ الحياة الذي كان محيطاً، وليكسر عن نفسه حاجز العزلة الذي يقضي منه، في أفضل حالات الإعجاب أن يكون متلقياً متمتعاً بالعمل الفني، لكنه بالطبع يظل واقفاً خارجه، هذا الحاجز الذي يود الشاعر من شدة إعجابه بالفن أن يتخطاه، إنه يريد أن يقفز إلى داخل اللوحة والحياة المحيطة بها من خلال المشاركة، ولأنه لا يستطيع أن يشارك أصحاب الرماح والقسى أفعالهم، فقد كانت “قنطرة” الشراب والنشوة أكثر ملائمة له، وله أن يتصور أن أبرز بطل في اللوحة وهو كسرى أنوشروان، سيحل محله حفيده كسرى أبرويز الذي يمكن أن يكون شريكاً للشاعر في الشراب، لكن ذلك اقتضى أن تتغير لحظة اللقاء لكي تكون ملائمة للشراب، ولن يكون اللقاء وقت المعركة، حتى وإن كان قد صرح من قبل بأنه “شرب على العسكرين” ولكنه سيلقاه في مجلس الغناء الذي يبدو ملائماً للقاء الملك والشاعر. وسيكون مؤنس اللقاء هو المغني الفارسي الشهير “البلهبذ” وهو الفنان الثالث الذي يتلقى تحية الشاعر في هذه القصيدة، بعد أن تلقاها من قبله الرسام والمعماري. وتوهمت أن كسرى أبرويز معاطي والبلهبذ أنسى  ان الشاعر هبط بجناحية في ساحة الإيوان مما دفعه مرة أخرى إلى ساحة الفنان المعماري الذي شيد هذا الصرح كأنه قوس نحت في حضن جبل أشم: وكأن الإيوان من عجب الصنعة جوب في جنب أرعن جلس  وينبغي أن نفهم كلمة “الصنعة” في إطارها التاريخي التي تكاد تعادل تماماً ما نطلقه اليوم على كلمة “الفن” وعنوان كتاب مثل “الصناعتين” لابي هلال العسكري وكتاب “صبح الأعشى في صناعة الإنشاء” وغيرهما لا يفهم إلا في ضوء مرادفة الصنعة للفن، وإن أضاف إلى ذلك كلمة “العجب” فقد أراد أن يعبر عن مبلغ الخروج على العادي والمألوف في صناعة المعماري الذي شاد هذا البناء المحكم، ولسوف يحاول الشاعر في لقطات تالية تفسير بعض جوانب هذا الفن المحكم، ومنها جوانب الهيبة المنبعثة من ارتفاعاته الشاهقة فهو مشمخر البناء، وهو عالي الشرفات، حتى ليبين للناظر إلى هذه الشرفات، كأنه يراها معلقة في رؤوس الجبال الشاهقة مثل جبل رضوى بالمدينة المنورة، وجبل القدس ولا يخفى ما في اختيار هاتين المدينتين من الإيحاء بالقداسة إلى جانب الشموخ: مشمخر تعلو له شرفات رفعت في رؤوس رضوى وقدس   لابسات من البياض فما تبصر منها إلا فلائل برس  ولعل اختيار اللون الأبيض الذي يطل من كلمة البرس التي تقترب من القطن وما شابهه وقد نسجت منه فلائل كأنها ضفائر متناثرة، لعل هذا الاختيار يضيف إلى البناء الذي يمثل الحضارة الفارسية العريقة، صفات يضفيها البياض غالباً على الأشياء التي يحل بها وهي شديدة التنوع في معجم الشعر العربي، ويصيب معظمها في قنوات الإيجاب.وكما اندفع الشاعر أمام شدة الإعجاب بإبداع الرسام إلى ساحة الارتياب في الشخوص التي يراها في جوانب اللوحة فإذا به يتحسسها بأصابعه، اندفع هنا أمام شدة الإعجاب بإبداع المعماري فأصبح لا يدري إن كان الذين شيدوا هذا البناء العجز هم من الإنس الذين قدروا أن عظمه سكانة تلحقهم بمصاف الجن، أم أنهم من الجن وقد صبوا مهاراتهم في بناء يسكنه عظماء الإنس: ليس يدري أصنع انس لجـــــن سكنوه ام صنع جن لإنس   غير أني أراه يشهد أن لم يك بانيه في الملوك ينكس  وهنا تبدو صورالشاعر، كشأنها على امتداد المشهد المعماري في القصيدة، شديدة التنقل بين المكان وساكنيه. وسريعة نقل الإحساس من أحدهما إلى الآخر، ويبدو هذا من خلال لوحتين عالجتهما القصيدة بتقنيات فنية عالية:أولهما: لوحة خلع المشاعر على المكان، وإلصاق كل أحاسيس الكآبة والحزن والأسى في لحظات الفراق به، وقد كان يتحلى بنقائضها في لحظات الأنس، وتبلغ لحظة التصوير قمتها حين يصور المكان وكأنه طلق عروسه أو فارق أليفه: يتظنى من الكآبة إن يبدو لعيني مصبح أو ممسي   مزعجا بالفراق عن انس الف عز، أو مرهقاً بتطليق عرس   عكست حظه الليالي، وبات المشتري فيه وهو كوكب نحس   فهو يبدي تجلداً وعليه كلكل من كلاكل الدهر مرسي  وكأنما يعزى البناء حين يقول: لم  يعبه ان يزمن بسط الديباج واستل من ستور الدمقس  واللوحة الأخرى: تتمثل في نفاذ الخيال إلى تصور ما كان يدور في أبهاء ذلك القصر الشامخ من مظاهر العظمة والإجلال والمهابة، ومن ألوان البهجة والمرح والتسلية، وسعة المكان الهائلة تجعله يتصور أحجام الوفود المتتابعة التي تنتظر أدوارها ليؤذن لها بالدخول إلى قاعات الاستقبال، ولكل فيها مراتب ومقام معلوم. فكأني أرى المراتب والقوم إذا ما بلغت آخر حسي   وكأن الوفود ضاحين حسرى من وقوف خلف الزحام وخنس  لكن جوانب المهابة والاستقبالات الرسمية في قاعات الحكم، لا تمنع أن تكون مقاصير الراحة والتسلية لكسرى وأمرائه وحاشيته منبثة في جوانب هادئة يتسلى فيها الفتيات الجميلات على أراجيحهن فيطبعن جواً من الدعة والاسترخاء، لعله يتعادل في مناخ القصيدة مع جو التأهب والانضباط في صفوف الماثلين للسؤال أو المساءلة في القاعات المجاورة، أو في صفوف المحاربين بمعركة إنطاكية: وكأن القبان بين المقاصير يرجحن بين حو ولعس   وكأن اللقاء أول من أمس ووشك الفراق أول أمس       إن عمر الواقع الذي رصدته القصيدة قصير قصر المسافة بين أمسين بسبق الأول الثاني منهما بقليل ولكنهما مضيا، أما عمر الفن الذي رصد اللحظة عبر المعماري والرسام والمغني والشاعر، فهو أشد مقاومة للفناء وأكثر جدارة بالبقاء.

العلاقة التكاملية بين الأدب الفارسي و العربي في القرون الإسلامية الأولى” أبن المقفع أنموذجاً “سيد حميد رضا مهاجرانيالمركز الثقافي الإيراني بالدوحة – قطر علاقة الآداب الفارسية بالآداب العربية في القرون الإسلامية الأولى: من المواضيع الجديرة بالاهتمام وبخاصة في تاريخ الحضارة العربية والفارسية وتاريخ تطوراتها هي الآداب وأواصرها المشتركة وكما نعلم فإن أول جسر اتصالي بين الحضارتين هو اللغة والآداب. إن هذه العلاقة قديمة وترسخت بعد الإسلام وعبر العقيدة الإسلامية بعد انتشار الإسلام في بلاد إيران كان سبباً هاماً وعاملاً رئيسياً لترسيخ وتوطيد العلاقة حيث تأثر العلماء والأدباء الإيرانيين بالعقائد الإسلامية لا سيما القرآن والحديث الشريف واستفاد الشعراء والحكماء من بلاغة القرآن في أشعارهم وحكمهم فضلا عن سعيهم لتفسيرها بلغة الشعر من جهة أخرى، كما نلاحظ في شعر المولوي وحافظ الشيرازي حيث نرى أن للغة العربية والفارسية دور هام في تطور الحضارة الإسلامية لاسيما بعد اهتمام المترجمين في القرون الإسلامية الأولى في ميدان التفاعل الأدبي والحضاري بين اللغتين. ومما يلفت الانتباه في هذا الأمر بوجه خاص وفرة ما نقل من الكتب عن الفارسية في تلك الحقبة وتشعب موضوعاتها وتنوع موادها وبالغ أثرها في أدب ذلك العصر وعن الجذور العميقة والتاريخية التي تشهد العلاقات الثقافية والحضارية والجهود التي بذلها العلماء الأولون من العرب والفرس على صعيد الحضارتين وتطورها عبر القرون. إن ما يميز الآداب الفارسية عن سواها من المؤثرات الأجنبية بالنسبة للثقافة العربية أن التفاعل بينها وبين العربية كان متبادلاً لأن صلة العرب بالفرس كانت صلة مباشرة بالشعب ولغته ونظمه وأفكاره العلمية عن طريق الترجمات. هذه الصلة الوطيدة المتفاعلة هي التي جعلت الفارسية الساسانية (الفهلوية) المؤثر الأقوى في تطوير الأدب العربي في أوائل العصر العباسي الأول. وهي التي جعلت العربية (حين اكتملت آلتها التعبيرية واتسعت دائرتها وتشعبت فازدادت مقدرتها العلمية) تعود فتؤثر بدورها في لغة الفرس وتطورها من اللغة الفارسية الوسطى (الفهلوية الساسانية) إلى الفارسية الإسلامية (الرؤية الحديثة). ومن الطبيعي أن التأثير الفارسي في الحياة العباسية وأدبها لم يقتصر على ميدان واحد بل امتد إلى ميادين شتى من تلك الفترة والترجمة والنقل اللذين اتسع نطاقها في العصر العباسي الأول. كان الأدب الفارسي الذي اتصلت به اللغة العربية أول اتصال خارج الجزيرة العربية الفارسية الوسطى تميزاً لها عن الفارسية الإسلامية التي تكتب بالخط العربي. كانت الفارسية التي احتك بها العرب في أول امرهم لغة العلم والحضارة في عصر الساسانيين وفي أنحاء امبراطورية شاسعة من العراق حتى حدود صغد وخوارزم وكانت تحتوي فنوناً مختلفة من أدب السياسة والحكم إلى الأدب التعليمي والأدب الأخلاقي وأدب الرسائل والعهود والخطب والحكم والتاريخ والسير والتراجم وغيرها من الفنون المعروفة. وكانت اللغة في عهد أونشروان تهدف إلى نقل آداب الأمم الأخرى فترجم إليها من الهندية بعض الكتب الأدبية والطب وغيره كما ترجم إليها بعض الكتب اليونانية في المنطق والحكمة وسواهما ككتاب كليلة وودمنه وكتاب سندباد الذي ترجم اليها في القرن الثامن للميلاد بل إننا نرى الكنيسة الإيرانية قد تبنت اللغة الفارسية الفهلوية لغة دين وتبشير وتدلنا على ذلك النقوش السريانية باللغة الفهلوية موجودة في كنائس جنوب الهند يرجع تاريخها إلى سنة 430 (1)  إذا فالأدب الذي احتكت به العربية في أول أمرها في العراق كان أدباً له إرتباط في كل ميادين الحياة الثقافية ، لقد جرى هذا الإحتكاك وقت كانت العربية فيه لا تزال في بدء التطور سواء كان ذلك في حقل الإدارة والسياسة او في ميدان العلم والأدب أو في إطار الحياة الاجتماعية كانت بحاجة إلى كل ذلك لتصبح لغة مجتمع جديد له علاقة بعلوم العصر وحضارته وتستوعب أدباً كالأدب العباسي في عصر إزدهاره فكانت اللغة الفارسية هي التي زودتها في تلك المرحلة بمعظم ما كانت تحتاج إليه في فروع الإدارة و الدواوين وفي فنون الكتابة والرسائل الديوانية وفي أقسام من العلوم كالنجوم وعلم النبات وغيرها. وكانت الكتب الفارسية أول ما ترجم إلى العربية من الآثار الخارجية في الأدب والسياسة فوضعت بمتناول حكام العرب وفي مجال الحكم والسياسة والعلوم والآداب فكانت هذه التراجم الفارسية أقدم كتب وجدت في اللغة العربية.  ولكن ماهي العوامل التي ساعدت على ان يتم النقل والتفاعل على هذه الصورة؟ هناك عوامل عديدة أهمها أن العرب لم يكونوا بعيدين عن الحياة الفارسية حتى قبل الاسلام فكانت هناك صلات تربط عرب الحيرة واليمن بالدولة الساسانية وكان في دواوين تلك الدولة كتاب عرب كعدي بن زيد و زيد بن عدي وغيرهما وكانت هناك اتصالات أخرى جعلت العرب على علاقة بتلك الحياة وخير مثال أشعار الأعشى و غيره من الشعراء الذين كانت لهم صلات ببلاط الساسانيين، ولقد ساعد على هذا التمازج كذلك عامل آخر هو أن الأدب العباسي الذي يمثل هذا التفاعل أفضل تمثيل قد تكون في بيئة الجغرافية مشبع جوها الروح الفارسية اذ إن بغداد كانت تعد من المراكز الهامة للتجارة قبل الإسلام سوق عظيمة يختلف إليها التجار في المواسم المختلفة من مختلف أنحاء المملكة وقد ظلت على حالها ذلك في العهد الإسلامي. أما المدائن (فهي عاصمة الساسانية بقرب بغداد) قد استمرت الحياة فيها حتى ما بعد قيام بغداد إلا أن سكانها بدأوا ينزحون تدريجياً إلى العاصمة الجديدة مدينة السلام بغداد عندما أخذت هذه تنمو وتزدهر بسبب إنها صارت مقرأ للخلافة العباسية. فأخذ نجم المدائن بالافوال بعد أن غادرها سكانها  وفارقها أصحاب المهن والصناعات والحرف الى بغداد ناقلين الى جانب منهم وصناعاتهم حياتهم الاجتماعية نهجهم في العيش و خصائصهم في السوك والتفكير والتصرف 2من هنا فإن ابن النديم يذكر قائمة ببعض الأعمال التي نقلت من الفارسية الى العربية وأبرز الأسماء وهم:إبن المقفع.آل نوبخت.علي بن زياد التميمي 3الحسن بن سهل.أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري.جبلة بن سالم كاتب هشام.اسحق بن يزيد4.محمد بن الجهم البرمكي.هشام بن القاسم.موسى بن عيسى الكسروي 5.زادوية بن شاهويه الأصفهاني.محمد بن بهرام بن مطيار الأصفهاني.بهرام بن مردانشاه.عمر الفرحان..وما دمنا بصدد ابرز المترجمين فإن الأسم الأبرز هو عبدالله بن المقفع والذي يعتبر النموذج الأمثل.أن ابن المقفع الذي وضعه ابن النديم في رأسم قائمته في كتابه الفهرست اشهر المترجمين كان اسمه قبل ان يسلم روزبة واصبح اسمه بعد اسلامه عبدالله واشتهر بالمقفع.وقد يكون توليه عمل بعض كور دجلة أو كورة بهقباد في العراق في زمن سليمان عبد الملك (99-96) ، كما أن أبن المقفع كتب لداود بن يزيد وذلك بعدما ولى أبوه يزيد بن عمر بن هبيرة العراق من قبل الخليفة الأموي مروان بن محمد أي بعد سنة 127 وبعد مقتل داود في بدء الدولة العباسية سنة 132 دخل ابن المقفع في خدمة عيسى بن علي وأخيه سليمان في البصرة وكان كاتبا لعيسى على كرمان وأسلم على يده وبقي مواليا لهذه الأسرة طوال حياته وأصبح ولاؤه لها سببا لمقتله وذلك لتشدده في الأمان الذي كتبه عن المنصور الخليفة العباسي لعبدالله بن علي أخي عيسى بن علي هذا مما لم يرق للمنصور وذكروا ان هذا كان سببا في ان المنصور اوعز الى سفيان بن معاوية (والي البصرة الذي خلف سليمان) بقتله ولما قتله سليمان بتهمة الزندقة سكت عنه الخليفة.كان ابن المقفع من بلغاء العربية المعروفين وكان شاعراً ايضاً ولكنه كان شاعراً مقلا وقد نقل ابو تمام اشعاره في ديوان الحماسة “هذا وذكروا ان ابن المقفع لاقى الخليل بن احمد الفراهيدي المتوفي سنة 170 بواسطة عباد بن عباد المحلبي وجالسه بضعة الأيام.ومما ذكروا من أخباره  في الوفاء ذلك ان عبدالحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر خلفاء بني امية كان صديقا حميما لابن المقفع فالتجأ إلى بيته لما طلبه شرطة بني العباس فدخل الجند البيت وقالوا: أيكما عبد الحميد؟ وقال كل واحد منهما: أنا عبدالحميد خوفا من أن ينال صاحبه مكروه و أوشك الجند أن يقتلوا ابن المقفع لو لم يوجههم عبد الحميد إلى من يعرف علاماته فأخذوه.نقل ابن المقفع كتبا عديدة عن الفارسية وقد اورد ابن النديم قائمة لمنقولاته تتضمن ثمانية كتب هي:كتاب خداي نامه في السير كتاب آيين نامه في الآيين.كتاب كليلة ودمنة كتاب مزدككتاب التاج في سيرة أنوشروانكتاب الأدب الكبيركتاب الأدب الصغيركتاب اليتيمة في الرسائلوهناك كتب أخرى نقلها ابن المقفع منها الذي ذكره المسعودي في كتابه مروج الذهب.وذكر ابن ابي اصيبعة في كتابه طبقات الأطباء ان ابن المقفع ترجم الى العربية من كتب ارسطا طاليس كتاب قاطيغورياس (المقولات العشر) وكتاب باري ارميناس (العبارة) و كتاب انا لوطيقا (التحليل) كما انه نقل ايضا كتاب المدخل الى كتب المنطق المعروف بايسا غوجي من تأليف فرفوريوس الصوري وعده القاضي صاعد الأندلسي وابن النديم في جملة من اختصروا كتابي قاطيغورياس وباري ارميناس لأريسطو في طبقة الكندي واسحق بن حنين واحمد بن طيب والأرجح ان ابن المقفع اختصر هذين الكتابين وغيرهما مما نسب عليه ترجمته عن اليونانية عن ترجماتها الفارسية لاننا لا نعهد من ابن المقفع ان يكون قد عرف لغة اخرى غير الفارسية والعربية ولم يذكر له ذلك احد ممن ترجم له او تعرض لذكره وهذا ما يؤيده قول ابن النديم في الفهرست؟وبناء على ما ذكره المسعودي في مروج الذهب نقلا عن محمد بن علي عبدي الخراساني نقل ابن المقفع الى العربية بعض كتب ماني وابن ديصان ومرقيون ايضاً.فقد كانوا احيانا يأخذون رسالة او كتابا او مجموعة من تلك الكتب الفارسية ويضيفون اليها مطالب ومقتبسات من كتب اخرى ليصنعوا من الكل كتابا جديدا يحمل صيغة جديدة واسما مغايرا كما فعل ابن مسكوية في تأليف كتابه “أدب العرب والفرس” إذ جعله على اساس كتاب فارسي ساساني باسم “جاودان خرد” أي “الحكمة الخالدة” ثم اضاف اليها مطالب اخرى فارسية وغير فارسية منسوبة الى الهند والروم والعرب مما يناسب موضوع الكتاب منفصلا بعضها عن الآخر ثم جمع هذا كله في مجموعة جديدة أطلق عليها اسم “أدب العرب والفرس” ويرجح ان يكون من هذا القبيل الكتاب الذي ذكره ابن النديم لعلي بن النصراني في الآداب والأمثال على مذاهب الفرس والروم والعرب ايضاً.وقد يكون هذا النهج في الجمع بين الفارسية والعربية بصورة أقرب الى الربح بأن ياخذ المؤلف احد الكتب الفارسية كقاعدة لمؤلف جديد يضيف اليه معلومات اخرى مماثلة من هنا وهناك ولكن لا بصورة اقسام مستقلة بل بصورة تأليف واحد متماسك الأجزاء متزن العبارات ونظير ذلك في الكتب الأدبية “كتاب التاج في اخلاق الملوك” المنسوب الى الجاحظ. فكان التاريخ العربي الإسلامي هو المرحلة الطبيعية هذا الامر الذي لاحظه المستشرق الشهير “كيتاني” في تاريخ تجارب الأمم لابن مسكوية وهذا ما نلاحظه ايضاً في الدينوري واليعقوبي والمسعودي وسواهم.وهناك مرحلة أخرى في الإقتباس او صورة اخرى من صورة يصعب معها ضبطه واكتشافه دون تعمق وتدقيق ودون ذكر لمصدرها بل انهم يغيرونها ويبدلون من معالمها ليجعلوها ملائمة للبئة العربية الإسلامية وأكثر قربا لمفاهيم قراءها فتبعد تلك المنقولات عن اصلها الفارسي وتكتسي بطابع اسلامي صرف.ومن ذلك ما أورده كثير من المؤلفين من الرويات والأقوال المنسوبة الى ملك من ملوك الفرس او حكيم من حكمائها مع تغيير اسم الملك او الحكيم ومثله حكاية وردت عن انوشروان حين تقاضي لديه رجلان اشترى احدهما ارضا من الآخر فوجد فيها كنزا وكيفية الحكمة في الأمر وهي حكاية معروفة في كتب الأدب اوردها الامام محمد الغزالي في كتابه نصيحة الملوك الذي الفه بالفارسية للسطان سنجر منسوبة الى انوشروان.وكذلك وردت منسوبة اليه في كتاب “عقد العلي” أيضاً. ثم نرى القصة نفسها في تاريخ ابن عساكر (الذي الف بعد كتاب الغزالي) منسوبة الى ذي القرنين و “بعض المدائن” و نظير ذلك ايضاً تبديل اسم الملك والحكيم بكلمة “بعض الملوك” أو “بعض الحكماء ” مما يكثر في كتب الأدب والتاريخ ومما يؤثر في تعمية اصولها ومصادرها.وقد زاد في إخفاء هذه العناصر إن أصولها الفارسية ضاعت على مر الزمان وتغيرت الظروف والأحوال بأسباب مختلفة ذات اثر هام كاستبدال الخط العربي والدين الاسلامي واقبال المثقفين والأدباء والمؤلفين من الإيرانيين على اعتماد العربية لغة دراسة ومطالعة طيلة القرنين الأولين مما جعلهم غير مكترثين بحفظها فلم تعد هناك حاجة لنسخها وروايتها والمحافظة عليها بالطرق التي كانت متداولة في تلك العصور لحفظ الكتب واستمرارها واكثر من ذلك ان الحماس للعقيدة الإسلامية دفع بعضهم إلى ابادتها واتلافها قصداً.يروي المؤلف الفارسي دولت شاه سمر قندي في كتابه “تذكرة الشعراء” حكاية يقول:”حكي إن الأمير عبدالله بن طاهر امير خراسان في ايام الخلفاء العباسيين” “كان ذات يوم جالساً في ديوان نيشابور إذ جاء شخص وأتحفه بكتاب” “وضعه بين يديه فسأله عن الكتاب وقال: هو قصة ” وامق وعذراء” وهي قصة لطيفة الفها الحكماء لكسرى انوشروان فقال الامير: نحن قوم نقرأ القرآن ولا نريد شيئاً غير القرآن والحديث النبوي ولا شأن لنا بهذا الكتاب فأنه من تأليف المجوس وهو عندنا مردود فأمر ان يطرح الكتاب في الماء وأمر ايضاً ان يحرق كل كتاب من تصانيف “العجم والمجوس يعثر من حدود ولايته”.هذه العوامل كلها جعلت من العسير الاهتداء الى هذه العناصر الفارسية لمن يدرس الأدب العربي وهذا هو سبب في عدم تقدير قيمتها التاريخية ومدى تأثيرها في الأدب العربي وعلى ان روابط الأدب العربي بالأدب الفارسي وتفاعله معه موضوع لا يزال بحاجة الى مزيد من الدرس والتمحيص بل والى تبديل الأساليب التي قام عليها بحث هذا الموضوع حتى الآن وبدلاً من ابداء الآراء والنظريات العامة القائمة على الذوق الشخصي وعلى العواطف احياناً.علينا أن نعمد إلى دراسات موضوعية دراسة قائمة على أسس علمية قويمة وان نستفيد من المناهج الحقيقية التي مارسها العلماء في دراسة آداب عالمية اخرى وان نستفيد أيضا من الدراسات التاريخية والحضارية لعصور ما قبل الإسلام في هذه المنطقة الفارسية العربية.ولا شك في أن أول خطوة يجب أن نخطوها في مثل هذا الأمر ان نوضح المعالم و الطرق الرئيسية التي كانت تربط بين اللغتين مباشرة أي طرق الترجمة والنقل وذلك بالبحث عما يمكن العثور عليه من المتون المنقولة عن الفارسية والمبعثرة في بطون المصادر العربية وخاصة في أمهات كتب القرنين الثالث والرابع لندرس موضوعاتها وأنواعها وما تدور حوله من المطالب والأغراض اولا وكيفية تفاعلها مع الأدب العربي.ثانيا: هناك قضايا شائكة تعتري الباحث في هذا الميدان لا سيما بعد ما رأينا من تأثير العوامل التي يجب ان نجتازها في هذا المضمار ذلك أن العلاقة بين الآداب العربية والفارسية علاقة تكاملية منذ أن انتشر الإسلام في بلاد فارس.الهوامش 1 . راجع كتاب “نقش بارسي بر احجا رهند. علي أصغر حكمت – ص 9و10 –     طهران- ايران 1306 2- التقريب والأصول ص 61 دارصاد – بيروت – 19853- انه ترجم كتاب زيج شهريار.4- إنه ترجم كتاب خد اينامه أو سيرة ملوك الفرص.5- في مطبوعة فلوكل “الكردي” وهو خطأ. 38ـ انظر أمل دنقل : المصدر السابق ، أوراق الغرفة (8) ، ص387 .