الأبواب السرية ……………………..….. فؤاد قنديل

الأبواب السرية
فؤاد قنديل
روائي من مصر
عندما ظهرت أول إشارة بوصوله  اندفع الموظفون  والعمال يرحبون ويبتسمون وينحنون .
الكل يؤكد أن الدنيا اتملأت بالنور بعد الظلام .
العاملات يزغردن فرحا بمقدم الرئيس الجديد ، يتراقص فى قلوب الجميع الأمل أن يكون غير من رحل .تمنوا ألاّ يكون كسابقه الذى لم يكن له عمل إلا امتصاص دم الشركة حتى آخر نقطة .
قال الساعى العجوز الذى لم يترك مكتب المديرمنذ ثلاثين عاما : السابق كان واضحا منذ البداية أنه عانى طويلا من الجوع والحرمان ، وعندما ركب السيارة واستقر على الكنبة الخلفية ، وحيا الملتفين حوله كان يشعر أنه داخل الجنة ، وضمن السعادة فى الدنيا  والآخرة ، وعندما يدخل مكتبه ويطالعه المشهد العامر بلأشياء الفخمة ..الكرسى الدوار والمكتب الكبير البندقى .. التليفزيون والإضاءة الخلفية  ، كان يغلق الباب ويرقص ثم يجلس على مكتبه ، ويلمس سطحه الناعم بفرح طفل سعيد ببدلة جديدة يوم العيد ..
شريف بك ، الرئيس الجديد ، شاب وسيم يرتدى بدلة أنيقة للغاية ، جاكت كحلى ، رابطة عنق حمراء بهاء نجوم زرقاء وقميص أبيض ، ياقته مسنونة ، منديل بلون رابطة العنق يطل كوردة من حافة جيب الجاكت الأيسر ، شعر ناعم أسود. لامع كثيف ، الحذاء لامع جدا ً ، لفت الأنظار عندما وضع ساق على ساق ، ووجه سنّه المدبب نحو الجميع ، يدخن سيجارة فى مبسم أسود من العاج الأصلى ، يبدو لأول وهلة أن “عينيه مليانة ” .
شكرهم وطالبهم بالتعاون معه على بذل الجهد لإنقاذ الشركة من أزمتها ..قال :
– أنتم تعلمون أن الشركة لو ظلت على حالها الذى سمعت فسوف تسرع الدولة ببيعها ، وتصبحون فى الشارع .
وعدوه بالعمل المخلص ، ووعد بالمكافأة كل من يتعاون ولا يثير المشاكل .. قال :
-أنا أقدر جدا ً .. أن يعمل فى صمت .
تحرك الموظفون والعمال إلى المكاتب والعنابر ، يشملهم أبتهاج ويساورهم أمل ، بينما كانت مئات البرقيات الملونة تنصب على الشركة تهنئ الرئيس، وفى الأيام التالية  شغلت التهانى نصف صفحات كل جرائد مصر .
الرئيس يخلع الجاكت دائما ً فور وصوله ، ويطالع لبعض الوقت ملفات الشركة وتقاريرها ، يسأل عن ديونها وأرقام الأنتاج والتوزيع وعد العاملين فى كل قسم وكل إدارة ، ويتأمل المصروفات و بالذات المرتبات .
ويمر بنفسه كل يومين على عنابر الإنتاج .. يحدق فى الآلات ويسأل عن صحتها وعمرها ، ويؤكد على الصيانة المستمرة ، ويمر على الورش والمخازن ، ومنافذ البيع وقسم النقل ويطمئن على أسطول السيارات .
أستفسر على الموردين الذين تشترى منهم الشركة الخامات والأدوات وقطع الغيار ، وسأل عن أرصدة البنوك وحركة الحساب والإيدع ، واطلع على ميزانية الشركة فى الثلاث سنوات الأخيرة ، وتعرف على أسباب الخسائر.
كان يؤكد دائما ً أن الهدف الذى لا هدف سواه هو جودة الأنتاج  وزيادته وحسن التوزيع ، كما أشار غير مرة على أنه سيبطش بكل من يمد يده إلأى قشة من ممتلكات الشركة.
تربص به البعض بحثاً على الثغرات فى شخصيته ، كان يكون “ودنى” يرحب بمن يشى بالآخرين ، أو محبا لمداعبة النساء  ، أو هاويا للمظهرية الفارغة ، أو مندفع لتغيير الموظفين حسب أهوائه ، أو حريصا على تعيين أقاربه وأصدقائه ، أو مكتفيا برأيه وحده .. مستبد أو مغرورا ، وغير ذلك من المثالب التى التقطوها بسرعة فى سلوكيات السابقين .
لا .. لم يكن فيه شئ من هذا ، بل لقد دعا إلأى تنشيط نقابة العمال ، وأشارة غير مرة إلى ضرورة تبنى قضايا الأعضاء ودراسة أحتياجاتهم والدفاع عن مشاكلهم ، ودعم أسرهم حتى لو أقتضى ذلك الوقوف ضد الأدارة .
تهامس العمال فرحا وزهوا
– هذا الرجل غير عادى ، أنه حقا ” دماغ ” ونمر .. جاء إلينا بعد طول صبر ” وبهدلة ” .
– تصور انه يبقى حتى منتصف الليل فى المكتب يدرس ويفتش ويتصل بالعملاء ويسوق الإنتاج .
– نتمنى أن تطول مدته معنا حتى تنتعش الأحوال .
– لا أظن .. حظنا معروف .. إما كلهم  سيئون ، أ, منهم المحترم مثل هذا الرجل لكنه لا يبقى ، تسمع الوزارة بلإنجازاته فتسحبه إلى شركة أكبر .
– يكفى أنه أدخل الفئران الجحور .
– هذا الرجل نفديه بأروحنا ، ولم نسمح بنقله ألى أى مكان .
مضى المدير يعمل فى صمت ، يتأمل كل حركة ويتعقب كل مستند ، نفد تحت السلالم ، وصعد إلأى أسطح المبانى ، ودار حول المصانع ، وأضاف إليها بعض الأفدنة المجاورة ، بنة مطعما للعمال وأمر كل منهم بكوب من الحليب يوميا ، ورتب لهم كل شهر رحلة وأشترى لهم ملابس جديدة ، ولم تمر سته أشهر حتى كانت الشركة مختلفة من كافة الوجوه عما كانت عليه .
أصبحت الشركة بكل مت فيها مثل الكتاب المفتوح أمام شريف بك .
وجاء وقت الأبواب السرية ، والمناطق الدفينة بين اللحم والعظم .. أدرك أن المفاتيح الرئيسية لدى أبعة من كبار الموظفين لا مفر من التعامل معهم .. مدير المخازن والمدير المالى والمدير المبيعات ومدير المشتريات .. عن طرقهم أمكنه الوصول إلى منابع كبيرة للمكاسب غير المنظورة ، كان من الصعب تجاهلهم والعمل بدونهم فكل شئ يمر من خلال تلك القنوات ، وقد استطاع أن يضعهم جميعا فى جيبه الصغير وبعد معرفة دقيقة لتاريخ حياتهم وحصوله على قائمة محكمة بأخطائهم .. بعضها كان من ترتيبه .
خلال شهور قليلة بنى فيلا فى أرقى حى ، وعزم على بناء عمارتين ويمكن أن يوازيهما العمل فى فيلا فى الساحل الشمالى ، لكنه أرجاء ذلك مؤقتا ً إلأى حين تأسيس ثلاث شركات تعمل فى نفس الخدمات التى تستخدمها الشركة بأسماء زوجته وولديه .
بعد سنة أكتشف نفسه تغير .. أصبح لطيفا ً تلاشى التوتر والقلق من المستقبل ، وصار هادئا مبتسما ،ولم يكن ذلك من سماته ، ولاحظ أنه أصبح طيبا وحنونا ، فقد ساعد أحد أقاربه على فتح سوبر ماركت كبير فى حى شهير .. وساعد ثان على أفتتاح معرض سيارات ، وأسس لزوج اخته شركة سياحة ، كما دفع بعض الأموال لجمعية خيرية ترعى الأيتام لأن الرسول قال :” أنا وكافل اليتيم كهذين فى الجنة ، وأشار بلإصبعبه السبابة والوسطى” وقد أعجبته جدا ً فكرة الأعمال الخيرية خاصة المعلنة .
اضطر وهو غير راض أن يسمح لمساعديه بالحصول على بعض الثمار المعقولة فى شكل شراكة مع بعض أقاربه حتى يكونوا تحت العين من ناحية ومقيدين معه بمصالحهم من ناحية أخرى ، لكنه لام نفسه لأنهم عينوا بعض أقاربهم المشكوك فى كفاْتهم وشرفهم ، مثل الجاهل والقواد وخريج السجون .. دراء الشبهات ، قرر أن يحيل اثنين من الأربعة الكبار – بالاتفاق معهما طبعا – إلى التحقيق لأسباب تافهة ، والموافقه على خصم خمسة أيام من راتبيهما وبعد شهرين ، أحال الأثنين الآخرين للتحقيق لأسباب تافهة .
كل شئ يمضى من حسن إلى أحسن ، حتى وزنه وكرشه ، وتوطدت العلاقة براقصتين ، وتعرف مؤخرا بممثلتين شهيرتين ، تلوح إحداهما بضرورة الزواج ، ليس ثمة مشكلة ، رغم أن الشركة بدأت تخسر بشدة بسبب مصروفات الدعاية والإعلان والهدايا للمسؤلين الأكبر  والحفلات الخاصة والسفريات وبعض الكرم ، لكن الإنتاج تحسن وزاد التوزيع بفضل الحزم والإدارة ومجاملة سخية لروساء العمال .
بلغت أمواله ثلاثين مليونا من الجنيهات ويطمح أن يكون هناك مثلها من الدولارات فى الخارج ، بالإضافة إلى العمارتين والفيلا التى يقيم بها وفيلا الساحل الشمالى وعشرة أفدنة داخل كردون الفيوم وعدة سيارات تحقق هذا خلال عامين ، ولكن العمر قصير وتحتاج المسألة إلى إيقاع أسرع ، دعاه الوزير للانضمام للحزب ، وشجعه آخرون لدخول مجلس الشعب فأنضم ، ثم درس خريطة الشركات الكبرى ، واختار وتحققت رغبته ، ومضى يصعد ويلتهم ، وقطاره يعبر كل المحطات والجسور فى سلاسة .
سعر فجأة ببعض الأسى ، فقد كان يتصور أنه فريد عصره، وأنه العبقرى الوحيد الذى عرف الطريق إلى الأبواب السرية .. لقد تناهت إليه الخبار فى جلسات المحبة والسمر ان معظم المؤسسات والهيئات بل الوزارات يعمل بها مسئولون بارزون وعباقرة مثله، يبذلون جهدا خارقا لتطوير العمل بها بالتوازى مع ملء البطون وتعبئة الأرصدة الخاصة، ولاتنكشف الأسرار وأسباب الانهيار إلا عندما يعجزون عن التوفيق بين مصالحهم ومصالح مؤسساتهم، وتكون الأقدار قد قرر ورتبت زحزحتهم عن المقاعد الوثيرة .
عاد الموظفون والعمال فى شركتنا يمصمصون الشفاه، ويضربون الأكف، لأن الشركة تداعت، وباعتها الدولة بإيعاز من شريف بك الرئيس السابق الذى أصبح وزيرا للصناعة ..
ورغم أن الأقدار حاولت إسقاطه، إلا أنه لم يسقط .. كان قويا وتماسكا حتى بعد أن اكتشف أن الممثلة التى تزوجها بالاتفاق مع مدير مكتبه استوليا على معظم أمواله وممتلكاته .
أليس شريف بك مختلفا عن كثير من العباقرة أمثاله .. ؟ لا يجب عليه أن يأسى، فما زال فى الوزارة ولديه فرصة أفضل .

الأبواب السريةفؤاد قنديلروائي من مصر
عندما ظهرت أول إشارة بوصوله  اندفع الموظفون  والعمال يرحبون ويبتسمون وينحنون .الكل يؤكد أن الدنيا اتملأت بالنور بعد الظلام .العاملات يزغردن فرحا بمقدم الرئيس الجديد ، يتراقص فى قلوب الجميع الأمل أن يكون غير من رحل .تمنوا ألاّ يكون كسابقه الذى لم يكن له عمل إلا امتصاص دم الشركة حتى آخر نقطة .قال الساعى العجوز الذى لم يترك مكتب المديرمنذ ثلاثين عاما : السابق كان واضحا منذ البداية أنه عانى طويلا من الجوع والحرمان ، وعندما ركب السيارة واستقر على الكنبة الخلفية ، وحيا الملتفين حوله كان يشعر أنه داخل الجنة ، وضمن السعادة فى الدنيا  والآخرة ، وعندما يدخل مكتبه ويطالعه المشهد العامر بلأشياء الفخمة ..الكرسى الدوار والمكتب الكبير البندقى .. التليفزيون والإضاءة الخلفية  ، كان يغلق الباب ويرقص ثم يجلس على مكتبه ، ويلمس سطحه الناعم بفرح طفل سعيد ببدلة جديدة يوم العيد ..شريف بك ، الرئيس الجديد ، شاب وسيم يرتدى بدلة أنيقة للغاية ، جاكت كحلى ، رابطة عنق حمراء بهاء نجوم زرقاء وقميص أبيض ، ياقته مسنونة ، منديل بلون رابطة العنق يطل كوردة من حافة جيب الجاكت الأيسر ، شعر ناعم أسود. لامع كثيف ، الحذاء لامع جدا ً ، لفت الأنظار عندما وضع ساق على ساق ، ووجه سنّه المدبب نحو الجميع ، يدخن سيجارة فى مبسم أسود من العاج الأصلى ، يبدو لأول وهلة أن “عينيه مليانة ” .شكرهم وطالبهم بالتعاون معه على بذل الجهد لإنقاذ الشركة من أزمتها ..قال : – أنتم تعلمون أن الشركة لو ظلت على حالها الذى سمعت فسوف تسرع الدولة ببيعها ، وتصبحون فى الشارع .وعدوه بالعمل المخلص ، ووعد بالمكافأة كل من يتعاون ولا يثير المشاكل .. قال : -أنا أقدر جدا ً .. أن يعمل فى صمت .تحرك الموظفون والعمال إلى المكاتب والعنابر ، يشملهم أبتهاج ويساورهم أمل ، بينما كانت مئات البرقيات الملونة تنصب على الشركة تهنئ الرئيس، وفى الأيام التالية  شغلت التهانى نصف صفحات كل جرائد مصر .الرئيس يخلع الجاكت دائما ً فور وصوله ، ويطالع لبعض الوقت ملفات الشركة وتقاريرها ، يسأل عن ديونها وأرقام الأنتاج والتوزيع وعد العاملين فى كل قسم وكل إدارة ، ويتأمل المصروفات و بالذات المرتبات .ويمر بنفسه كل يومين على عنابر الإنتاج .. يحدق فى الآلات ويسأل عن صحتها وعمرها ، ويؤكد على الصيانة المستمرة ، ويمر على الورش والمخازن ، ومنافذ البيع وقسم النقل ويطمئن على أسطول السيارات .أستفسر على الموردين الذين تشترى منهم الشركة الخامات والأدوات وقطع الغيار ، وسأل عن أرصدة البنوك وحركة الحساب والإيدع ، واطلع على ميزانية الشركة فى الثلاث سنوات الأخيرة ، وتعرف على أسباب الخسائر.كان يؤكد دائما ً أن الهدف الذى لا هدف سواه هو جودة الأنتاج  وزيادته وحسن التوزيع ، كما أشار غير مرة على أنه سيبطش بكل من يمد يده إلأى قشة من ممتلكات الشركة.تربص به البعض بحثاً على الثغرات فى شخصيته ، كان يكون “ودنى” يرحب بمن يشى بالآخرين ، أو محبا لمداعبة النساء  ، أو هاويا للمظهرية الفارغة ، أو مندفع لتغيير الموظفين حسب أهوائه ، أو حريصا على تعيين أقاربه وأصدقائه ، أو مكتفيا برأيه وحده .. مستبد أو مغرورا ، وغير ذلك من المثالب التى التقطوها بسرعة فى سلوكيات السابقين .لا .. لم يكن فيه شئ من هذا ، بل لقد دعا إلأى تنشيط نقابة العمال ، وأشارة غير مرة إلى ضرورة تبنى قضايا الأعضاء ودراسة أحتياجاتهم والدفاع عن مشاكلهم ، ودعم أسرهم حتى لو أقتضى ذلك الوقوف ضد الأدارة .تهامس العمال فرحا وزهوا – هذا الرجل غير عادى ، أنه حقا ” دماغ ” ونمر .. جاء إلينا بعد طول صبر ” وبهدلة ” .- تصور انه يبقى حتى منتصف الليل فى المكتب يدرس ويفتش ويتصل بالعملاء ويسوق الإنتاج .- نتمنى أن تطول مدته معنا حتى تنتعش الأحوال .- لا أظن .. حظنا معروف .. إما كلهم  سيئون ، أ, منهم المحترم مثل هذا الرجل لكنه لا يبقى ، تسمع الوزارة بلإنجازاته فتسحبه إلى شركة أكبر .- يكفى أنه أدخل الفئران الجحور .- هذا الرجل نفديه بأروحنا ، ولم نسمح بنقله ألى أى مكان .مضى المدير يعمل فى صمت ، يتأمل كل حركة ويتعقب كل مستند ، نفد تحت السلالم ، وصعد إلأى أسطح المبانى ، ودار حول المصانع ، وأضاف إليها بعض الأفدنة المجاورة ، بنة مطعما للعمال وأمر كل منهم بكوب من الحليب يوميا ، ورتب لهم كل شهر رحلة وأشترى لهم ملابس جديدة ، ولم تمر سته أشهر حتى كانت الشركة مختلفة من كافة الوجوه عما كانت عليه .أصبحت الشركة بكل مت فيها مثل الكتاب المفتوح أمام شريف بك .وجاء وقت الأبواب السرية ، والمناطق الدفينة بين اللحم والعظم .. أدرك أن المفاتيح الرئيسية لدى أبعة من كبار الموظفين لا مفر من التعامل معهم .. مدير المخازن والمدير المالى والمدير المبيعات ومدير المشتريات .. عن طرقهم أمكنه الوصول إلى منابع كبيرة للمكاسب غير المنظورة ، كان من الصعب تجاهلهم والعمل بدونهم فكل شئ يمر من خلال تلك القنوات ، وقد استطاع أن يضعهم جميعا فى جيبه الصغير وبعد معرفة دقيقة لتاريخ حياتهم وحصوله على قائمة محكمة بأخطائهم .. بعضها كان من ترتيبه .خلال شهور قليلة بنى فيلا فى أرقى حى ، وعزم على بناء عمارتين ويمكن أن يوازيهما العمل فى فيلا فى الساحل الشمالى ، لكنه أرجاء ذلك مؤقتا ً إلأى حين تأسيس ثلاث شركات تعمل فى نفس الخدمات التى تستخدمها الشركة بأسماء زوجته وولديه .بعد سنة أكتشف نفسه تغير .. أصبح لطيفا ً تلاشى التوتر والقلق من المستقبل ، وصار هادئا مبتسما ،ولم يكن ذلك من سماته ، ولاحظ أنه أصبح طيبا وحنونا ، فقد ساعد أحد أقاربه على فتح سوبر ماركت كبير فى حى شهير .. وساعد ثان على أفتتاح معرض سيارات ، وأسس لزوج اخته شركة سياحة ، كما دفع بعض الأموال لجمعية خيرية ترعى الأيتام لأن الرسول قال :” أنا وكافل اليتيم كهذين فى الجنة ، وأشار بلإصبعبه السبابة والوسطى” وقد أعجبته جدا ً فكرة الأعمال الخيرية خاصة المعلنة .اضطر وهو غير راض أن يسمح لمساعديه بالحصول على بعض الثمار المعقولة فى شكل شراكة مع بعض أقاربه حتى يكونوا تحت العين من ناحية ومقيدين معه بمصالحهم من ناحية أخرى ، لكنه لام نفسه لأنهم عينوا بعض أقاربهم المشكوك فى كفاْتهم وشرفهم ، مثل الجاهل والقواد وخريج السجون .. دراء الشبهات ، قرر أن يحيل اثنين من الأربعة الكبار – بالاتفاق معهما طبعا – إلى التحقيق لأسباب تافهة ، والموافقه على خصم خمسة أيام من راتبيهما وبعد شهرين ، أحال الأثنين الآخرين للتحقيق لأسباب تافهة .كل شئ يمضى من حسن إلى أحسن ، حتى وزنه وكرشه ، وتوطدت العلاقة براقصتين ، وتعرف مؤخرا بممثلتين شهيرتين ، تلوح إحداهما بضرورة الزواج ، ليس ثمة مشكلة ، رغم أن الشركة بدأت تخسر بشدة بسبب مصروفات الدعاية والإعلان والهدايا للمسؤلين الأكبر  والحفلات الخاصة والسفريات وبعض الكرم ، لكن الإنتاج تحسن وزاد التوزيع بفضل الحزم والإدارة ومجاملة سخية لروساء العمال .بلغت أمواله ثلاثين مليونا من الجنيهات ويطمح أن يكون هناك مثلها من الدولارات فى الخارج ، بالإضافة إلى العمارتين والفيلا التى يقيم بها وفيلا الساحل الشمالى وعشرة أفدنة داخل كردون الفيوم وعدة سيارات تحقق هذا خلال عامين ، ولكن العمر قصير وتحتاج المسألة إلى إيقاع أسرع ، دعاه الوزير للانضمام للحزب ، وشجعه آخرون لدخول مجلس الشعب فأنضم ، ثم درس خريطة الشركات الكبرى ، واختار وتحققت رغبته ، ومضى يصعد ويلتهم ، وقطاره يعبر كل المحطات والجسور فى سلاسة .سعر فجأة ببعض الأسى ، فقد كان يتصور أنه فريد عصره، وأنه العبقرى الوحيد الذى عرف الطريق إلى الأبواب السرية .. لقد تناهت إليه الخبار فى جلسات المحبة والسمر ان معظم المؤسسات والهيئات بل الوزارات يعمل بها مسئولون بارزون وعباقرة مثله، يبذلون جهدا خارقا لتطوير العمل بها بالتوازى مع ملء البطون وتعبئة الأرصدة الخاصة، ولاتنكشف الأسرار وأسباب الانهيار إلا عندما يعجزون عن التوفيق بين مصالحهم ومصالح مؤسساتهم، وتكون الأقدار قد قرر ورتبت زحزحتهم عن المقاعد الوثيرة .عاد الموظفون والعمال فى شركتنا يمصمصون الشفاه، ويضربون الأكف، لأن الشركة تداعت، وباعتها الدولة بإيعاز من شريف بك الرئيس السابق الذى أصبح وزيرا للصناعة ..ورغم أن الأقدار حاولت إسقاطه، إلا أنه لم يسقط .. كان قويا وتماسكا حتى بعد أن اكتشف أن الممثلة التى تزوجها بالاتفاق مع مدير مكتبه استوليا على معظم أمواله وممتلكاته .أليس شريف بك مختلفا عن كثير من العباقرة أمثاله .. ؟ لا يجب عليه أن يأسى، فما زال فى الوزارة ولديه فرصة أفضل .