حضور الشعر ………..….…. شانطال شين أندرو

حضور الشعر
شانطال شين أندرو (*)
في الصين نكاد نعثر على أثر الشعر في كافة الفعاليات القائمة (الروايات، المناظرات الخطابية، مباريات توظيف كبار متنفذي الإمبراطورية الصينية) مثلما هو حاضر لدى سائر الشرائح المجتمعية، إذ يتصل الأمر بمصدرية شعبية يتوسّل بها إلى الكمال، بتاريخ نوع أدبي شمولي الوجود..
لا جدال في أن الشعر الصيني يمتلك تاريخا مديدا يعود إلى ثلاثة آلاف سنة و ما فتئت نصوص الديوان الشعري الأوغل قدامة سليمة لم يلحقها التّلف. إن “شيجينغ” أو “عيار القصائد” يرجع إلى المنتصف الأول للألفية الأولى قبل عصرنا الحالي، أي إلى ثلاثة آلاف سنة ستتمكن، في غضونها، و هو أمر لافت للانتباه، نفس الكتابة من بلورة فكر جمالي واحد يستحكم في جماع الفنون، بل و ما انفكت خواصها، حتى حدود يومنا هذا، مستدمجة في الإبداع الشعري، على سبيل التعديل و التحوير، كما في لغة الكلام، و يكفي أن نلمع إلى أن مجمل السّجل المفرداتي الموظف من قبل لي بي (701 – 762) في جانب من قصائده لمّا يزل مستثمرا من لدن المعاصرين في رحاب لغة الكلام.
تقييم العلائقي
لقد اقترن الشعر في الصين بصيغة وظيفية جدّ مخالفة للصيغة المكرسة في الغرب. فالتقليد الشعري الصيني كان دائما و أبدا يلجأ إلى تفسير الفعالية الشعرية وفقا لمصطلحات علائقية ملحّا على ما يجمع بين الإنسان و الكون من تماثلات و مبطلا، في العمق، أيّما تباعد بين الطرفين. و في العديد من نصوص “عيار الشعر” لطالما تبتعث الأبيات الشعرية الاستهلالية هيئة عالم برّاني مناسب لاستدخال وسيط مرتبط بما هو إنساني.
الريح المدوية في الفجّ
ناعمة جدا ريح الفجّ
جو مكفهر، سماء ممطرة و حيث
تتوجب معرفة كيف تذّخر الهمّة
إذ لا محل للشنآن […]. (1)
كذا يمفصل الإنسان، المنشرط ببعده المجتمعي و السياسي، فعله و يسوّيه اهتداء بما يمليه الكون، و بناء على هذا التصوير المنظوري، و إثر إعادة تشكيل سيتولاها المتأدبون، ستتبرز الحاجة إلى إخضاع “عيار القصائد” لتأويل تلقيني. من حينها سيعمد تقليد شعري بأتمه، و نعني به الكونفوشيوسية، إلى تصنيف الشعر ضمن خانة الأنواع الأدبية النبيلة الصالحة لتربية القارئ و تهذيبه، و لعل ما كان من ضع الإيديولوجيا الكونفوشيوسية يدها على الشعر سيخلّف مضاعفات جلية على مدى القرون الأربعة التي كانت السيادة فيها لأسرة “هان” (206 ق.م – 220 م). و ممّا لا ريب فيه أن هذا التأويل الذي سطرته الكونفوشيوسية للقصيدة لمن الضيق بمكان و سيندرج، بدءا من هذه اللحظة، في إطار وضعية جمالية لن تتوقف عن التجذر و الاتساع بمقتضاها تغدو الذاتية مجرد تمظهر مفوض للتماس مع العالم و، بالتالي، فلا ولادة للقصيدة خارج دائرة هذا الإيعاز، أي “أن التعبير الشعري سيولد، بحسب فرانسوا جوليان، من زخم الانفعال الذي تؤججه علائق القرابة التي تربط الذاتية الإنسانية (كسين) بمجموع باقي الوقائع الخارجة عن كيانها (فيو)”. (2) بناء على هذا فإن اللغة الصينية نفسها، كما يلاحظ فرانسوا شينغ في مصنفه “الكتابة الشعرية الصينية” (منشورات سوي)، المعروفة برموزها التدوينية المنفصلة عمليا عن لغة المشافهة، الملتحمة عضويا بالأشياء التي تتمظهر من خلال قسمات جوهرية “و حيث تشتغل التوليفات على إبراز جوهرها و الكشف عما يوحدها من روابط مخفية” تتبدى مناوئة لفكرة البعد أو المسافة بين العلامات و الكون و بتعبير رديف لمبدأ التنابذ أو القطيعة بين الإنسان و الكون، و من هذه الزاوية، تحديدا، يجري تقييم “الوعي” “العبر ذاتي” و ينظر إلى الآخر منزوعا من صفة الطرف المقابل.
إن نشأة “فين”، أي رمز الكتابة، تبقى، و الحالة هذه، ذات دلالة حاسمة، فبمقدار ما نلفيه يشخص رسومات على فراء حيوان ما أو على ذبل سلحفاة، أو، بالأولى، “آثار” تباشر من خلالها الطبيعة دلالتها نلقاه يردف إلى ذلك ابتداع علامات لغوية مشتقة من صورة هذه الآثار تنضوي رأسا إلى تسمية “فين”.
جرّاء هذا تبدو اللغة الصينية مغتنية بذلك الطابع الزخرفي اللصيق بالرموز التدوينية التي “تعد، بشكل من الأشكال، استعارة يسوّغ لها طواعية الرمز التدويني لاستيلاد ما لا يحصى من المعاني من ثنايا ما لا يحصى من الطبقات الخطية”، على أنها استعارة تقوم، بخلاف ما هو معمول به في الغرب، مقام أفق للإبداع الشعري و من ثم، و عوض أن يسعى الشعر الكلاسيكي إلى التعبير المباشر “فيو” أو إلى توظيف أداة المشابهة “مثل” – “بي” – سيشدّد، خلافا لهذا، على التلميح و الإلماع، الوسوسة و الإيحاء.
إن المفردات لتتمتع بسلطة إيحاء نافدة بالنظر إلى ما تمتلكه، أساسا، من تعدّدية علائقية: فكل مفردة يمكنها، بناء على موقعها في فضاء الجملة، أن تقوم مقام اسم أو أن تتخذ لبوس فعل (يواظف كنعت أو كحركة)، ثم إن التركيز على الإضمار و الحذف لممّا يزكي القيمة التلميحية للقصيدة و ميسمها الإلماعي و هو ما يصدق أيضا على مواراة الضمير الفردي، بما هي مسطرة ظلت مفضلة لدى الشعراء على مدى التاريخ العريض للشعر الكلاسيكي. و عودا إلى فرانسوا شينغ، و تدقيقا إلى منظوره بخصوص غياب التعارض بين الذات و العالم، سنقف، لا محالة، على طبيعة “استدراج الذات للعناصر البرّانية عبر محوه أو، بالأصح، استضمار مثوله”، أي العالم، و هكذا فإن الجبل، مثلا، لا يعود منتصبا قبالة من يتأمله و يتخلى عن كونه موجودا متباعدا و السبب هو انقياد الشاعر إلى التشبّه به و قبس هويته من كينونته.
بموضعته في السياق العلائقي، الذي هو سياقه طوال تاريخه، و إدراجه في فكر جمالي موحّد سيتاح للشعر أن يسجل حضوره في الصين داخل كافة الفعاليات الإنسانية، و إذا ما أدركنا حجم تشبّع الوجدان العام بالحكمة التي تقول: “وقّر المكتوب و بجّله” سيسهل علينا تقدير السطوة السحرية التي للعلامات في هذا البلد. إن الرجحان يمثل، في كل أنماط النصوص، أحد القسمات التكوينية لانبناء الشعر الكلاسيكي و ذلك إلى جانب عنصر التوازي، (3) الذي يعتبر مظهرا تجسيديا لمواظفة هذا الفكر، إ ذ يحضر سلفا في “عيار القصائد” بوصفه محسّنا زخرفيا للشرلئط التي تلصق أسفل الأبواب بمناسبة حلول العام الجديد أو بغرض تهنئة قاطنين جدد (سيرتفع شأن هذه العادة الأخيرة في أثناء الثورة الثقافية).
من فرط اكتساحيته سيطول الشعر كل شيء تقريبا، يسفر عن وجهه في المساجلات الشفوية التي تعرفها التجمعات أو المآدب، في الروايات الكلاسيكية، بل و حتى في نظيرتها المعاصرة، كما هو الشأن في “ممات بطلة حمراء”، بحيث يثبت المؤلف، كيو كسيالنغ (4) أبياتا شعرية إن لم يكن قصائد كاملة لشعراء من جميع الحقب. إن تباريات في قرض الشعر سيتم إدراجها، في ظل حكم أسرة “تانغ” (618 – 907)، في نطاق الاختبارات الخاصة بانتقاء متنفذي الإدارة الإمبراطورية، ففي هذه الحقبة سيحقق الشعر حضورا واسعا لدى سائر الشرائح المجتمعية، نقول سائرها لأن فطاحل الشعراء، من أمثال لي بي، دو فو (712 – 770)، بي جويي (772 – 846) سوف يكتبون نصوصهم بلغة قريبة من لغة التداول اليومي.
استرخاء:
أغوتني الخمرة و سلبت لبّي في نهاية ذلك اليوم
استيقظت تغطي بدني بتلات
مشيت بمحاذاة الغدير
يدثرني ضوء القمر
بينما الطيور أجنحتها تخفق في الأعالي
و الرفقاء انفضّ شملهم. (5)
أمّا في ظل حكم أسرة “سونغ” (960 – 1279) فسيغدو الشعر المعدّ للغناء و التسرية “الشّي” لونا شعريا واسع الشعبية، ثم إن مؤلفي بواكير الروايات القائمة على لغة التداول لن يحجموا، استمالة منهم للذائقة العامة، عن إدغام هذا اللون في مروياتهم و سرودهم.
و إذن سيان اتصل الأمر بالشعر، بفن الخط، أو بالرسم هناك فكر جمالي موحّد يصدر عنه، استلزاما، سند واحد: الورق المستخلص من نبتة الأرز و أداتا الحبر و الريشة. فالشعر يتم تحريره، في فضاء اللوحة المنظور إليه، هو الآخر، بحسبانه “شعرا أخرس”، استئناسا بتفضية خطية متفنّنة و بهذا المعنى فإن طفلا صغيرا ما انفك يتعلم أوليات إنجاز خطوط و قسمات يعتبر مساهما، بدوره، في هذه الجمالية بمجرد اهتدائه إلى حركة تأليفية تنتج عنها جملة من الرموز التدوينية.
مصادر شعبية تزخر بكمال عالم
إن حضور الشعر الكلاسيكي بهذه الكثافة ممكن تفسيره بأنه سيعمل، بلا انقطاع، على الاغتراف و النهل، و في نطاق واسع، من المصادر الشعبية، أضف إلى هذا كون المتأدبين سيستحوذون، من جانبهم، و ذلك في فترة لاحقة، على الأبنية و الأشكال الشعرية المستجدة و يتعهدونها بالإعمال المستدق، تشذيبا و ترصيعا و توشيحا، إلى حدّ أنها ستصاب بالتحجر فتظهر الحاجة إلى استسعاف مصادر إلهامية طازجة.
سبق و أن أشرنا إلى أن أول ديوان شعري سيجري تأليفه في المنتصف الأول للألفية الأولى قبل عصرنا الحالي، هذا و ستقوم إدارة أسرة “زهو” بنشر موظفين في مختلف أنحاء البلاد ليس من أجل نسخ الأهازيج الشعبية التي ينتجها متخيل أيّ مجتمع زراعي و الموزعة بين أناشيد شعائرية و أغاني يدور موضوعها حول الكدح أو الحب، فحسب، بل و بهدف جس نبض الرأي العام كذلك و استطلاع انتظاراته.
و بالمثل، و خلال حكم الإمبراطور “فودي” (141 – 87)، من أسرة “هان” الأولى، سيتأسّس مكتب للموسيقى (يويفو) للسهر، علاوة على نشاطات أخرى، على تجميع قرابة خمسمائة أهزوجة مدفوعا بذات المقاصد التربوية، و هي عبارة عن أشعار مقتضبة، مكتوبة بلغة في المتناول، و موزعة على أبيات من خمس تفعيلات يتيح إيقاعها العروضي حرية فائقة بالمقارنة مع البيت القديم الرباعي المقاطع.
أغنية الأوراق الذابلة و زيز الحصاد الحزين
الاندعاك لعله أنت
كمّاه الحريريان
الغبار يطبق
على الفناء المبلّط بحجر اليشب
خاوية الغرفة و قارس بردها
صمت، فراغ، وحدة
و عند الخطوة الفالتة
لا تني تسّاقط أوراق ذابلة
تلك التي لم يعد لها وجود هنا
كيف السبيل إلى العثور عليها ؟
آه أيها الفؤاد المتخم بالدموع ! (6)
إنه لشيء لافت أن يتحقق الإسهام الشعبي في إطار التقريب بين الشعر و الموسيقى، لكن، و بتأثير من الكونفوشيوسية التي ستغدو مهيمنة، ستأخذ في الاندثار القريحة الشعبية و تضمر معها الغنائية التي ستفضل، مع ذلك، دمغتها حاضرة، بجلاء، في ما يعرف بالقصائد التسع عشرة القديمة. فمن القرن الرابع إلى القرن السادس سوف تتعاقب على حكم “نانكان” ثلاث أسر صغيرة و سيلجأ الشعراء، خلال هذه المدة، إلى استرفاد أغاني هذا الإقليم التي تعالج تباريح الحب و الفرقة و هي نفسها المدة التي سيشرع أثناءها في ترجمة النصوص البوذية التي ستسنح للصينيين بالوقوف على دافق الممكنات الإيقاعية للغتهم، الشيء الذي تعدمه اللغة السنسكريتية، و في هذا الاتجاه سيجنح شين يو (441 – 553)، مثلا، إلى اجتراح قواعد نظمية قائمة على التغايرات النغمية و التباينات النبرية. إن لغة قصائد لي بي و قسط وافر من قصائد دو فو وثيقة الصلة بأسلوب ال (يويفو) الشعبية أمّا أشعار بي جوفي فلن تلبث أن تتحول إلى مردّدات غنائية لدى أفراد الشعب، هذا في الوقت الذي ستصبح فيه كذلك الألحان الموسيقية القادمة من آسيا الوسطى بمثابة صرعة فنية ليصل الأمر إلى حدّ نزوع الشعراء، بوازع من الحاجة إلى التجديد و ذلك انطلاقا من القرن الرابع، إلى ترتيب كلمات تتواءم و هذه الألحان إضافة إلى ما كان، طبعا، من استصدائهم لقصائد “الشّي”، القابلة للغناء، و هو النوع الذي ستتولى تثقيفه و إنضاجه الجواري و الغانيات، جليسات الأباطرة و الأمراء.
في مسرى الهواء و حيث تحمّم الأمواج الرمل
خلف الستارة يهدر وابل المطر
و مهجة الربيع أصابها الإنهاك
اللحاف الحريري لم يعد يقي من قشعريرة الليل و هي في سبيلها إلى الانقضاء
في إبان الحلم لا نترك للنفس أن تعرف المنفى
في برهة خاطفة نحلم بالبهجة
بينما لا أحد يمد إليك يد العون و أنت في الدرابزين
في لانهائي الأنهار و الجبال
كم هو سهل الفراق، شاقّ اللقاء
الماء يسيح، الأزهار تسّاقط، في حين يمعن الربيع في الفرار
صوب السماء منضما إلى الأنام. (7)
لفائدة موضوعات و تماهيات كهاته سيكتب ليو يونغ (حاصل على دكتوراه عام 1034) قصائد من نمط “الشّي” بلغة غير مقعّرة سيتغنّى بها في الصين قاطبة، و ذلك ريثما تنفصل، أي هذه القصائد المكنّاة أيضا بال “يويفو الجديدة” و التي تمتاز بتقفيتها اللينة، عن الموسيقى على يد المتأدبين فتضيع بهذا تصميماتها اللحنية و يحكم عليها، بالتالي، بالموت البطيء. غير أن هذا لن رياح التجديد من معاودة هبوبها و هو ما سيقع مع حلول القرن الثاني عشر و سيكون الفضل، مرة أخرى، لاختيار العودة إلى المصادر الشعبية، و في هذا السياق ستشكل “سانكو” (أنغام مبعثرة)، القريبة كثيرا من الكلام الشعبي، لكونها تغترف مباشرة من معين أغاني الشارع التي تستعاد من طرف المغنيات أو جليسات الأباطرة و الأمراء فتنضاف تلقائيا إلى ريبّرتوارهن، مادة هذا التجديد و هو قالب نغمي يخص أيضا الجزء المغنّى به في المسرح و الأوبّرا، و يمكن أن نردف إلى هذا العنصر عامل تأثير اللغة المغولية (ستتربّع أسرة “يوان” على العرش عام 1276) كذلك. مقابل هذا سينقسم المتأدبون، من حيث تعاطيهم مع قواعد هذا القالب الموسيقي المفرط تقنيا و التي لم تكن لتخطر على ذهن الغالبية منهم، إلى فئة ستحاول تجريب هذه الصيغة، لكن بعد تحويرها، و أخرى ستلجأ إلى تكريس استيحاء تقاليد القدامى موازية هذا بنوع من الإذعان الحرفي للتقنينات النظمية التي تم تطويرها في مجرى القرون و التي استحكمت في مختلف أشكال الشعر المتواطأ عليها (تليد القصائد، الرباعيات، الثّمانيات).
هذا “الانغلاق” ستكون عواقبه قاتلة بالنسبة للشعر الكلاسيكي سواء في ظل حكم أسرة “مينغ” (1368 – 1644) أو أسرة “كينغ” (1644 – 1911)، إذ سيمسي الشعراء الكبار و الموهوبون عملة نادرة، باستثناء نالان كسينغد (1635 – 1685)، لذا، و دفعا لهذا الجمود المرين و تنصّلا أيضا من المهمة التلقينية التي أسندها التقليد الكونفوشيوسي للشعر، سيقترح هو شي (1891 – 1962)، الطالب حينها في الولايات المتحدة، خلال العقد الثاني من القرن العشرين إبداع شعر موضّب، من قمة الرأس حتى أخمص القدمين، بلغة الكلام (بيهوا). و لعل إلغاء المباريات الإدارية عام 1905 و الاستنكاف عن اللغة المتأدبة أو المثقفية (وينيان) و تطوير لغة وطنية، في الفترة التالية، تستند على لغة التداول، هذه العوامل ستدني، بقوة الأشياء، الشعر من الذائقة العامة و لو أنه سيظل، شئنا أم أبينا، صيغة تعبيرية للإنتلجنسيا و غير مقروء إلاّ في دائرتها المحصورة، و هكذا ستشهد سني العشرينات و الثلاثينات و الأربعينات، من نفس القرن دائما، تأصيل شعرية جديدة كل الجدة ستقترن بأسماء كلّ من غووو موروو، وين يدوو، ديي وانغغشو، فينج زهي، بيان زهيلين، إيي كينغ (1910 – )، حتى لا نذكر إلاّ بعض الأسامي، و من باب الوقوف على هذه الشعرية لنتأمل كيف يستنهض، هذا الأخير مثلا، و ذلك في لغة غير متمنّعة، آلام شعبه و مكابداته:
النقّالة
في حوض النهر الأصفر
في ما لا يحصى من الأسرّة القاحطة
كانت هناك نقّالة
تتعكّز على دراجتها اليتيمة
صريرها يلوي عنق سماء متجهمة
من داخل البرد و الصمت
من سفح جبل
إلى سفح جبل آخر
كان يتردد صدى
كآبة أناس الشمال
في مثل هذه الأيام التي يدمغها الصقيع
و بين الضيعات التعيسة
كانت هناك نقّالة
تتعكّز على دراجتها اليتيمة
تشق في متلبد الطمي أخاديد غائرة
تطوي الخلاء المتعاظم
من طريق
إلى أخرى
تنسج
كآبة أناس الشمال.
إن خطبة ماو في يان آن التي تطري على انصياع الفن و الأدب، كليهما، للعامل السياسي، و كذا اندلاع الحرب الأهلية (1946 – 1949) سيشكلان، حتما، نذير شؤم بالنسبة لهذه الشعرية الوليدة التي لن تلبث أن تتوقف و ينجهض تطورها الواعد و المفتوح، بل و لينفسح المجال بالمقابل للقصائد الكلاسيكية، المشبعة تقليدا و اتباعا، التي كتبها ماو زيدونغ فتصبح، و ياللمفارقة، محل استظهار أفراد الشعب و ترديدهم، و إن لم يمنع هذا انتعاش “أشعار شعبية” و ازدهارها، بعد 1949، سيكتبها مؤلفون مغمورون لكن تلقائيتها و طراوتها ستروقان للجمهور العريض. و بالمناسبة يجب التذكير بالتظاهرة الشعرية الشعبية الكبرى و الفريدة التي ستجري أطوارها بالصين في النصف الثاني من القرن العشرين، و تحديدا على هامش الحفل التذكاري لوفاة زهو إينلي يوم خامس أبريل 1976. ففي هذا اليوم ستحجّ ألوف مؤلّفة من ساكنة بكين إلى ساحة تيان آنمين لوضع أكاليل من الورود مصحوبة بقصائد مكتوبة تمجيدا لذكرى وفاة الوزير الأول السابق. و طبيعي، و الحالة هذه، أن ينشأ توازيا مع هذا المدّ الشعري الجماهيري الجارف و قصائده الفطرية، السهلة المأخذ، أو، بالحريّ، تقاطبا معه تيار شعري مضادّ يمكننا إلحاقه بخانة الإعتام أو الاستغلاق الشعري و ذلك عند متمّ سبعينات القرن الماضي فينتزع مكانته سريعا في المشهد الأدبي، بل و يصبح مادة جدالات حامية في الوسط المجتمعي ستتناول حدود النزعة الإنسانية في الشعر و صدقية من زيف كونية الطبيعة البشرية، و لا شك في أن قطاعا كبيرا من الشبيبة الحضرية (قدامى “الحرّاس الحمر” لثورة 1966 الثقافية) سيلقى ذاته في إبداعية هذا التيار، في قصائد شو تينغ، جيانغ هي، و بيي ضاو.
و مع الولوج إلى الألفية الثالثة لم يعد متاحا للشعر أن يقيّم في الصين، على شاكلة ما كانت تجري عليه الأمور من قبل، بناء على معيار “الشعبية” أو عدمها، ذلك أن التحولات المجتمعية الحثيثة، و بخاصة تنامي اقتصاد السوق، ستخول له، من الآن فصاعدا، وضعيته المستحقة تماما كما هو الشأن في العديد من البلدان، و فضلا عن هذا فأن يقيم نفر من الشعراء، ليسوا بالنزر اليسير على أية حال، من أمثال بيي ضاو، دوو دوو، يانغ ليان، سونغ لين.. خارج وطنهم الأم فإن هذا المعطى لممّا قد يبلبل تناغمية اللوحة. فهم، شاؤوا أم كرهوا ذلك، مدعوون إلى موالاة سنّة الكتابة بنفس الرموز التدوينية التي استخدمها شعراء الألفية الأولى قبل عصرنا الحالي أو أن يعلنوا بصوت جماعي، إن نحن امتطينا قولة يانغ ليان: “إن كو يوان، الذي عاش قبل نحو 2500 سنة، لم يشعرني قطّ بأنه غريب عني، فالمسألة، بالنسبة لي، مسألة حوار تتتابع حلقاته في الشعر”، و هذا الحوار، الذي لم يحدث أن توقف خلال التاريخ، هو الضمانة الأكيدة، فيما نرى، لدوام الشعر و حضوره في الصين.
___________________________
(*) أستاذة محاضرة للغة و الأدب الصينيين بجامعة باريس السابعة – دنيس ديدرو، ترجمت أشعار بيي ضاو و يانغ ليان إلى اللغة الفرنسية.
في غياب تنصيص آخر نعتبر ترجمات القصائد من عندية صاحبة هذه المقالة.
“تواري الإلهام: تمثلات صينية للإيعاز الشعري”، مجلة “الشرق الأقصى، الغرب الأقصى”، ع 1، ص 46.
سيطّلع القارئ، بما لا يخلو من فائدة، على الدراسة التي خصّصها فرانسوا شينغ لهذه القضية ضمن “الكتابة الشعرية الصينية”، منشورات سوي. و هذا نموذج للتوازي من قصيدة وانغ وي (701 – 761) الموسومة ب “سفرة إلى الحدود”:
صحراء هائلة لا يحدها البصر و خيط من دخان أعزل يتعامد
مجرّة طريق التبّانة تلك
و حيث تأخذ شمس، ملء استدارتها، في الأفول.
نفس الشيء في رواية جديدة له عنوانها “مدادات الصين”، صدرت عن منشورات ليانا ليفي.
قصيدة لي بي المترجمة من لدن كلود روي، “سارق القصائد”، منشورات ميركور دوفرانس، 1991، ص 154.
الإمبراطور يو سليل أسرة هان، ترجمة: كلود روي، مرجع مذكور، ص 341.
قصيدة لي يو (937 – 978) آخر أباطرة أسرة تانغ التي سادت في الجنوب.

حضور الشعرشانطال شين أندرو (*)في الصين نكاد نعثر على أثر الشعر في كافة الفعاليات القائمة (الروايات، المناظرات الخطابية، مباريات توظيف كبار متنفذي الإمبراطورية الصينية) مثلما هو حاضر لدى سائر الشرائح المجتمعية، إذ يتصل الأمر بمصدرية شعبية يتوسّل بها إلى الكمال، بتاريخ نوع أدبي شمولي الوجود..
لا جدال في أن الشعر الصيني يمتلك تاريخا مديدا يعود إلى ثلاثة آلاف سنة و ما فتئت نصوص الديوان الشعري الأوغل قدامة سليمة لم يلحقها التّلف. إن “شيجينغ” أو “عيار القصائد” يرجع إلى المنتصف الأول للألفية الأولى قبل عصرنا الحالي، أي إلى ثلاثة آلاف سنة ستتمكن، في غضونها، و هو أمر لافت للانتباه، نفس الكتابة من بلورة فكر جمالي واحد يستحكم في جماع الفنون، بل و ما انفكت خواصها، حتى حدود يومنا هذا، مستدمجة في الإبداع الشعري، على سبيل التعديل و التحوير، كما في لغة الكلام، و يكفي أن نلمع إلى أن مجمل السّجل المفرداتي الموظف من قبل لي بي (701 – 762) في جانب من قصائده لمّا يزل مستثمرا من لدن المعاصرين في رحاب لغة الكلام.تقييم العلائقيلقد اقترن الشعر في الصين بصيغة وظيفية جدّ مخالفة للصيغة المكرسة في الغرب. فالتقليد الشعري الصيني كان دائما و أبدا يلجأ إلى تفسير الفعالية الشعرية وفقا لمصطلحات علائقية ملحّا على ما يجمع بين الإنسان و الكون من تماثلات و مبطلا، في العمق، أيّما تباعد بين الطرفين. و في العديد من نصوص “عيار الشعر” لطالما تبتعث الأبيات الشعرية الاستهلالية هيئة عالم برّاني مناسب لاستدخال وسيط مرتبط بما هو إنساني.الريح المدوية في الفجّناعمة جدا ريح الفجّجو مكفهر، سماء ممطرة و حيثتتوجب معرفة كيف تذّخر الهمّةإذ لا محل للشنآن […]. (1)كذا يمفصل الإنسان، المنشرط ببعده المجتمعي و السياسي، فعله و يسوّيه اهتداء بما يمليه الكون، و بناء على هذا التصوير المنظوري، و إثر إعادة تشكيل سيتولاها المتأدبون، ستتبرز الحاجة إلى إخضاع “عيار القصائد” لتأويل تلقيني. من حينها سيعمد تقليد شعري بأتمه، و نعني به الكونفوشيوسية، إلى تصنيف الشعر ضمن خانة الأنواع الأدبية النبيلة الصالحة لتربية القارئ و تهذيبه، و لعل ما كان من ضع الإيديولوجيا الكونفوشيوسية يدها على الشعر سيخلّف مضاعفات جلية على مدى القرون الأربعة التي كانت السيادة فيها لأسرة “هان” (206 ق.م – 220 م). و ممّا لا ريب فيه أن هذا التأويل الذي سطرته الكونفوشيوسية للقصيدة لمن الضيق بمكان و سيندرج، بدءا من هذه اللحظة، في إطار وضعية جمالية لن تتوقف عن التجذر و الاتساع بمقتضاها تغدو الذاتية مجرد تمظهر مفوض للتماس مع العالم و، بالتالي، فلا ولادة للقصيدة خارج دائرة هذا الإيعاز، أي “أن التعبير الشعري سيولد، بحسب فرانسوا جوليان، من زخم الانفعال الذي تؤججه علائق القرابة التي تربط الذاتية الإنسانية (كسين) بمجموع باقي الوقائع الخارجة عن كيانها (فيو)”. (2) بناء على هذا فإن اللغة الصينية نفسها، كما يلاحظ فرانسوا شينغ في مصنفه “الكتابة الشعرية الصينية” (منشورات سوي)، المعروفة برموزها التدوينية المنفصلة عمليا عن لغة المشافهة، الملتحمة عضويا بالأشياء التي تتمظهر من خلال قسمات جوهرية “و حيث تشتغل التوليفات على إبراز جوهرها و الكشف عما يوحدها من روابط مخفية” تتبدى مناوئة لفكرة البعد أو المسافة بين العلامات و الكون و بتعبير رديف لمبدأ التنابذ أو القطيعة بين الإنسان و الكون، و من هذه الزاوية، تحديدا، يجري تقييم “الوعي” “العبر ذاتي” و ينظر إلى الآخر منزوعا من صفة الطرف المقابل.إن نشأة “فين”، أي رمز الكتابة، تبقى، و الحالة هذه، ذات دلالة حاسمة، فبمقدار ما نلفيه يشخص رسومات على فراء حيوان ما أو على ذبل سلحفاة، أو، بالأولى، “آثار” تباشر من خلالها الطبيعة دلالتها نلقاه يردف إلى ذلك ابتداع علامات لغوية مشتقة من صورة هذه الآثار تنضوي رأسا إلى تسمية “فين”.جرّاء هذا تبدو اللغة الصينية مغتنية بذلك الطابع الزخرفي اللصيق بالرموز التدوينية التي “تعد، بشكل من الأشكال، استعارة يسوّغ لها طواعية الرمز التدويني لاستيلاد ما لا يحصى من المعاني من ثنايا ما لا يحصى من الطبقات الخطية”، على أنها استعارة تقوم، بخلاف ما هو معمول به في الغرب، مقام أفق للإبداع الشعري و من ثم، و عوض أن يسعى الشعر الكلاسيكي إلى التعبير المباشر “فيو” أو إلى توظيف أداة المشابهة “مثل” – “بي” – سيشدّد، خلافا لهذا، على التلميح و الإلماع، الوسوسة و الإيحاء.إن المفردات لتتمتع بسلطة إيحاء نافدة بالنظر إلى ما تمتلكه، أساسا، من تعدّدية علائقية: فكل مفردة يمكنها، بناء على موقعها في فضاء الجملة، أن تقوم مقام اسم أو أن تتخذ لبوس فعل (يواظف كنعت أو كحركة)، ثم إن التركيز على الإضمار و الحذف لممّا يزكي القيمة التلميحية للقصيدة و ميسمها الإلماعي و هو ما يصدق أيضا على مواراة الضمير الفردي، بما هي مسطرة ظلت مفضلة لدى الشعراء على مدى التاريخ العريض للشعر الكلاسيكي. و عودا إلى فرانسوا شينغ، و تدقيقا إلى منظوره بخصوص غياب التعارض بين الذات و العالم، سنقف، لا محالة، على طبيعة “استدراج الذات للعناصر البرّانية عبر محوه أو، بالأصح، استضمار مثوله”، أي العالم، و هكذا فإن الجبل، مثلا، لا يعود منتصبا قبالة من يتأمله و يتخلى عن كونه موجودا متباعدا و السبب هو انقياد الشاعر إلى التشبّه به و قبس هويته من كينونته.بموضعته في السياق العلائقي، الذي هو سياقه طوال تاريخه، و إدراجه في فكر جمالي موحّد سيتاح للشعر أن يسجل حضوره في الصين داخل كافة الفعاليات الإنسانية، و إذا ما أدركنا حجم تشبّع الوجدان العام بالحكمة التي تقول: “وقّر المكتوب و بجّله” سيسهل علينا تقدير السطوة السحرية التي للعلامات في هذا البلد. إن الرجحان يمثل، في كل أنماط النصوص، أحد القسمات التكوينية لانبناء الشعر الكلاسيكي و ذلك إلى جانب عنصر التوازي، (3) الذي يعتبر مظهرا تجسيديا لمواظفة هذا الفكر، إ ذ يحضر سلفا في “عيار القصائد” بوصفه محسّنا زخرفيا للشرلئط التي تلصق أسفل الأبواب بمناسبة حلول العام الجديد أو بغرض تهنئة قاطنين جدد (سيرتفع شأن هذه العادة الأخيرة في أثناء الثورة الثقافية).من فرط اكتساحيته سيطول الشعر كل شيء تقريبا، يسفر عن وجهه في المساجلات الشفوية التي تعرفها التجمعات أو المآدب، في الروايات الكلاسيكية، بل و حتى في نظيرتها المعاصرة، كما هو الشأن في “ممات بطلة حمراء”، بحيث يثبت المؤلف، كيو كسيالنغ (4) أبياتا شعرية إن لم يكن قصائد كاملة لشعراء من جميع الحقب. إن تباريات في قرض الشعر سيتم إدراجها، في ظل حكم أسرة “تانغ” (618 – 907)، في نطاق الاختبارات الخاصة بانتقاء متنفذي الإدارة الإمبراطورية، ففي هذه الحقبة سيحقق الشعر حضورا واسعا لدى سائر الشرائح المجتمعية، نقول سائرها لأن فطاحل الشعراء، من أمثال لي بي، دو فو (712 – 770)، بي جويي (772 – 846) سوف يكتبون نصوصهم بلغة قريبة من لغة التداول اليومي.استرخاء:أغوتني الخمرة و سلبت لبّي في نهاية ذلك اليوماستيقظت تغطي بدني بتلاتمشيت بمحاذاة الغديريدثرني ضوء القمربينما الطيور أجنحتها تخفق في الأعاليو الرفقاء انفضّ شملهم. (5)أمّا في ظل حكم أسرة “سونغ” (960 – 1279) فسيغدو الشعر المعدّ للغناء و التسرية “الشّي” لونا شعريا واسع الشعبية، ثم إن مؤلفي بواكير الروايات القائمة على لغة التداول لن يحجموا، استمالة منهم للذائقة العامة، عن إدغام هذا اللون في مروياتهم و سرودهم.و إذن سيان اتصل الأمر بالشعر، بفن الخط، أو بالرسم هناك فكر جمالي موحّد يصدر عنه، استلزاما، سند واحد: الورق المستخلص من نبتة الأرز و أداتا الحبر و الريشة. فالشعر يتم تحريره، في فضاء اللوحة المنظور إليه، هو الآخر، بحسبانه “شعرا أخرس”، استئناسا بتفضية خطية متفنّنة و بهذا المعنى فإن طفلا صغيرا ما انفك يتعلم أوليات إنجاز خطوط و قسمات يعتبر مساهما، بدوره، في هذه الجمالية بمجرد اهتدائه إلى حركة تأليفية تنتج عنها جملة من الرموز التدوينية.مصادر شعبية تزخر بكمال عالمإن حضور الشعر الكلاسيكي بهذه الكثافة ممكن تفسيره بأنه سيعمل، بلا انقطاع، على الاغتراف و النهل، و في نطاق واسع، من المصادر الشعبية، أضف إلى هذا كون المتأدبين سيستحوذون، من جانبهم، و ذلك في فترة لاحقة، على الأبنية و الأشكال الشعرية المستجدة و يتعهدونها بالإعمال المستدق، تشذيبا و ترصيعا و توشيحا، إلى حدّ أنها ستصاب بالتحجر فتظهر الحاجة إلى استسعاف مصادر إلهامية طازجة.سبق و أن أشرنا إلى أن أول ديوان شعري سيجري تأليفه في المنتصف الأول للألفية الأولى قبل عصرنا الحالي، هذا و ستقوم إدارة أسرة “زهو” بنشر موظفين في مختلف أنحاء البلاد ليس من أجل نسخ الأهازيج الشعبية التي ينتجها متخيل أيّ مجتمع زراعي و الموزعة بين أناشيد شعائرية و أغاني يدور موضوعها حول الكدح أو الحب، فحسب، بل و بهدف جس نبض الرأي العام كذلك و استطلاع انتظاراته.و بالمثل، و خلال حكم الإمبراطور “فودي” (141 – 87)، من أسرة “هان” الأولى، سيتأسّس مكتب للموسيقى (يويفو) للسهر، علاوة على نشاطات أخرى، على تجميع قرابة خمسمائة أهزوجة مدفوعا بذات المقاصد التربوية، و هي عبارة عن أشعار مقتضبة، مكتوبة بلغة في المتناول، و موزعة على أبيات من خمس تفعيلات يتيح إيقاعها العروضي حرية فائقة بالمقارنة مع البيت القديم الرباعي المقاطع.أغنية الأوراق الذابلة و زيز الحصاد الحزينالاندعاك لعله أنتكمّاه الحريريانالغبار يطبقعلى الفناء المبلّط بحجر اليشبخاوية الغرفة و قارس بردهاصمت، فراغ، وحدةو عند الخطوة الفالتةلا تني تسّاقط أوراق ذابلةتلك التي لم يعد لها وجود هناكيف السبيل إلى العثور عليها ؟آه أيها الفؤاد المتخم بالدموع ! (6)إنه لشيء لافت أن يتحقق الإسهام الشعبي في إطار التقريب بين الشعر و الموسيقى، لكن، و بتأثير من الكونفوشيوسية التي ستغدو مهيمنة، ستأخذ في الاندثار القريحة الشعبية و تضمر معها الغنائية التي ستفضل، مع ذلك، دمغتها حاضرة، بجلاء، في ما يعرف بالقصائد التسع عشرة القديمة. فمن القرن الرابع إلى القرن السادس سوف تتعاقب على حكم “نانكان” ثلاث أسر صغيرة و سيلجأ الشعراء، خلال هذه المدة، إلى استرفاد أغاني هذا الإقليم التي تعالج تباريح الحب و الفرقة و هي نفسها المدة التي سيشرع أثناءها في ترجمة النصوص البوذية التي ستسنح للصينيين بالوقوف على دافق الممكنات الإيقاعية للغتهم، الشيء الذي تعدمه اللغة السنسكريتية، و في هذا الاتجاه سيجنح شين يو (441 – 553)، مثلا، إلى اجتراح قواعد نظمية قائمة على التغايرات النغمية و التباينات النبرية. إن لغة قصائد لي بي و قسط وافر من قصائد دو فو وثيقة الصلة بأسلوب ال (يويفو) الشعبية أمّا أشعار بي جوفي فلن تلبث أن تتحول إلى مردّدات غنائية لدى أفراد الشعب، هذا في الوقت الذي ستصبح فيه كذلك الألحان الموسيقية القادمة من آسيا الوسطى بمثابة صرعة فنية ليصل الأمر إلى حدّ نزوع الشعراء، بوازع من الحاجة إلى التجديد و ذلك انطلاقا من القرن الرابع، إلى ترتيب كلمات تتواءم و هذه الألحان إضافة إلى ما كان، طبعا، من استصدائهم لقصائد “الشّي”، القابلة للغناء، و هو النوع الذي ستتولى تثقيفه و إنضاجه الجواري و الغانيات، جليسات الأباطرة و الأمراء.في مسرى الهواء و حيث تحمّم الأمواج الرملخلف الستارة يهدر وابل المطرو مهجة الربيع أصابها الإنهاكاللحاف الحريري لم يعد يقي من قشعريرة الليل و هي في سبيلها إلى الانقضاءفي إبان الحلم لا نترك للنفس أن تعرف المنفىفي برهة خاطفة نحلم بالبهجةبينما لا أحد يمد إليك يد العون و أنت في الدرابزينفي لانهائي الأنهار و الجبالكم هو سهل الفراق، شاقّ اللقاءالماء يسيح، الأزهار تسّاقط، في حين يمعن الربيع في الفرارصوب السماء منضما إلى الأنام. (7)لفائدة موضوعات و تماهيات كهاته سيكتب ليو يونغ (حاصل على دكتوراه عام 1034) قصائد من نمط “الشّي” بلغة غير مقعّرة سيتغنّى بها في الصين قاطبة، و ذلك ريثما تنفصل، أي هذه القصائد المكنّاة أيضا بال “يويفو الجديدة” و التي تمتاز بتقفيتها اللينة، عن الموسيقى على يد المتأدبين فتضيع بهذا تصميماتها اللحنية و يحكم عليها، بالتالي، بالموت البطيء. غير أن هذا لن رياح التجديد من معاودة هبوبها و هو ما سيقع مع حلول القرن الثاني عشر و سيكون الفضل، مرة أخرى، لاختيار العودة إلى المصادر الشعبية، و في هذا السياق ستشكل “سانكو” (أنغام مبعثرة)، القريبة كثيرا من الكلام الشعبي، لكونها تغترف مباشرة من معين أغاني الشارع التي تستعاد من طرف المغنيات أو جليسات الأباطرة و الأمراء فتنضاف تلقائيا إلى ريبّرتوارهن، مادة هذا التجديد و هو قالب نغمي يخص أيضا الجزء المغنّى به في المسرح و الأوبّرا، و يمكن أن نردف إلى هذا العنصر عامل تأثير اللغة المغولية (ستتربّع أسرة “يوان” على العرش عام 1276) كذلك. مقابل هذا سينقسم المتأدبون، من حيث تعاطيهم مع قواعد هذا القالب الموسيقي المفرط تقنيا و التي لم تكن لتخطر على ذهن الغالبية منهم، إلى فئة ستحاول تجريب هذه الصيغة، لكن بعد تحويرها، و أخرى ستلجأ إلى تكريس استيحاء تقاليد القدامى موازية هذا بنوع من الإذعان الحرفي للتقنينات النظمية التي تم تطويرها في مجرى القرون و التي استحكمت في مختلف أشكال الشعر المتواطأ عليها (تليد القصائد، الرباعيات، الثّمانيات).هذا “الانغلاق” ستكون عواقبه قاتلة بالنسبة للشعر الكلاسيكي سواء في ظل حكم أسرة “مينغ” (1368 – 1644) أو أسرة “كينغ” (1644 – 1911)، إذ سيمسي الشعراء الكبار و الموهوبون عملة نادرة، باستثناء نالان كسينغد (1635 – 1685)، لذا، و دفعا لهذا الجمود المرين و تنصّلا أيضا من المهمة التلقينية التي أسندها التقليد الكونفوشيوسي للشعر، سيقترح هو شي (1891 – 1962)، الطالب حينها في الولايات المتحدة، خلال العقد الثاني من القرن العشرين إبداع شعر موضّب، من قمة الرأس حتى أخمص القدمين، بلغة الكلام (بيهوا). و لعل إلغاء المباريات الإدارية عام 1905 و الاستنكاف عن اللغة المتأدبة أو المثقفية (وينيان) و تطوير لغة وطنية، في الفترة التالية، تستند على لغة التداول، هذه العوامل ستدني، بقوة الأشياء، الشعر من الذائقة العامة و لو أنه سيظل، شئنا أم أبينا، صيغة تعبيرية للإنتلجنسيا و غير مقروء إلاّ في دائرتها المحصورة، و هكذا ستشهد سني العشرينات و الثلاثينات و الأربعينات، من نفس القرن دائما، تأصيل شعرية جديدة كل الجدة ستقترن بأسماء كلّ من غووو موروو، وين يدوو، ديي وانغغشو، فينج زهي، بيان زهيلين، إيي كينغ (1910 – )، حتى لا نذكر إلاّ بعض الأسامي، و من باب الوقوف على هذه الشعرية لنتأمل كيف يستنهض، هذا الأخير مثلا، و ذلك في لغة غير متمنّعة، آلام شعبه و مكابداته:النقّالةفي حوض النهر الأصفرفي ما لا يحصى من الأسرّة القاحطةكانت هناك نقّالةتتعكّز على دراجتها اليتيمةصريرها يلوي عنق سماء متجهمةمن داخل البرد و الصمتمن سفح جبلإلى سفح جبل آخركان يتردد صدىكآبة أناس الشمالفي مثل هذه الأيام التي يدمغها الصقيعو بين الضيعات التعيسةكانت هناك نقّالةتتعكّز على دراجتها اليتيمةتشق في متلبد الطمي أخاديد غائرةتطوي الخلاء المتعاظممن طريقإلى أخرىتنسجكآبة أناس الشمال.إن خطبة ماو في يان آن التي تطري على انصياع الفن و الأدب، كليهما، للعامل السياسي، و كذا اندلاع الحرب الأهلية (1946 – 1949) سيشكلان، حتما، نذير شؤم بالنسبة لهذه الشعرية الوليدة التي لن تلبث أن تتوقف و ينجهض تطورها الواعد و المفتوح، بل و لينفسح المجال بالمقابل للقصائد الكلاسيكية، المشبعة تقليدا و اتباعا، التي كتبها ماو زيدونغ فتصبح، و ياللمفارقة، محل استظهار أفراد الشعب و ترديدهم، و إن لم يمنع هذا انتعاش “أشعار شعبية” و ازدهارها، بعد 1949، سيكتبها مؤلفون مغمورون لكن تلقائيتها و طراوتها ستروقان للجمهور العريض. و بالمناسبة يجب التذكير بالتظاهرة الشعرية الشعبية الكبرى و الفريدة التي ستجري أطوارها بالصين في النصف الثاني من القرن العشرين، و تحديدا على هامش الحفل التذكاري لوفاة زهو إينلي يوم خامس أبريل 1976. ففي هذا اليوم ستحجّ ألوف مؤلّفة من ساكنة بكين إلى ساحة تيان آنمين لوضع أكاليل من الورود مصحوبة بقصائد مكتوبة تمجيدا لذكرى وفاة الوزير الأول السابق. و طبيعي، و الحالة هذه، أن ينشأ توازيا مع هذا المدّ الشعري الجماهيري الجارف و قصائده الفطرية، السهلة المأخذ، أو، بالحريّ، تقاطبا معه تيار شعري مضادّ يمكننا إلحاقه بخانة الإعتام أو الاستغلاق الشعري و ذلك عند متمّ سبعينات القرن الماضي فينتزع مكانته سريعا في المشهد الأدبي، بل و يصبح مادة جدالات حامية في الوسط المجتمعي ستتناول حدود النزعة الإنسانية في الشعر و صدقية من زيف كونية الطبيعة البشرية، و لا شك في أن قطاعا كبيرا من الشبيبة الحضرية (قدامى “الحرّاس الحمر” لثورة 1966 الثقافية) سيلقى ذاته في إبداعية هذا التيار، في قصائد شو تينغ، جيانغ هي، و بيي ضاو.و مع الولوج إلى الألفية الثالثة لم يعد متاحا للشعر أن يقيّم في الصين، على شاكلة ما كانت تجري عليه الأمور من قبل، بناء على معيار “الشعبية” أو عدمها، ذلك أن التحولات المجتمعية الحثيثة، و بخاصة تنامي اقتصاد السوق، ستخول له، من الآن فصاعدا، وضعيته المستحقة تماما كما هو الشأن في العديد من البلدان، و فضلا عن هذا فأن يقيم نفر من الشعراء، ليسوا بالنزر اليسير على أية حال، من أمثال بيي ضاو، دوو دوو، يانغ ليان، سونغ لين.. خارج وطنهم الأم فإن هذا المعطى لممّا قد يبلبل تناغمية اللوحة. فهم، شاؤوا أم كرهوا ذلك، مدعوون إلى موالاة سنّة الكتابة بنفس الرموز التدوينية التي استخدمها شعراء الألفية الأولى قبل عصرنا الحالي أو أن يعلنوا بصوت جماعي، إن نحن امتطينا قولة يانغ ليان: “إن كو يوان، الذي عاش قبل نحو 2500 سنة، لم يشعرني قطّ بأنه غريب عني، فالمسألة، بالنسبة لي، مسألة حوار تتتابع حلقاته في الشعر”، و هذا الحوار، الذي لم يحدث أن توقف خلال التاريخ، هو الضمانة الأكيدة، فيما نرى، لدوام الشعر و حضوره في الصين.___________________________(*) أستاذة محاضرة للغة و الأدب الصينيين بجامعة باريس السابعة – دنيس ديدرو، ترجمت أشعار بيي ضاو و يانغ ليان إلى اللغة الفرنسية.في غياب تنصيص آخر نعتبر ترجمات القصائد من عندية صاحبة هذه المقالة.”تواري الإلهام: تمثلات صينية للإيعاز الشعري”، مجلة “الشرق الأقصى، الغرب الأقصى”، ع 1، ص 46.سيطّلع القارئ، بما لا يخلو من فائدة، على الدراسة التي خصّصها فرانسوا شينغ لهذه القضية ضمن “الكتابة الشعرية الصينية”، منشورات سوي. و هذا نموذج للتوازي من قصيدة وانغ وي (701 – 761) الموسومة ب “سفرة إلى الحدود”:صحراء هائلة لا يحدها البصر و خيط من دخان أعزل يتعامدمجرّة طريق التبّانة تلكو حيث تأخذ شمس، ملء استدارتها، في الأفول.نفس الشيء في رواية جديدة له عنوانها “مدادات الصين”، صدرت عن منشورات ليانا ليفي.قصيدة لي بي المترجمة من لدن كلود روي، “سارق القصائد”، منشورات ميركور دوفرانس، 1991، ص 154.الإمبراطور يو سليل أسرة هان، ترجمة: كلود روي، مرجع مذكور، ص 341.قصيدة لي يو (937 – 978) آخر أباطرة أسرة تانغ التي سادت في الجنوب.