ذاكرة طنجة الإبداعية………………أسامة الزكاري

ذاكرة طنجة الإبداعية  : الآخر .. الهوية .. التراكم .. الامتداد

أسامة الزكاري

كاتب من المغرب

ظلت مدينة طنجة ـ وعلى امتداد تاريخها الطويل ـ تثير انبهار كل من انتهت به الأقدار إلى حط الرحال بها، لذلك فقد اغتنت مكتبات المدينة بأعمال إبداعية وفكرية وتاريخية وأنتروبولوجية وسوسيولوجية وجغرافية واستخباراتية غطت قضايا متعددة من حياة طنجة وساكنتها، وساهم فيها كبار الكتاب العالميين بأعمال وازنة اعتبرت محط اهتمام متجدد بالنظر لتأسيسه لنمط فريد من أدب الغرابة المغربي اتخذ من المدينة فضاءا واسعا للوصف وللتخييل، وبالنظر ـ كذلك ـ لتركيز مجمل الكتابات العالمية المعنية على إبراز تميز مدينة طنجة داخل عمقها المغربي / العربي الإسلامي / الإفريقي وداخل مجالها المتوسطي الواسع الذي تلاقحت فيه حضارات وقيم إنسانية عديدة. وبالنسبة لمجال الدراسات التاريخية والإبداعية بمعناها الحصري، فإنه يمكننا القول إن ما كتب عن هذه المدينة سواء في إطار الإسطوغرافيا العربية الكلاسيكية أو في إطار اهتمام ” الآخر ” الأوربي والأمريكي ببلادنا قبل / وبعد فترة الحماية، يظل من الغزارة ومن التنوع بشكل لا يمكننا حصره أو جرده مهما بذلنا من جهود في هذا الإطار. لذلك، فإن الباحث  في تاريخ طنجة وفي رصيد تراكم الأعمال الإبداعية التي اشتغلت على إبدالات هذا التاريخ وعلى تلاوين فضاءاته، يجد نفسه مضطرا ـ باستمرار ـ للعودة لتلقيح بعض أحكامه أو لتطعيم استنتاجاته أو لتصحيح استفساراته أو لتنقيح أحكامه مادامت مسألة اكتشاف نصوص قديمة / جديدة حول طنجة تظل سمة غالبة على مجال البحث في تاريخ المدينة، ومادامت هذه النصوص موزعة في كل بقاع العالم ومنها ما اندثر أو انقطعت أخباره باستثناء بعض الشذرات الموزعة هنا وهناك. إنه ـ إذن ـ موضوع متجدد ولا يمكن قول الكلمة الأخيرة فيه بالنظر لما يقدمه للباحثين وللمهتمين من خبايا وأسرار حول المكانة الدولية لمدينة طنجة وحول تفردها الاستثنائي وحول سحرها الذي جعلها قبلة للمبدعين وللمفكرين، وحول دورها التاريخي كحلقة وصل بين عوالم مختلفة وبين مكتسبات حضارية شتى.

واعتبارا لهذا المعطى التاريخي، ظلت طنجة تثير فضول العديد من تيارات الفكر والفن والآداب داخل أوربا وأمريكا على امتداد القرون الأربعة الماضية، وتبلور ذلك في شكل أعمال إبداعية كبرى جسدت رؤى غرائبية مثيرة، واندهاشات عجائبية متباينة غذت نهم المتلقي الأوربي الشغوف باستكشاف عبق الشرق وسحر فضاءاته وكنه تاريخه وتحولات مجاله وتبدلات عقليات أناسه وأنماطهم التفكيرية. ولقد ارتبطت هذه الموجة الفكرية، بسياقات استعمارية معروفة شكلت حدودا زمنية وحضارية لفعل التلاقي والتصادم بين عالمين غير متجانسين في قيمهما وفي مختلف أشكال التعبير المادي عن هذه القيم وعن تمثلاتها الرمزية والمعيشية اليومية ( 1 ). فكانت النتيجة صدور كم هائل من الأعمال والكتابات اشتغلت على الوجه الآخر لطنجة العميقة باعتبارها وجها متفردا للمغرب العميق، وجها فسيفسائيا لم تنتبه إليه العين المغربية سواء في كتاباتها التأريخية المباشرة، أو في سواها من الأعمال الإبداعية التي سعت إلى توظيف جزئيات الحياة اليومية للناس وللمحيط الجغرافي في كتابات متعددة المشارب والأبعاد. ولعل تفسير ذلك، إنما يعود لطبيعة أنساق التفكير المغربية السائدة، ولسقف الحدود الجمالية العامة التي اختطتها النخب لكتاباتها، ثم لكون العديد من هذه الجزئيات لم تكن تثير أدنى اهتمام لدى المغاربة بحكم طابعها الاعتيادي الذي لم يضف عليها أي خصوصية تستحق التوثيق التأريخي أو الاستغلال الإبداعي والفني. وكان علينا انتظار جحافل الغزو الاستعماري لنبدأ في الالتفات إلى أهمية مكونات محيطنا الثقافي ” اليومي “، ولنشرع في الإنصات لنبض فعل التحول للذات المبدعة داخل وسطها الحميمي، وذلك في سياق جدل تفاعل الثابت بالمتغير في وعي الناس وفي انعكاس ذلك على المحيط الاجتماعي الواسع، وخاصة في أبعاده الثقافية والسوسيولوجية التي ظلت تختمر على هامش الحياة الرسمية / المخزنية لنخب المجتمع. لذلك، وعلى الرغم من كل ما يمكن تسجيله من مؤاخذات على رصيد الكتابات الكولونيالية في هذا الباب ـ وخاصة على مستوى أبعادها النمطية ورؤاها الانطباعية ـ، فالمؤكد أن هذا الرصيد يسمح بإعادة اكتشاف الذات المغربية من زوايا غير معتادة في حقلنا الثقافي التقليدي، وذلك باستجماع المعطيات الضرورية لإعادة تشكيل صور وكليشيهات المجتمع المغربي ـ والطنجي تحديدا ـ قبل / وأثناء فعل الاصطدام التنافري مع الآلة الاستعمارية، بما لذلك من انعكاسات على خلخلة البنى الموروثة ودفعها في اتجاه تلقيح المرجعيات واكتساب رؤى بديلة في التعاطي مع الواقع الجديد. ونظرا لأهمية منطقة الشمال بشكل عام ـ ومدينة طنجة بشكل خاص ـ، في التأسيس لمنطلقات التعامل مع ” الآخر ” ولاستكشاف أسراره وعوالمه، فقد تحولت المنطقة إلى مجال مفتوح لهذا النوع من الكتابات المتعددة حول المغرب العميق بشكل يسمح للمغاربة باستكشاف خصوصيات تحولاتهم المجتمعية ” الطويلة المدى ” ـ بالمفهوم البروديلي ـ وبرصد مختلف أوجه رؤاهم وعلاقاتهم وتفاعلاتهم مع ما كان يقع بدول الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.

تابعوا باقى المقالة فى العدد الثانى والعشرين