أمير الماني يصف الشرق ……….. حمدي البطران

أمير الماني يصف الشرق

———

حمدي البطران (*)

اهتم الألمان بمصر بصفة خاصة والشرق كله بصفة عامة ، غير ان اهتمامهم كان في الدرجة الأولي منصباً علي المعامرة والصيد ورؤية المثير والغريب من الآثار المصرية القديمة ، ولم يقتصر هذا الاهتمام علي أفراد الشعب والمغامرين بل امتد إلي الحكام أنفسهم ففي سنة 1855 جاء إلي مصر (1) ، الأرشيدوق ماكسيمان النمساوي زائراً ، وأعجبتهه الآثار المصرية ، فطلب إلي عباس باشا أن يهبه شيئاً منها ، وكان عباس لايقدر القيمة الفنية أو التاريخية لها ولا يشعر بواجب المحافظة عليها فوهبها له ، كما لم يتورع عن التفريط في تلك الكنوز القديمة ، ومن المحتمل أن يكون هذا الأرشيدوق هو الذي تحدثت عنه الإنجليزية إميليا إدوارد سنة 1874(2) ، فقد ذكرت أنه جاء إلي منف شخص وصفه أيوت بأنه شاب غريب ومبجل ، وهو أرشيدوق جاء إلي مصر للاستمتاع فحمل معه أربعة عشر تابوتاً بعضها كان بداخله رفات العجل أبيس معبود الفراعنة كان قد اكتشفها في مارييت معبد سيرابيوم وهي المجموعة المعروفة بمجموعة ميرامار والموجودة حالياً بمتحف فيينا ، فقد حملها الأرشيدوق إلي الإسكندرية ومنها إلي تريستا .

أما الأمير ردولف الذي نتحدث عنه فهو ” صاحب السمو الإمبراطوري والملكي الأرشيدوق ردولف من أمراء مملكة النمسا ينتمي إلي آل هبسبرج ” .

فقد قام برحلته إلي مصر والشام في أيام الخديوي إسماعيل وكانت النمسا تحت حكم الإمبراطورية فرانسوا جوزيف (1848 – 1917 ) ، وسجل رحلته في كتابه ، رحلة الأمير ردولف إلي الشرق ، وقام بترجمته من الفرنسية الدكتور عبدالرحمن عبدالله الشيخ ضمن مشروع الألف كتاب الثانية الذي قامت به الهيئة المصرية العامة للكتاب ، وقام الدكتور عبد الرحمن بتنفيذ كثير من آراء الامير في الإسلام والمسلمين في تعليقات بالغة الدقة وفي مقدمة الكتاب تشهد له بالعلم الغزير (3) .

لاحظ رودلف أن الأمور لا تسير في الشرق بسهولة ، فليس في الشرق عمل سهل فكل شخص يضغط طلباً للخدمات وكل شخص يحث حصانه أو حماره بكل ما يمتلكه من عنف وكل شخص يدفع الآخر ليتجه جانباً ، والكل يصرخ ويضطر الغريب البائس في خاتمة المطاف لإلقاء نفسه بين ذراعي أول قادم (4).

ويذكر رودلف أن عبدالقادر باشا الذي رافقه في رحلته مكلفاً من الخديوي إسماعيل كان نصفه تركيا ونصفه الآخر عربياً ، ولم ير الأمير أي فرق عرفي بين المسيحيين في سوق الحمزاوي ، وهي سوق التجار المسيحيين واليهود في حي الجواهرجية ، والمسلمين في حي النحاسيين ويري الأمير أن البربر يشكلون جزءاً من سكان مصر خاصة في الصحراء الغربية ، وقد رآهم يعملون جنباً مع النوبيين في حراسة مراكز الصرافة وبيوت المال ويقول عن المصريين في الصحراء الغربية أنهم بربر أصلاء وألوانهم داكنة ومظهرهم الخارجي يوحي بصلابة أشد مما عليه من سكان النيل وغالبهم طوال القامة ويتسمون بالنحول ، وهو لا ينفي الامتزاج العرقي الكامل للشعب المصري ويري أن التراث الثقافي والعادات والتقاليد وما إلي ذلك يورث تماماً كما تورث الصفات الوراثية (5) .

يعتبر كتاب الأمير رودلف بحثاً في نشوء الديانات الشرقية الثلاث ومسيرتها علي أرض فلسطين فذكر أن اليهودية كانت الديانة الأولي التي دعت إلي عبادة الله ، ويري أن المسيحية تمتد أصولها إلي الديانة اليهودية ، وعندما ظهر الإسلام أمكنه أن يحافظ علي الديانات السامية في أنقي صورة وأبعدها عن الخرافة ويقول بالنص : ولأن الإسلام منبثق من هذه الديانات السامية القديمة ولأنه لم يهدف إلا أن يكون استمراراً لها بين الأجناس نفسها فقط استطاع لهذا السبب أن تكون له السيادة في هذه المنطقة وأن ينتشر منها إلي الشعوب الأخري (6) ولا ينسي رودلف أنه غربي وينظر بإزدراء إلي العادات والتقاليد الشرقية فقد قويل بحفاوة في بيت البطريك ويقول :

” … كان علينا أن نلتزم بالعادة الشرقية المرعبة وهي أن نتناول مشروباً عند كل زيارة ، فقد بدأنا بالشوكلاتة عند الفرنسكان ، أما هنا عند البطريك فكان علينا أن نتجرع شراب الليمون وعصير اللوز وكلاهما كان تفه المذاق ( غير مستساغ ) ، وكان ما هو أسوأ في انتظارنا في الصباح (7) .

يقول أنه إن حكايات اليهود مقززة ولا تنتهي ” .. كان علي مثلي في ذلك مثل كثير من المسافرين الآخرين أن استمع إليهم ولكنني كثير الشكر لله لأني نسيت معظم حكاياتهم وأحيل القارئ المتسامح إلي تجرع جرعات من الدواء الذي تيجرعه مرضي الهوميو ، فهو رغم بشاعة مذاقه يمكن تحمله أكثر مما يمكن تحمل حكايات اليهود .. رحلة الأمير إلي الشرق كانت علمية وبها ملاحظات انثروبولجية فقد كان دارساً لعلوم النبات والحيوان وعلوم الأجناس وفضلاً عن ذلك كان يهوي صيد الطرائد والحيوانات(8) .

تحدث عن رأيه في المصريين والعرب وسكان الشام والقدس . وقال عن المصريين إنه كغريب علي البلاد عن صفات العرب الفيزيقية فإنه يقرر أن تلك الصفات تنطبق علي معظم المصريين بما فيهم الفلاحين الذين رأي فيهم استمرار للمصريين القدماء ورأي فى ملامحهم سمات سامية ووجدهم عنصراً تسري في عروقهم الدماء العربية .

رحلته إلي مصر سنفرد لها مقالاً خاصاً ، أما عن رحلته إلي القدس فقد قصد إليها بعد وصوله إلي ميناء يافا وتابع طريقه للقدس الشريف وزار الأماكن المقدسة هناك ووصف لنا مشاهداته وزار بيت لحم وأريحا وشواطئ البحر الميت ، وفي كل تنفاصيل الكتاب الدقيقة كان دائماً ما يربط بين الغش واليهود ، ويقول : ” … بعد زيارة قصيرة غادرناه إلي الحي اليهودي ، ثمة بعض الأسواق يسيطر عليها اليهود في حوار مليئة بالمحلات التجارية قذارة ووسخ وروائح نتنة وضوضاء ولا يستطيع المرء إلا بشق الأنفس معرفة مصدرها .

واليهوديات ترتدي الواحدة منهن وشاحاً ( غطاء رأس ) غير مهندم تلفه حول رأسها المجزوز ، والرجال يبيعون ويشترون ويغشون ” (9) .

تحدث الأمير عن الطريق إلي القدس الشريف وقال إنه متعرج علي طول المنحدر التلي الواقع فوق الهضبة وبدأت الشجيرات وكل آثار الحياة النباتية تختفي رويداً رويداً حتي انعدمت وبدأت الصحراء الصخرية المقبضة ، ويرد لفظ لا يليق بالأماكن المقدسة ويقول – الأرض الكريهة – إن المرء لا يستطيع أن يبعد نفسه عن هذا الشعور ، وتبدو المنطقة كلها علي نحو فريد حزينة ، ولكنها عظيمة في الوقت ذاته ، وتأخذ بتلابيب المرء مشاعر خفية غامضة (10) .

وزار الأمير كنيسة بيت لحم ويقول إن أسقف بيت لحم اليوناني استقبلنا عند البسطة الأولي ، وكان يحيط به عدد كبير من الرهبان البائسين غاية البؤس ، وفي وسط هذا المنبسط يوجد مبني صغير له قبة ، ويوجد به ضريح القديس سابا ، وهو قبر مغطي بكثير من الزخارف الثرية ، وبالقرب منه توجد كنيسة القديس نيقولا الصغيرة
( وهي مجرد تجويف في الصخر ) وفيها تم حفظ جماجم الشهداء الذين ذبحهم خرزويه(11) .

تحدث الأمير باحترام كبير عن مسجد عمر وقال إن الحرم الشريف عبارة عن مساحة واسعة محاطة بالأسوار والمسجد الرئيسي وقبة الصخرة يقع في وسط الساحة بقتبه الشامخة وأروقته وأعمدته وصالته المثمنة .

وقال الأمير إن ثمة اعتقاد أن الصخرة هي مركز العالم ، وإن كان هناك اعتقاد آخر أن كنيسة القيامة هي مركز العالم وقد حدد المركز بوضع حجر صغير عليه داخل الكنيسة .

يقول الأمير ” .. النساء هنا أكثر لفتاً للأنظار فهن ملتفات في أثواب واسعة مسبلة ملونة وقد لففن فوق رؤوسهن ثياباً بيضاء ، وبشرة الواحدة منهن شاحبة وعيونها في غاية الجمال وكذلك ملامحها وشعرها جمال يفوق الوصف لم أر أبداً نساء أجمل من نساء بيت لحم ، كل هذا العدد الكبير من النساء الجميلات في مدينة واحدة إن هذا يتأني في أي مكان آخر إن المرء لا يستطيع أن يلاحق بعينيه كل النساء الجميلات ، عاصفة من الجمال تتلوها عاصفة أخري ، إنهن نماذج من العذراء مريم النبيلة ، والنساء الكبيرات اللاتي قرأنا عنهن في العهد الجديد يسرن هنا بلحومهن وشحومهن ، فالمسافر المندهش يجد نفسه وقد انتقل في حلم إلي أيام السيد المسيح المنقذ ، عندما أوت مريم العذراء الرجل الطيب في اصطبل بائس ” .

ويقول في موضع آخر ” اقتربت مني فتاة مسيحية من هذه الأنحاء علي سلم بيت البطريرك ، كانت شرقية خالصة ترتدي اللباس القديم وتضع فوق رأسها غطاء رأس أبيض ، ولم تكن محجبة ، كان منظرها مدهشاً وملامحها دقيقة وقوامها رشيقاً وسحنتها شاحبة ، إنه أفضل نموذج لمن يريد أن يتصور المجدلية وقد سلمتني ملتمساً اختفت بين صفوف العمدة ” (12) .

ويتحدث الأمير ردولف عن مدينة القدس بنوع من التعصب الذي ينتمي إلي مقاتلي الحروب الصليبية فيقول : ” إنها المدينة المقدسة التي ولدت فيها عقيدتنا
( المسيحية ) التي بدأت منها أعظم التحولات في تاريخ العالم ، إنها المدينة التي ترتبط بجدرانها آلاف القص التي وردت بالإنجيل والتي يلتصق بها كل تراث ديننا المسيحي ، إنها المدينة التي تلطخت أحجارها بدماء أجدادنا – الصليبيين الأول – إنها القدس ها هي ذي أمامنا ، عن عاطفة غريبة جياشة وحماس ديني فائق يمتلك روح كل حاج (مقدس) هنا وجعله علي شفا التعصب make  him near to fanaticism   ، وقد بدا ذلك مفهوماً لي لأن القدس ظلت لعدة قررون وستظل للأبد مركزاً لأشد أنواع التعصب فعقيدتنا وكل التراث الذي تشربناه منذ عهد الطفولة قد أنبثق (الآن) ليتخذ له شكلاً ووجوداً يحيط به عالم من الغموض والجهامة ، محمل لعنة تطحن كل من يعيش في هذه المدينة وتسحقه سحقاً إلي الأبد ، فأي شخص يعيش فترة طويلة في القدس يدخل منطقة من الهوس الغامض قد تسطير علي عقله سيطرة دائمة ، تلك هي المشاعر التي جعلت الصليبيين يوجهون كل طاقاتهم اليائسة لكل الحروب الدينية مع أن هذا كان يتعارض مع مصالحهم أو حياتهم .

ويتحدث الأمير عن واقعة شاهدها بعينيه تدل علي تزييف التاريخ في تلك المنطقة ، فقد عثر علي مخطوط لكتاب تراتيل بروتسنتي ودعوات للأمير وليم ، ويعتقد الأمير أن الحيوانات أحضرته إلي هذا المكان من أحد الجحور التي تحفرها الحيوانات لمساكنها ، كان الكتاب بوجه عام بحالة جيدة من الداخل والخارج وعليه بعض قع الدماء ويقول الأمير : ” الله وحده يعلم كيف وصل هذا الكتاب الأوروبي لهذا الموضع الموحش وكيف فقده صاحبه ، ربما كانت عظام صاحبه قد تحللت في مكان قريب من هذا الدغل الكثيف ” .

المكان الذي عثر فيه الأمير علي هذا المخطوط كان أثناء اختراقه سهل البساتين في طريقه إلي أريحا ، كان الأمير ورفاقه يبحثون عن حيوانات شبيهة بالقطط تختبئ في جحورها ، وكانت معه مجموعة من الكلاب من فصيلة الدشهند هي التي تعقبت تلك الحيوانات لإخراجها من جحورها ، فأخرجت من تلك الجحور هذا الكتاب الغريب ، والمعروف أن افراد طائفة البروتستانت وغيرهم من أصحاب المذاهب المسيحية الحديثة ( عدا الأرثوذكس والكاثوليك ) محرومون من دخول الأماكن المقدسية المسيحية في بيت المقدس والأماكن المقدسة الأخري (13) .

تشكك الأمير ردولف في الكتاب الذي عثر عليه أو الأثر الديني كما يسميه وطريقة دسه في الجحر المهجور في الأماكن المقدسة ربما كان دسه بهذه الطريقة مقصوداً ، ومن المحتمل أن بعد عشرات السنين يأتي من يدعي اكتشافه لهذا الأثر وبناء عليه يدعي اتباع الطائفة بالحقوق التاريخية لهم في تلك المناطق المحرومون من دخولها الآثار دائماً لا تكذب ولكنها ربما كانت شاهده علي وقائع التزوير في التاريخ (14).

وعن ليلته الأخيرة في الباخرة التي حملته من الشرق يقول الأمير : لقد مضي الليل سريعاً ، فقد كنا أثناء الليل نحلم بالبدو علي خيولهم وبالمآذن الرشيقة والجبال الشامخة ، والصحراء الشاسعة والنيل المقدس وغابات النخيل المتموجة وأشجار الجميز، وأسرار معابد إيزيس ، ولكن أحلامنا السعيدة سرعان ما بددها الواقع استقبلتنا ريح الشمال القارصة والثلج ، وفي فيينا كانت السحب كثيفة تحجب السماء ، اعترت المسافرين الذين اعتادوا علي شمس الجنوب قشعريرة ، إنه مناخ الشمال الأوروبي البارد الكئيب (15) .

الهوامش : .

1-   عصر اسماعيل ، الجزء الأول ، تأليف عبدالرحمن الرافعي.

2-   رحلة الألف ميل ، إميليا إدواردز ، ترجمة د. عبدالرحمن الشيخ .

3-  رحلة الأمير رودلف إلي الشرق ، صاحب السمو الإمبراطوري والملكي الأمير ردولف ، ترجمة د. عبدالرحمن الشيخ .

4-   المصدر السابق ، الجزء الثاني .

5-   المصدر السابق ، الجزء الأول .

6-   المصدر السابق ، الجزء الثالث . .

7-   المصدر السابق ، الجزء الثالث .

8-   المصدر السابق ، الجزء الثالث . .

9-   المصدر السابق ، الجزء الثالث .

10-                 المصدر السابق ، الجزء الثالث .، ص 33 .

11-       مرزية خزورية قائد ساساني استغل ضعف الدولة البيزنطية وقام بغزو الشام سنة 614 م ، وذبح من سكانها الكثير ، وهدم كنيسة القيامة وغيرها من الكنائس وأخذ البطريرك أسيراً ويجمع المؤرخون أن الفرس قاموا بهذه الأعمال بالتحريض من اليهود لذلك كان طبيعياً أن ينتقم الإمبراطور هرقل من اليهود بعد استرداد القدس سنة 614 هامش ، ص 91 ، الجزء الثالث .

12-                 المصدر السابق ، الجزء الثالث .

13-                 المصدر السابق ، الجزء الثالث .

14-                 المصدر السابق ، الجزء الثالث .

15-                 المصدر السابق ، الجزء الثالث .