الرؤية العربية للاستشراق …………….. سهيلة عروسي

الرؤية العربية للاستشراق

—–

سهيلة عروسي (*)

لم نتوقف الصلات الثقافية بين الغرب والشرق ، في يوم من الأيام بل كانت في حركة سيولة دائمة ، تختلف شدتها في الزمان والمكان وحسب الظروف السائدة ، ويمكن رصد تطور (1) ، الحالة الثقافية ( الانفتاح الثقافي العربي علي الغرب ) علي النحو التالي :

1-  بداية اليقظة كانت من صدمة الاستعمار والدعوة إلي الأخذ بأساليب القوة التي بها تمكن الاستعمار منا .

2-  حركات الإصلاح والرغبة في الخروج من العثمانية والتصوف والتراث السلطوي القديم والدعوة إلي الأخذ بأساليب النهضة الحديثة أسوة بالغربيين فلماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ( شكيب ارسلان ) .

3-  تأسيس الدولة الحديثة بعد الانفصال عن الدولة العلية وحاجة الدولة إلي علماء ومهندسين لملء جهاز الدولة وقد كان الطهطاوي علي رأس هذا البناء ( مناهج الألباب المصرية في منهاج الآداب العصرية ) .

4-  بداية البعثات العلمية للغرب والرحلات المتبادلة بين الشرق والغرب ( تخليص الإبريز في وصف باريس للطهطاوي وأقوم المسالك لخير الدين التونسي ) .

5-  الترجمات عن الغرب منذ إنشاء ( مدرسة الألسن ) وتحول الترجمة كما كان في ديوان الحكمة ، سابقاً في عصر المأمون من جهود فردية إلي عمل منظم تشرف عليه الدولة .

6-  بداية التأليف في موضوعات غربية عديدة في الفكر والسياسة والاجتماع والأخلاق والقانون فانتشرت الوضعية والوجودية والبراغماتية والماركسية وكثرت أسماء الأعلام مثل ( ديكارت وكنك وراسل وبركلي ولوك وكير كجارد) .

ويشير المستشرق الفرنسي ( آلن روسيون ) إلي أن هناك ثلاث محطات أساسية تتيح لنا أن تلخص السياق العام الذي افتتحت فيه المناقشات حول الاستشراق وهي (2):

أ – ينبغي بالدرجة الأولي أن نقول أن رفض الآخر يشكل لحمة المناقشات الفكرية الدائرة في القضاء العربي الإسلامي منذ أكثر من نصف قرن ولا يقتصر الأمر علي رفض الآخر فقط بل ينسحب الأمر غي الآخر المحلي ( المدعوين بالمستغربين ) بصفتهم تلاميذ للمستشرقين وعملاء للأجنبي ( علي عبدالرازق – طه حسين ) .

ب- بالدرحة الثانية ينبغي أن نلاحظ أن هذه المناقشة تظل مناقشة متكررة ومجترة فنادراً ما نقرأ نصاً دون أن نجد فيه أثراً لذكرى تلك (الجولة) الأولى التي خاضها أنور عبد الملك ضد الاستشراق في عز فترة زوال الاستعمار .

جـ ـ المناقشة الجديد الدائرة حول الاستشراق حصلت ضمن سياق ازدياد التدخلات الأجنبية في شؤون العالم العربي والإسلامي بشكل لم يسبق له مثيل من قبل (اللهم إلا أثناء حملة نابليون ) وقد أدى ذلك إلى اندلاع حملة مضادة وعنيفة ضد البحث الأجنبي في مصر منذ عام 1982.

ويرى محسن جاسم الموسوي أن الوجود الفعلي للاستشراق في الحياة الثقافية العربية كان (3) (ممتداً ومؤثراً فنشرت مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق في مجلدها السابع (عام 1927) أسماء ثمانية وثلاثين عضواً من المستشرقين كانوا قد شاركوا في الكتابة والتأليف والنشر وتخطيط المناهج والتعليم الجامعي ويكتبون لمجلات الرسالة والهلال والمكشوف . وشارك فيليب حتى و(كراتشفويسكي واربري وأرنولد وبرنارد لويس) في المناقشات الدائرة بشأن مكانة العرب وتاريخهم وتطلعاتهم . وفي تلك السنوات كان العقيقي ينشر كتابه (المستشرقون) وهو كتاب قيل فيه أنه (الإطار الأوسع لوجهات نظر المثقفين العرب) فهو يتصالح مع فكرة سائدة يؤؤكدها محمد كرد علي ، ترد عى وجهات النظر المتأففة إزاء اختلاف العقائد ، إذ يقول علي (ليس من المعقول أن نكلف من لم يتأدبوا بأدبنا ولم تعمل فيهم أحاسيسنا ولا دانوا بديننا أن يعتقدوا ما نعتقد) وأن كرد علي ينظر إلى الجهد الاستشراقي ويشيد بهم ويثني على معرفتهم لا سيما في جوانب تحقيق النصوص وفهرستها) .

وهو إذ يؤكد (العقيقي) على أهمية الاستشراق وفضله ، إذ(4) (ظهر على طرفي النهضتين ، المستشرقون فتناولوا تراثنا بالكشف والجمع والصونوالتقويم والفهرسة ولم يقفوا عندها فيموت بين جدران المكتبات والمتاحف والجمعيات وإنما عمدوا إلى درسه وتحقيقه وترجمته والتصنيف فيه : في منشئه وتأثره وتطوره وأثره وموازاته بغيره واقفين عليه مواهبهم ومناهجهم وميزاتهم ، مصطنعين لنشره المعاهد والمطابع والمجلات ودوائر المعارف والمؤتمرات حتى بلغوا فيه منذ مئات السنين وفي شتى البلدان وبسائر اللغات مبلغاً عظيماً من العمق والشمول والطرافة وأصبح جزءاً لا ينفصل عن تراثنا ولا نؤرخ الحضارة الإنسانية إلا به ، وقد عرف الغرب منه أصالتنا فيه ـ كما لا تصلنا بالعصر الحديث علوماً وآداباً وفنوناًـ ـ صلة أشد من لغات الغرب ) .

ويتابع السيد عقيفي ( وإذ نحن طوينا هذا الجهد تنكرنا للأمانة العلمية في البحث عن الحقيقة الموضوعية . . . وإذا كنا لا نفرق بين أن ينجلي لنا تراثنا ويحتل مكانه من الحضارة الإنسانية على أيدي العرب أو بالتعاون مع المستشرقين فقدا عترفنا بفضلهم ونشرناه بين الناس وهو بعض حقهم علينا) . ـ ومر العقيقي على انحيازات بعض المثقفين العرب للاستشراق كـ : طه حسين واختلاف الآخرين معه كالشدياق ، بقصد أن يستعرض مبادىء الاستشراق التي أفاد منها المثقفون العرب مؤكداً على :

  • مبدأ الشك الذي لم يشع برغم ظهوره عند الغزالي وأبي العلاء إلا بعد أن أصبح ظاهرة التفكير الأوروبي منذ ديكارت .
  • من التاريخ الأدبي الذي استعان بدراسة الأصول والتأثيرات وهو في تقديره لم يتقن من قبل عند العرب .

وفي الطرف الآخر (5) ( كان بعض الكتاب يستعيدون أفكار رينان ويناقشونها على أنها جزء من فكر غربي مغاير معني بالمشرق وهكذا فعل صادق برسوم مطر عند ترجمته لهذه الأفكار والتي اختصرها محمد روحي فيصل بقصد المناقشة وهو اختصار يتيح التنفيذ كما أنه اخترال يولد اختزالات مقابلة في الفكر العربي . إذ طرح فيصل ثنائيات رينان على أنها معنية بـ (شرق وغرب) وعالم زراعي وآخرى متوقدة وجفاف ودهشة وجمود وتنوع وأنانية يقابلها التسامح والشعور العالي بالمسؤولية !

وعلى هامش مثل هذا الاسترجاع للفكر العرقي كان آخرون يترجمون مباشرة ماكتبه (برنارد لويس) أيام حماسه للعرب وللحياة العربية ، عندما بدت له كتابات

PalmerوBlunt محببة ورشيقة ) .

إن العلاقة التي يقيمها المثقف العربي بالاستشراق ليست هي علاقة معرفة بمعرفة أخرى ينتجها العرب فحسب كما يرى د. أحمد برقاوي وإنما هي علاقة ذات شقين (علاقة بالغرب ذاته كثقافة أو حضارة ذات هيمنة لم تنفك حتى الآن تعتبر الشرق العربي جزءاًمهماً من مجالها الحيوي فتعمل على التحكم بمصيره بمختلف الوسائل المادية والمعرقية وترسم له صورة شاملة لماضيه وحاضره ومستقبله ، وهنا يسأل العربي ما إذا كانت هذه الصورة التي يرسمها متطابقة مع الأصل أومع الصورة التي يرسمها لنفسه وهنا يبرز الشق الثاني من العلاقة ، ألا وهو علاقتنا بعالمنا الذي انقضى والذي نحيا ومحاولاتنا المتعددة لتأسيس أشكال الوعي المختلفة (والتي يعتقد أنها صحيحة ) لهذا العالم وعلى هذا الأساس يجب أن نفهم تاريخ الموقف العربي من الاستشراق بل قل : إن الموقف العربي من الاستشراق يساعدنا على فهم أرقى التاريخ العلاقة مع الغرب وأشكال وعي الهوية القومية إن صح التعبير) .

ويتابع د. برقاوي :

فالرفض أو القبول به إلى حد التبني أو الرفض والقبول معاً والتقد المعرفي الأبستيمولوجي له ليست مجرد مواقف مفكرين من هذه الظاهرة التي اسمها الاستشراق بل هي أشكال مختلفة لتطور الوعى التاريخي في ثقافتنا العربية المعاصرة للعلاقة مع الغرب ومع حالتنا وضعا الراهن . فالقول مثلاً على طريقة محمد البهي بأنه (6) (ثمة رافداً آخر من الفكر الدخيل في حاضر مجتمعاتنا الإسلامية يساعد العلمانية على يسر القبول والتمكن في توجيه المسلمين وهو تحدآخر للإسلام . وهذا الرافد الآخر هو الفكر الاستشراقي ، أي اتجاه المستشرقين في بحث التراث الإسلامي والمبادىء الإسلامية وهو فكر عمل الاستعمار على قيامه ونشره وتوظيفه في البلاد الإسلامية . نعم قد تكون هناك بحوث للمستشرقين تستحق الاهتمام والإعجاب ولكنها قليلة بالنسية لبحوثهم الأخرى التي تستهدف تشكيك المسلمين في دينهم وتحاول أن تخلخل الصلة بين المسلمين وإسلامهم ) .

قول كهذا (د. برقاوي) ليس مجرد هجوم على الاستشراق وإنما هو زاوية رؤية شاملة لعدة مسائل :

فيه رفض للعلمانية والنظر إاى الغرب بوصفه استعماراً وما الاستشراق إلا وسيلة من وسائل عدائه للإسلام والمسلمين وتأكيد الإسلام كهوية مغلقة تواجه تحدياً خارجياً وبالتالي فحل مشكلاتنا الراهنة إنما تتم بالعودة إلى الإسلام وليس عن طريق العلمانية الغربية .

إن موقفاً كهذا (موقف العقيقي ـ موقف محمد البهي ) من الاستشراق هو موقف من الغرب ككل ولا ينبغي أن يكون الأمر كذلك إذ يجب التعامل مع الاستشراق من الزاوية المعرفية وليس السياسية وإن كان من المتعذر أن تكون هناك معرفة دون إيديولوجيا (عزيز العظمة ينزع الصبغة التاريخية عن الاستشراق إذ يعرفه بأنه عبارة عن نمط من أنماط الإدراك والتصور وليس سجلاً من سجلات المعرفة) .

وقد رفض الكثير من المستشرقين مثل تلك الطروحات التي لا ترى في المستشرقين إما باحثين عن الكنوز الضائعة أو كعملاء للإمبريالية (بيرنارد لويس) أو المستكشف الطليعي الذي يسبق الاستعمار ويمهد له الطريق وإما الحليف والمستشار التقني للتاجر الأوروبي أو للسياسي الأوروبي أو للمستغل الأوروبي ، إنه أحد المسؤؤولين إن لم يكن المسؤول الأول عن الشرور التي أصابت الشعوب الشرقية من جراء الاستعمار ولكن (7) (من العدل والإنصاف ألا نعمم ، صحيح أن الاستشراق قد ساعد أوروبا على تغلغلها الاقتصادي والسياسي ، أحياناً إلا أن الأمر قد بولغ فيه وضخم وافسد . فهناك عدد لا بأس به من كبار المستشرقين عرفوا كيف يميزون بين اهتماماتهم العلمية وبين اللأهداف السياسية لبلدانهم وذلك حيث وجدت أو إذا ما وجدت بل إنهم وقفوا ضد تلك الأهداف في بعض الأحيان فـ (ليون كايتني) وقف ضد احتلال بلاده لليبيا . و(لويس ماسينيون) الذي دعا إلى التسامح والتآخي بين البشر والذي اعتبره بطرس غالي أحد الرجال النادرين الذين فهموا العالم العربي كما أنه قدم أفضل المساهمات في التأسيس لـ(الحوار بين الثقانات والأديان).

ويشيرالأستاذ الرئيس محمد كرد على أنه (8) (لولا عناية المستعربين بإحاء تراثنا لما انتهت إلينا تلك الدور الثمينة التي أخذناها من طبقات الصحابة وطبقات الحفاظ ومعجم ما استعجم وفتوح البلدان وفهرست ابن النديم ومفاتيح العلوم وطبقات الأطباء وأخبار الحكماء والمقدسي والاصطخري وابن حوقل والهمذاني وشيخ الربوة وابن جبير وابن بطوطة ، إلى عشرات من كتب الجغرافيا والرحلات التي فتحت أمامنا معرفة بلادنا في الماضي وبها وقفتا على درجة حضارتنا ولولا إحياؤهم تاريخ ابن جرير وابن الأثير وأبي الفداء واليعقوبي والدينوري والمسعودي وابن أبي شامة وابن الطقطقي وحمزة الأصفهاني وأمثالهم ، لجهلنا تاريخنا الصحيح وأصبحنا في عماية من أمرنا ولو جئنا نعدد حسنات دواوين الشعر أو كتب الأدب والعلم التي أحيوها لطال بنا المطال) .

وإذا تتبعنا الاتجاهات الأساسية لمنطلقات التعامل الفكري الغربي تجاه العرب والإسلام فإننا سنقف على محورين رئيسيين (9) :

المحور الأول :

وهو محور ينبني على أساس التناقض والتقاطع متجسداً في فكر (تنمان) و(أرنست رينان) خاصة والذي أثر كثيراً على الأفكار اللاحقة داخل الإيديولوجية اللاهوتية .

يقول (أرنست رينان) في محاضرات ألقاها في (الكوليج دي فرانس) عام 1862:

إن الإسلام هو احتقار العلم وإلغاء المجتمع المدني ، إنه البساطة المروعة للعقل السامي التي تحد الدماغ الإنساني وتحول بينه وبين كل فكرة مرهفة وكل إحساس رقيق وكل بحث عقلاني ولتجعله في خدمة توتولجية أزلية (الله هوالله) .

مثل هذا المستشرق العنصري شكل الأرضية الملائمة لانطلاقة السياسي فمثلاً (بلفور) كان يشير إلى أن المجتمع العربي الإسلامي يجهل معنى الإدارة جراء اعتياده على الخضوع والاستبداد . أن (اللورد كرومر) كان مقتنعاً أن المصري لا يمكن أن يماثل الغربي ولكن (10) (لو قدر لرينان ولمن أخذ عنه نظريته المذكورة أن يعيشوا إلى هذا اليوم ويروا  بأعينهم آثار الحركة الفكرية في البلاد العربية والشرق على الإطلاق لتبرأ مما قاله عن عقلية الأمم الشرقية ونفسيتهم ، ولهذا ولأن هذه النظرية أصبحت اليوم في خبر كان ، لا نرى فائدة من دحضها لأن الزمان تولى دحضها بنفسه ويكفينا أن نقول أن مصدر هذه الأفكار العقيمة الفاسدة هو :

أولاً : قلة معرفة أصحابها لتاريخ الأمم الشرقية وضعفهم في تحليل المواد التاريخية التي كانت في أيديهم في ذلك الوقته تحليلاً علمياً محضاً .

ثانياً : لأن الكتبة المذكورين بنوا حكمهم على مستقبل الأمم الشرقية مستندين على حالتهم العمرانية والاجتماعية في الماضي وهو في نظر أهل المنطق ، فاسد وما مثلهم إلا كمثل عربي مسلم من أهل الجيل العاشر أو الحادي عشر , زار أوروبا في ذلك العصر ورأى ما كان عليه سكانها وقتئذ من الجهل والتعصب الديني والفقر فحكم عليهم بالجمود وقضى على مستقبلهم وقال : إنه لن تكون لهم حياة اجتماعية بمعنى هذه الكلمة في عصرنا الحاضر).

المحور الثانى :

وهو المحور الوضعي : الذي يتعامل مع الوقائع والأحداث تعاملاً عصرياً مرهوناًبالفلسفة السائدة لروح العصر بكل مدنيتها وتناقضاتها وإسقاطاتها وليس سراًأن تأثير (أوغست كونت) على المثقفين العرب كان كبيراً جداً في القرن التاسع عشر وغيره فيما بعد . إن طه حسين كان يعترف دائماً بتأثير (كارل نلينو) صاحب (تاريخ الآداب العربية) إذ كان يقول : أحدهما علمني كيف أقرأ النص العربي القديم وكيف أفهمه وكيف أتمثله في نفسي وكيف أحاول محاكاته (يقصد سيد علي المرصفي) وعلمني أحدهما الآخر كيف أستنبط الحقائق من ذلك النص وكيف ألائم بينها وكيف أصوغها آخر الأمر ، علماً يقرؤه الناس فيفهمونه ويجدون فيه شيئاً ذا بال (قصد نلينو) .

إن الساسة الغربيين قاموا بتشكيل انطباعات تطرح الشعب العربي خاصة والمسلمين عامة (على أنهم مجموعة من البشر يقلون شأناً ومكانة وعقلاً عن الغرب وتشكلت هذه الانطباعات في ظل كتابات عامة ، لجأت هي الأخرى إلى التعميم كلما تطلبت مواصفات التشخيص الجمعي ذلك خالطين بين الحدث التاريخي وسياقات التاريخ ، وهكذا بدا التاريخ العربي الإسلامي مجموعة من الحوادث مقرونة بالحكام والعوائل خال من جهد معرفي أو بنائي أو إبداعي فعلي متصل أو متحاور يفسر نشأة الحضارة وتأثيراتها . ورغم أن جهود الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم من أصحاب الإصلاح والتصحيح لم تكن موجهة تماماً لأعراض مناقشة جهد المستشرقين إلا بقدر علاقة الأمر بالسياسة الخارجية لفرنسا وبريطانيا ، بخاصة إلا أنهم عزلوا ضمناً بين الفكر :

وهكذا نراهم يميزون بين (رينان) و(مسيو كيمون) ومن ينقل عنهم من الساسة أمثال (هانوتو) و(كرومر) وبين فلاسفة على شاكلة (غوستاف لوبون) و(هربرت سبنسر) و (ماكس ملر) و(نورثروب ستودارد) مؤلف حاضر العالم الإسلامي ـ ترجمة عجاج نويهض 1925 والذي كان يري أن العرب (أمة موهوية ، جليلة الأخلاق والسجايا ، تواقة إلى ارتشاف العلوم) .

والمستشرق (بيرنارد لويس) الذي كان يؤكد أن دين (11) أوروبا للعرب مضاعف لأنهم (أي العرب) قدموا لها ميراث الفكر والعلم الإغريقي من جانب ، وعلموها طريقة جديدة في الدراسة ، تلك الطريقة التي وضعت العقل فوق السلطة ودافعت عن البحث العلمي من جانب آخر . وقد كان هذان الدرسان هما اللذان لعبا أكبر دور في إعطاء نهاية للعصور الوسطى وبعث النهضة وولادة أورربا الجديدة .

أما في العقود الأولى من القرن العشرين فإن المشكلة الفعلية التي واجهت الفئات الثقافية العربية وكما يراها د. محسن جاسم الموسوي فهي :

  • ضعف المناقشة الكلية للفكر الاستشراقي.
  • قلة الصبر والهمة التي تستدعيها قضايا

النصوص التراثية أو الاستنتاجات وحيث أن المقارنات والمقاريات في داخل الثقافة والوعي العربيين تناقش دائماً في إطار مرجعين :

الموروث أو النهضة الأوروبية وأن الأخيرة تقرن بالفكر اليوناني عادة ، فإن التناول العربي للموضوع من شأنه أن يقودنا أيضاإلى طبيعة جدلية التآلف والاختلاف بكل حدتها .وعلى الرغم من التغيرات الطارئة على حركة الاستشراق قبل المؤتمر الأول في عام 1873 أو بعده إلا أن مراحله التااريخية لا تعني موت الحركة بل تلونها واتساعها في منظومات معرفية وعملياتية جديدة لها علاقة وطيدة بما يجري في عالم اليوم .

وعلى هذا يمكن القول أن الاستشراق قد مر بمرحلتين :

تفكير وأداء .

تشغل أفكار (أرنست رينان) في أولاهما مكانة متميزة بينما تشغل الترعة الأمريكية للدراسة الميدانية حيزاً واضحاً في ثانيهما .

أى أن أفكار (رينان) المطمئنة إلى التوزيع العرقي للحضارة وصراعها تشكل أساسيات المرحلة الأولى وتكاد تؤثر تإثيراً بالغاً في الكتابات المختلفة التي ظهرت عن الشرق العربي كما أنها أسقطت نفسها بقوة على اتجاهات السياسة الاستعمارية سواء تجسدت عند (نابليون) أو عند (كرومر) .

وعلى الرغم أن المعرفة الاستشراقية ليست متهمة كلاً ولا ينبغي أن تكون ، إلا أن براءة المنتوج المعرفي لا يبرىء ضرورة طرائق استخدامه أو توظيفه شأن آفاق المعرفة وموادها في المحالات المتخصصة . وإذ تتوزع المعرفة في مثل هذه الحالة إلى تكوينات للتاريخ وتفسيرات وتأويلات وتحقيقات للنصوص ودراسات فقهية شأن نتاجات (بروكلمان) و (مرجلنيوث) و(غولد زيهر) و(نولدكه) وأخرى (عملياتية) تقترن بالمسعى المعلن لعملاء الإمبراطورية أغيرها مثلاً فإن عزل الأمرين بات لازماً.

أي أن عناية (كرسونCurson) بالدراسات الشرقية على أنها (الأثاث) اللازم للإمبراطورية كما جاء في خطاب له أمام مجلس التوردات البريطاني ، ليست مرادفة لعناية الدارس المتخصص فالثاني منهمك بعلمه بيما يستعين الأول بهذه المعرفة لأداء وظيفته السياسية أو أنه يسعى لتوجيه النشاط المعرفي توجيهاً نفعياً . ةعندما العقد المؤتمر الاستشراقي الأول في عام 1873كان رجال الإمبراطورية في بريطانيا يضعون نصب أعينهم المهمة السياسية للمعرفة على أنها أحد مكونات القوة والهيمنة والاحتواء .

إن الكشف عن ارتباط الأستشراق بالسياسة أوبالمصالح الأوروبية في الشرق العربي وبعامل الهيمنة المطلوبة (12) (ليس إلا جانب من الجوانب الخلفية من أهداف الاستشراق ولهذا كتب إدوارد سعيد قائلاً :إن الاستشراق ليس مجرد موضوع أو ميدان سياسي ينعكس بصورة سلبية في الثقافة والبحث والمؤؤسسة .

كما أنه ليس مجموعة كبيرة من النصوص حول الشرق كما أنه ليس معبراً عن ، وممثلاً لمؤامرة غربية شنيعة لإبقاء العالم الشرقي حيث هو ، بل إنه توزيع للوعى الجغرافي السياسي إلى نصوص جمالية وبحثية واقتصادية واجتماعية وتاريخية وفقه لغوية وهو احكام لا بتمييز جغرافي أساسي فحسب بل كذلك لسلسلة كاملة من المصالح التي لا يقوم الاستشراق بخلقها بل المحافظة عليها بوسائل كالاكتشاف البحثي والاستبناء فقه اللغوي والتحليل النفسي والوصف الطبيعي والاجتماعي وهو إرادة بدلاًمن كونه تعبيراً عن إرادة . . . إنه إنشاء ليس على الإطلاق على علاقة تطابقية مباشرة مع القوى السياسية في شكلها الخام .

فالاستشراق بوصفه معرفة ، تتفاعل مع قوة سياسية وفكرية وأخلاقية فهو إذا جماع تفكير حضارة بحضارة أخرى . وهو محكوم بالثقافة التي أنتجته وبالمعرفة السائدة ومناهجها ومن هذه الزاوية تختلط المعرفة الاستشراقية بجملة الطرق التي يرى فيها الغرب ، العالم الآخر وعالمه هو بالذات) .وعلى هذا الأساس ووفق هذا النصور ، طرح الاستشراق السياسي ، الفكرة القومية على أنها متغير غربي أوقدها الفكر الغربي عند المجتمع الإسلامي مستنداً إلى التنظير التالي (31):

1-  ما أسماه المستشرق (Gibb بالنزوع الاستدلالي للذهن العربي الذي يعني أن هذا الذهن يفيد من غيره آلياً .

2-  ما أعتبره منهجية محددة سرعان ما تتحول إلى مقلدة هي الأخرى بعد انقضاء فورة حماس التأثر وهو رأى تناقله بعض المفكرين العرب باستساغة بالغة مثل طه حسين في (مستقبل الثقافة في مصر) وعلى ذلك تم تكوين رؤية سياسية للمنطقة العربية خلاصتها :

<غرابة الفكرة القومية على الوجود العربي على أساس النظام السياسي كما يراه Gibb و(مكدونالد) وآخرون ، مولود في الشريعة ، قام معها ، مستمر بوجودها في تكوين ديني .

  • غرابة الوحدة . فالفرقة في منظور (برنارد لويس) هي الحالة والتوحيد أو حتى التحاور هو الطارىء ولهذا ـ يتابع الموسوي ـ فإن دراسة الفرق والحركات شغلت حيزاً في المرحلة الثانية بالفكر، الأستشراقي السياسي بحيث كونت لذاتها ، أسسها وأقيستها ومبادئها والتي تقول : إن العربي يمتلك نزعة التناحر والاحتراب وهو فرداني وأناني ورهين آنيته وإنه ينمو ويتنفس في غير محيطه (أي أن نبوغ بعض أفراده يتم فقط ، في المجتمعات الآرية) وإنه يميل إلى الشورى لكنه يميل أيضاً إلى الوساطة واعتماد المبالغة وهو غير قادر على مواكبة روح العصر واحتوائها وهو متقلب كالصحراء يصعب أن تقيم الأفكار والعواطف والتناقضات في داخله طويلاً ولهذا فهو يتعامل مع الآخرين بقسوة .

قسوة الصحراء وطبيعة تكوينها والتي شكلت وتشكل بيئة الأعرابي الجغرافية والفكرية فإذا (14) ( نحن فحصنا تلك البيئة من زاوية الاتصال والانفصال . وجدنا أن الانفصال يطبع جل معطياتها: رملية والرمل حبات منفصلة ، مستقلة مثلها مثل الحصى والأحجار والطوب المؤلف منها . . . كل الأجسام في الصحراء وحدات مستقلة والعلاقات التي قد تربطها هي علاقات المجاورة لا التداخل وهذا يصدق على النبات والحيوان أيضاً . فالنباتات في الصحراء وحدات مستقلة منفصلة بعضها عن بعض ، متناثرة ، متمايزة سواء كانت أشجاراً أو أعشاباً .والحيوان فيها لا يعيش في غابات تضيع فيها فردية الحيوان بين الأعصان المتشابكة والأعشاب المكتظة إذ لا غابات في الصحراء وإنما تعيش الحيوانات في عراء ، في (بادية) فيها كل شيء بمفرده وحدة مستقلة حتى ولو كان داخل مجموعة وتلك أيضاً حال افنسان فيها فهو فرد، وحدة ضائعةفي أرض شاسعة حيث الكثافة السكانية ضعيفة إلى حدود الصفر والمباني غير موجودة وإنما ختام منفصلة متمايزة ومتنقلة .أما القبيلة فهي مجموعة من الأفراد المتفردين ، مجموعة من أجزاء لا تتجزأ ، تجمعهم علاقة خفية ، علاقة الدم التي تضيع مع مرور الأيام لتحل محلها علاقة الجوار وهي في كلتا الحالتين علاقة قرابة ، والقرابة ليست اتصالاً وإنما هي تخفيف من الانفصال وتقليص من مداه وسواء تعلق الأمر بالعشيرة أو القبيلة أو الحي فالفرد دوماً (جوهرفرد) وحدة مستقلة في إطار من التبعية واكن لا تبعية اندماج واتصال بل تبعية (وهم) النسب (النسب أمر وهمي كما يقول ابن خلدون) وبالجملة فالعلاقات في مجتمع رعوي هي علاقات انفصال أما الاتصال فهو من خصائص مجتمع المدينة ومن مميزات البيئة البحرية إن الإتصال هو من خصائص أمواج البحر وليس من خصائص قطرات الغيث في الصحراء).

لكن انطلاق الجابري من ثنائية البحر والصحراء (كإطار جيوثقافي للعقل العربي) ذي البنية والخلفية الصحراوية كما يقول د. طيب تزيني، وحين توضع تلك الثنائية في إطار الخطاب الاستشراقي ، الاستغرابي المراوغ والمضطرب ، فهذا الخطاب يوصلنا ـ يداً بيد مع الجابري ـ إلى إقصاء اللغة العربية بوصفها لغة (لا تاريخية تتأبى على التطور التاريخي) ومن ثم إلى القطع معها والتوجه نحو لغة أخرى لن تكون الإ اللغة ـ اللغات الأوروبية ذات الأصول اللاتينية ـ وهذا بدوره يضعنا ثانية وجهاً لوجه أمام الدعوات القاصرة والخاطئة والقاسدة التي قدمها في عقود سابقة رهط من الكتاب العرب (مثل سعيد عقل وسلامة موسى قي إحدى مراحل حياته الفكرية ) لتجاوز الأحرف العربية المتخلفة ـاللاتاريخية واستبدالها بـ (الأحرف اللاتينية) . وعلى هذا الطرق يصبح من السهولة بمكان أن تلغي الفكر الذي أنتج في سياق تلك اللغة العربية، أي أن تحقق المطلب (الجديد القديم) بإحداث قطيعة أبيستيمولوجية مع هذه الأخيرة وما حملته من فكر.

إذا (15) فـ (العربي في القرن السادس أو السابع الميلادي هو ذاته العربي في أو اخر القرن العشرين ، إنه البدوي، البدوي الذي يتحول إلى مفهوم مسبق في ذهن المستشرق ذو صفات وملامح حاضرة دائماً وقادرة على أن تتحول إلى أداة فهم وتفسير للعالم الراهن).

إذا فاكتشاف الشرق أوروبياً كما يقول د. برقاوي محكوم طابع إيديولوجي أنكر المستشرق هذا أم لم ينكره ، تبراً من ذلك مباشرة أو لم يتبرأ . وقد سئل (مكسيم رودنسون) السؤال التالي :

هل تعتبرون أن هناك منهجاً علمياً مجرداً يمكن أن يلتزم به الباحث أو المستشرق بغض النظر عن تأثير المحيط السياسي والاجتماعي عليه وعلى إنتاجه الفكري؟

فأجاب : ما أريد أن أعبر عنه هو أن الإيديولوجية أو الذهنية المسيطرة في بلاد المستشرق أو الباحث العربي تؤثر بنفس النسبة على كل منهما.

لكن (16) [المسألة ليست في تصنيف للمستشرقين ـ كما يحلو للبعض أن يفعل ـ بين من هو معنا ومن هو ضدنا بل في فهم شبكة الشروط المعقدة التي أثرت في زاوية رؤية المستشرق للعالم الآخر ، فمن المعروف أن المستشرق (حاك بيرك) صديق العرب الذي كتب يقول (17) : (إن الاستشراق إذ درس النص القرآني مسلماً بعاداته في المنهج التاريخي فقد أسس نفسه على التسلسل التاريخي للنزول وكان هذا منه إفراطاً إلى حد ما من وجهة نظري وربما كان قد فعل لكي يظهر تطوراً لمتصور الله يقوم في التأكيدات المتتالية للنص ولقد انطلق هذا الأمر من مكتسبات علم الأديان المقارن تماماً كما تطور هذا العلم منذ (ستروس ورينان ) ولكنني لست مقتنعاً قناعة كاملة بأنه يلائم هذه الرسالة ويعود سبب ذلك لأنه يجب أن نأخذ نظام هذا المجتمع مأخذ الجد من جهة فهو يمثل حرفياً ذلك النظام الذي تبناه الوحي الإسلامي لنفسه وأنه ليخبرنا وجودياً على الأقل عن التصنيف الأول للإسلام نفسه وأنه نظام لم يعد من الحكمة أن نقيم نظاماً بديلاً عنه كما يجب أن نفعل هذا ومن جهة أخرى بسبب السمة التوحيدية لعقيدة التوحيد البدئية . وكيف يمكن الزعم بهذا الخصوص بأنها لم تكن بدئية بمقدار ما كانت قطعية وأنها لم تكن محددة في البداية كما كانت في النهاية ؟ وإننا حتى في الرياضيات لنولي جزءاً للقوة الناتجة من فرضية البداية ، ذلك لأنها هي التي تعطي الدفع لكل ما تبقى . . . إن هذا لا يعني أن جهد الاستشراق يستحق الازدراء فلقد حقق الفائدة بإدخال النقد إلى ميدان متروك إلى حجة السلطة . وهكذا فقد ميز فقه اللغة في تعبير السور نفسه بين فترة مكية وفترة مدنية . . .) جاك بيرك هذا هو نفسه الذي كتب قائلاً : إن شخصية العالم الإسلامي تبدو قليلة الانفتاح على الغير فهو يستثير عند من يخالطه صورة الكهف أو المتاهة ويمتنع على الخارج ، على صاحب البدعة وهو متوعد أو فتان يروغ منك بالسر الغامض أو بالمسبة أو بالإغراء ، إنه يماحكك فلا يدعك تصل إليه وصولاً فعلياً ويخفي حقيقته عنك . . . ينبغي أن نجعل أنفسنا متيقظين أكثر فأكثر اتجاه القفى العربي للأمور] .

في ضوء ما تقدم ، كيف يمكن لنا كعرب ، أن نتعامل مع هذا الفكر وما هي الخيارات المتاحة أمامنا . ويجيب عبد النبي أصطيف أننا أمام خيارات ثلاثة (18):

1-   أن نرفض هذا التقليد جملة وتفصيلاً ونوفر على أنفسنا عناء مناقشته.

2-  أن نقبله دون تحفظ وأن نغض طرفنا عما فيه من تصمنات إيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية .

3-  أن نتعامل معه تعاملاً نقدياً وأن نأخذ ونرفض على هدي البصيرة النقدية والتفحص المتمعن أو قل أن نواجهه مواجهة إيجابية .

إن الرفض بلا تحفظ ، هو كالقبول دون تحفظ، ولا يستقيم كلا الاًمرين مع أحكام العقل خاصة إذا علمنا أن النقاشات التي دارت عندما نشر أنور عبد الملك مقالته الشهيرة (الاستشراق مأزوماً) في مجلة ديوجين رقم 44لعام 1963، وإدوارد سعيد في نشرة لكتابه : الاستشرق عام 1980أثارت ردود أفعال غاضبة من قبل المستشرقين ، اتعكست سلباً على طريقة أداء العقل العربي في تعاملة مع الوقائع . من جهة أثارت مقالة أنور عبد الملك (19) نقاشاً واسعاً بين المستشرقين أنفسهم (20) (حيث يطلق عبد الملك جملة ، تصبح فيما بعد الحجج الكبرى المستخدمة لمحاكمة الاستشراق والمستشرقين فهو يتهمهم بأنهم عرقيون ، مركزيون وربيون ، وهم لا يهتمون كفاية بعلماء العالم الأفريقي ـ الآسيوي وعلمهم ونجاحاتهم وهم مهورسون بالماضي ولا يهتمون كثيراً بالتاريخ المعاصر للشعوب الشرقية وهم لا يهتمون بما فيه الكفاية بمناهج العلوم الاجتماعية ومكتسبانها النافذة والمضيئة وبالأخص منها المنهجية الماركسية وبرغم أن مقالته مكتوبة بانفعال وتأثر واضح إلا أن نصه يظل ضمن حدود المناقشة العلمية ويظل بالطبع مرتكزاً على دراسة تحليلية ذكية ويصل الأمر بالمؤلف إلى حد التسليم بأنه يمكن للاستشراق ألا يكون سيئاً في جوهره ، بل يمكن لبعض المستشرقين أن يكونوا ضحايا).

وقد رد المستشرق (كلود كاهن) على نور عبد الملك حيث يشير إلى(21) (إن هناك فرقاً ولا يمكن إلا أن يكون هناك فرق بين الطريقة التي يدرس بها المسلم المعاصر تاريخه والطريقة التي يدرس بها المستشرقون الأجانب وبعض هذه الخلافات بعود إلى تعلق بعض المسلمين بالمناهج القديمة لثقافتهم ولكن بعضها الآخر يعود إلى وضع العلماء الغربيين وظروفهم وإني أفهم تماماً إحساسهم أحياناً ببعض الانزعاجات لتطفلنا على مجال دراستهم فهم يشعرون بأنهم أولى بذلك من غيرهم ولكن ينبغي أن يعرفوا أن الاستشراق الأوروبي هو الذي أخذ المبادرة في العصور الحديثة لدراسة تاريخهم الخاص وأنه لولاه لكانوا عاجزين عن أن يقولوا عن ماضيهم نصف ما يستطيعون قوله اليوم بطريقتهم الخاصة) وأنه في الحالة التي وصلنا إليها (ينبغي علينا أن نحذف كلمة استشراق من قاموسنا فليس هناك نوعان من البشر ، الأول شرقي والثاني غربي وإنما البشرية هي واحدة في جوهرها والعلم واحد للشرقي كما للغربي) ويؤكد (كاهن) أن المستشرقين لا يدعون إلى إهمال دراسة التاريخ المعاصر للشعوب ولكن ليس من الضروري أن يتم ذلك على أيدي الأشخاص أنفسهم وبالتالي (فإن مفهوم الاستشراق لا يزال يحتفظ بمبرره التاريخي أو التسلسلي الزمني (أى إعطاء الأولوية لدراسة الماضي).

ومن جهة أخرى ، كانت ردود الأفعال، أوسع وأضخم وإن كان يمكن اعتبارها بمثابة الاستمرارية للأولى ، بعد صدور كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق عام 1978 (بالإنجليزية) و1980(بالفرنسية) و1981(بالعربية) ترجمة كمال أبوديب . وقد رد على أطروحات سعيد (كلود كاهن ) و(مكسيم رودنسون) و(برنارد لويس) و(آلان روسيون) حيث أشار (كلور كاهن) إلى أن هذا الكتاب (أحدث بعض الضجة وهو يتضمن بعض الأفكار المهمة عن العلاقات بين الاستشراق والاستعمار) ولكن نظراً إلى أن (المؤلف غير مطلع بشكل دقيق على نتاجات كل بلد أوروبي في مجال الاستشراق ونظراً لأن اطلاعه متفاوت القيمة على هذا الإنتاج ونظراً لأنه لا يميز بالشكل الكافي بين الأدبيات الاستشراقية المبتذلة أو الصحفية وبين بحوث العلماء الحقيقيين فإنه يرتكب أخطاء فاحشة ويقع في ظلم كبير).

أما المستشرق الفرنسى (آلان روسيون) فيرى (أنه على خلاف المناقشة التي افتتحت في الستينيات من قبل أنور عبد الملك بخصوص الاستشراق 1963 فإن المناقشة التي افتتحها إدوارد سعيد بضجة كبيرة لم تثر في فرنسا كما حصل في الولايات المتحدة الأميركية ، تلك الهجومات المضادة القوية أوتلك الموقف الواثقة من نفسها كما أثارته تلك الاتهامات الغاضبة لأنور عبد الملك في حينها .

إن الضرورة تقتضي أن يتم التعامل مع الاستشراق في ضوء المقولة التالية من الماضي نأخذ النار وليس الرماد وبطبيعة الحال فإن أي ماضي ، لا يخلو من نار ورماد ويتوقف الأمر علي اليد التي تلتقط والعقل المتقد القادر على الاستفادة والتمثيل والتوظيف ففي الرماد أيضاً بعض النار للذي يبحث بعمق .

ـــــــــــــــــــــــ

الهوامش والإحالات

1-   مقدمة في علم الاستغرب . د. حسن حنفي ص16وحتى 63 .

2-   أنظر: الاستشراق بين دعاته ومعارضيه . ترجمة وإعداد هاشم صالح ص189ـ190

3-   الاستشراق في الفكر العربي ـ محسن جاسم الموسوي ص18ـ19 .

4-   أنظر، أسرى الوهم ، د. أحمد برقاوي ص68ـ69.

5-   مصدر سابق رقم (3) ص 19ـ 20.

6-  كتب محمد البهي في مجلة الفكر العربي العدد32ص 116وحتى 129دراسة بعنوان: المبشرون والمستشرقون وموقفهم من الإسلام رأى فيها : أن عملاء التبشير والاستشراق (وهم عملاء الاستعمار في مصر والشرق الإسلامي) هم الذين دربتهم دعوة التبشير على إنكار المقومات التاريخية والثقافية والروحية في ماضي الأمة وعلى التنديد بها وهم الذين وجههم كتاب الاستشراق إلى أن يصوغوا هذه الأفكار والتنديد بها . وإن التبشير والاستشراق كلاهما دعامة الاستعمار وإن السبب الرئيسي الذي دعا الأوروبيين إلى الاستشراق هو سبب ديني بالدرجة الأولى . ولعل أخطر ما قام به المستشرقون هو إصدار (دائرة المعارف الإسلامية) بعدة لغات (هنا لا بد من التذكير بالمرجع الأساسي لفكر النستشرقين وهو دائرة المعارف الإسلامية التي يحررها عدد من كبار العلماء وتصدر تحت رعاية عدة مجامع علمية غربية وتحوي مقالاتها خلاصة ما توصل إليه الدارسون الغربيون في مختلف الموضوعات الإسلامية فهي مستودع علمهم وخزانة معارفهم . صدرت الطبعة الأولى في أربعة مجلدات وملحق باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية بين سنتي 1913و1934ومنهج المستشرقين في دراسة الإسلام هو منهج الأوروبيين في دراسة التاريخ مع بعض الإضافات التي اقتضتها طبيعة الدراسات الإسلامية ـ ص 62ـ مجلة الفكر العربي ـ العدد31ـ د.شكري النجار) ومن الجدير ذكره أن أول هجوم حصل بعد الحرب العالمية الثانية كان مرتبطاً بظهور الطبعة الثانية من تلك الدائرة أو (انسيكلوبيديا الإسلام) وقد جاء الهجوم من الباكستان وتركز على نقطتين أساسيتين:

ـ غياب طبعة ألمانية وناشر ألماني (إذ أن الطبعة الثانية اقتصرت على الإنجليزية والفرنسية فقط بسبب عدم وجود عضو ألماني في الجنة الدولية لتحريرها أما الطبعة الأولى فكانت في ثلاث لغات : الإنجليزية والفرنسية والألمامية).

ـ وجود يهودي فرنسي في لجنة تحريرها هو (ليفي بروفنصال)

7- مصدر سابق رقم (2) ص23.

8- عالم المعرفة 167ـ تاريخ الدراسات العربية في فرنساـ محمود المقداد ص89.

9- مصدر سابق ، الموسوي ص112و113وص76وص101وص134وص21و 22.

10- من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام ـ بندلي جوزي ص14.

11- في كتابه : الاستشراق في الأدب العربي المعاصر للمستشرق أحمد لسمايلوفتش يرى أن الاستشراق أدى إلى اتساع رؤية الغرب الثقافية للمسلمين ودورهم الحضاري بعد أن كان يدور في الحلقة اللاهوتية وأنه وإن يكن للاستشراق فضل ونشاط إيجاني فإن ذلك دين رده الغرب إلىالعرب الذين مهدوا له الطريق للتقدم والنهضة.

12- أنظر برقاوي ص69وحتى 85.

13- انظر الموسوي ص27وحتى42.

14- بنية العقل العربي ـ د .محمد عابد الجابري ص241ـ242.

15- انظر برقاوي ص74.

16- المصدر السابق ص71.

17- جاك بيرك ـ القرآن وعلم القراء ص35ـ36.

18- مصدر سابق رقم (2) ص195.

19- المقالة مترجمة إلى العربية في مجلة (الفكر العربي) العدد 31تاريخ 1983ـ عدد خاص عن الاستشراق وبقلم حسن قبيسي وتحت عنوان : الاستشراق في أزمة.

20- مصدر سابق رقم (2)ص166-167.

21- المصدر السابق ص35 وحتى 38.