قصص الخاصة في التراث الالعربي الجذور والملامح د/ محمد رجب النجار *

قصص الخاصة في التراث الالعربي
الجذور والملامح
د/ محمد رجب النجار *
الحكي أو فعل السرد اكتشاف قولي / لغوي واكب الإنسان منذ أقدم العصور التي كان يحبو فيها خطواته الأولي علي مدارج الحياة البشرية إبان طفولتها الشعرية ، ليس لأن الحكي فن الطفولة الأول ، جمالياً وتربوياً أو لأنه كان الأداة المعرفية الأولي التي عرفها الإنسان القديم سبيلاً إلي صوغ تصوراته الدينية وأفكاره الثقافية والعملية ، أو لأنه الأداة الأبلغ أثراً والابعد تأثيراً في تشكيل الوعي الإنساني ( في بويقة القص )  وإدراك الحياة أو لأنه الوعاء الأقدام لرصيده الثقافي والحضاري الذي احتفلت به الذاكرة الجمعية ، يوم كان الفرد في المجموع والمجموع في الفرد حيث لا فرد خارج الجماعة ، أو لأن القص ذاكرة الشعوب التاريخية يوم كان القص تاريخاً والتاريخ قصا ، فحسب بل إلي جانب ذلك وفوق هذا كله لأن الإنسان كائن قصصي بالقوة ، بما هو كائن ثقافي / اجتماعي بالفعل ، وهذا يعني ببساطة – أن الحكي نفسه فطرة إنسانية باعتباره يلبي نزوعاً إنسانياً يستحيل تجاهله في كل الأمكنة والأزمنة ، وفي كل المراحل العمرية للإنسان وفي كل الثقافات والحضارات وعند كل الأجناس والشعوب وفي كل الديانات السماوية وغير السماوية فضلاً عن رغبة دفينة – واعية ولا واعية – عند الإنسان في امتلاك العالم عن طريق الحكي وإعادة تشكيله كما يحلم به ويصبو إليه .
لقد كان الحكي ( أسطورياً أم غير أسطوري ) أول درس تعليمي في تاريخ البشرية استطاع – بفضل طابعه القصصي – أن ” يقولب ” الواقع ، وأن يجعله مرغوباً فيه ومنطقياً ومقبولاً ، ولهذا ليس من المبالغة في شئ حين يقال إن السرد – وهو مقلوب درس – كان المؤسسة الاجتماعية الأولي الشعبية والمجانية التي عرفتها كل الشعوب والثقافات والحضارات ، ومن ثم لا غرو أن يقال ” إن أول ما أنشأ الإنسانية هو السرد ” في تجلياته الشفاهية حيث الإنتاج القصصي في هذه المؤسسة
( الاجتماعية أو الفنية ) هو ” الحلم ” الذي يمكن أن يتحول إلي رمز وهو العلم الذي يمكن أن يتحول إلي حقيقة هذه المؤسسة التي ظلت جانب مؤسسات أخري رسمية وشعبية لاحقة – مشروعة الأبواب عبر العصور والثقافات ، ولم يحدث أن توقفت عن العطاء والتطور والنماء يتماهي فيها الخيال بالواقع والتاريخ بالأسطورة والحلم بالعلم والممتع بالمفيد والجمالي بالتربوي والترفيهي . بالتثقيفي ، والسردي بالتعليمي ؛ فالقصة قديمة قدم الإنسان ، ومن ثم لاغروأن  تكون هذه المؤسسة القصصية / هى أقدم أشكال التعبير ، وهي نحكم طبيعتها المرنة ، وبعدها عن الوصاية النقدية قداستطاعت أن تطور نفسها ، وأن تستوعب في إطارها –الأكثرتشويقا – كل فنون القول والمعارف والإيديولوجيات .. حتى غدت الفن الأدبي الأول في العصر وأصبح ذائعاً في الدراسات الأدبية والنقدية الحديثة ، أن العالم اليوم يعيش – أدبياً وجمالياً – في زمن الرواية كما قيل أن القصة وإنن كانت أحدث الأجناس الأدبية ظهوراً فهي أعرق ألوان الأدب تاريخاً .
فإذا ما انتقلنا من العام إلي الخاص إلي التراث العربي ، وجدناه تراثاً حكائياً (سردياً) في جانب كبير منه ، فالعرب ليسوا بدعا بين الشعوب ، حيث الحكي ظاهرة متأصلة في الذات العربية ومتجذرة في تراثها اليومي – عبر الزمان والمكان – بل لا نظن أن موروثاً حكائياً شغل فضاء سردياً في تراث الشعوب قدر ما شغل الموروث الحكائي العربي فضا التراث العربي الأسطوري والادبي والديني والتاريخي .. إلخ الامر الذي دفع كثيراً م العلماء والأدباء والمؤرخين إلي جمعه وتصنيفه وتدوينه خاصة في القرن الرابع الهجري – ذروة المد الحضاري العربي – علي نحو ما نري في المصادر الدينية والأدبية التاريخية وغيرها من المصادر التراثية ، مثل كتب الرحلات والمعارف العامة والمجاميع الأدبية وكتب التراجم والطبقات وكتب الأمثال وكتب التفسير والأخار وكتب العجائب والغرائب وكتب السحر والخرافات والمسامرات وكتب الاساطير والأخبار وكتب الأدب الموسوعية مثل موسوعة العقد الفريد لابن عبد ربه وموسوعة الاغاني لأبي الفرج الاصفهاني فضلاً عن الموسوعات القصصية المتوسعة مثل كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي ومثلها كتب النوادر الموسوعية .. مثل موسوعة نثر الدرر للأبي وموسوعة ” ربيع الأبرار وفصوص الأخبار للزمخشري إلي جانب مجموعات النوادر المتخصصة مثل نوادر البخلاء ” والطفيليين والحمقي والمغفلين .. إلخ ناهيك عن القصص الديني والأنبيائي والصوفي بنزعاته الوعظية والخارقة والإعجازية والعجينة ، والقصص العاطفي عامة والعذري خاصة والقصص البطولية والمحلمية ( أيام العرب والسير الشعبية ) …. إلخ
كما يحق للتراث الحكائي العربي الشفاهي أيضاً أن يتباهي – في مجال الأدب العالمي – بامتلاكه كتاب ألف ليلة وليلة ، وكتاب كليلة ودمنة في صياغته العربية العالمية ( وهو بالمناسبة من تأليف ابن المفقطع – 142 هـ – وليس من ترجمته كما هو شائع خطأ ) .
شهد أدباء الخاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين ثورة أدبية انتهت إلي الإعلاء من شأن النثر الكتابي ( أدب الترسل ) وانخفاض شأن الشعر (القريض) لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا ، ومن ثم أصبحت الكتابات النثرية هي أقصر الطرق إلي المجد والشهرة والثراء خاصة إذا عرف الأديب طريقة إلي العمل في دواوين الدولة ولاسيما ديوان الإنشاء كما انتهي الأمر ايضاً بأدباء الخاصة ( النخبة ) في مجال الثورة علي الأشكال النثرية التقليدية آنذاك إلي التجربة الإبداعية في مجال النثر السردي الرسمي ( معوف المؤلف ، ثابت الرواية / النص ) الذي يعبر عن رؤية كاتبه للعالم ، فقد شرع أدباء الخاصة – في ضوء احتفاء الثقافة العامة آنذاك بالموروث الحكائي الشفاهي – جمعاً وتصنيفاً وتدويناً – في محاكاة السرد الشعبي في كتاباتهم النثرية لأول مرة ومن ثم فلا غرو أن تتعدد تجليات هذا النثر السردي الكتابي البازغ وأن تتنوع أنماطه فكانت السرديات القصيرة التي حظيت باعتراف النخبة المتعلمة أو الصفوة القارئة فور ظهورها علي يد بديع الزمان الهمذاني (ت 398هـ ) .. ومن أشهرها مقامات الهمذاني والحريري ( ت 516 هـ ) والزمخشري ( ت 551 هـ) كما استعادت قصص الحيوان الرمزية مكانتها عندما كتب أبو العلاء المعري – علي سبيل المثال – مجموعته القصصية التي تحمل عنوان “القائف” وهي علي غرار كتاب كليلة ودمنة ، ولكن بلغة مسجوعة بحكم هيمنة مدرسة النثر المقفي علي الأساليب النثرية آنذاك ومثلها مجموعة ابن عرب شاه ( ت 854 هـ) المعنونة ” فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء ” كما شرع أدباء الخاصة أيضاً في كتابة السرديات الروائية ويقصد بها هنا الكتابات القصصية الكبري أو الطويلة التي أنجزها أدباء الخاصة ، طبقاً للتصنيف النمطي التالي : رواية الحيوان ( حيث الفاعل السردي هو الحيوان ) ومن أشهر نماذجها ك
رسالة تداعي الحيوانات علي الإنسان لأخوان الصفا ( ق 4 هـ ) .
رسالة الصاهل والشاحج لأبي العلاء المعري ( اكبر كاتب قصصي ) .
رواية الإنسان ( حيث الفاعل القصصي هو الإنسان ) ومن أشهر نماذجها :
الرسالة البغدادية ( المنسوبة بقوة إلي أبي حيان التوحيدي (ت 401 هـ)  .
رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الاندلسي ( ت 426 هـ) .
رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ( ت 449 هـ ) .
رسالة حي بن يقظان لابن طفيل ( ت 560 هـ) .
إن الدارس المتأمل لمثل هذه السرديات الكتابية الصغري والكبري أو القصيرة والطويلة – يمكن أن يلحظ بينها مجموعة من الملامح “السردية” المشتركة منها :
أولاً : هيمنة البعد الفكري فيها علي البعد الفني – من حيث الصنعة الدرامية – ومن ثم فهذه الاعمال في حقيقتها معرض لآراء جريئة جليلة دقيقة الشأن فكرياً وسياسياً ودينياً واجتماعياً وفلسفياً هي أخطر القضايا المسكوت عنها في الثقافة السائدة آنذاك وما كان أصحابها بمقدورهم التعبير عنها ، بهذا القدر من الوضوح إلا في هذا القالب القصصي وذلك خشية بطش السلطتين السياسية والدينية أو الاصطدام بالهيئة الاجتماعية في جانبها الغوغائي ، فالقالب القصصي هنا هو أفضل الأشكال الأدبية لحمل هذه الأفكار والآراء . والتعبير عنها بهذا القدر من الحرية والوضوح . بعبارة أخري إن هذه الآراء والأفكار هنا هي بمثابة ” رؤية المؤلف العالم ” وهي رؤية لايجرؤ علي البوح بها  ، بل لا يجوز التصريح بها – عادة – إلا من خلال قالب قصصي وإطار رمزي .
ثانياً : هذه الأعمال السردية – من حيث البناء الفكري – اتخذت من الرمز – بمعناه العام قناعاً مثالياً للتعبير عما تنطوي عليه من آراء وأفكار من غير السقوط في هوة المحظور السياسي والديني فقد جاء بعضها علي لسان الحيوان باعتباره نوعاً من التمثيل الرمزي أو الكنائي Allegory  ، كما رأينا في ” كلية ودمنة ” لابن المقفع و” القائف ” لأبي العلاء .. وكما فعل أيضاً في رسالته المطولة ” الصاهل والشاحج ” وقبله فعلها أخوان الصفا في رسالتهم ” تداعي الحيوانات علي الإنسان ” وقد يضطر الكاتب إلي تغيير اسمه ، وكتابه العمل تحت اسم مستعار علي نحو ما فعل التوحيدي في الرسالة البغدادية المعروفة بحكاية أبي القاسم البغدادي ( بعد أن صحت نسبتها إليه ) فقد نسبها إلي مؤلف مجهول اسمه أبو المطهر الأزدي والحق أنه الرواية .
ثالثاً : هذه الأعمال السردية – من حيث البناء الفني – اتخذ قالب الرحلة الخيالية باعتباره هنا قناعاً مساعداً سواء أكانت هذه الرحلة داخيلة أم خارجية ( داخل الذات أوخارجها دنيوية أو أخروية ) واختيار قالب الرحلة هنا لا يخول من دلالة فالرحلة في الأدب الشعبي مكون motif  مورفولجي جوهريمن مكونات الحكاية الخرافية غايته تحقيق الذات للبطل من خلاله نجاحه – في نهاية الحكاية – في العثور علي ست الحسن والجمال والفوز بقلبها ومن ثم مكافأته باعتلاء عرش المملكة الخيالية ف يالحكاية (  إثبات الذات واعتلاء عرشها ) ولذلك لا غرو ان تبدأ مغامرات البطل من المجهول دائماً ( = نقطة الصفر في الحكاية ) في بنيتها المورفولوجية الكاملة التي تبدأ من لحظة الرغبة في العثور علي الكنز المفقود أو السيف المرصود أو البحث عن الأميرة المخطوفة في الممالك المجهولة .. إلخ حتي تنتهي الرحلة بالنجاح وتحقيق الذات ) .
وقد تنوعت مسارات الرحلة في تراثنا السردي فهناك رحلات إلي قاع المجتمع (الرسالة البغدادية) ، وهناك رحلات أخروية إلي الجنة والنار (الغفران) وهناك رحلات إلي جزر خيالية ( حي بن يقظان ) هي هنا الجزر النائية في أغوار النفس الإنسانية ومن ثم فهي رحلة إلي الداخل إلي النفس إلي الله بغية الاتصال بالموجود المطلق لتحقيق السعادة الأبدية وهناك رحلات إلي عالم الحيوان ( رسالة تداعي الحيوانات علي الإنسان ) و ( رسالة الصاهل والشاحج ) وأخري إلي عالم الجن ( التوابع والزوابع ) لم يكن إذن محض مصادفة أن يهيمن قالب الرحلة علي إبداعنا السردي القديم عند أدباء الخاصة ويصبح أثيراً لديهم إلا من باب التقية خشية الاصطدام بالسلطتين السياسية والدينية خاصة ( فعل السرد = فعل التقية ) . النظريات الكلاسيكية بدءآ من افلاطون وأرسطو وهوراس ولونجبيوس ، فهم يناقشون الأدب بمقتض تأثيراته في الجمهور ، ولكن رغم ذلك ، فإن النقد المنتج في النصف الثاني من القرن العشرين لايدين بشيء إلى ذلك الارث النقدي الكلاسيكي الذييبدو أنه يماثله ، بل يدين للمبادىء الشكلانية التي يدعي اسقاطها . ولكي تبرهن الكاتبة على صحة هذا الافتراض قارنت الارث البلاغي النقدي في الحقبة الكلاسيكية . وتعرضت لمقالات لونجينوس : ” اذا ما أبقيت مستمعك يقظآ عبر الكلمات إليه فسوف تجعلة في حالة من الاثارة والانتباه ، وتجعله يشعر شعورآ تامآ بالمشاركة الفعالة ” ، فالمستمع يشارك مشاركة فعالة . وتميل بعد ذلك إلي أوصاف أرسطو للاستجابة الأدبية ، ” فعلى الرغم من أن أرسطو يتكلم عن لبشفقة والخوف كونهما يتلاءمان مع المأساة ” التراجيديا ” فإنه يقيم جدارة الانتاج الشعري على أساس ” حيوية الانطباع والتأثير المكثف ” ، ويقول : إن غاية الأدب هو أن يكون مدهشآ ” ، ويمثل عدم احترام الكلمة المكتوبة ، وتفضيل الرسم عليها جوهر النقد الموجه للاستجابة فى نمطها الكلاسيكي عند افلاطون . وفي عصر النهضة صارت مهمة الشعر التعبير عن موقف بازاء أشخاص حقيقيين ، وأحداث حقيقة ، وقد نظر إلى القصائد على أنها شكل من أشكال التاثير ،  ووسيلة من وسائل تحقيق مهمات اجتماعية خاصة . ونظر النقاد إلى الشعر وقيموه حسب مايمكن أن يؤديه للطبقة الارستقراطية التي تفيد منه . وهكذا، فبينما يتبع نقاد عصر النهضة النقادالكلاسيكيين في تقييهم الشعر بما يحققه من نفع اجتماعي فإن نقادعصر النهضة يوسعون ذلك المفهوم ليضم فوائد عملية أكثر .
ثم تعرض الكاتبة لمحة عن التصور السائد للادب والاستجابة الادبية في العصر الاغسطي ، وتشير إلى أنه كان تصورآ أكثر معارضة للنموذج التأويلي المعاصر . ولكي تبرهن على وجود نظرية عن هذا النوع من النقد استندت إلى كثير من آراء النقاد وإلى أغراض الشعر ومذامينه واداءاته الفنية وإلى موقف السلطة . من نص يثير الجمهور ضدها، ومن الجمهور أنفسهم ، إذ ” أن قدرة قصيدة ما على إثارة استجابة ، والمعادلة بين الشعر والضرب بالهراوة الذي تتضمنه الاستجابة يمسرح صراحة ، ولكن بقوة نوع السلطة التي يمتلكها الخطاب الشعري ” . وانتهت إلى طبيعة تأثير الشعر – من عصر النهضة حتى منتصف القرن الثامن عشر – في الحياة الاجتماعية والسياسية ، فالشعر يقع بموازاة فعاليات إنسانية أخرى ، وعندما تكون علاقة الشاعر بجمهوره مباشرة وصريحة ، فإن استجابة المتلقي تحدد طبيعة الفعالية الأدبية واتجاهها التي يتم بها التسليم بأهميتها ببساطة .
والكاتبة ، وهي تواصل العرض التاريخي ، تجد أن عملية الفصل بين الأدب والحياة السياسية بدأت بالظهور في النصف الثاني من القرن الثامن عشر عندما غير انحلال نظام الرعاية ، وازدياد الطباعة التجارية ، ونمو القراءة الشعبية علاقة المؤلفين بجمهورهم . وهنا تورد آراء النقاد وأقاويل الشعراء وتصريحاتهم التي تؤكد فكرتين متضادتين ؛ الاولى تقول إن الادب قوة كلية لتحقيق الخير عبر أسره قلوب الملايين ، والثانية تقول إن الأدب يمثل عبودية من نوع معين . فبقدر ماتسعى القصائد إلى حث الناس على الفعل فانها لن تكون شعرآ ، بل بلاغة .
وفي التسلسل التاريخي تأتي الشكلانية ومابعدها ، اذ أفسح تأليه الشعر – كما تقول تومبكنز – الطريق لحظر الاستجابة العاطفية تاتي نشأت في القرن العشرين ، وقد تحقق ذلك الحظرعبر منح الشعر وظيفة سامية جدآ تنتهي به إلى الهرب من هذا العالم هربآ تامآ .
وتقف الكاتبة أخيرآ وقفة قصيرة بازاء النقد المتمركز حول الاستجابة في عقدي الستينيات والسبعينيات ، اذ أظهر النقاد الذين ركووا على القارىء عبر إضفاء الشرعية على تضمين الاستجابات الشخصية للادب في عملية تفسير النص والرغبة في مقاسمة قرائهم الاقل دربة خبرتهم النقدية ، وظهرفي نقد هذين العقدين مشاركة علماء النفس واللسانيين والفلاسفة وباحثين من اتجاهات أخرى ، وتركت زمن مابعد هذين العقدين دون نظرة خاصة منها لأن مقالات الكتاب المختارة غطتها بالتفصيل . وسيأتي عرضنا معتمدآ على المقالات نفسها وعلى العرض الذي وضعته الكاتبة في مدخلها المفصل ومنسجمآ مع تسلسل ورودهافي الكتاب .
المؤلفون ، والمتكلمون ، والقراء والقراء
الصوريون :           والكرجبسون
تزحزح هذه المقالة الانتباه النقدي من النص الادبي باتجاه قارئه ، وتستخدم فكرة القارىء لانتاج نوع جديد من التحليل النصيء وعلى وفق هذه النظرة سمى جبسون القارىء ” قارئآ صوريآ ” لأنه يتأمل ويسترجع ويشكل الخطوة الأولى في سلسلة تتهشم تدريجيآ خلال الحدود التي تفصل النص عن منتجه ومستهلكه ، ويعيد تشكيله بوصفه نسيجآ لخيوطه ابتداء لاانتهاء ، وقدم ” القارىء الصوري أو الاسترجاعي ” على أنه قارىء نصي محض ، لكنه ( القارىء الصوري ) يحول الانتباه من النص إلى التأثيرات التي يحدثها، ويأتى كمقابل للقارىء الحقيقي من خلال التناظر مع التمييز المعروف بين الشخصية المتخيلة والمؤلف الحقيقي ، ” إن ادراك تباين صارخ بين أنفسنا كقراء صوريين وكأشخاص حقيقيين نتحرك في عالم حقيقي ، هو العنلية التي نحتفظ بوعينا بها ” .
تبقي هذه المقالة المركزية للنص ، وتذعن لقيمة العمل الأدبي تتضمنه كلمات المنثىء ، وتعترف بضرورة التدرب الخاص في العملية النقدية إذا ما أراد دارس الادب أن يدرك أقصى مدى يقدمه العمل ، لكنها في الاتجاه نفسه تظهر مكانة القارىء وتجعله هوالسبيل لبلوغ كنوز مقررة أخرى في النص ، فهو خاصيته .
مقدمة لدراسة المروي عليه :  جيرالد برنس تستهل المقالة بالموازنة بين الرواي Narrator والمروي عليه Narratee  والعلاقة بينهما تناظر العلاقة بين المتكلم والقارئ الصوري عند جيسون تقريباً ثم تفترض سلسلة من التمييزات بين أنواع القراء الذين يمكن أن يخاطبهم نص ما قارئ حقيقي وقارئ فعلي وقارئ مثالي وهذا القارئ الأخير هو الذي يفهم النص فهماً تاماً ويتذوق كل دقائقه لكن الكاتب بعد القراء الثلاثة مروياً عليهم وبوجه السرد إليهم ثم يتخذ معياراً افتراضياً بدرجة الصفر يضعه بإزاء مروري عليه حائز علي حد أدني من الخصائص ويختار درجات متفاوتة لقرائه ثم يتيح للمروي عليه بدرجة الصفر أن يقوم بدوره في التلقي ويؤشر مدي انزياحات المروي عليهم عن هذا المعيار ويقدم تخطيطات أولية لتصنيف المروي عليهم ويحصي الوظائف التي يمكن أن ينجزها المروي عليه .
إن افتراضات جيرالد تدور حول مكانة النص وعلاقته بالقراء الحقيقيين ولا يختلف عن افتراضات جبسون صاحب المقالة الأولي ويكاد الناقدان في التركيز علي القراء الصوريين والمروي عليهم ، وهو تركيز نابع في الأصل من التركيز علي النص نفسه ذلك لأن النص لا يمنح القارئ قدرات لم يمتلكها من قبل ولكنه يتركه في الموضوع الذي شغله في النقد الشكلاني فهو باحث عن الحقائق والحقائق في هذه الحالة هي البني التي يتم الاحتفاظ بها في الفن الأدبي .
3- وصف البني الشعرية مقتربان لقصيدة بودلير “القطط ” ميشيل ريفاتير يشارك ريفاتير سابقيه فيما يفترضانه أن المعني الأدبي يكمن في لغة النص القصيدة تتبع قواعد متعددة مثل الوزن والقيود المعجمية وتتكشف عن العديد من العلاقات المتبادلة والبارزة بينعناصرها المكونة ، ولكنه يرفض فكرة أن المعني يوجد مستقلاً عن قراءة ذلك لأن إجماليات الشعر وخصائصه مصممة لانتزاع الاستجابات من القارئ.
وينتقد ريفاتير القراءة البنيوية لقصيدة بودلير لأنها قراءة تعول علي النماذج الفوتولوجية والقواعدية والتي لا يدركها القارئ حسياً ومن ثم لا يمكن أن تكون بمثابة مكونات فعالة للشعر ، وبدلاً من ذلك تقترح المقالة التركيز عن السمات التي تثير انتباه القراء ذوي القناعات المتنوعة بصورة مستمرة وهذاالأمر دفع الكاتب للنظر إلي نوعين من القراء قارئ فائق والأفراد الآخرين وزعم أنه قادر علي فرز السمات اللسانية الدالة شعرياً من خلال تسجيل تاثيرات لغة القصيدة علي وفق نظام الاستجابات التي تظهر من القراء الفائقين أو الآخرين .. وعدت تومبكنز هذه الطريقة جديدة في إنجاز تحليل اسلوبي محكم ، ولكن هذا التحليل يظل برأيها مسلماً – علي نحو ثابت – بافتراض موضوعية النص .
4- النقد والتجربة الداخلية جورج بوليه يهدف الكاتب إلي فسح المجال أمام القارئ والسماح له بتجريب فاعليته في القراءة بوصفه ذاتاً تعي وجودها في النص بشكل متواصل وعندها يصبح النص ” كائناً إنسانياً ، أي عقلاً يعي ذاته مشكلاً إياها (القارئ) بوصفه ذاتاً لموضوعاته الخاصة ” .
إن الاهتمام بتجربة القارئ والوصف الدقيقي لهذه التجربة هما المهمتان المركزيتان لبوليه فهو لا فترض أن معني الأعمال الأدبية يعتمد علي القارئ بشكل مطلق ولكنمصيرها وشكل وجودها يعتمدان عليه ذلك لأن القارئ يظل فعالاً في علاقته بالنص منذ اللحظة الأولي التي يتعامل فيها معه ( القراءة ) ولكنه يصبح سجين وعي المؤؤلف حالما يتواصل بالقراءة لأنه خلال المدة التي يكون فيها ذهن القارئ تحت تأثير ذهن المؤلف فإن وعي القارئ بالنص يتلاشي وينصب جل تشديد بوليه علي الكيفية الشخصية الحيوية للعلاقة بين المؤلف والقارئ وليس علي النص وسماته الشكلية فهو يعد النص موضوعاً سحرياً يتيح لداخلية كينونة إنسان آخر واختباراً لعمليات داخلية يحقق الأدب وجوده في القارئ وتري تومبكنز أيضاً أن نقد بوليه يعد الناقد بتجاوز مادية العمل وجزئيته والمثول في حضرته القدسية من خلال إذعان المرء للوعي الذي يولد العمل والمقالة المترجمة بين أيدينا لا تنطوي علي إظهار استنتاج تومبكنز في أن جورج بوليه يولي أهتماماً بتعيين السمات اللسانية ذات الدلالة الشعرية والذي يبدو أن الفقرات المحذوفة من أصل المقالة والتي أشار إليها المترجمان في الهامش ص 110 تحمل ذلك الاستنتاج .
5- عملية القراءة مقترب ظاهر أتي  فولفغانغ آيزر ، في المقالة رصد لعملية القراءة نفسها فالنص يقدم نظرات تخطيطية مختلفة .. غير أن تجليها التام هو من فعل الإدراك والقارئ يشارك في إنتاج المعني ويبدع في العمل الأدبي بأن يستكمل الجزء غير المكتوب من العمل ، لكنه موجود فيه وجوداً ضمنياً فقط ولكل قارئ يضيف أجزاء غير مكتوبة في النص حسب طريقته الخاصة وآيزر هنا يتفق مع بوليه في أن العمل الأدبي يتحقق من خلال التقاء القارئ والنص ويخالفه في رؤية أن وعي المتلقي قد ينتهك من وعي آخر .
وجدت محررة الكتاب أن التركيز علي القارئ ولد أنواعاً من الدراما الخلافية عند اصحاب المقالات الذين اختارت لهم في ميدان النقد والتفتت إلي أن التمسك بتصور معين عن القارئ يعني الانهماك في نوع من الفعل المستقيم أخلاقياً تهذيب إحساسات المرء الاخلاقية (جبسون ) الإضافة إلي مجموع المعرفة البشرية (برنس) الاقتراب في الحقيقة من خلال العناية بالتفصيلات اللسانية .
( ريفاتير) تحقيق التعالي الذاتي من خلال الإمحاء الذاتي (بوليه) بناء ذات فضلي من خلال الفعالية التأويلية (آيزر) لكن هذه المزاعم كلها تضفي علي عملية قراءة النص وتلقيه والاستجابة له قيمة معينة ولا تغفل الاهتمام بالنص الأدبي نفسه ، وبدت وجهة نظر آيزر في هذه المقالة متماثلة مع نقاد استجابة القارئ في أن تكون فاعلية القارئ متطابقة مع النص لتصبح هي نفسها مصدراً للقيمة الأدبية بأسرها فـ ” مادمنا نحن الذين نقيم مستويات التأويل ونتحول من مستوي إلي آخر عندما نسير عملية الموازنة الخاصة بناء فإننا نضفي علي النص الروح الدينامية التي تمكننا تباعاً من إغراق تجربة غير مألوفة في عالمنا الشخصي .
6- الأدب في القارئ الأسلوبية العاطفية : ستانلي اي فتش
ومنهج هذه المقالة مثل منهج سابقتها في كونها تحول ذهن القارئ إلي بحث فعالياته الخاصة ” إذا ما سأل شخص ما في هذه اللحظة ( ماذا تفعل ؟ ) ربما نجيبه ( أنا اقرأ ) وبذلك تقر بحقيقة أن القراءة فعالية أي أنها شئ ما تفعله إلا أن بؤرة هذا المنهج يتم تضييقها وحصرها عند “قش” لتنصب علي ردود أفعال القارئ تجاه اللغة لحظة بلحظة إن ما تفعله الجملة هو إعطاء القارئ شيئاً ما ومن ثم تسلبه إياه ثم تغريه بأن تعده بإعادة الشئ له لكنها لا تفعل ذلك ، أن ملاحظة عن الجملة بوصفها قولاً تم تحويلها إلي وصف تجربتها فهيلم تعد موضوعاً وشيئاً في ذاته وإنما حادث شئ ما يحدث للقارئ ولمشاركته في الجملة ” .
وتنصب علي استجابات القارئ المتطورة في علاقتها بالشكل الذي تعقب فيه إحداها الاخري زمنياً زد علي ذلك فإن فش يثبت التحولات العميقة ف موقف القارئ من النص علي متتالية القرارات والتنقيحات والتوقعات ، وعمليات النقض والاستعادات التي ينجزها القارئ عندما يفاوض النص جملة فجملة وعبارة فعبارة وتعرض المقالة بضع توضيحات تفصيلية لهذه التقنية النقدية ولكنها تدين جميعاً إلي فكرة النقاد القائلة بأن فعالية القراءة أساسية في فهم حقيقة الأدب ، وأن مشاركة القراء مشاركة فعالة في خلق المعني تقتضي – علي رأي فش – إعادة تعريف المعني والأدب نفسه القراءة طبقاً لفش تولد المعني ، والحوادث التي تولدها القراءة في ذهن القارئ تولد الأدب فـ الأدب فعالية ينجزها القارئ ” وتصبح مهمة النقد الأدبي قائمة علي وصف فعالية القراءة واستجابة القارئ للأدب .
7- القدرة الأدبية : جونات كلر
تقدم المقالة إجابة علي تسالات نقاد استجابة القارئ كيف يكون القراء المعني؟ وتجيب أن قراءة نص ما بوصفه أدباً لا يعني أن ذهن القارئ صفحة بيضاء .. فعلي المرء أن يجلب إلي النص فهما ضمنياً لعمليات الخطاب الأدبي .. فمعفته باللغة ستمكنه من فهم العبارات والجمل وما دام الأدب نظاماً غشارياً أساسه اللغة فإن معرفة اللغة تدنو بالمرء مسافة معينة في مواجهته للنصوص الأدبية ولكي يعين المرء مستويات الانساق المختلفة ويضعها في علاقة مع بعضها تحت عنوان شامل او موضوعه البحث الأدبي يتعين عليه أن يكون ذا خبرة كبيرة بمواضعات ( أعراف) قراءة الشعر والشكل الذي يفترضه نص ما لقرائه يحدده مركب أنظمة العلاقة التي يطبقها القارئ بموجب تصورات معرفية سابقة علي الأدب وبهذا الموقف دفع النص والقارئ كليهما إلي الماضي .
8- الوحدة الهوية النص الذات : نورمان . ن هولاند
تحوي المقالة أطروحة مركزية حول تعامل الناس مع النصوص الأدبية إذ يمكن لأنواع مختلفة من الناس ينتمون لعصور وثقافات مختلفة أن ينجزوا ويعيدوا بطريقة أو بأخري إنجاز عمل ادبي مفرد مستكملين إياه بإضافات متنوعة بصورة لا متناهية من الذاتي علي الموضوع ، فكل شخص يطور أسلوباً معيناً في التعامل ويترك بصماته علي جانب من جوانب سلوكه بما في ذلك أفعال التأويل النصي ويحول تجربته في كل فعل إلي شكل مقبول اجتماعياً لينتج بذلك ما تسميه تومبكنز (التأويل)
يعير هولاند اهتماماً بالفراغاتالبيض القائمة في عنوان مقالته (الوحدة) ،
( الهوية)،( النص ) ، (الذات) ويملأ تلك الفراغات بمحاولات توضيحية ضمن المقالة وباختصار وضمن مصطلحاتنا الأربعة فإن الهوية تشبه الوحدة تماماً ، بحيث إننا نستطيع حالما يتم تحديد الوحدة والهوية والنص والذات أن نملأ الفراغات البيض القائمة بينها بالشكل الآتي : ” الوحدة / الهوية = النص / الاذت ، والآن يمكن أن يقرأ عنوان المقالة بالشكل الآتي ” أن الوحدة بالنسبة إلي الهوية هي كالنص بالنسبة إلي الذات ويمكن القول أن الهوية هي الوحدة التي إحداها في ذات إذا ما نظرت إليها كما لو كانت نصاً ” .
كأن هولاند هنا يكتب عن قراء يشكلون مضامين الاعمال التي تقدم لهم وكان القراء يستكملون النص بإضافات معينة من الذات إلي الموضوع بيد أن الشكل الجديد للنص لا ينأي عن ثقافة المتلقي نفسه وعن سلوكه وهذا أمر جديد يدفع إلي دراسة السلوك الإنساني وإجراء التحليل النفسي علي أساس المعرفة الإنسانية بمجملها .
تلتفت تومبكنز في مقدمتها إلي منهج هولاند وتصفه بأنه منهج معني بتنمية القدرة علي اختراق التنافر المرتبط بالحواجز التي تنشأ بين كل أنا مفردة وأخري ويدمج الناقد هويته بهوية المؤلف طبقاً لنماذجه المميزة الخاصة في الاستجابة بمعني : دمج بذات أخري وهذه نظرية ينكرها ديفيد بليتش في مقالته اللاحقة ، وينكر استقلال المعني النصي واستقلالية موضوعات الهوية الفردية .
9- الافتراضات الابستيمولوجية في دراسة الاستجابة : ديفيد بليتش
يري بليتش أن الاعمال الأدبية تندرج في إطار رموز وتشكل بالتالي موجودات ذهنية ويعتمد معني النص علي عملية الترميز التي تحدث في ذهن القارئ وهو ترميز ابتدائي أسماه الاستجابة والمسعي الحثيث لفهم هذه الاستجابة يكمن في عملية إعادة ترميز دعاها “التأويل” والنص في عمله قائم علي الاستجابة والتأويل .
والاستجابة والتأويل قائمان علي المعرفة وهي عند بليتش نتاج تفاوض بين جماعة تأويلية ونتاج قرار جمعي يدور حول ما يرغب في معرفته أكثر من كونها شيئاً مستقلاً فعلاً من الأغراض الإنسانية وعندما لأتعد المعرفة موضوعية فسوف يكون هدف المؤسسات التعليمية – بدءاً من دار الحضانة إلي الجامعة – هو تكوين المعرفة أكثر من إيصالها .
ولكي يكون التعليم بحثاً جماعياً تشترك فيه كل الأطراف بشكل متساو فإن بليتش يستبدل نموذج التعليم والتدريس بنموذج المعرفة المتطورة التي تجعل التعليم فعالية يشترك فيها المعلمون والمتعلمون ويكون قادراً علي إنتاج معرفة ويبعده بالتالي عن مصادر السلطة التقليدية .
10- تأويل قصائد جون ملتون في طبعتها المزيدة والمنقحة : ستانلي أي فش
تضمن الكتاب مقالتين لفش كان عنوان الأولي ( الادب ف يالقارئ الأسلوبية العاطفية ) وهي التي أجرينا لها عرضاً قبل قليل أما الثانية فهذه التي بين أيدينا الىن إذ بدأها الكاتب بتلخيص الموقف النقدي الذي أتخذه في مقالته الاولي تمهيداً لدحضه ولكي يبرهن علي ان المتلقي لا يستطيع أن يحدد ما يعنيه ببيت شعري صعب عن طريق رؤية أي من قراءتين متقابلتين تماماً هي التي تقوم بفعل جديد في تنظيم المعطيات النصية .
ينتهي هجوم فش علي استقلالية المعني النصي ،وعل ينقد استجابة القارئ بطرح عدة تساؤلات ويضع إجاباته بإزاء كل منها : لماذا تكون نصوص مختلفة باعثة علي متتاليات مختلفة من الأفعال التأويلية ؟ لأن النصوص المختلفة غير ملزمة بذلك ولماذا سينفذ القراء المختلفون الإستراتيجية التأويلية نفسها عندما يواجهون النص نفسه ؟ لأن القراء المختلفين غير ملزمين بذلك لماذا يكون للنصوص خصائصمميزة أذن لأي شئ تكون استجابة القارئ أو ما الذي يوله التأويل ؟ لأن عادتنا الإدراكية إليه إلي حد بعيد إذ أن ما نعده وقائع إنما هو ثمرة للتأويل والنص يتلاشي ولكننا نعود ندركه .
في هذه المقالة أشار فش إلي أن تخلي عن الدعاوي النقدية المتكونة في مقالته الأولي بسبب ما أدعي أنه كان يبرهن علي نموذج ردئ يخالف القيم التي من شأنها أن تتخلي عن دعوي الموضوعية القاتلة بمعرفة المرء للحقيقة وشدد علي أن موقف التخلي هذا هو  موقف أصيل لأنه لا يتظاهر بمعرفة ما ليس في متناول اليد .
تشير تومبكنز في معرض تعليقها علي منهج فش إلي أن الموقف الذي يدافع عنه في هذا المقال رغم أنه يلغي إمكانية النقد الأدبي وذلك بجعل النص يتلاشي فإنه يتيح للنقد أن يمضي علي ما كان عليه من قبل ولكن مع فارق واحد هو أنه بدلاً من الزعم أن تأويلات المرء للأدب هي استجابة لما عناه المؤلف ، أو استجابة لما هو موجود في الصفحة يتعين عليه أن يعترف أن هذه التأويلات إنما هي استجابة للإستراتيجيات لتي يمتلكها المرء .
11- ذات المؤول موقف بيرس من الذات الديكارتية والتربن ميشيلز :
تعكس هذه المقالة وجهة نظر المؤلف بإزاء الاتجاهات النقدية المعاصرة وإلي مواقف الشكلانية الأميركية وما بعد البنيوية الفرنسية تجاه ذات المؤول وهو اتجاه لا تعترف به البرجمانية الاميركية التي ترغب في الإبقاء علي الموضوعية النصية المتأتية من موقف أميركي قديم تجاه النزعة الذاتية و ذات المؤول الفردية .
ويستشف من المقالة نفسها ومن تعليق تومبكنز عليها بأن الموقف النقدي الأمريكي كان طامحاً إلي تحديد حرية المتلقي وتقييده بمواقف النص وبأطر تأويلية معلومة فـإذا لم تكن هناك معان محددة فإن حرية المؤول سوف تفعل بالنص أي شئ تريده والقراء سوف يشعرون بالحرية في فرض تأويلاتهم الذاتية علي النصوص ” يتمني ميشليز أن تتجسد ذات المتلقي الفردية مع سياق جماعية تأويلية أو” نظام علامات ” بحيث يتناوب فصل الذات بين ذات مؤولة وذات مؤولة وبهذه الطريقة بدا المتلقي نفسه محط أنظار الآخرين ونقدهم وإن ذاته كمستقبل للنص لم تكن حرة جذرياً وهذا هو موقف ميشيلز في تقييد القارئ ووضعه تحت تقييد أكبر .